الْفَصْلُ السَّابِعُ

(١) أَهْلُ «لوجناج»

أَهْلُ «لوجناج» — كَمَا عَرَفْتُهُمْ — شَعْبٌ مَوْفُورُ الْأَدَبِ، عَظِيمُ الشَّهَامَةِ — شَأْنُ كُلِّ شَعْبٍ شَرْقِيٍّ — وَرُبَّمَا أَخَذْتُ عَلَى أَفْرَادِهِ شَيْئًا مِنَ الزَّهْوِ وَالِاعْتِدَادِ بِالنَّفْسِ. وَهُمْ يَغْمُرُونَ ضُيُوفَهُمُ الْأَجَانِبَ بِحُبِّهِمْ وَإِجْلَالِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ظَفِرَ هَؤُلَاءِ الضُّيُوفُ بِعَطْفِ مَلِيكِ الْبِلَادِ، وَأَصَابُوا مَنْزِلًا مَحُوطًا بِرِعَايَةِ جَلَالَتِهِ.

وَقَدْ عَرَفْتُ كَثِيرًا مِنْ سَرَاةِ هَذَا الْقُطْرِ وَأَعْيَانِهِ، وَتَبَادَلْتُ وَإِيَّاهُمْ أَحَادِيثَ مُعْجِبَةً نَافِعَةً، وَقَدْ يَسَّرَ لِي أَسْبَابَ الْحِوَارِ مَعَهُمْ تَرْجُمَانِي الَّذِي صَحِبْتُهُ مَعِي فِي رِحْلَتِي إِلَى «لوجناج».

(٢) الْمُخَلَّدُونَ

وَكَانَ أَعْجَبَ مَا سَمِعْتُهُ — فِي تِلْكَ الْبِلَادِ — حَدِيثُ بَعْضِ رِفَاقِي عَنْ جَمَاعَةِ الْمُخَلَّدِينَ، فَقَدْ سَأَلَنِي أَحَدُ أَصْدِقَائِي: «أَلَمْ تَرَ الْمُخَلَّدِينَ فِي بِلَادِنَا؟»

فَعَجِبْتُ مِنْ سُؤَالِهِ أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَسَأَلْتُهُ مَدْهُوشًا: «وَهَلْ فِي الدُّنْيَا خَالِدٌ؟ وَكَيْفَ يُكْتَبُ الْخُلُودُ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي الْإِنْسَانِ؟ وَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى رُؤْيَةِ أُولَئِكَ الْخَالِدِينَ؟»

فَقَالَ لِي: «عِنْدَنَا فِئَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الرِّجَالِ الْخَالِدِينَ، وَهُمْ غَايَةٌ فِي النُّدْرَةِ، وَقَلَّمَا يُولَدُ أَحَدٌ مِنَ الْمُخَلَّدِينَ إِلَّا فِي فَتَرَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ مِنَ الزَّمَنِ. وَلَهُمْ شَارَةٌ يُوسَمُونَ بِهَا — مُنْذُ وِلَادَتِهِمْ — فَإِذَا وُلِدَ طِفْلٌ، وَرَأَيْتَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأيسر بُقْعَةً حَمْرَاءَ مُسْتَدِيرَةً، أَدْرَكْتَ أَنَّهُ مِنَ الْخَالِدِينَ، فَهِذِهِ السِّمَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ لَنْ يَمُوتَ. وَلَا يَزِيدُ حَجْمُ الْوَسْمِ عَنْ حَجْمِ الْقِرْشِ، ثُمَّ يَكْبُرُ وَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ تبعًا لِسِنِّ صَاحِبِهِ.

فَإِذَا بَلَغَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ اخْضَرَّ لَوْنُ الْوَسْمِ، وَمَتَى وَصَلَ إِلَى الْعِشْرِينَ اسْتَحَالَ إِلَى الزُّرْقَةِ، فَإِذَا بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ أَصْبَحَ لَوْنُهُ حَالِكَ السَّوَادِ، وَاتَّسَعَ حَجْمُهُ حَتَّى أَصْبَحَ فِي مِثْلِ اسْتِدَارَةِ «الشِّلِنِ». وَمَتَى بَلَغَ الْإِنْسَانُ هَذِهِ السِّنَّ ثَبَتَ لَوْنُ الْوَسْمِ وَحَجْمُهُ، فَلَا يَتَغَيَّرُ إِلَى الْأَبَدِ.»

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ كَلَامَهُ قَائِلًا: «وَقَلَّمَا تَجِدُ وَاحِدًا فِي جَبْهَتِهِ تِلْكَ السِّمَةُ، لِأَنَّ عَدَدَ هَؤُلَاءِ النَّاسِ — كَمَا قُلْتُ لَكَ — ضَئِيلٌ جِدًّا بِالْقِيَاسِ إِلَى جَمْهَرَةِ الْأَهْلِينَ، وَلَيْسَ يَزِيدُ عَدَدُ الْخَالِدِينَ — فِي بِلَادِنَا كُلِّهَا — عَلَى مِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ، وَلَيْسَ فِي حَاضِرَتِنَا هَذِهِ مِنَ الْخَالِدِينَ وَالْخَالِدَاتِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ، وَقَدْ وُلِدَتْ طِفْلَةٌ مُنْذُ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ عَلَى جَبْهَتِهَا سِمَةُ الْخُلُودِ.

وَرُبَّمَا حَسِبْتَ أَنَّ أُولَئِكَ الْخَالِدِينَ وَقْفٌ عَلَى بَعْضِ الْأُسَرِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ كُلَّ أُسْرَةٍ عُرْضَةٌ لِأَنْ يُولَدَ فِيهَا الْخَالِدُونَ، وَهُمْ يُولَدُونَ مُصَادَفَةً وَكَمَا اتَّفَقَ. وَمِنَ الشَّائِعِ الْمَأْلُوفِ أَنْ يَلِدَ الْخَالِدُونَ أَبْنَاء فَانِينَ، وَأَنْ يُنْجِبَ الْفَانُونَ أَبْنَاء خَالِدِينَ!»

(٣) دَهْشَةُ جَلِفَر

كَانَ هَذَا الرَّجُلُ — لِحُسْنِ حَظِّي — يَعْرِفُ لُغَةَ «بالنيارب» الَّتِي تَعَلَّمْتُهَا وَأَصْبَحْتُ أُجِيدُ التَّحَدُّثَ بِهَا. وَكَانَ يَقُصُّ عَلَيَّ هَذَا الْحَدِيثَ الشَّائِقَ الْمُعْجِبَ بِتِلْكَ اللُّغَةِ؛ فَلَمْ تَفُتْنِي كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُ، وَتَمَلَّكَنِي الْعَجَبُ، وَتَعَاظَمَتْنِي الْحَيْرَةُ مِمَّا قَالَ، وَكَادَتْ أُذُنَايَ تَشُكَّانِ فِيمَا تَسْمَعَانِ. وَاشْتَدَّ إِعْجَابِي وَغِبْطَتِي بِهَؤُلَاءِ الْمُخَلَّدِينَ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: «يَا لَكُمْ مِنْ أُمَّةٍ مَوْفُورَةِ السَّعَادَةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ فِيهَا خَلِيقٌ أَنْ يُؤَمِّلَ فِي الْخُلُودِ. وَأَيُّ أُمْنِيَةٍ حَبِيبَةٍ إِلَى نَفْسِ بَنِي الْإِنْسَانِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُخَلَّدًا عَلَى الدَّهْرِ، يَمْرَحُ فِي حَيَاةٍ بِلَا رَدَى، وَيُلَقِّنُ ذَرَارِيَّهُ الْحِكْمَةَ وَالْمَعْرِفَةَ!

لَقَدْ خَلَصَتْ حَيَاةُ هَؤُلَاءِ الْخَالِدِينَ — بِلَا شَكٍّ — مِنَ الْمُنَغِّصَاتِ وَالْآلَامِ، وَصَفَتْ مِنَ الْأَدْرَانِ وَالْأَكْدَارِ، وَبَرِئَتْ عُقُولُهُمْ مِنْ جَالِبَاتِ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ طَرَحُوا وَرَاءَ ظُهُورِهِمُ الْيَأْسَ وَالْقُنُوطَ، وَسَلِمَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُبْنِ، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحُوا لَا يَحْذَرُونَ الْمَوْتَ وَلَا يَرْهَبُونَ الْفَنَاءَ، فَهَلْ يُتَاحُ لِي أَنْ أَظْفَرَ بِرُؤْيَةِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ السُّعَدَاءِ الْخَالِدِينَ؟ وَكَيْفَ خَلَا بَلَاطُ الْمَلِكِ مِنْهُمْ؟ فَمَا أَذْكُرُ أَنَّنِي رَأَيْتُ سِمَةَ الْخُلُودِ عَلَى جَبهَةِ أَحَدٍ مِنْ رِجَالِ الْحَاشِيَةِ، وَلَوْ رَأَيْتُهَا لَاسْتَرْعَتِ انْتِبَاهِي.

وَمَا أَدْرِي: كَيْفَ أَغْفَلَ الْمَلِكُ ذَلِكَ، وَهُوَ — فِيمَا رَأَيْتُ — عَاقِلٌ حَكِيمٌ، بَعِيدُ النَّظَرِ، سَدِيدُ الرَّأْيِ؟ وَعَجِيبٌ أَلَّا يَسْتَوْزِرَ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَوْ يَتَّخِذَهُ لَهُ سَمِيرًا؛ فَيَكُونَ لَهُ ثِقَافًا يَرْشُدُ بِهِ رَأْيُهُ، وَيَسْتَقِيمُ بِمَشُورَتِهِ مُلْكُهُ، إِنَّ إِخْلَاصِي وَحُبِّي لِجَلَالَتِهِ لَيُحَتِّمَانِ عَلَيَّ أَنْ أُكَاشِفَهُ بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ، فَإِذَا أَبَى أَنْ يَأْخُذَ بِهَا، فَلَنْ أُضَيِّعَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ النَّادِرَةَ الَّتِي أَتَاحَهَا لِي اللهُ لِأَقْضِيَ بَقِيَّةَ حَيَاتِي بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَطْهَارِ الْخَالِدِينَ. وَإِنِّي لَأَدْعُو اللهَ — جَاهِدًا — أَنْ يَتَنَزَّلُوا فَيَقْبَلُونِي بَيْنَهُمْ عَشِيرًا، وَيَرْتَضُونِي — فِي زُمْرَتِهِمْ — صَاحِبًا مُسْتَشِيرًا.»

(٤) أَحْلَامُ جَلِفَر

وَكَانَ صَاحِبِي يُنْصِتُ إِلَى حَدِيثِي، وَعَلَى فَمِهِ ابْتِسَامَةٌ تَشِفُّ عَنِ اقْتِنَاعِهِ بِغَيْرِ مَا أَقُولُ. وَلَمَّا انْتَهَيْتُ مِنْ كَلَامِي، رَغِبَ إِلَيَّ أَنْ أَسْمَحَ لَهُ بِتَرْجَمَةِ حَدِيثِي لِرِفَاقِهِ فَأَذِنْتُ لَهُ. وَلَمْ يُتِمَّ تَرَجْمَتَهُ حَتَّى دَارَ بَيْنَهُمْ حِوَارٌ طَوِيلٌ لَمْ أَفْهَمْ مِنْهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَلَكِنَّنِي عَلِمْتُ — فِيمَا بَعْدُ — أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِمَّا سَمِعُوهُ أَشَدَّ الْعَجَبِ!

ثُمَّ قَالَ لِي صَاحِبِي: إِنَّ صَحْبَه قَدِ ابْتَهَجُوا بِمَا سَمِعُوهُ مِنَ الْآرَاءِ الطَّرِيفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا لَهُ وَلَكِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَعَرَّفُوا رَأْيِي فِي مَزَايَا الْخُلُودِ وَسَعَادَةِ الْخَالِدِينَ، وَهُمْ يَسْأَلُونَنِي: مَاذَا أَصْنَعُ إِذَا قُدِّرَ لِي أَنْ أَكُونَ مِنَ الْخَالِدِينَ؟ وَأَيُّ سَبِيلٍ أَنْهَجُهُ إِذَا كُتِبَتْ لِي تِلْكَ السَّعَادَةُ؟

فَقُلْتُ لَهُ: «لَقَدْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ بِهَذَا السُّؤَالِ، فَقَدْ شَغَلَتْنِي أَحْلَامُ الْخُلُودِ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أُسْلَكَ فِي زُمْرَةِ هَؤُلَاءِ الْأَطْهَارِ. وَلَوْ كُتِبَ لِي هَذَا الشَّرَفُ الْعَظِيمُ، لَكَانَ أَكْبَرَ مَا يَعْنِينِي أَنْ أَعِيشَ غَنِيًّا مَوْفُورَ الثَّرَاءِ. وَلَنْ أَعْدِمَ وَسِيلَةً لِلْغِنَى؛ فَإِنَّ الْقَصْدَ فِي الْعَيْشِ، وَالْأَمَانَةَ وَالِاسْتِقَامَةَ سَتُبَلِّغُنِي هَذِهِ الْغَايَةَ. وَلَنْ أَبْلُغَ الْمِائَتَيْنِ حَتَّى أَصِلَ بِهَذِهِ الْخِلَالِ النَّبِيلَةِ إِلَى مَوْفُورِ الْغِنَى.

وَلَنْ أَتْرُكَ فُرْصَةً تَمُرُّ — مُنْذُ طُفُولَتِي — إِلَّا انْتَهَزْتُهَا فِي مُوَاصَلَةِ الدَّرْسِ وَالتَّحْصِيلِ، حَتَّى أُصْبِحَ أَحْكَمَ رَجُلٍ فِي الْعَالَمِ. وَلَنْ يَفُوتَنِي أَنْ أَبْذُلَ جُلَّ عِنَايَتِي فِي تَدْوِينِ أَحْدَاثِ التَّارِيخِ الْخَطِيرَةِ، وَاسْتِخْلَاصِ وُجُوهِ الْعِبَرِ فِيهَا، وَمُرَاقَبَةِ الدُّوَلِ فِي أَدْوَارِ رِفْعَتِهَا وَخُمُولِهَا، وَسُمُوِّهَا وَانْحِطَاطِهَا، وَالتَّأَمُّلِ فِي أَسْبَابِ نَعِيمِهَا وَشَقَائِهَا، وَتَسْجِيلِ أَخْلَاقِهَا وَنَزَعَاتِهَا، وَأَثَرِ ذَلِكَ فِي رُقِيِّهَا وَتَدَهْوُرِهَا. وَسَأَحْرِصُ عَلَى دَرْسِ شَرَائِعِهَا وَنُظُمِهَا دَرْسًا مُسْتَفِيضًا، وَأَتَعَرَّفُ — عَنْ كَثَبٍ — آثَارَ اللَّهْوِ وَعَوَاقِبَ التَّرَفِ فِي أَبْنَائِهَا.

وَسَيَهْدِينِي الدَّرْسُ وَالتَّجَارِبُ إِلَى الرُّشْدِ وَالْحِكْمَةِ، وَأُصْبِحُ — بِفَضْلِ مَا أُوتِيتُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ — قَائِدَ أُمَّتِي، وَوَحْيَ رَشَادِهَا، وَرَائِدَ تَوْفِيقِهَا، وَرَسُولَ هِدَايَتِهَا.

وَسَأَتَخَيَّرُ اثْنَي عَشَرَ رَفِيقًا مِنَ الْخَالِدِينَ، آنَسُ بِهِمْ وَأُنَادِمُهُمْ، وَأَتَعَهَّدُهُمْ بِالرِّعَايَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَأَمُدُّهُمْ بِالْمَالِ كُلَّمَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ، وَأَدْعُوهُمْ إِلَى مَائِدَتِي لِيَشْرَكُونِي فِي طَعَامِي كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ أُطِيلُ التَّأَمُّلَ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، وَأَشْهَدُ آبَاءَهُمْ يَمُوتُونَ وَأَبْنَاءَهُمْ يَخْلُفُونَهُمْ؛ فَأَرَى فِي ذَلِكَ مَنْظَرًا عَجَبًا، ويَتَمَثَّلُ لِي أَنَّنِي بُسْتَانِيٌّ يَتَأَمَّلُ فِي حَدِيقَتِهِ، وَيَرَى فِيهَا أَلْوَانَ الْأَزْهَارِ وَهِيَ تَزْدَهِرُ وَتَذْبُلُ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَيْهَا نَضْرَتُهَا مَرَّةً أُخْرَى.

وَسَيَكُونُ حَدِيثِي مَعَ الْخَالِدِينَ — مِنْ أَمْثَالِي — حَدِيثًا نَافِعًا يَعُودُ عَلَى الْإِنْسَانِيَّةِ بِالْخَيْرِ الْعَمِيمِ؛ لِأَنَّنَا سَنَعْرِفُ كَيْفَ نُدَوِّنُ مُذَكِّرَاتِنَا عَنِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، وَمَا أَصَابَ الْجِنْسَ الْإِنْسَانِيَّ مِنْ وَيْلَاتٍ وَنَكَبَاتٍ بِسَبَبِ تَهَوُّرِهِ وَطَيْشِهِ وَحَمَاقَتِهِ؛ فَنَصِفُ الدَّوَاءَ لِحَسْمِ الدَّاءِ، وَلَا نَأْلُو جُهْدًا فِي إِرْشَادِ النَّاسِ إِلَى طَرَائِقِ الرُّشْدِ وَالسَّدَادِ، لِنُنْقِذَهُمْ مِنْ جَالِبَاتِ الشَّقَاءِ وَالتَّدَهْوُرِ.

•••

وَمِنَ الْمَبَاهِجِ وَالْمُتَعِ الَّتِي أَظْفَرُ بِهَا — إِذَا كُتِبَ لِيَ الْخُلُودُ — أَنْ أُبْهِجَ نَفْسِي وَفِكْرِي بِمَا أَرَاهُ مِنْ تَقَلُّبِ حَالَاتِ الدُّوَلِ، وَمَا أَشْهَدُهُ مِنْ أَطْوَارِهَا؛ فَأَرَى كَيْفَ تَسْتَحِيلُ الْمُدُنُ الْعَامِرَةُ إِلَى يَبَابٍ قَفْرٍ، وَكَيْفَ تَسْتَعِيدُ الْأَرْضُ زُخُرُفَهَا وَزِينَتَهَا، وَتَلْبَسُ الْقِفَارُ الْمُوحِشَةُ ثِيَابَ الْعُمْرَانِ، وَتُصْبِحُ حَوَاضِرَ آهِلَةً بِالسُّكَّانِ، مُزْدَهِرَةً بِالرِّيَاضِ النَّضِيرَةِ، فَيَتَّخِذَهَا الْمُلُوكُ مُقَامًا لَهُمْ، وَكَيْفَ تَسْتَحِيلُ الْأَنْهَارُ إِلَى غُدْرَانٍ لَا خَطَرَ لَهَا، وَكَيْفَ تَرْحَلُ السَّعَادَةُ عَنْ قُطْرٍ لِتَحُلَّ فِي قُطْرٍ آخَرَ، وَكَيْفَ تَشْقَى الْمُدُنُ وَتَسْعَدُ كَمَا يَشْقَى أَهْلُوهَا وَيَسْعَدُونَ. وَكَيْفَ تَتَعَاقَبُ عَلَى الشُّعُوبِ أَدْوَارٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ الْجَهْلِ وَالْعِلْمِ، فَتَسُودُ الْهَمَجِيَّةُ بِلَادًا مُتَحَضِّرَةً كَانَتْ رَمْزًا لِلرِّفْعَةِ وَالْمَجْدِ، وَمَنَارًا لِلْمَعْرِفَةِ وَالْحِكْمَةِ، وَتَتَحَضَّرُ بِلَادٌ أُخْرَى، وَتُفِيقُ مِنْ سُبَاتِهَا وَتَسْتَرِدُّ سَابِقَ مَجْدِهَا وَتَالِدَ فَضْلِهَا، وَيُصْبِحُ أَهْلُهَا سَادَةً أَعِزَّةً قَادِرِينَ فِي الْأَرْضِ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَبِيدًا أَذِلَّةً مُمْتَهَنِينَ.»

(٥) شَقَاءُ الْمُخَلَّدِينَ

وَلَمْ أَنْتَهِ مِنْ حَدِيثِي حَتَّى تَرْجَمَهُ صَاحِبِي إِلَى رِفَاقِهِ؛ فَلَمْ يَتَمَالَكُوا أَنْ يَعْجَبُوا وَيَدْهَشُوا مِمَّا سَمِعُوهُ، وَشَاعَتْ الِابْتِسَامَاتُ عَلَى شِفَاهِهِمْ. وَقَدِ الْتَمَسُوا لِيَ الْعُذْرَ فِي خَطَئِي، لِجَهْلِي بِمَا يَلْقَاهُ الْمُخَلَّدُونَ فِي بِلَادِهِمْ مِنْ أَلْوَانِ الْعَذَابِ وَأَفَانِينِ الشَّقَاءِ الَّتِي لَا تَدُورُ بِخَاطِرِ غَرِيبٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْهَا عَنْ كَثَبٍ.

ثُمَّ طَلَبُوا إِلَى صَاحِبِي أَنْ يُزِيلَ اللَّبْسَ، وَيُظْهِرَنِي عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ، وَيَقِفَنِي عَلَى مَا يُكَابِدُهُ الْخَالِدُونَ فِي بِلَادِهِمْ مِنْ أَلْوَانِ الْأَذَى وَالشَّقَاءِ.

فَقَالَ لِي مُتَعَجِّبًا: «إِنِّي أَلْتَمِسُ لَكَ الْعُذْرَ فِيمَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ مِنْ آرَاءٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الصَّوَابِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ — فِي غَيْرِ هَذِهِ الْبِلَادِ — يَحْلُمُونَ بِالْخُلُودِ فِي الدُّنْيَا وَيَعُدُّونَهُ أَشْهَى أُمْنِيَّةٍ، وَلَوْ رَأَوْا مَا يَلْقَاهُ الْخَالِدُونَ عِنْدَنَا مِنَ التَّعَاسَةِ وَالْأَلَمِ، لَمَا نَاَزَعَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى الْخُلُودِ، وَلَا فَكَّرُوا فِيهِ، وَلَأَصْبَحَ الْخُلُودُ أَبْغَضَ شَيْءٍ إِلَيْهِمْ. وَلَقَدْ زُرْتُ بِلَادَ «الْيَابَانِ» فَرَأَيْتُ أَهْلِيهَا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ الْخَالِدِينَ فِي بِلَادِنَا، وَيَغْبِطُونَهُمْ عَلَى السَّعَادَةِ الْوَهْمِيَّةِ الَّتِي يَتَخَيَّلُونَهَا وَيَتَمَنَّوْنَ لَوْ قَسَمَهَا اللهُ لَهُمْ!

وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَدْهَشُونَ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا هُوَ غَايَةُ مَا تَصْبُو نُفُوسُهُمْ إِلَى تَحْقِيقِهِ؛ فَهُمْ يَجْزَعُونَ مِنَ الْمَوْتِ، وَيُحِبُّونَ الْحَيَاةَ حُبًّا جَمًّا. وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا سَمِعْنَاهُ مِنْكَ. وَلَوْلَا وُجُودُ الْمُخَلَّدِينَ فِي بِلَادِنَا، وَمَا رَأَيْنَاهُ بِأَعْيُنِنَا مِنْ شِقْوَتِهِمْ وَتَعَاسَتِهِمْ، لَمَا خَالَفْنَاكَ فِي رَأْيِكَ؛ فَإِنَّكَ تُحَدِّثُنَا بِسَعَادَةٍ خَيَالِيَّةٍ لَا وُجُودَ لَهَا إِلَّا فِي عَالَمِ الْوَهْمِ، وَكَأَنَّمَا حَسِبْتَ أَنَّ الْخَالِدِينَ يَقْضُونَ حَيَاةً فَتِيَّةً، مَوْصُولَةَ الشَّبَابِ، مُتَجَدِّدَةَ الْقُوَّةِ، لَا يَعْتَوِرُهَا مَرَضٌ، وَلَا تُدْرِكُهَا شَيْخُوخَةٌ. وَهِذِهِ أُمْنِيَّةٌ بَعِيدَةُ الْمَنَالِ.

إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَرْهَبُونَ الْأَجَلَ، وَيَخْشَوْنَ الْمَوْتَ؛ فَإِذَا كُتِبَ لَهُمُ الْخُلُودُ — كَمَا كُتِبَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُحَدِّثُكَ عَنْهُمْ — تَمَنَّوُا الْمَوْتَ، وَرَأَوْا فِيهِ أَكْبَرَ رَاحَةٍ مِنْ آلَامِهِمْ وَأَمْرَاضِهِمْ، فَإِنَّ الْمُخَلَّدِينَ عِنْدَنَا يَظَلُّونَ أَصِحَّاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا الثَّلَاثِينَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ سَارُوا فِي طَرِيقِهِمُ الطَّبِيعِيَّةِ إِلَى الشَّيْخُوخَةِ. وَمَتَى بَلَغُوا الثَّمَانِينَ أَسْلَمَتْهُمُ الشَّيْخُوخَةُ إِلَى الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ، وَرُبَّمَا أَسْلَمَتْهُمْ إِلَى الْهُتْرِ وَالْجُنُونِ؛ فَيَقْضُونَ حَيَاةً مُنَغَّصَةً لَا تَنْتَهِي، وَيُعَانُونَ — مِنْ آلَامِ الْهَرَمِ — مَا يُعَانُونَ، وَلَا يَجِدُونَ سَلْوَى يَتَعَزَّوْنَ بِهَا فِي الْحَيَاةِ — حِينَئِذٍ — لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ فِي غُرْبَةٍ عَمَّنْ يَكْتَنِفُهُمْ مِنَ النَّاسِ، بَعْدَ أَنْ مَاتَ أَهْلُ جِيلِهِمْ، وَفَنِيَ مُعَاصِرُوهُمْ. وَيَظَلُّونَ طُولَ حَيَاتِهِمْ فِي لَجَاجٍ وَعِنَادٍ، وَهَمٍّ وَغَضَبٍ، وَثَرْثَرَةٍ مُضْجِرَةٍ، وَلَهْفَةٍ مُضْنِيَةٍ عَلَى أَيَّامِ الشَّبَابِ الذَّاهِبَةِ، تَتَآكلُ صُدُورُهُمْ حَسْرَةً، إِذْ يَرَوْنَ حِرْمَانَهُمْ وَعَجْزَهُمْ عَنْ مُشَارَكَةِ الْأَحْيَاءِ فِي مَبَاهِجِهِمْ وَأَفْرَاحِهِمْ. ثُمَّ تَزْدَادُ آلَامُهُمْ كُلَّمَا شَيَّعَوا جِنَازَةً، وَيَلْعَنُونَ حَظَّهُمُ التَّعِسَ الَّذِي أَبَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَظْفَرُوا بِلَذَّةِ الْمَوْتِ، وَيَنْعَمُوا بِرَاحَتِهِ الْأَبَدِيَّةِ، وَلَا تَزَالُ ذَاكِرَتُهُمْ تَضْمَحِلُّ حَتَّى تَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا تَبْقَى فِي أَذْهَانِهِمْ إِلَّا أَخْلَاطٌ مُضْطَرِبَةٌ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ، وَأَشْتَاتٌ مُبَعْثَرَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ مِمَّا حَفِظُوهُ فِي شَبَابِهِمْ.

عَلَى أَنَّ سَوَادَهُمْ يَفْقِدُ ذَاكِرَتَهُ فُقْدَانًا تَامًّا، وَيَحُلُّ بِهِ الْهُتْرُ، فَيُصْبِحُ أَحَقَّ إِنْسَانٍ بِالرَّحْمَةِ وَالْإِشْفَاقِ.

فَإِذَا تَزَوَّجَ خَالِدٌ مِنْ خَالِدَةٍ فَلَنْ يَزِيدَ أَمَدُ زَوَاجِهِمَا عَلَى سِنِّ الثَّمَانِينَ، ثُمَّ تَنْفَصِمُ عُرَى الزَّوَاجِ — كَمَا تَقْضِي بِذَلِكَ شَرَائِعُ بِلَادِنَا — مَتَى وَصَلَ أَصْغَرُ الزَّوْجَيْنِ إِلَى هَذِهِ السِّنِّ.

عَلَى أَنَّ بَعْضَ التُّعَسَاءِ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْخُلُودُ — عَلَى الرَّغْمِ مِنْهُمْ — يُؤْثِرُونَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا مِنْ فَانِيَاتٍ غَيْرِ خَالِدَاتٍ، حَتَّى لَا يَزِيدُوا حَيَاتَهُمْ تَعَاسَةً وَشَقَاءً. وَمَتَى بَلَغَ الْخَالِدُ سِنَّ الثَّمَانِينَ اعْتَبَرَتْهُ شَرَائِعُنَا فِي عِدَادِ الْأَمْوَاتِ، وَأَذِنَتْ لِوَرَثَتِهِ فِي الِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْلَاكِهِ، وَلَمْ تَسْمَحْ لَهُ الشَّرَائِعُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَكْفُلُ لَهُ الْقُوتَ.

أَمَّا الْفُقَرَاءُ مِنَ الْخَالِدِينَ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ يَعُولُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعْمَلُوا عَمَلًا فِي الْحَيَاةِ، وَلَا يَقْبَلُ الْقَضَاءُ شَهَادَتَهُمْ. وَمَتَى وَصَلَ الْخَالِدُ إِلَى التِّسْعِينَ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ، وَفُضَّ فُوهُ؛ فَلَا يَشْعُرُ بِلَذَّةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَتَنْتَابُهُ الْأَمْرَاضُ وَالْعَاهَاتُ وَالْعِلَلُ، وَيَنْسَى أَسْمَاءَ أَصْدِقَائِهِ وَخُلَصَائِهِ، وَيَعْجِزُ عَنِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ ذَاكِرَتَهُ لَا تَعِي — فِي تِلْكَ السِّنِّ — حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، بَلْهَ جُمْلَةً مِنَ الْجُمَلِ. وَثَمَّةَ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ غُرَبَاءَ فِي الْقَرْنِ التَّالِي، وَيَعْجِزُونَ عَنْ فَهْمِ مُحَدِّثِيهِم عَجْزًا تَامًّا؛ لِأَنَّ لُغَتَنَا فِي تَغَيُّرٍ وَتَبَدُّلٍ دَائِمَيْنِ، فَلَا يَنْقَضِي عَلَيْهَا قَرْنٌ كَامِلٌ حَتَّى تَتَغَيَّرَ أَلْفَاظُهَا تَغَيُّرًا يَكَادُ يَكُونُ تَامًّا.»

(٦) حَدِيثُ الْمُخَلَّدِينَ

وَأَرَادَ مُحَدِّثِي أَنْ يُثْبِتَ لِي صِدْقَ قَوْلِهِ؛ فَأَرَانِي سِتَّةَ رِجَالٍ مِنَ الْمُخَلَّدِينَ تَتَفَاوَتُ أَسْنَانُهُمْ، وَلَا يَقِلُّ أَصْغَرُهُمْ عَنْ مِائَتَيْ عَامٍ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ عَجِبْتُ مِنْهُمْ أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَرَثَيْتُ لِحَالِهِمْ، فَقَدْ أَخْبَرَهُمْ مُحَدِّثِي أَنَّنِي سَائِحٌ كَبِيرٌ؛ فَلَمْ يَعِ كَلَامَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيَّ سُؤَالًا، وَاكْتَفَوْا بِطَلَبِ تَذْكَارٍ مِنِّي، فَمَنَحْتُهُمْ مَا طَلَبُوهُ. وَإِنَّمَا لَجَئُوا إِلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي طَلَبِ الْإِحْسَانِ مُضْطَرِّينَ؛ لِأَنَّ الْحُكُومَةَ تُحَرِّمُ أَنْ يَحْتَرِفَ الشِّحَاذَةَ أَحَدٌ مِنَ الشَّعْبِ، بَعْدَ أَنْ كَفَلَتْ لِلْعَجَزَةِ أَقْوَاتَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَا تُجْرِيهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ غَايَةً فِي التَّفَاهَةِ.

وَقَدْ رَأَيْتُ الشَّعْبَ يَنْفُرُ مِنْ رُؤْيَةِ الْخَالِدِينَ، وَيَحْتَقِرُهُمْ وَيُبْغِضُهُمْ وَيَعُدُّ كُلَّ مَوْلُودٍ مِنْهُمْ نَذِيرَ شُؤْمٍ وَخَرَابٍ، وَقَدْ عُنِيَتِ الْحُكُومَةُ بِتَسْجِيلِ تَارِيخِ وِلَادَتِهِمْ فِي دَفَاتِرَ بِعَيْنِهَا. عَلَى أَنَّ تَوَارِيخَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ لَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفِ عَامٍ، وَقَدْ تَلِفَ بَعْضُهَا بِسَبَبِ الْإِهْمَالِ أَوِ الْحَرِيقِ أَوِ الثَّوْرَةِ. وَثَمَّةَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى يَتَعَرَّفُونَ بِهَا أَعْمَارَ الْخَالِدِينَ، وَهِي أَنْ يَسْأَلُوا الْخَالِدَ عَمَّنْ يَذْكُرُهُ مِنَ الْمُلُوكِ وَالْعُظَمَاءِ، فَإِذَا ذَكَرَ اسْمَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ سِنَّ الثَّمَانِينَ فِي عَهْدِهِ.

وَلَمْ أَرَ أُولَئِكَ الْمُخَلَّدِينَ حَتَّى تَأَلَّمْتُ لَهُمْ أَشَدَّ الْأَلَمِ، وَخَجِلْتُ مِنْ نَفْسِي أَشَدَّ الْخَجَلِ فِيمَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ مِنْ حُبِّ الْبَقَاءِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْخُلُودِ، وَرَأَيْتُ أَنَّ كُلَّ مَا تَمَثَّلَ لِي مِنْ حَيَاةِ الْخَالِدِينَ خَطَأٌ وَوَهْمٌ بَعِيدَانِ كُلَّ الْبُعْدِ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَرَأَيْتُ فِي الْمَوْتِ مُخَلِّصًا وَمُنْقِذًا مِنْ هَذِهِ الْآلَامِ الْمُضْنِيَةِ الْمُبَرِّحَةِ!

وَأَيُّ مَنْظَرٍ أَدْعَى لِلرِّثَاءِ وَالشَّفَقَةِ مِنْ أَنْ تَرَى شُيُوخًا فَانِينَ، أَبْصَارُهُمْ زَائِغَةٌ حَائِرَةٌ، وَوُجُوهُهُمْ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الدَّمَامَةِ وَالْقُبْحِ، تَجْمَعُ إِلَى التَّشْوِيهِ شُحُوبًا مُفْزِعًا؟ وَتَمْتَازُ نِسَاؤُهُمْ مِنْ رِجَالِهِمْ بِأَنَّهُنَّ أَشَدُّ قُبْحًا وَأَكْثَرُ دَمَامَةً. وَكَأَّنَمَا أَثْقَلَتِ السِّنُونُ كَوَاهِلَ الْمُخَلَّدِينَ فَجَعَلَتْهُمْ يَنُوءُونَ بِحَمْلِهَا، وَأَصْبَحُوا أَقْرَبَ إِلَى أَنْ يَكُونُوا أَشْبَاحًا فَانِيَةً، وَأَطْيَافًا زَائِلَةً، مِنْهُمْ إِلَى أَنْ يَكُونُوا أَنَاسِيَّ وَأَحْيَاءَ يُحِسُّونَ وَيَشْعُرُونَ.

(٧) حِكْمَةُ الْمُشَرِّعِينَ

وَلَمَّا عَلِمَ الْمَلِكُ بِمَا دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ رِفَاقِي مِنْ حَدِيثٍ، اسْتَدْعَانِي إِلَيْهِ، وَسَأَلَنِي عَنْ رَأْيِي فِيمَا سَمِعْتُ مِنْ أَحَادِيثِ هَذِهِ الْفِئَةِ الشَّقِيَّةِ التَّاعِسَةِ؛ فَأَفْضَيْتُ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا دَارَ فِي نَفْسِي مِنَ الْآرَاءِ الَّتِي أَسْلَفْتُهَا لِلْقَارِئِ، فَأَقَرَّنِي عَلَيْهَا مُبْتَسِمًا، وَأَحَبَّ أَنْ يُرْسِلَ اثْنَيْنِ مِنَ الْخَالِدِينَ إِلَى بِلَادِي، وَلَكِنَّ شَرِيعَةَ الْبِلَادِ وَقَفَتْ حَائِلًا دُونَ تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأُمْنِيَّةِ.

وَلَقَدْ بَدَتْ لِي حِكْمَةُ الْمُشَرِّعِينَ فِي حِرْمَانِ الْمُخَلَّدِينَ مِنْ ثَروَاتِهِمْ — بَعْدَ سِنِّ الثَّمَانِينَ — وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ أَصَالَةً وَبُعْدَ نَظَرٍ. وَلَوْلَا هَذَا الْحْرِمَانُ لَاسْتَوْلَى الْمُخَلَّدُونَ عَلَى أَمْلَاكِ الدَّوْلَةِ كُلِّهَا، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى ثَرْوَةِ الْبِلَادِ، وَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ تَثْمِيرِ مَالِهِمْ وَتَنْمِيَتِهِ.

وَلَا مَعْدَى لِلْبِلَادِ عَنْ أَنْ تَكِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى أَيْدِي الشَّبَابِ الْقَادِرِينَ عَلَى الْعَمَلِ، وَلَوْلَا هَذَا الْقَيْدُ لَعَمَّ الْخَرَابُ وَسَادَ الْإِفْلَاسُ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤