الفصل التاسع

كنت أميل للاتصال تليفونيًّا بآباء الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد في المساء، كنت بحاجة إلى استجماع شجاعتي والاستعداد لذلك بينما اليوم يمر بطيئًا، وكنت أخشى مما سأسمعه؛ كأنْ أسمع أن هذا الطفل أكثر حظًّا من ووكر، أو أن هؤلاء الآباء أكثر تفانيًا في خدمة أبنائهم مني، ومع ذلك لم يحدث قطُّ هذا؛ فلم يكن أحد أكثر حظًّا من ووكر. وإذا كان شخص ما يتمتع بميزة في هذا العالم الغريب لذوي الإعاقة الشديدة، فلا بد أن لديه عيبًا ما في أمرٍ آخَر. الأوهام كانت نادرة: كانت ظروف هؤلاء الآباء قاسية، ولكنها كانت واضحة، وللوضوح جاذبية نادرة.

لذا كنتُ أتصل بهم تليفونيًّا، وأحيانًا كنت أسافر إليهم لمقابلتهم، فكانوا يحكون لي قصة حياتهم، ويخبرونني بأهم أحداثها.

***

كانت شيلي جرينهاو تعيش في مدينة أوكلاهوما سيتي، وتتحدث بإحدى لكنات أوكلاهوما المتشعِّبة العديدة. وهي أمٌّ لفتاتين إحداهما تُدعَى كينلي تبلغ من العمر خمس سنوات، وهي مصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد، والأخرى تُدعَى كامدين تبلغ من العمر أربع سنوات، وكانت تعاني على ما يبدو لشيلي من اضطرابات طيف التوحُّد. أذهلتني فكرة وجود طفلين معاقين في البيت، ولكن شيلي كانت تتمتع بشخصية مذهلة في كثيرٍ من الجوانب. لعبت في فريق السوفتبول بالجامعة («بدأت باللعب كمدافِعة في الجانب الأيسر للملعب، ولكن عندما أصبحت في السنة الثالثة، أصبحت ماسكة للكرة»)، وحصلَتْ كذلك على لقب ملكة جمال اللطف في مسابقة ملكة جمال المراهقات في أمريكا في عام ١٩٩٥، والتي دخلتها من باب التسلية فقط، وبعد إنهائها لدراستها الجامعية، ذهبت لتعمل لدى شركة لتوريد أدوية، ما زالت تعمل فيها في قسم المبيعات. كانت شيلي نوعية مختلفة لم أكن أتوقَّعها من الأمهات اللاتي لهن طفل معاق.

سألتها: «كيف تتصرفين حيال ذلك، مع وجود بنتين على هذه الحالة؟»

«أحيانًا أرى أنْ ليس لديَّ خيار آخَر.» لقد رأت أطفالًا في حالة أسوأ، وشعرَتْ أنها محظوظة أن لديها «طفلة تستطيع المشي، وأخرى تستطيع التحدُّث.» كانت مسيحية وهذا ساعَدَها، على حدِّ قولها. ثم أقَرَّتْ بأنها مرَّتْ أيضًا بأيام عصيبة، وهذه الأيام لا يمكن فصلها عن الأيام الطيبة.

قالت: «أدرك أنهما تُدخِلان كثيرًا من السرور على حياتي، وأعرف أنهما بنتان كاملتان من الداخل، وأعتقد فعلًا أنهما ليستا خطأ وراثيًّا. أحيانًا تبدوان كذلك في عقولنا بسبب الحدود المصطنعة التي نضعها نحن البشر، ولكنى أرى أننا جميعًا لدينا طفرات جينية، لكنها ليست واضحة تمامًا في شكلنا الإكلينيكي. وقد غيَّرت هاتان البنتان من أسلوب حياتي؛ غيَّرَتَا طريقة تواصُلي مع الآخَرين وتعامُلي مع الناس.» كانت تقدِّر هذه التغييرات. ثم أضافت: «لم تَعُدْ تخيفني الحياة، ولا أخاف من المجهول.» أخبرتني أنها عندما تقابل شخصًا يجلس على كرسي متحرك في مركز تسوُّق الآن، فإنها تريد أن تجري إليه وتعانقه. «أنا مصمِّمة على الاستمرار في هذا الأمر حتى النهاية. حقًّا إنها قيمة لا يقدِّرها كثيرٌ من الناس.»

توقَّفت للحظة، ثم قالت إنها لا تعرف فعلًا سببًا لتملُّك اليأس منها في بعض اللحظات. «بنتاي الصغيرتان أروع مثال أعرفه للإيثار وطيبة النفس، ومع ذلك وفي الوقت نفسه لديَّ شعور عميق بالضياع من أجلهما، ولا أستطيع أن أفصل هذا عن شعوري أنا بالضياع، وأن بعض آمالهما قد تتبدَّد، وأنهما قد لا تحصلان على نفس القدر من القبول المجتمعي كالذي حصلت عليه.»

قالت إن النور الذي أدخله بنتاها في حياتها، والظلام الذي يحوم حولهما وحول مستقبلهما، يسيران جنبًا إلى جنب، لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخَر. ولم يكن الشيء الأصعب في قبوله بالنسبة إليها المصاعب التي تواجهها طفلتاها، وإنما كونها لم تدرك — حتى رُزقت بطفل معاق — كيف أن الحياة معقدة، وكيف أنها كئيبة وفي الوقت نفسه غنية. ومجرد وجود كينلي (وكذلك ووكر، كما أدركتُ) يُعَدُّ شكلًا من أشكال الاعتراض، وتذكرة لك بأن تعمِّق النظر، أو على الأقل أن تكون متيقظًا.

«أنظر إلى بنتيَّ، وأفكر فيمَن يقول إنهما ليستا أسعد في عالمهما مني في عالمي! ومن هنا أشعر بالحزن عليهما؛ لأني أحاول الحكم عليهما بمعايير عالمٍ ليس بعالمهما.» أخذَتْ تبكي لبعض الوقت الليلة السابقة، وتتحدث إلى زوجها عن إنجابها طفلًا آخَر. «أصابتني نوبة بكاء طويلة، ولا تأتيني هذه النوبات في الغالب، ولكن حين تأتيني فاحترس. هناك أيام كنت أرفض بشدة فكرة الإنجاب. هل أصابك الجنون؟ حين أفكر في إمكانية إنجاب طفل آخر من ذوي الاحتياجات الخاصة. ولكني حينها أفكر كيف أن الرب أكرمني كثيرًا بهاتين البنتين، ولعل طفلًا آخَر يمكن أن يمثِّل كرمًا أكبر، ولعلي أُستدعَى إلى نداء أعلى. ثم تكون هناك أيام أفكر فيها، يا إلهي! كأن الأمر مثل لعب الروليت.

الآن أرى أن كينلي علَّمتني دون جهد منها كيف أحيا حياة سعيدة، بالرغم من الظروف القاسية، وأن أستخدم وقتي بحكمة، وألا أقلق من الغد أكثر من اللازم، وأن أستمتع باليوم، وعلمتني ألا أهتم بالأشياء التافهة، وساعدت في تكوين رؤيتي للحياة، كما ساعدتني في إدراك أن كل شخص لديه شيء يمكن أن يسهم به، وشيء يتعلمه من أكبر عدد ممكن من الناس، بغض النظر عن قدرتهم وعرقهم ودينهم. وعلمتني ألا أهتم بنفسي فقط، وأن أدرك أن الحياة أكبر مني. أعتقد أنني قد تعلمت منها أيضًا أننا معتمدون بعضنا على بعض بدرجة كبيرة، وأني بحاجة إلى هاتين البنتين بالقدر نفسه الذي هما بحاجة إليَّ به.»

***

كانت ديانا زيونَن تعيش في ويلمينجتن، بنورث كارولينا، وكان ابنها روني يبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، وهو أحد الأطفال المتأخرين تأخرًا كبيرًا في شبكة بريندا كونجر لمتلازمة القلب والوجه والجلد. كان هدفه في تلك الأيام أن يأكل بنفسه، وأصبحت حياته تنحصر في طلب شيء غير عادي، لكن هذا الطلب — القدرة على الأكل بنفسه — بَدَا مطلبًا يسيرًا. كان لدى زوج ديانا، وهو ميكانيكي سيارات، طفلان من زوجة سابقة، وأنجبت ديانا منه روني. قالت لي ديانا: «هو نتاج لربط القناة المنوية بعد فصلها؛ لذا فقد كانت هناك رغبة شديدة في إنجابه.»

مرَّتْ بفترة حمل عادية، ولكن حين وُلِد روني، وجدوا أن أطرافه تكون تارة مشدودة وتارة ساكنة أو مثل الجيلي، وشخَّصَ الأطباء حالته بأنها شلل دماغي. لم تصدق ديانا الأمر، «صحيح أنه لم يكن يتدحرج أو يُجري تواصلًا بالعين، مثل الأطفال الآخرين المصابين بالشلل الدماغي، ولكنه لم يكن مثلهم، وبالطبع ليس هناك اختبار وراثة للتأكُّد من ذلك.» وفي غضون ذلك، عانَى من مشكلات طبية لا حصرَ لها جعلتها تتساءل: «لماذا يصرخ؟ لماذا يبكي؟ ذهبنا إلى أطباء متخصِّصين في أمراض الجهاز الهضمي والأمراض الجلدية ولم نصل إلى شيء.» كان يضرب نفسه طوال الوقت، كما لو أنه مصاب بمرض التوحُّد، وحين بلغ روني الرابعة من عمره، اطَّلَعت ديانا على ورقة بحثية بها صور لأطفال يشبهونه تمامًا؛ فاستطاعت بهذه الطريقة أن تعرف بمفردها أن روني مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد. قالت لي ديانا: «ما زلنا نُطعِمه بالملعقة.» وأعلم ماذا يعني هذا الأمر. «ما زال يضرب نفسه. بالنسبة إليَّ، كان هذا يعني تواصلًا من جانبه» (كما ذكرنا من قبلُ). «يقول الناس: إن ضحكته مُعدِية، ويقولون لي إنه يعرفني، ولكني لا أدري إن كان هذا صحيحًا أم لا! ويحزنني فكرة أنه لا يعرفني» (صحيح). «أنت دائمًا تريد كلمة «ماما» هذه» (صحيح).

***

يُعَدُّ الحديث إلى آباء الأطفال الآخَرين المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد أمرًا يبعث على الطمأنينة — بأن هناك شخصًا آخَر يعرف الوضع — ولكنه أيضًا مثبِّط؛ أن ترى قلقك ينتقل، بالتدريج، إلى شخص آخر، وكأن هناك شبكة محكمة من الوحدة والعزلة قد وقعنا جميعًا فيها، ولا نستطيع الفكاك منها.

كان فيرجس وبرنيس ماكان يعيشان في بيرنبي، بكولومبيا البريطانية، على أطراف فانكوفر، مع ابنتهما ميليسا. وُلِدت ميليسا في عام ١٩٨٥، قبل نشر أي أوراق بحثية حول المتلازمة، وفي مجتمع متلازمة القلب والوجه والجلد المعروف لنا، وفي سن الثانية والعشرين، كانت واحدة من المصابين القدماء بالمتلازمة، وقد قضت بعد الولادة ٤٧ يومًا في الحضَّانة قبل أن يسمحوا لها بالذهاب إلى البيت! ٤٧ يومًا لتثبت أنها يمكنها البقاء على قيد الحياة قبل أن يتم تسليمها إلى أبويها، إضافةً إلى اللغز الغريب المتعلق بكيفية إبقائها على قيد الحياة بأنفسهم. لم تكن هناك حالة سابقة على حالة ميليسا في النظام الطبي شديد البيروقراطية في مقاطعتها؛ مما أدَّى في البداية إلى عدم إحالتها للعلاج الوظيفي أو العلاج الطبيعي.

قال فيرجس: «رأينا كثيرًا من فقدان القِيَم هذا، وكثيرًا ما حُرِمنا من الرعاية الطبية. وفي ذلك الوقت، كانت متلازمة القلب والوجه والجلد مجرد متلازمة تمَّ اكتشافها وتوصيفها. كما تعلم: «أوه، حسنًا، هي تتضمن هذا وذاك».»

كانت ميليسا بالغة، ولكنها كانت تتصرف بمستوى ذكاء مَن عنده سنتان أو ثلاث؛ فيمكنها مثلًا إحضار كوب لبن من الثلاجة، ويمكنها الأكل، ولكن لا يمكنها أن ترتدي ملابسها بنفسها، وكانت تعض يديها حين تشعر بالإحباط. كانت تستطيع أن تخبر أمها أين يوجد التليفون المحمول، لكن لا يمكنها الاعتماد على نفسها في الأمور الحياتية. وغالبًا ما كان الغرباء يخافون من ميليسا؛ فهي صلعاء تقريبًا، ولديها وحمات دموية — أورام جلدية وعائية خمرية اللون — بين عينيها. (أشار بعض الأطباء على والديها بإزالتها، في حين أشار آخَرون بتركها كما هي.)

كنا نتحدَّث عبر التليفون؛ كانت برنيس في المطبخ على ما يبدو مع ميليسا، تتحدث من خلال مكبر صوت التليفون، بينما كان فيرجس يتحدَّث عبر وصلة تليفون في حجرة أخرى. قالت برنيس: «أرى أننا غير راضين إلى حدٍّ كبير عن الرعاية الطبية المتاحة لشخصٍ مثل ميليسا.» وبَدَا صوتها منهكًا، كما لو كانت تحمل حملًا ثقيلًا. «لا يستطيع طبيب الأطفال العمل معنا، ولا يرى فائدةً كبيرةً من وراء ذلك، وظل يسألنا السؤال نفسه: هل غيَّرَ أيُّ شيء حياة ميليسا على المدى القصير، أو على المدى الطويل؟ لا. ولكنه كان بالتأكيد فضوليًّا ومهتمًّا. بالنسبة إلينا، بَدَا لنا أن العاملين في مجال الطب يشبعون فضولهم فحسب.» كانت ميليسا تمثل عيِّنة، ولكنها كانت تتمتع بشخصيتها المستقلة، وحضورها البارز وذاكرتها المدهشة؛ فلم تزل تستخدم اﻟ ٣٠ إشارة التي تعلَّمتها وهي طفلة، وكان يمكنها الاختيار، وكان لديها أشياء واضحة تحبها وأخرى تكرهها، خصوصًا فيما ترتديه. قالت أمها: «لا يبدو حتى أنها نظرت إلى هذا الشيء، ولكنها لن ترتديه.» وهي لا تختلف في هذا عن كثير من البنات الأخريات في سن المراهقة.

قال فيرجس حينها، عبر وصلة التليفون: «تتعاطف ميليسا بشكل كبير مع الناس، ومع الكلاب والحيوانات.» صُدِمْتُ مرة أخرى بطريقة أصبحت مألوفة لديَّ؛ إذ أحزن كثيرًا حين أسمع أبًا يتحدَّث عن ابنته بهذه الطريقة، يسعى للبحث عن أشياء لطيفة يقولها فينتهي به الأمر إلى ذكر تعاطُفها مع الحيوانات الأليفة، مثل سمكة سحبها لدهشته من نهر سريع. أتفهَّمُ هذا، صدِّقني أتفهَّمه، ولكن هذا كان يحزنني على أي حال، وكانت كل الحوارات التي أجريتها مع آباء الأطفال الآخَرين المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد مثل هذا.

ما كان يدفع فيرجس للجنون بشكل خاص هو أنه بسبب ميليسا، لم يُسمَح له بأن تكون لديه الدوافع والرغبات نفسها مثل بقية العالم؛ لأن كونك تمتلك طموحات عادية لحياتك يعني أنك تضع نفسك أولًا، ولو للحظات، قبل طفلك الذي يستحوذ على كل حياتك.

سألتهما: «ما عاقبة ذلك عليكما؟»

فقالت برنيس: «استمر يا حبيبي.» كان هذا بالفعل حوارًا مألوفًا.

قال فيرجس: «أرى أن هناك عاقبة أمام حياتنا المهنية؛ فلم يتمكَّن أيٌّ منَّا أن يغيِّر عمله، ويحصل على تعليم أكثر. حاولت بالتأكيد تحسين مسار حياتي المهنية، ولكني لم أستطع العمل لمدة ٧٠ ساعة في الأسبوع.»

انضمت برنيس إلى الحوار قائلة: «ولا نضحك كثيرًا في هذا المنزل. صحيح أن ولدينا يضحكان، ولكنهما ليسا سعيدين. يبلغ أحدهما من العمر ٢٠ عامًا والآخَر ٢٢ عامًا. وحين كانا في عمر ١٨ عامًا، كانا يغيران حفاضات الحيض لميليسا. أي فتًى يبلغ ١٨ عامًا يمكن أن يفعل ذلك؟ على الأقل أعلن أحد أخويها علانية أنه لا يخطِّط لإنجاب أطفال؛ فقد حدد بالفعل مسار حياته بهذه الطريقة، مع أخته.»

في الخلفية كنت أسمع ميليسا تئنُّ قليلًا، وتساءلت في نفسي إذا كان قد أصابها الحرج.

قالت برنيس لابنتها مشيرةً إلى أخويها: «نعم، هما ليسا هنا، وليسا على وشك المجيء.»

ثم قال فيرجس: «يرى نظامنا في المقاطعة أنه حين يكون لديك طفل معاق، فعلى أسرتك أن تتولى المسئولية، فهم يصعبون الحصول على أي دعم مادي، ودائمًا ما يكون للآباء أو الأطفال المعاقين طلبات، فتردُّ الحكومة: «حسنًا، لا يمكننا تلبية جميع طلبات كل فرد.» في رأيي إن نظام الدعم بالكامل متشابك مع نظام الرعاية الاجتماعية.» إن السبب في إعاقة ميليسا هو سلسلة من الجينات المعيبة، ولكن يرى فيرجس أن الناس تتشكَّك في تكلفة رعاية المعاقين مثلما يتشكَّكون في تقديم الرعاية الاجتماعية للعاطلين والفقراء، وكان الأمر يبدو كما لو أن بعض الناس يرون، بما في ذلك الحكومة (بما أنها تصعِّب الحصول على الدعم النقدي)، أنه يمكن أن يتوافر لفيرجس الوقت أو الرغبة، وسط جحيم رعاية طفل معاق، في محاولة استغلال هذه الإعاقة في الاحتيال على الحكومة ودافعي الضرائب.

لم ينجح البديل الذي وفرته حكومة الولاية — الذي يقوم على الاعتماد في رعاية الأطفال المعاقين على العائلات الممتدة، وعائلة ماكان واحدة من هذه العائلات الممتدة؛ إذ تتكوَّن من ٤٤ عضوًا من طرف برنيس، و٨ أعضاء من طرف فيرجس، ولم يعرض أحد منهم على الإطلاق أخذ ميليسا في عطلة نهاية الأسبوع. وبغض النظر عن شعور المرء حيال ذلك (بَدَتْ برنيس غاضبةً قليلًا: «لم يقدِّموا أيَّ مساعدة خلال ٢١ عامًا».) ليس هذا أساسًا لسياسة عامة. قال فيرجس: «على الحكومة أن تلبِّي ما تحتاجه أسرتك، فالعدل ليس معناه المساواة بين الجميع؛ فلكل شخص احتياجات مختلفة.»

مع ذلك، فالتوازن الدقيق بين ما يمكن أن تطلبه وما تستحقه، ومقدار استحقاقك له، كان دائمًا من أولويات عائلة ماكان. لم توافق حكومة كولومبيا البريطانية على أن تدفع لاثنين من موظفي الرعاية اليومية للعيش مع عائلة ماكان، إلا بعد توسُّل فيرجس وبرنيس إليها وتملُّقهما لمسئوليها، وذلك لفترة طويلة. وقد جربا ذلك الأمر لبعض الوقت، ولكن في أحد الأيام وصلت برنيس إلى البيت لتجد أن الأثاث قد تغيَّر ترتيبه، وفي مساء يوم آخَر اكتشفت أن موظَّفَي الرعاية قد حلقَا شعر رأس ميليسا القليل حتى لا تكون لافتةً للنظر. وحين أخبرتني برنيس بهذه الحكايات، حتى أنا تعجبت أنها لم تطلب المزيد؛ فلديها طفل معاق إعاقة شديدة، والحكومة كانت تريد أن تدفع لمساعد خارجي للإقامة في منزلهم لرعاية هذه الطفلة: شيء أفضل من لا شيء. ربما يجدر بها إظهار بعض الامتنان! ولكن كلما أفكِّر في هذا الأمر، تبدو الحجة ضعيفة؛ إذ كيف يمكن أن يعتبر أحدٌ تحمُّلَ الحكومة لتكلفة حضور شخص غريب متسلِّط إلى منزلك لرعاية ابنك منحةً تحت أي ظرف؟

كانت ميليسا حالة شاذة، حالة شاذة مقلقة، والحالات الشاذة المقلقة لا تجيد البيروقراطيات السياسية التعامل معها. يمثِّل المعاقون تحديًا لشعور الشخص الراسخ بالنظام: فهم يخيفوننا، إن لم يكن بوجوههم، فبحاجتهم الواضحة؛ فهم يطلبون منَّا أن نكون أكبر مما نتصور أن نكون. وتُعَدُّ طبيعة إعاقة ميليسا في حدِّ ذاتها مشكلة لا يمكن علاجها، وعلامة على الضعف والفشل، لا يوجد حل واحد دائم يصلح للجميع، مهما حاولت البيروقراطية أن تكون عملية وكريمة. مسئولو الرعاية اليومية! التمويل حسب القدم المربعة لكل مؤسسة! دور رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة! كل هذه الأفكار جيدة، وكلها مكتوب عليها الفشل، حتمًا، بالنسبة إلى شخص ما. بالطبع أردنا كلنا حلولًا، البيروقراطيات والآباء على حدٍّ سواء؛ أردنا كلنا أن نحرِّر أنفسنا من مواجهة الحقيقة الأكثر سوءًا، وهي أن كلَّ إعاقةٍ هي حالةٌ شخصيةٌ وفريدةٌ، وربما «غير قابلة للعلاج».

ووكر حقيقة، وسيكون على ما هو عليه طيلة حياته؛ فهو يمثِّل أشياءَ كثيرة لي، ليس أقلها أنه يذكِّرني بضعفي وخوفي. يمكنني الاعتراف بإخفاقاتي، في داخل عقلي، ولكن لا تستطيع البيروقراطية الاعتراف بإخفاقها؛ لذا بدلًا من ذلك يصبح الحل الذي تقدِّمه البيروقراطية هو الحل الأوحد، الذي يُطبَّق دون نظر لخصوصية الحالات. هذا هو التاريخ الذي لا مفرَّ منه للتأخُّر العقلي والمرض النفسي على السواء. بعد خمسين عامًا على تأليف فيليب بينيل «بحث حول الجنون» في عام ١٨٠١، والذي أدَّى إلى ظهور المصحات النفسية، كان واحد من كل عشرة من قاطني باريس يقضون بعض الوقت في واحدة من تلك المصحات، وكانت المصحات النفسية الحلَّ الأوحد الذي يناسب الجميع في ذلك العصر.

لكن أهم ما كان يفتقده فيرجس وبرنيس ليس المال أو المساعدة، ولكن الخصوصية. فقد دفعتهما ميليسا إلى الانضمام لنظام الرعاية الحكومي، وأجبرتهما على المحاربة من أجل الحصول على ما تحتاجه. كانت ميليسا معاقة ولكن رعايتها أعاقت بدورها برنيس وفيرجس. قال فيرجس: «إذا كان لديك طفل معاق، فلن ترى العالم يسير حولك بنفس الطريقة التي يسير بها إذا كان لديك طفل طبيعي؛ فأنت تحارب من أجل الحصول على ما تريد، وتضع نفسك في المواقف المحرجة تلك، وتفقد الكثير. وقد فقدنا الحق في أن نكون أسرة وأن نتمتع بالخصوصية فيها.»

لا شك أن فيرجس وبرنيس قَلِقان لما سوف يحدث لميليسا بعد موتهما، وقد وضعا خطة بمقتضاها يمكن لميليسا أن تعيش في بيتها مع وجود ثلاث شابات يقدِّمن لها المساعدة. وقد اشتريا لها بيتًا جميلًا، ضعف حجم بيتهما تقريبًا، بتكلفة ٥٧٣ ألف دولار. (قال فيرجس: «هذا للأسف كل ما ادخرته لمدة ٢٥ عامًا».) ولدى الحكومة برامج تتحمل تكلفة توفير مرافقين لمساعدة ميليسا، ويشرف على إدارة البيت مجلس إدارة يشترك فيه شقيقا ميليسا.

حين تحدَّثت إلى برنيس وفيرجس، كانا «ينقلان» ميليسا إلى بيتها الجديد، إلى حياتها الخاصة، ويبدو أنها تستمتع بالمشهد. سينتقل أخواها كذلك، وفجأة سيخلو البيت إلا من فيرجس وبرنيس. قال فيرجس: «لم نكن نتوقَّع أن يحدث هذا بهذه السرعة، ولكنهم قرَّروا جميعًا أن يقوموا بذلك على الفور.» وبعد سنوات من التوق إلى العيش بمفرده هو وزوجته عندما كان لا يمكنه ذلك، سيتمكن من ذلك قريبًا، لكن المدهش أنه كان يشعر بالكآبة!

كان جزء مني يريد أن يقول لفيرجس: «حسنًا، لقد حصلت على ما تريد.» لا يمكن أن أقول هذا لأب عادي لديه أطفال عاديون يئس لسنوات من الاختلاء بنفسه للحظة، ثم أصبح يفتقد أطفاله حين بدءوا في الرحيل عنه، ولكن فيرجس وبرنيس أرادا إشعار العالم بمحنة ابنتهما. حتى أنا، الذي يستوعب الأمر بشكل أفضل، أردت أن أراهما يعانيان؛ لأنهما جعلاني أشعر بمعاناتهما.

***

هناك دائمًا قصة أخرى تفوق سابقتها. وبالرغم من صعوبة حياة شخص ما — وأنا غالبًا ما يكون عليَّ تشجيع الناس على الشكوى، ويكون الدافع لديَّ قويًّا جدًّا للظهور بمظهر عدم المتأثر — فهناك على الدوام شخص ما آخَر يجد الحياة أصعب.

ما زالت أنجي ليديكسن تعيش في البلدة التي نشأت فيها في كونيتيكت. كانت تبلغ من العمر ٤٢ عامًا وتعمل مديرة لعيادة أسنان. كان لديها ولدان؛ إريك يبلغ من العمر عشر سنوات، ولوك يبلغ من العمر ثماني سنوات، وهو مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد. قبل ولادة ابنها الأول، كانت «تتوق» لتكوين أسرة؛ فقد مرت بثلاث حالات إجهاض وفي النهاية لجأت إلى أدوية زيادة الخصوبة. وفي حالة ابنها لوك، حملت به سريعًا تمامًا في الوقت الذي أرادته. قالت لي: «أردت أن يكونا متقاربين في العمر.» وكان حملها في لوك «أكثر من ممتاز»، حتى عندما ذهبت إلى غرفة الولادة قبل موعدها بأسبوعين قدَّرَ الأطباء أنها جاهزة للوضع. قالت: «دائمًا ما كانت مشكلتي مع مرات الحمل هي الوصول لنهايتها بسلام؛ لذا حين اقتربت ولادة لوك، لم أكن أتوقَّع أن حياة أخرى كاملة ستبدأ.» مكافأة غريبة للمثابرة.

تبدَّلَتْ حياتها في لحظة. «من اللحظة التي خرج فيها إلى الحياة، بدأت المعاناة. فبمجرد أن خرج ووضعوه في حضني، علمت أنا وزوجي أن هناك مشكلةً ما فيه؛ فهو لا يتواصل معنا.» أخذوه على وجه السرعة إلى وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة، وفي تلك الأثناء بدأت أمه تنزف بشدة في غرفتها بالمستشفى وأُغمِيَ عليها، وحين مرت عليها الممرضة، أُغمِيَ عليها هي الأخرى. هذا يوم مشهود، في كل شيء. تحدَّتْ حالة لوك الأطباء، ولم يتمكَّن أحد منهم من تشخيص عِلَّته، وأخذته أنجي إلى مستشفى الأطفال في بوسطن وإلى العديد من مراكز الرعاية الصحية في كونيتيكت لمدة ثلاث سنوات قبل أن يشخِّص أحد الاختصاصيين حالته بأنها متلازمة كوستلو، فتقبَّلت التشخيص مع بعض التحفظات؛ فهي لم تَرَ أنه يشبه الأطفال الآخَرين المصابين بهذه المتلازمة بدرجة كبيرة، ثم بعد ذلك قرأت مقالًا في مجلة «روزي»، واتضح أن هذا المقال كتبته زوجتي، وحين قرأت أنجي وصف جوانا لووكر، أخذت لوك والمجلة على الفور إلى طبيب الأطفال وسألت: هل كان محتملًا أن يكون لوك مصابًا بمتلازمة القلب والوجه والجلد وليس متلازمة كوستلو؟ ولكن الطبيب لم يُلقِ بالًا. قالت: «طلب مني أن آخذه إلى البيت وأن أحبه، وقال: «تقبليه على ما هو عليه.» لذا لم أذهب لهذا الطبيب ثانيةً.»

شرعت في بحث طويل ومضنٍ من أجل الوصول لتشخيص أدق، وحاولت لقاء جون أوبتز، ولكنه كان مشغولًا ولم يَرَ لوك إلا بعد عام. «عام!» وفي النهاية قابلته في مدينة سولت ليك سيتي، ولكنه لم يقرِّر أن لوك مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد؛ إذ كانت تبدو عليه أعراض المتلازمة بصورة «أقل» من أي طفل مصاب بها (لاحظَتْ أنجي ذلك بنفسها)، و«لم تَرُقْ له حقيقة أن لوك لديه حاجبان»؛ إذ إن ٩٥ في المائة من الأطفال الذين تظهر عليهم أعراض متلازمة القلب والوجه والجلد ولهم حواجب، يتضح أنهم مصابون بمتلازمة كوستلو. بالنسبة إلى ليديكسن، تبدو هذه الأحكام تخمينات.

انتقلَتْ في مشقة كبيرة بابنها إلى المؤتمر السنوي للأطفال المصابين بمتلازمة كوستلو، رغم أنها كانت لا تزال ترى أنه ليس مصابًا بتلك المتلازمة. وفي الزيارة الثانية، عام ٢٠٠٥، قابلت باحثًا من مركز السرطان الشامل في سان فرانسيسكو كان يسعى إلى عزل الجينات المسئولة عن كلٍّ من متلازمتَيْ كوستلو والقلب والوجه والجلد، وحين أخضع لوك لاختبار متلازمة كوستلو، اتضح بالفعل أنه ليس مصابًا بهذه المتلازمة. وكانت ليديكسن «مدمرة تمامًا. كنَّا نريد بصورة ملحة أن نستقرَّ على تشخيص محدَّد، بدلًا من ذلك فقد رجعنا إلى المجهول مرة أخرى.» وبعد بضعة أشهر، وكجزء من الأبحاث الرائدة لكيت روين عالمة الوراثة في كاليفورنيا، تأكَّدَتْ إصابة لوك بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ولكنه كان أسوأ حالًا من معظم الأطفال الآخَرين المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فهو لم يكن يتكلم (بالرغم من تأكيد ليديكسن على أن «سمعه جيد جدًّا»)، ولم تكن متأكدة من قدرته على الرؤية (فقد كان يشاهد برامج الأطفال الصغار في التليفزيون من على بُعْد بضع بوصات فقط)، وحتى يومنا هذا يحتاج إلى مشَّاية ليذهب هنا أو هناك، ويفضِّل الزحف، وفي سن الثالثة بدأ يكبر فجأةً حيث دخل في مرحلة بلوغ مبكر، (وهو مظهر نادر ولكنه ملحوظ من مظاهر متلازمة القلب والوجه والجلد؛ كما لو أن المظاهر المعتادة للمتلازمة لا ترهقه بما يكفي. على لوك الحصول على جرعة علاجية خاصة بالغدة النخامية كل ثلاثة أسابيع، لضبط مستوى الهرمونات إلى أن يكبر في السن). وعلى عكس معظم المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فإن لوك طويل؛ ففي سن التاسعة، كان طوله خمس أقدام وإحدى عشرة بوصة، وانخفضت حدة مشكلاته القلبية (مثل ووكر)، ولكنه (مثل ووكر أيضًا) كلما كَبِر في السن، بدأت تصيبه نوبات. تعرَّف لوك على أمه وأبيه وإخوته وجدته؛ فهو ودود جدًّا، بالرغم من أن هذا لم يبدأ حتى بلغ سن الخامسة (مثل ووكر). وقبل ذلك (مثل ووكر) كان يفضِّل البقاء وحده. قالت أنجي: «يمكن أن أقول: إن عمره العقلي يتراوح بين ١٥ و١٨ شهرًا. هو بالتأكيد أقل من سن الثانية من الناحية العقلية، ولا يتواصل لفظيًّا على الإطلاق، هو يضحك ويلعب، ولكنه لا يلعب بكثير من الألعاب.» ومثل ووكر، أحب خلع قبعته مرات ومرات، وإحراج مَن يحاول أن يجعله يلبسها. قالت أنجي: «أرى أن لوك في الأغلب سعيد. وحين يبكي، فهو عادةً ما يبكي لسبب، وفي رأيي هذه النوعية من الحياة جيدة غالبًا؛ وأرى أنه سعيد في عالمه الخاص الصغير، وفي الأغلب أنا سعيدة لأنه سعيد. أحيانًا يفطر هذا الأمر قلبك؛ لأنه محصور في عالمه الخاص الصغير. ولكن في أحيان أخرى أتساءل إن لم يكن الوضع جيدًا هناك، وأحيانًا — لأنه يذهب للنوم بابتسامة ويستيقظ بابتسامة — أميل للاعتقاد بأنه سعيد طوال الوقت. أميل للاعتقاد بأنه كذلك.»

هذا اعتقاد مشترك بين آباء الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وما جعله بارزًا في أنجي ليديكسن أنه قبل أن تعبِّر لي عن هذا بستة أشهر، وذلك في شهر مايو عام ٢٠٠٧، تأكَّدَ لها أنها مصابة بسرطان الرئة، ولكن صحتها كانت أقل أهميةً بالنسبة إليها من قيمة ابنها بالنسبة إلى العالم.

أخبرتني في ذلك اليوم، حين علمتْ أنها على مشارف الموت: «يا إلهي! لقد وهبنا الكثير، وعلمنا كيف نتقبَّل الحياة كما هي، ونتعامل معها حسبما تكون. يمكنك إما أن تستسلم للروتين المفروض عليك، أو تستجمع قواك وتسير في الحياة على أفضل ما يكون بقدر ما تستطيع. في ذلك الوقت [بعد ميلاد لوك]، غيَّرنا طريقنا في الحياة تمامًا، فاشترينا سيارة تخييم وكنَّا نذهب في رحلات تخييم؛ لأنه يحب ذلك. ومن الأشياء المهمة التي علَّمنا إياها لوك هو قبول اختلافه، وألَّا نخاف منه، وهذا يختلف تمامًا عمَّا كنَّا عليه ونحن أطفال؛ إذ كنا دائمًا نبتعد عن الأطفال المعاقين، ولكن اليوم يلعب الجميع معهم.» ولوك معروف في مدرسته بالعمدة، «وطوال الوقت كنت أفكِّر، إذا كان يمكنه فعل ما فعله فأنا أيضًا أستطيع فعل هذا.» وهي تقصد تعاملها مع مرض السرطان الذي كانت تعاني منه، ويبدو أن لوك يضع الأمور في نصابها. وحين تشتكي الأمهات الأخريات أن طفلها لم يَنَمْ خلال الليل، كانت تحاول ألَّا تضحك. «النوم خلال الليل! يا إلهي! لم أَنَمْ خلال الليل منذ تسع سنوات.»

أرادت أن تكون معه للأبد، وحين أصابها المرض خشيت أن أحدًا لن يحلَّ محلها في حياة لوك، ولكنها بدأت في الآونة الأخيرة تفكِّر عكس ذلك. «على المدى الطويل هو يتكيَّف جيدًا.» وعزَّز مرضها العضال فقط ما أظهرته إعاقة لوك بالفعل. قالت أنجي: «من دونه لَكنت اهتممت أكثر بالأمور المادية من متاع الدنيا. أما الآن فيبدو عليَّ، كما تعلم، كأنه يمكنني الاستغناء عنها. أنا لا أحتاجها. فما دمت تتمتع بالصحة ولديك من تحبهم وأسرتك فهذا يكفي …»

كان الحديث مع أنجي ليديكسن مثل الحديث مع أي أب مرَّ بتقلُّبات الظروف في تربيته لطفل؛ القلق المنخفض المطرد الذي تقطعه نوبات من الخوف والهم، والكبرياء والإحباط، والإرهاق الشديد والسرور. والجديد في حالة ليديسكن أنها لم تستسلم للشعور المغالى فيه بالعزلة الذي قد يجعل الأب أو الأم يرى كلٌّ منهما أنه الشخص الوحيد الذي يحدث له هذا. أخبرتني أنجي ليديكسن في ذلك اليوم في التليفون: «أنا لا أحب الشكوى.»

ماتت أنجي بسرطان الرئة في الربيع التالي، وكان عمرها ٤٢ عامًا، ولا يزال لوك يعيش مع أبيه.

***

كنت دائمًا أبحث عن سياق لفهم ووكر، والذي قد يكون فيه لحياته المضطربة (وإخلاصي الذي لا مفر منه لها) معنًى وهدف أكبر. وظننت أني قد أجده في حياة الأطفال الآخَرين المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وفي حالة آبائهم. ولدهشتي، بينما كان الأمر يبعث أحيانًا على الطمأنينة عندما أدرك أنه جزء من مجتمع أكبر، وأني لست وحدي، فإن طبيعة هذا المجتمع — مائة طفل وآباؤهم، غير مرئيين في العالم الأكبر، ويسعون حثيثًا من أجل تخفيف آلامهم، ويحاولون عيش حياة طبيعية قدر الاستطاعة على الرغم من الظروف غير الطبيعية التي يمرون بها — أكثر تعقيدًا مما تبدو، وأحيانًا هي مقلقة بقدر ما هي مطمئنة. والآن أدرك أن «ووكر وطرقه»، كما تصفها جوانا، ليست فريدة. وما لم أعثر عليه حتى الآن هو «السبب» وراء الحال الذي هو عليه؛ ولذا اتجهت إلى العلم، لأرى إن كان المعمل يمكنه تفسير حالة ابني ووكر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠