الفصل الرابع

أطوار السجع

لهذا البحث أهمية عظمى، وقد جمعنا مذكرات عديدة تصلح مادة لكتيب خاص، ثم رأينا إجمالها في هذا الفصل،١ وترجع أهمية هذا البحث إلى ما يجب من تبديد الشبهة التي تأصلت في أنفس كثير من الباحثين الذين يظنون أن التزام السجع لم يقع إلا في القرن الرابع، فقد حدثني المسيو مرسيه مرة أنه وجد كتابًا لمؤلف قديم اسمه الأخضري، وأن المؤلف منسوب إلى القرن الثالث، ويُصر المسيو مرسيه على ضمه إلى رجال القرن الرابع؛ لأنه يلتزم السجع.
واستطرد المسيو مرسيه فذكر أنه عرض هذه المسألة على الدكتور طه حسين فوافقه على استبعاد أن يكون من رجال القرن الثالث من يلتزم السجع، وفي هذا الفصل تُبدَّد أمثال هذه الشبهات، ويعرف القارئ أن السجع حلية قديمة أولع بها الكتاب والخطباء قبل القرن الرابع بأجيال، وأنه لا يكفي أن يكون الكتاب مسجوعًا ليطرد من حظيرة القرن الثالث كما حكم وليم مرسيه وطه حسين.٢
ولنذكر أولًا أن السجع من مميزات البلاغة الفطرية، فهو في أكثر اللغات يجري باطراد في الحكم والأمثال، ويمكن الحكم بأن أمثال العامة تقع غالبًا مسجوعة، وقد يجني السجع على المعنى أحيانًا في تعابير الفطريين من أهل البادية والريف، وفي ذلك دلالة على أن المحسِّنات اللفظية مما يقصده العوام وليست مما ينفرد به الخواص، والقارئ يستطيع بسهولة أن يجمع عشرين مثلًا في لحظة واحده من أسجاع العامة فيما سار على ألسنتهم من مختلف الحكم والأمثال،٣ ولو رجع القارئ إلى إحدى اللغات الأوروبية؛ كالفرنسية مثلًا، لوجد السجع يجري باطراد في هذا الضرب من القول، مثل: (Qui va à la chasse, perd sa Place).
ومثل: (Qui se ressemble, s’assemble).
ومثل: (La nuit, tous les chats sont gris).
وكالمثل السائر: (Vouloir, c’est Pouvoir).
وما جمعه الرواة من خطب الجاهليين أكثره مسجوع؛ كخطبة قس بن ساعدة الإيادي وخطبة النابغة الذبياني،٤ ومع أننا نرتاب في صحة تلك الخطب فإننا نرى في وضعها مسجوعة — على فرض صحة الوضع — دليلًا على أن الرواة كانوا يفهمون أن السجع من طبيعة البلاغة الجاهلية، وفهم الرواة له قيمته؛ لأنهم أقرب منا بمراحل طويلة إلى ذلك العهد، ولأنهم كانوا يملكون من أصول الأدب الجاهلي الصحيح ما يمكنهم من الحكم على طرائق أهله في التعبير.

ولو تركنا المشكوك فيه من الآثار الجاهلية، وعدنا إلى نص جاهلي لا ريب فيه، وهو القرآن، لرأينا السجع إحدى سماته الأساسية، والقرآن نثر جاهلي، كما أوضحنا ذلك من قبل، والسجع فيه يجري على طريقة جاهلية حين يخاطب القلب والوجدان، ولا ينكر متعنت أن القرآن وَضع للصلوات والدعوات ومواقف الثناء والخوف والرجاء سورًا مسجوعة تماثل ما كان يرتله المتدينون من النصارى واليهود والوثنيين، ولا ننسى أن الوثنية كانت دينًا يؤمن به أهله في طاعة وخشوع، وكانت لهم طقوس في هياكلهم، وكانت تلك الطقوس تؤدَّى على نحو قريب مما كان يفعله أهل الكتاب من النصارى واليهود.

والقرآن وضع لأهله صلوات وترنيمات تقرب في صيغتها الفنية مما كان لأهل الكتاب من صلوات وترنيمات، والفرق بين الملتين يرجع إلى المعاني ويكاد ينعدم فيما يتعلق بالصور والأشكال، ولو دخلتَ كنيسة في باريس ورأيت كيف تتلى الدعوات بعد الصلاة لتذكرت الصورة التي تتلى بها الدعوات بعد الصلاة في مساجد القاهرة؛ ذلك بأن الديانات الثلاث؛ الإسلام والنصرانية واليهودية، ترجع إلى مهد واحد هو الجزيرة العربية، فاللون الديني واحد، وصورة الأداء تكاد تكون واحدة، فلا تحسب أن القرآن غيَّر مناهج الناس في يوم وليلة، وتذكر أنه لم يشأ إلا أن يصلح من عقائد من دعاهم إلى الله، وأن يروضهم على فكرة واحدة هي التوحيد.

ومعنى هذا أن القرآن يسجع؛ لأن السجع كان فنًّا من فنون القول والدعاء عند الجاهلية، والصلوات بطبيعتها تحتاج إلى لون من الفن يتمثل في السجع؛ لأن فيه استجابة للموسيقا الوجدانية في قلوب المتبتلين، وإليك أمثلة من سجع القرآن: وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَىٰ مَثَلُ الْأَوَّلِينَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ (الزخرف: ٦–١٤).

وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ * عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (الواقعة: ١٠–٣٤).٥
وعند ملاحظة سجع القرآن نراه يختلف فجأة في بعض الأحايين؛ كأن تكون القافية نونية فتجيء في وسط السياق فاصلة ميمية، وفي هذا برهان على أن المعنى هو الأصل، وأن السجع لا يراد به مطلق التوافق في الحرف، وإنما يقصد به التلحين والتنغيم؛ لأن تغيير الحرف مع بقاء الوزن لا يغير من الرنة الموسيقية.٦
وفي الأحاديث النبوية سجع مقصود، خلافًا لما ظن المسيو ماسينيون،٧ ومن أمثلته:

أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام.

ونقل الغزالي في باب الاستعاذات المأثورة عن الرسول:
اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طَبع، ومن طمع في غير مطمع، ومن طمع حيث لا مطمع. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع. وأعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، ومن الخيانة؛ فإنها بئست البطانة، ومن الكسل والبخل والجبن، ومن الهرم، ومن أن أُردَّ إلى أرذل العمر.٨

ولنقيد أن السجع لا يطَّرد في الحديث كما لا يطَّرد في القرآن، فهو حلية تقصد، ولكنها لا تلتزم؛ لما في التزامها في قهر المعاني على متابعة الألفاظ.

وقد نجد في الأحاديث عبارات تجري مجرى السمع من حيث مراعاة الوزن وإن لم تراعَ فيها القافية؛ كقوله عليه السلام:
اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها ألفتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوء.٩

وهذا النوع من «الوزن» قريب من السجع من حيث بناء الجملة، وسنعود إليه بعد قليل.

ولو مضينا نستقرئ خطب الصحابة والخلفاء الراشدين لرأينا السجع يُلتزم في كثير من الأحيان، وإلى القارئ خطبة منسوبة إلى علي بن أبي طالب:
دار بالبلاء محفوفة، وبالغدر معروفة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم نُزَّالها، أحوال مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم، والأمان فيها معدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة؛ ترميهم بسهامها، وتفنيهم بحمامها، واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل مَن قد مضى قبلكم ممن كان أطول منكم أعمارًا، وأعمر ديارًا، وأبعد آثارًا، أصبحت أصواتهم هامدة، ورياحهم راكدة، وأجسامهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية؛ فاستبدلوا بالقصور المشيدة، والنمارق الممهدة، الصخور والأحجار المسندة، والقبور اللاطئة١٠ الملحدة، التي قد بني بالخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل محلة موحشين، وأهل فراغ متشاغلين، لا يستأنسون بالأوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الديار، وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكه البلى، وأكلتهم الجنادل والثرى، وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه، وارتهنكم ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور وبعثرت القبور.١١
وقد أراد المسيو (Demonbynes) ديمومبين أن يغض من قيمة ما نُسب إلى علي بن أبي طالب من خطب ورسائل؛ استنادًا إلى ما شاع منذ أزمان من أن الشريف الرضي هو واضع كتاب «نهج البلاغة»، أما نحن فنتحفظ في هذه المسألة كل التحفظ؛ لأن الجاحظ يحدثنا أن خطب علي وعمر وعثمان كانت محفوظة في مجموعات.١٢ ومعنى هذا أن خطب عليٍّ كانت معروفة قبل الشريف الرضي، والذين نسبوا «نهج البلاغة» إلى الرضي يحتجون بأنه وضعها لأغراض شيعية، فَلِمَ لا نقول من جانبنا بأن تهمة الوضع جاءت لتأييد خصوم الحملات الشيعية؟١٣
ولو فرضنا أن أمثال ما استشهدنا به من خطب عليٍّ ليس له، فإن ذلك لا يمنع أن السجع كان من مزايا ذلك الخطيب؛ لأن من يقلد خطيبًا يحرص على تمثيل مذهبه في الأداء والأسلوب، وقد رأينا التوحيدي يخترع حديث السقيفة ويرى من الفن أن ينطق الصحابة بكلام مسجوع؛ لأنه كان يعرف لغتهم كذلك، فيقول على لسان عمر وهو يخاطب أبا عبيدة:
قل لعليٍّ: الرقاد محلمة، والهوى مقحمة، وما منا إلا له مقام معلوم، وحق مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم، وإن أكيس الكيس من منح الشارد تألفًا، وقارب البعيد تلطفًا، ووزن كل شيء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه … ما هذه الخنزوانة التي في فراش رأسك؟ ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك؟ ما هذه القذاة التي تغشت ناظرك؟ وما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك؟ وما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر، واشتملت عليه بالشحناء والنكر … إلخ.١٤

ومن دقة المحاكاة ما رأينا التوحيدي يحرص عليه في حديث السقيفة من التسامح في التزام السجع في بعض الفقرات ليوافق المنهج الذي عرف في نظم القرآن والحديث وخطب الصحابة والخلفاء الراشدين.

فإذا تخطينا عصر النبوة وصدر الإسلام إلى العصر الأموي رأينا الخطباء كذلك يسجعون،١٥ ورأينا مثلًا هشام بن عبد الملك يقول:
وإنا لنعرف الحق إذا نزل، ونكره الإسراف والبخل، وما نعطي تبذيرًا، وما نمنع تقتيرًا، وما نحن إلا خُزَّان الله في بلاده، وأمناؤه على عباده، فإن أذن أعطينا، وإذا منع أبينا، ولو كان كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق، ما جبهنا قائلًا، ولا رددنا سائلًا.١٦

روي هذا الكلام على أنه مرتجل في الرد على خطيب وفد أهل الحجاز، وفي روايته كذلك دليل على أنهم كانوا يفهمون أن الكلام يقع مسجوعًا حين يحتفل به القائلون.

وقد أُثر عن الخلفاء والقوَّاد كلام مسجوع في مواطن لا ينتظر فيها تأنق في التعبير، كأن يكون الكلام جوابًا على سؤال، من ذلك ما روي أن عقال بن شبة دخل على هاشم وأراد أن يقبِّل يده فقال: «لا يفعل هذا من العرب إلا هَلُوع، ولا من العجم إلا خَضوع.» وقالت امرأة لأبي مسلم: «ناولني يدك أقَبِّلها فقد نذرتُ.» فقال: «عليك بالحجر الأسود تصيبين أجرًا، وتقضين نذرًا.»١٧
وكان المسيو (Marcais) مرسيه يظن أن الناس بدءوا يكرهون السجع في العصر الأموي، وكانت حجته ما حدَّث الجاحظ أن معاوية أملى كتابًا إلى رجل فقال فيه: «لهو أهون عليَّ من ذرة، أو كلب من كلاب الحرة.» ثم قال لكاتبه: «امحُ من كِلاب الحرة، واكتب: من الكلاب.» كأنه كره اتصال الكلام والمزاوجة وما أشبه السجع، ورأى أنه ليس في موضعه.١٨

وقد راجعنا المسيو مرسيه في هذا وأبنَّا له أن معاوية تحامى السجع في هذا الموطن؛ لأنه فن يشعر بأن الكاتب هادئ النفس، وهو لا يصلح لمقام التهديد والوعيد.

والمعروف عن ابن المقفع أنه لا يلتزم السجع، وبالغ المسيو مرسيه فحدثني في أحد أيام سبتمبر سنة ١٩٢٩ أنه لا يعرفه على الإطلاق، ولو استقصى أخباره لرآه يذكر من البلاغة «ما يكون سجعًا وخطبًا، ومنها ما يكون رسائل»،١٩ فابن المقفع يقرر أن السجع فن من القول يقابل الشعر والرسائل، ولعله يريد به الأمثال، وإن كان قرنه بالخطب يفهمنا أنه يقصد به الخطب المسجوعة، ولا سيما إذا لاحظنا أن الحصري يذكر أن بشار بن برد كان «سجاعًا خطيبًا»،٢٠ وأن المختار بن أبي عبيد كانت له «أسجاع يصنعها، وألفاظ يبتدعها، ويزعم أنها تنزل عليه، وتوحى إليه»،٢١ وفي هذه العبارة ما يذكر بأن الإلهامات الدينية — حتى المفتراة — كانت تنتظر صورة مسجوعة؛ لأن السجع من تقاليد الكهان، وكان الكهان حملة راية الدين في عصر الجاهلية.
ولو حللنا أساليب المشاهير من كتاب العصر الأموي لرأينا كتاباتهم «موزونة» على طريقة السجع، وإن لم تلتزم فيها القافية، وانظر قول عبد الحميد بن يحيى:
ثم إياك أن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك، التي يستخف بها أهل البطالة، ويتسرع نحوها ذوو الجهالة، ويجد فيها أهل الحسد مقالًا لعيب يرفعونه، ولطعن في حق يجحدونه، ومع ما في ذلك من نقص الرأي، ودرن العرض، وهدم الشرف، وتأثيل الغفلة، وقوة طباع السوء الكامنة في بني آدم كمون النار في الحجر الصلد، فإذا قدح لاح شرره، ولهب وميضه، ووقد تضرمه، وليست في أحد أقوى سطوةً، وأظهر توقدًا، وأعلى كمونًا، وأسرع إليه بالعيب منها إلى من كان في سنك من أغفال الرجال.٢٢
وفي مثل هذا النثر حرية ظاهرة، ولكن بناء الجمل مطبوع بطابع السجع في كثير من الفقرات، ورويت لعبد الحميد أسجاع كقوله: «الناس أخياف مختلفون، وأصناف متباينون، فمنهم علق مضغة لا يباع، ومنهم غل مظنة لا يبتاع.»٢٣
وابن المقفع أكثر كُتَّاب العصر الأموي حرية في صوغ الجملة، ولكن يتفق له أحيانًا أن يرصع كلامه على منهج الوزن في السجع، فيقول مثلًا:

وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي الألباب … فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلًا فليأخذ له عتاده، وليعد له طول أيامِه، وليؤثره على أهوائه، فإنه قد رام أمرًا جسيمًا لا يصلح على الغفلة، ولا يدرك بالمعجزة، ولا يصير على الأثرة.

وما نسميه الوزن نريد به فوارق الفواصل الذي يتحصل به هدوء النفَس عند تلاوة الكلام المرصوف.

ومما يعيِّن ميل الأذواق العربية إلى إيثار السجع غلبة هذا الفن على أكثر ما أُثر عن الأعراب. حدَّث الأصمعي أنه سمع أعرابيًّا يذكر قومه فقال:
كانوا إذا اصطفوا تحت القنام، ومطرت بينهم السهام، يشربون الحمام، وإذا تصافحوا بالسيوف، فغرت فاهًا الحتوف.٢٤
وعذلت أعرابية أباها في إتلاف ماله بالجود فقالت:
حبسُ المال أنفع للعيال من بذل الوجه في السؤال، فقد قلَّ النوال، وكثر البخال، وقد أتلفتَ الطارف والتلاد، وبقيتَ تطلب ما في أيدي العباد، ومن لم يحفظ ما ينفعه، أوشك أن يسعى فيما يضره.٢٥
وقال بعض الأعراب:
نالنا وَسْميٌّ،٢٦ وخلفه وليٌّ،٢٧ فالأرض كأنها وشيٌ عبقريٌّ، ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حداد، فخربت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يهلك القوي الأكول بالضعيف المأكول.٢٨
ووعظ أعرابي رجلًا وهو يقول:
ويحك! إن فلانًا وإن ضحك إليك، فإنه يضحك منك، ولئن أظهر الشفقة عليك، فإن عقاربه لتسري إليك؛ فإن لم تتخذه عدوك في علانيتك، فلا تجعله صديقًا في سريرتك.٢٩
ودخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فقال:
أصلح الله الأمير، شيخ كبير، حدته إليك بارية العظام، ومؤرثة الأسقام، ومطولة الأعوام، فذهبت أمواله، وذعذعت٣٠ آباله، وتغيرت أحواله، فإن رأى الأمير أن يجبره بفضله وينعشه بسجله، ويرده إلى أهله.٣١

والسجع في كلام الأعراب كثير جدًّا، فلا نشغل أنفسنا بالتدليل على كثرته، ولنذكر أن هناك أحاديث كثيرة وضعت على ألسنة الأعراب واهتم الوضاعون بصوغها مسجوعة لتسهل نسبتها إليهم، وسنعود إليها عند الكلام عن ابن دريد.

وهناك فن من القول التزم فيه السجع على نمط كلام الأعراب؛ وهو وصايا الآباء للأبناء، وهو فن قديم عرفه أهل الجاهلية، ومن شواهده في العصر الإسلامي قول عبد الله بن شداد:
أي بني، لا تزهدن في معروف، فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات نوائب، على الشاهد والغائب، فكم من راغب قد كان مرغوبًا إليه! وطالب أصبح مطلوبًا ما لديه! … وإن سمعت كلمة من حاسد، فكن كأنك لست بالشاهد … وإن غلبت يومًا على المال، فلا تدع الحيلة على حال؛ فإن الكريم يحتال، والدَّنِيَّ عيال، وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالًا، أقل ما تكون في الباطن مالًا.٣٢
وقال علقمة بن لبيد لابنه:
يا بني، إذا نزغتْك إلى صحبة الرجال حاجةٌ فاصحب مَن إن صحبتَه زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شهد صولك، وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتَّ عنه ابتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمات آساك، من لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن حاول حويلًا آمَرَك،٣٣ وإن تنازعتما منفسًا آثرك.٣٤

وزعماء الوافدين على الخلفاء يؤثرون السجع كأن الخُطب نوع من القصيد. قال عبد الملك بن مروان وقد دخل عليه العجاج: «يا عجاج، بلغني أنك لا تقدر على الهجاء. فقال يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية، أمكنه إخراب الأخبية.

قال: فما يمنعك من ذلك؟ قال: إن لنا عزًّا يمنعنا من أن نُظلَم؛ وإن لنا حلمًا يمنعنا من أن نَظلِم؛ فعلامَ الهجاء؟ فقال: لَكلماتك أشعر من شعرك، فأنَّى لك عز يمنعك من أن تُظلَم؟ قال: الأدب البارع، والفهم الناصع. قال: فما الحلم الذي يمنعك من أن تظلِم؟ فقال: الأدب المستطرف والطبع التالد.»٣٥
وروي أن علي بن أبي طالب أرسل إلى معاوية بالشام كتابًا صحبه صعصعة بن صوحان، فسار به حتى أتى دمشق، فأتى باب معاوية فقال لآذنه: استأذن لرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وبالباب جماعة من بني أمية، فأخذته النعال والأيدي لقوله: «أمير المؤمنين»، وكثرت عليه الجلبة، فاتصل ذلك بمعاوية فأذن له، فدخل عليه فقال: السلام عليك يابن أبي سفيان، هذا كتاب أمير المؤمنين. فقال معاوية: أما إنه لو كانت الرسل تُقتل في جاهلية أو إسلام لقتلتك! ثم اعترضه معاوية في الكلام وأراد أن يستخبره ليعرف طبعًا أو تكلفًا، فقال له: ممن الرجل؟ فأجاب: من نزار، قال: وما نزار؟ قال: كان إذا غزا انحوش،٣٦ وإذا انصرف انكمش، وإذا لقي افترش.
قال: فمن أي أولاده أنت؟ قال: من ربيعة. قال: وما ربيعة؟ قال: كان يغزو بالخيل، ويغير بالليل، ويجود بالنيل. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من أمهر. قال: وما أمهر؟ قال: كان إذا طلب أفضى، وإذا أدرك أرضى، وإذا آب أنضى. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من جديلة. قال: وما جديلة؟ قال: كان يطيل النجاد، ويعد الجياد، ويجيد الجلاد.٣٧ قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من دعميٍّ. قال: وما دعميٌّ؟ قال: كان نارًا ساطعًا، وشرًّا قاطعًا، وخيرًا نافعًا. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من أفصى. قال: وما أفصى؟ قال: كان ينزل القارات، ويكثر الغارات، ويحمي الجارات.
قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من عبد القيس. قال: وما عبد القيس؟ قال: أبطال ذادة، جحاجحة سادة، صناديد قادة. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من أفصى. قال: وما أفصى؟ قال: كانت رماحهم مُشرعة، وقدورهم مترعة، وجفانهم مفرغة.٣٨ قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من لُكَيْز. قال: وما لُكَيْز؟ قال: كان يباشر القتال، ويعانق الأبطال، ويبدد الأموال.

قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من عجِل؛ قال: وما عجِل؟ قال: الليوث الضراغمة، الملوك القماقمة، والقروم القشاعمة. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من كعب. قال: وما كعب؟ قال: كان يسعر الحرب، ويجيد الضرب، ويكشف الكرب. قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من مالك. قال: وما مالك؟ قال: هو الهمام للهمام، والقمقام للقمقام.

فقال معاوية — رحمه الله: ما تركت لهذا الحي من قريش شيئًا! قال: بل تركت لهم أكثره وأحبه! قال: وما تركت لهم؟ قال: تركت لهم الوبر والمدر، والأبيض والأصفر، والصفا والمشعر، والقبة والمفخر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر.

قال معاوية: أما والله لقد كان يسوءني أن أراك أسيرًا.

فقال صعصعة: وأنا والله لقد كان يسوءني أن أراك أميرًا!

تلك رواية الأمالي، أما رواية صبح الأعشى فقصيرة وتختم هكذا بالسؤال عن عبد القيس: فمن أي أولاده أنت؟ قال: من عبد القيس. قال: وما كان عبد القيس؟ قال: كان حسنًا أبيض وهابًا، يقدم لضيفه ما وجد، ولا يسأل عما فقد، كثير المرق، طيب العرق، يقوم للناس مقام الغيث من السماء.٣٩
ولنلاحظ أن هذا الحوار يشتمل في سياقه على ثلاث قوافٍ في كل جواب، ويطول في الجواب الأخير؛ لأنه بيت القصيد، ومن الواضح أن هذه الصنعة تعسر على الارتجال، فمن المرجح أن يكون هذا الحوار لَحِقَه شيء من الترتيب، ولا سيما إذا تذكرنا أنه منسوب إلى خطيب كان يضرب المثل في البيان المطول وهو ابن صوحان، فلا يبعد أن يكون نظمه نظمًا جديدًا بعد خروجه من قصر معاوية بن أبي سفيان.٤٠

وهنا أيضًا لا نحتاج إلى كثير من الشواهد؛ لأن السجع في حضرة الخلفاء والأمراء والوزراء كان من الذيوع بحيث لا يحتاج في إثباته إلى تدليل.

ومن طريف ما هدانا إلى الاستقراء أن السجع كان وسيلة من وسائل المجتدين والعفاة، فهو عندهم فن من القول كالقصيد يتقربون به إلى قلوب الأغنياء،٤١ وتحت أيدينا شواهد بعضها خشن متوعر، وبعضها سهل مقبول، وهي في جملتها تنبئنا بأن السجع كان يزيد الكلام رونقًا وبهاء، وينظم قائله في سلك أهل البيان.
قال صاحب الأمالي: «حدثنا أبو بكر — رحمه الله — قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: أخبرنا أبو زيد، قال: بينا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابي فقال: يا مسلمون! إن الحمد لله والصلاة على نبيه، إني امرؤ من أهل هذا الملطاط٤٢ الشرقي المواصي٤٣ أسياف٤٤ تهامة، عكفت٤٥ علينا سنون مُحش٤٦ فاجتبت٤٧ الذرى، وهشمت٤٨ العرى،٤٩ وجمشت٥٠ النجم،٥١ وأعجت٥٢ البهم، وهمت٥٣ الشحم، والتحبت اللحم،٥٤ وأحجنت العظم،٥٥ وغادرت التراب مورًا،٥٦ والماء غورًا٥٧ والناس أوزاعًا،٥٨ والنبط قعاعًا،٥٩ والضهل جزاعًا،٦٠ والمقام جعجاعًا،٦١ يصحبنا الهاوي،٦٢ ويطرقنا العاوي،٦٣ فخرجت لا أتلفع بوصيدة،٦٤ ولا أتقوت هبيدة،٦٥ فالبخصات وقعة،٦٦ والركبات زلعة،٦٧ والأطراف قفعة،٦٨ والجسم مسلهمٌّ،٦٩ والنظر مدرهم،٧٠ أعشو فأَغطش٧١ وأضحى فأخفش،٧٢ أُسهل ظالعًا،٧٣ وأحزن راكعًا،٧٤ فهل من آمر بمير،٧٥ أو داع بخير؟ وقاكم الله سطوة القادرة، وملكة الكاهرة،٧٦ وسوء الموارد، وفضوح المصادر.»٧٧

وهذا النوع من الكلام كثير أيضًا، فلا نشغل أنفسنا بإيراد الشواهد، ولنذكر أننا نفترض أن بديع الزمان اقتبس هذا المنهج في مقاماته، فإن صاحبه أبا الفتح الإسكندري يسأل الناس في المساجد والأسواق على هذا المنوال، وهذه الطريقة في الاستجداء لا تزال معروفة؛ ففي مضايف القرى المصرية وأسواقها يشهد الأغنياء أفواجًا من السائلين يتوسلون إليهم برقًى من الكلام المسجوع، بعضه في المدح وبعضه في الدعاء.

ولنقيد أيضًا أن ما روي في سجع العفاة يرجع إلى بابين: باب تغلب فيه الصنعة حتى لتميل النفس لنسبته إلى صانعي الأخبار والأقاصيص؛ كالكلمة التي نقلناها آنفًا، فإن أغلب الظن أنها من وضع بعض اللغويين.

وباب تغلب عليه الفطرة؛ كالأسجاع التي يفيض بها المعتفون حين تقع بينهم وبين من يسألونهم مراجعة أو ملاحاة، من ذلك ما روي أن أعرابيًّا وقف يسأل فعبث به فتى فقال: ممن أنت؟ فقال الأعرابي: من صعصعة. فقال الفتى: من أيهم؟ فقال: إن كنت أردت عاطفة القرابة فليكفك هذا القدر من المعرفة، فليس مقامي مقام مجادلة ولا مفاخرة، وأنا أقول: فإن لم أكن من هاماتهم، فلست من أعجازهم. فقال الفتى: ما رويت من فضيلتك إلا النقص من حسبك. فامتعض الأعرابي لذلك، فجعل الفتى يعتذر ويخلط الهزل والدعابة باعتذاره، وأطال الكلام، فقال له الأعرابي: «يا هذا، إنك منذ اليوم آذيتني بمزحك، وقطعتني عن مسألتي بكلامك واعتذارك، وإنك لتكشف عن جهلك بكلامك ما كان السكوت يستره من أمرك، ويحك! إن الجاهل إن مزح أسخط، وإن اعتذر أفرط، وإن حدث أسقط، وإن قدر تسلط، وإن عزم على أمر تورَّط، وإن جلس مجلس الوقار تبسَّط. أعوذ بالله منك، ومن حال اضطرتني إلى مثلك!»٧٨
ووقف أعرابي على قوم فمنعوه فقال:
اللهم اشغلنا بذكرك، وأعذنا من سخطك، وأولجنا إلى عفوك، فقد ضنَّ خلقك برزقك، فلا تشغلنا بما عندهم عن طلب ما عندك، وآتنا من الدنيا القنعان،٧٩ وإن كان كثيرها يسخطك، فلا خير فيما يسخطك.٨٠
وأظرف ما قرأت في سؤال الأعراب هذه الكلمات:
أين الوجوه الصِّباح، والعقول الصحاح، والألسن الفِصاح، والأنساب الصِّراح، والمكارم الرياح، والصدور الفِساح، تعيذني من مقامي هذا.٨١
وأصرح من كل ما سلف في إيثار السجع ما قاله عبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي وقد سُئل: «لِمَ تؤثر السجع على المنثور، وتلزم نفسك القوافي وإقامة الوزن؟» فأجاب: «إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلَّ خلافي عليك، ولكني أريد الغائب والحاضر، والراهن والغابر، فالحفظ إليه أسرع، والأذن لسماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وبقلَّة التفلُّت، وما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عُشْره، ولا ضاع من الموزون عُشْره.»٨٢

وهو جواب صريح الدلالة على أن الكلام المسجوع كان ينظر إليه نظرة تقدير وإعجاب، وأنه خليق بأن يحفظ ويروى، وأن الكلام المنثور الخالي من الوزن والقافية يراد به في الأغلب إقناع المخاطبين، أما التفكير في الحاضرين والغائبين فيوجب كلامًا مصنوعًا يستأهل البقاء، وكانت الصنعة أظهر ما تكون في القوافي والأوزان.

وفي هذا الكلام أيضًا دلالة صريحة على أن النثر المرسل لم يحفظ منه إلا قليل، أما النثر المسجوع فحفظ معظمه بفضل الوزن والقافية،٨٣ والأمر كذلك — فيما نظن — في سائر اللغات؛ لأنه يرجع إلى طبيعة يتساوى فيها جميع الناس.
عرفنا إلى الآن أن السجع كان كثيرًا في الجاهلية، وكان يغلب على النثر في عصر النبوة، ثم أخذ سلطانه يضعف قليلًا في العصر الأموي، وإن حرص عليه القصَّاص والخطباء وناقلوا أحاديث الأعراب، فلنذكر الآن أنه عاد يسترد قوته في أواخر القرن الثاني، وبدأنا نرى رسائل يكاد يلتزم فيها السجع؛ كقول كلثوم بن عمرو العتابي في مخاطبة صديق:٨٤

أما بعد — أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه في الجنة — فإنك كنت عند روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها، وكنا نعفيها من النجعة؛ استتمامًا لزهرتها، وشفقة على خضرتها، وادخارًا لثمرتها، حتي أصابتنا سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف، واشتد علينا كلبها، وغابت قطتها، وكذبتنا غيومها، وأخلفتنا بروقها، وفقدنا صالح الإخوان فيها، فانتجعتك وأن بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك، مع علمي بأنك موضع الرائد وأنك تغطي عين الحاسد، والله أعلم أني ما أعدك إلا في حومة الأهل، واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل، ولم يمكنه الكثير لم يعرف جوده، ولم تظهر همته.

والعتابي لا يقف عند السجع، بل يكلف أحيانًا بالبديع، وهو أدخل في الصنعة من السجع، وانظر قوله لمالك بن طوق:
أيها الأمير، إن عشيرتك من أحسن عشرتك، وإن ابن عمك مَن عمَّك خيره، وإن قريبك من قرب منك نفعه، وإن أحب الناس إليك من كان أخفهم ثقلًا عليك.٨٥
فإذا جاء القرن الثالث رأينا السجع يظهر في الكتابة وفي التأليف، ورأينا أبا العيناء مثلًا يؤلف كتابًا في ذم أحمد بن الخصيب، يحكي فيه أن جماعة من الفضلاء اجتمعوا في مجلس وكل منهم يكره ابن الخصيب؛ لما كان فيه من الفدامة والجهالة والتغفل، فتجاذبوا أطراف المُلَح في ذمه، فقال أحدهم — وهنا يبدأ الشاهد: كان جهله غامرًا لعقله، وسفهه قاهرًا لحلمه. وقال آخر: لو كان دابة لتقاعس عن عنانه، وحزن في ميدانه. وقال آخر: كنت إذا وقع لفظه في سمعي أحسست النقصان في عقلي. وقال بعض كُتَّابه: كنت أرى قلم ابن الخصيب يكتب بما لا يصيب، ولو نطق لنطق بنَوك عجيب.٨٦
وأظهر من هذا في إقامة الشاهد قول ابن المعتز يمدح سُرَّ مَن رأى ويصف خرابها ويذم بغداد:
كتبت من بلدة قد أنهض الله سكانها، وأقعد حيطانها، فشاهد اليأس فيها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر، فكأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر، وقد تمزقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حق جوار، فما لها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا، على أنها وإن جفيت معشوقة السكنى، رجية المثوى، كوكبها يقظان، وجوها عريان، وحصاؤها جوهر، ونسيمها معطر، وترابها أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنيء، وشرابها مريء، لا كبلدتكم الوسخة السماء، الومدة الماء والهواء، جوها غبار، وأرضها خبار، وماؤها طين، وتوابها سرجين، وحيطانها نزور، وتشرينها تموز، فكم في شمسها من محترق! وفي ظلها من غرق! ضيقة الديار، وسيئة الجوار، أهلها ذئاب، وكلامهم سباب، وسائلهم محروم، ومالهم مكتوم؛ لا يجوز إنفاقه، ولا يحل خناقه. حشوشهم مسابل، وطرقهم مزابل، وحيطانهم أخصاص، وبيوتهم أقفاص، ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول، والدهر يسير بالقيم، ويمزج البؤس بالنعيم.٨٧
ولابن المعتز من كلمة ثانية يغلب عليها السجع والازدواج:

لا يزال الإخوان يسافرون في المودة حتى يبلغوا المشقة، فإذا بلغوا ألقوا عصا التسيار، واطمأنت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت خبايا الضمائر، فحلوا عقد التحفظ، ونزعوا ملابس التخلق.

وقال من كلمة ثالثة:
سار في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد، وكأن رماحهم قرون الوعول، وكأن دروعهم زبد السيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرق، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين، وقرَّطت عذرًا كأنها الشنف، تتلقف الأعداء أوائله، ولم تنهض أواخره، قد صب عليه وقار الصبر، وهبت معهم ريح النصر.٨٨

وفي هذا الشواهد الثلاثة لكاتب واحد ما يدل على أن التزام السجع لم يغلب غلبة مطلقة، كما سنرى عند كُتَّاب القرن الرابع، وإنما هي طلائع لهجوم السجع نراها عند كتَّاب القرن الثالث من حين إلى حين، والفنون الأدبية لا تخلق مرة واحدة، أو لا تبعث مرة واحدة، ولكنها في الظهور والانتشار على نحو ما تفعل تباشير الصباح.

ومن أظهر الدلائل على ذيوع بدعة السجع في القرن الثالث ما رأيناه من حرص ابن داود على وضع عناوين الفصول مسجوعة في كتاب الزهرة، وفي هذا أصدق شاهد على أن السجع عاد فنًّا يُؤْلَف ويستطاب. وإلى القارئ نماذج من تلك العناوين: «من كثرت لحظاته دامت حسراته – العقل عند الهوى أسير والشوق عليهما أمير – من تداوى بدائه لم يصل إلى شفائه – ليس بلبيب من لم يصف ما به لطبيب – إذا صح الظفر وقمت الغِيَر – التذلل للحبيب من شيم الأديب – من طال سروره قصرت شهوره – من كان ظريفًا فليكن عفيفًا – سوء الظن من شدة الضن – من مُنع من كثير الوصال قنع بقليل النوال – بُعد القلوب على قرب المزار أشد من بُعد الديار من الديار – ما عتب من اغتفر ولا أذنب من اعتذر – إذا ظهر الغدر سهل الهجر – من راعه الفراق ملكه الاشتياق – ما خلق الفراق إلا لتعذيب العشاق – من غاب قرينه كثر حنينه – من قدم هواه قويَ أساه.»

وأرى في هذا الشاهد مقنعًا لمن يتوهمون أن التزام السجع نشأ فجأة في القرن الرابع، ففي هذا الشاهد وحده دليل على أن من الممكن أن نرى كتابًا مسجوعًا لرجل من كُتَّاب القرن الثالث بدون أن يكون في ذلك ما يحملنا على زحزحته إلى حظيرة القرن الرابع، كما فعل بعض الناس.٨٩
ولنقيد هنا أن السجع في عناوين فصول الكتاب الذي شرعه ابن داود — وقد يكون سُبِق إليه — هو أصل السجع في عناوين الكتب، وهو فن يجده المطالع في العصور التالية، حتى لنجد عهودًا بأكملها يطَّرد فيها السجع في العناوين، ومن أغرب ما رأيته أن كتاب «من غاب عنه المطرب» للثعالبي، كتب كاتبه على أصله ما نصه:

كان ينبغي للمؤلف — رحمه الله — أن يلحق اسم هذا الكتاب بلفظة؛ وهو أن يقول: كتاب المعرب فيمن غاب عنه المطرب.

وكانت عناوين الرسائل الخاصة توضع أحيانًا مسجوعة، ومن أقربها إلى الفكاهة هذا العنوان: «إلى المخالف الشاق، السيئ الأخلاق، الظاهر النفاق، محمد بن إسحاق».٩٠
وقد سرى هذا الفن إلى عصرنا الحاضر مع ما أفرطنا في الدعوة إلى ترك السجع؛ فللأمير شكيب أرسلان كتاب حديث جدًّا نشره أولًا في جريدة الشورى واسمه: «الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف».٩١
وقد حذا حذو ابن داود في سجع فصول الكتاب مؤلف آخر عاش في النصف الثاني من القرن الثالث وعاش صدرًا من القرن الرابع؛ وهو محمد بن أحمد بن إسحاق المعروف بالوشَّاء، وإلى القارئ نماذج من سجعه في عناوين الفصول: باب النهي عن ممازحة الأخلاء والنهي عن مفاكهة الأودَّاء – باب الحث على صحبة الإخوان والإغراء على مودَّة الخلان والرغبة في أهل الصلاح والإيمان – باب ما جاء في قبح خلف المواعيد وما يلحق صاحبه من اللوم والتفنيد – باب الحث على كتمان السر والترغيب في حفظ ما حنت عليه ضلوع الصدر – باب ما سئل عنه أهل الصدق من تمام خلات العشق – باب صفة ذم القيان ونفوذ حيلتهن في الفتيان – باب زي الظراف في التكك والنعال والخفاف – باب زيهم المخصوص في الخواتيم والفصوص.٩٢

والقارئ يرى هذا السجع في العناوين أقل جودة من سجع ابن داود.

وأهم من هذا وأدل على الغرض ما رأينا من إيثار هذا المؤلف للسجع في كثير من مواد كتاب «الموشي»، وفي هذا دليل واضح على أن السجع دخل في لغة التأليف عند كتاب القرن الثالث. وانظر قوله في وصف الأديب:
فحقيق على الأديب أن يخزن لسانه عن نطقه، ولا يرسله في غير حقه، وأن ينطق بعلم، وينصت بحلم، ولا يعجل في الجواب، ولا يهجم على الخطاب، وإن رأى أحدًا هو أعلم منه، نصت لاستماع الفائدة عنه، وتحذر من الزلل والسقط، وتحفظ من العيوب والغلط، ولم يتكلم فيما لا يعلم، ولم يناظر فيما لا يفهم، فإنه ربما أخرجه ذلك إلى الانقطاع والاضطراب، وكان فيه نقصه عند ذوي الألباب.٩٣

وحدثنا هذا المؤلف عما كان ينقش على الخواتم والفصوص فرأيناه أسجاعًا في أسجاع!

فمما كان ينقشه أهل الحزم على خواتيمهم: «القناعة خير من الضراعة – التقلل خير من التذلل – السلامة خير من الندامة – بادر الفرصة قبل أن تكون الغصة – الهرب قبل الطلب – الفرار قبل الحصار – الرجوع قبل الوقوع».٩٤
ومما كان ينقشه أهل الهوى على الفصوص: «الحين خير من البين – القبر أفسح من الهجر – الموت خير من الفوت – كأس الهجر أَمَرُّ من الصبر – طول الجفاء يكدر الصفاء – آفة الحبيب نظر الرقيب – الهوى ثوب الضنى – ذهب الفراق بحيلة العشاق».٩٥

فهذا «الجو» من الكلف بالسجع في الرسائل والمؤلفات وأحاديث الناس كان تمهيدًا لما سنراه من التزام السجع في القرن الرابع، ولا ننسى أن أكثر ما كان يكتب في الغزل والوصف والهجاء وقع في الأكثر مسجوعًا، كأن السجع هو الفن الملائم للموضوعات التي كانت في الأصل مما يتحدث عنه الشعراء، والسجع فيه خواص من الشعر، أظهرُها الوزن والتقفية، وإن كان يحتاج إلى رياضة نفسية تبعد بعض البعد عن الرياضة التي يوجبها القريض.

ولا ينبغي أن نستبعد — كما استبعد الأستاذ أحمد أمين — أن توجد مؤلفات مسجوعة في القرن الثالث، فإن عصرنا الحاضر ينكر السجع على المؤلفين أشد الإنكار، ويراه ضربًا من التكلف الممقوت، ومع هذا وجدت في عصرنا مؤلفات مسجوعة؛ مثل «صهاريج اللؤلؤ» و«حديث عيسى بن هشام» وأبواب من «ليالي سطيح»، ولا يزال عندنا كُتَّاب مطبوعون على السجع، لا يتحامونه إلى كارهين، ليسايروا الذوق الحديث.

ومن هذا يتبين أن الصبغة الفنية التي تغلب في بعض العصور لا تسود سيادة مطلقة، وإنما تعيش بجانبها مذاهب تناقضها بعض المناقضة، وترفع رأسها في غير خوف ولا إشفاق، ولولا ما صنعت الصحافة في رياضة الكتَّاب المعاصرين على تجنب السجع والطباق والجناس لبقيت من البديع فنون تسيطر على أكثر الكتَّاب.

ولنأخذ في محاولة أخرى جزيلة النفع؛ وهي درس آراء علماء البيان الذين تكلموا في السجع، ففي كلامهم تحديد لأهمية السجع في البلاغة العربية، ولنبدأ بالجاحظ؛ وهو كاتب لا يسجع إلا قليلًا، ولكنه يرى السجع من خصائص لغة العرب، وانظر قوله في الرد على الشعوبية:
ونحن — أبقاك الله — إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج،٩٦ فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صدق من الديباجة الكريمة والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير والنبذ القليل.٩٧
ونراه يخص الأسجاع بأبواب من كتابه «البيان والتبيين»، فيتخير من بدائعها فرائد بعضها تليد وبعضها طريف، فيقول: قال عمر بن ذر: «والله المستعان على ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخلف.» ولما مدح عتيبة بن مرداس عبد الله بن عباس قال: «لا أعطي من يعصي الرحمن، ويطيع الشيطان، ويقول البهتان.» وفي الحديث المأثور: «يقول العبد: مالي! وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت.» ووصف أعرابي رجلًا فقال: «صغير القدر، قصير الشبر، ضيق الصدر، لئيم النجر،٩٨ عظيم الكبر، كثير الفخر.»
وسأل بعض الأمراء رسولًا قدم من جهة السند: كيف رأيتم البلاد؟ فقال: «ماؤها وشل، ولصها بطل، وتمرها دقل،٩٩ إن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلوا بها ضاعوا.» ونظر رجل من العُبَّاد إلى بعض الملوك فقال: «باب جديد، وموت عتيد، ونزع شديد، وسفر بعيد.» وقيل لبعض العرب: أي شيء تَمنى وأي شيء أحب إليك؟ فقال: «لواء منشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير!» وقيل لآخر — وصلى ركعتين وأطال فيهما وقد كان أُمر بقتله: أجزعت من الموت؟ فقال: «إن أجزع فقد أرى كفنًا منشورًا، وسيفًا مشهورًا، وقبرًا محفورًا.»١٠٠
وعقد الجاحظ فصلًا آخر للأسجاع جاء فيه:
ومن الأسجاع قول أيوب بن القِرِّيَّة، وقد كان دُعي للكلام فحبس عليه القول: «قد طال السمر، وسقط القمر، واشتد المطر، فماذا ينتظر؟» فأجابه فتى من عبد القيس: «قد طال الأرق، وسقط الشفق، وكثر اللثق،١٠١ فلينطق من نطق.١٠٢
ولم يقف الجاحظ عند رواية الجيد من الأسجاع؛ بل أضاف إلى ذلك الدفاع عنها ومناقشة من كرهوها، فحدَّث أنه قيل لعبد الصمد بن الفضل: فقد قيل للذي قال: «يا رسول الله، أرأيت من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس مثل ذلك يُطل؟» فقال رسول الله: «أسجعٌ كسجع الجاهلية؟» فقال عبد الصمد: لو أن هذا المتكلم لم يرد إلا إقامة الوزن لما كان عليه بأس، ولكنه عسى أن يكون أراد إبطالًا لحق فتشادق في كلامه.١٠٣
وقال غير عبد الصمد: وجدنا الشعر من القصيد والرجز قد سمعه رسول الله واستحسنه وأمر به شعراءه، وعامة أصحاب رسول الله قد قالوا شعرًا، قليلًا كان ذلك أم كثيرًا، وسمعوا واستشهدوا، فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز، فكيف يحل ما هو أكثر ويحرم ما هو أقل؟١٠٤
قال الجاحظ: وكأن الذي كره الأسجاع بعينها — وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة — أن كهان العرب الذين كان أكثرُ الجاهلية يتحاكمون إليهم ويدعون الكهانة، وأن مع كل واحد منهم رِئِيًّا من الجن مثل: (حاذي جهينة)، ومثل: (شق) و(سطيح) و(عزى سلمة) وأشباههم، كانوا يتكهنون ويحكمون بالأسجاع، كقوله: «والأرض والسماء والعقاب والصقعاء،١٠٥ واقعة ببقعاء،١٠٦ لقد نفر المجد بني العشراء، للمجد والسناء.» وهذا الباب كثير.
ألا ترى أن ضمرة بن ضمرة وهرم بن قطبة والأقرع بن حابس ونفيل بن عبد العزى كانوا يحكمون وينفرون بالأسجاع، وكذلك ربيعة بن حذار، قالوا: فوقع النهي عن ذلك لقرب عهدهم بالجاهلية ولبقيتها فيهم وفي صدور كثير منهم، فلما زالت العلة زال التحريم.١٠٧
ثم قال الجاحظ: وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين فتكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة فلم ينهوا منهم أحدًا، وكان الفضل بن عيسى الرقاشي سجَّاعًا في قصصه، وكان عمرو بن عبيد وهشام بن حسان وأبان بن أبي عياش يأتون مجلسه.١٠٨
ونستخلص من كلام الجاحظ ثلاث حقائق:
  • الأولى: أن السجع عنصر كريم في بلاغة العرب.
  • الثانية: أن ناسًا من أهل القرن الأول والثاني كرهوا السجع؛ لأنه كان يذكر بأساليب الكهان.
  • الثالثة: أن جمهور الخطباء والقصاص والوعاظ كان يسجع، وأن الخلفاء لم ينكروا على أحد أن يتكلم بين أيديهم بكلام مسجوع.

ومن الواضح أن شبهة من كرهوا السجع ساقطة؛ لأن القرآن سجع، وما نظن الرسول تجنَّب أساليب الكهان، فإن الكهان لم يخلقوا السجع، وإنما كان حلية قديمة في اللغة العربية، وكانت قوية الصلاحية لمن يخاطب القلوب، وكذلك انتفع به القسيسون والكهان في الجاهلية، وقبلها القرآن، وآثرها النبي وأصحابه، وظلت أثيرة لدى خطباء المساجد إلى اليوم، وهي في الواقع أساس البلاغة عند رجال الدين.

ومن الباحثين الذين فصلوا في مسألة السجع الخفاجي في كتابه «سر الفصاحة»،١٠٩ وقد تكلم عن السجع في غير موضع، وحدثنا «أن السجع الواقع موقعه كثير لمن طلبه»،١١٠ ونقل نموذجًا من سجع الأحنف بن قيس، وخطَّأ الرماني في قوله: «إن السجع عيب، والفواصل بلاغة على الإطلاق.» لأن الرماني إن أراد بالسجع ما يكون تابعًا للمعنى وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة والفواصل مثله، وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلَّف فذلك عيب، والفواصل مثله، وكما يعرض التكلف في السجع عند طلب تماثل الحروف، كذلك يعرض في الفواصل عند طلب تقارب الحروف، وقال:
أظن أن الذي دعا أصحابنا إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعًا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم، فأما الحقيقة فما ذكرناه؛ لأنه لا فرق بين مشاركة القرآن لغيره من الكلام في كونه مسجوعًا، وبين مشاركة جميعه في كونه عرضًا وصوتًا وحروفًا وكلامًا وعربيًّا ومؤلفًا … ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين السجع، فإن قال قائل: إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعًا؟ وما الوجه في ورود بعضه مسجوعًا وبعضه غير مسجوع؟ قيل: إن القرآن أنزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعاداتهم، وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعًا لما في ذلك من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع، سيما فيما يطول من الكلام، فلم يرد مسجوعًا جريًا على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم.١١١

وأشار الخفاجي إلى جماعة من زعماء الكُتَّاب في القرن الثاني والثالث فبيَّن أن السجع فيما وقف عليه من كلامهم قليل، «لكنهم لا يكادون يخلون بالمناسبة بين الألفاظ في الفصول والمقاطع إلا في اليسير من المواضع.»

ومعنى هذا أن الذين لم يلتزموا السجع من كُتَّاب القرن الثاني والثالث كانوا يحرصون على ألوان من الفن في كتاباتهم، وتلك الألوان الفنية ظاهرة كل الظهور لمن يقرأ آثار أولئك الكتاب.

ولنضِف إلى ما أسلفناه من رأي الخفاجي أنه كان يميل إلى إيثار السجع حين يوجبه المعنى والغرض، فإنه يكره أن تجعل الرسالة كلها مسجوعة على حرف واحد؛ «لأن في ذلك تعرضًا للتكرار، وميلًا إلى التكلف».١١٢
ولنوجه نظر القارئ إلى حقيقتين في كلام الخفاجي:
  • أولاهما: حكمه بأن القرآن «أنزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعاداتهم»، فإن لهذه الحقيقة عندنا أهمية خاصة؛ إذ كانت تؤيد رأينا في أن القرآن من جنس كلام العرب وعلى أساليبهم، ولا يمتاز إلا بقوة المعنى وقوة الروح.
  • وثانيتهما: حكمه بأن الفصيح من كلام العرب لا يكون كله مسجوعًا لما في ذلك من أمارات التكلف، فقد رأينا شواهد ذلك في كلام الرسول، وخطب الصحابة والخلفاء والقوَّاد والوزراء، وأكثر ما رأيناه ينخرط في سلك قول قطريِّ بن الفجاءة في وصف الدنيا:
    من أقلَّ منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه، ويطيل حزنه، ويبكي عينه، كم واثقٍ بها قد فجعته، وذي حلم تنبه إليها قد صرعته، وذي احتيال فيها قد خدعته، وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرًا، وذي نخوة قد ردته ذليلًا، وذي تاج قد كبته لليدين والفم! سلطانها دول، وعيشتها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، ملكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجارها محروب، مع أن وراء ذلك سكرات للموت، وهو المطَّلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل.١١٣
وقول خطيب من آل صوحان يعارض عبد الملك وقد أغلظ القول:

مهلًا مهلًا يا بني مروان! تأمرون ولا تأتمرون، وتنهون ولا تنتهون، وتعظون ولا تتعظون! أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم، أم نطيع أمركم بألسنتكم؟ فإن قلتم: اقتدوا بسيرتنا. فأنَّى وكيف؟ وما الحجة وما المصير إلى الله؟ أنقتدي بسيرة الظلمة الفسقة الجورة الخونة، الذين اتخذوا مال الله دولًا، وعبيده خولًا؟ وإن قلتم: اسمعوا نصيحتنا، وأطيعوا أمرنا. فكيف ينصح لغيره من يغش نفسه؟ أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عند الله عدالته؟ وإن قلتم: خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممن سمعتموها، فعلامَ ولَّيناكم أمرنا، وحكَّمناكم في دمائنا وأموالنا؟ أما علمتم أن فينا من هو أنطق منكم باللغات، وأفصح بالعظات؟ فتخلوا عنها، وأطلقوا عقالها، وخلوا سبيلها، ينتدب إليها آل رسول الله الذين شردتموهم في البلاد، ومزقتموهم في كل واد، بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدة، وبلوغ المهلة، وعظم المحنة، إن لكل قائم قدرًا لا يعدوه، ويومًا لا يخطوه، وكتابًا بعده يتلوه.

ففي هذا الشاهد والذي قبله سجع مقبول جدًّا، ولكنه لا يلتزم، وإنما يرد من فقرة إلى فقرة بلا قلق ولا التواء، وقد يكون الشاهد الثاني من وضع بعض العلويين؛ لأن راويه يذكر أن الخطيب «التُمس فلم يوجد»، ومن العسير أن يحفظ كلام ألقاه صاحبه في فورة غضب وفي مقارعة ملك ثم لاذ بالفرار، ولكن القارئ مرجو أن يتذكر ما أسلفناه من قبل من أن الرواة كانوا حين يضعون كلامًا يجتهدون في محاكاة لغة العصور التي ينسبون إليها ما يضعون من خطب وأحاديث.١١٤
وممن دافعوا عن السجع أبو هلال العسكري في كتاب «الصناعتين»، ويمتاز أبو هلال في كتابه بالحرص على رد أصول المحسنات البديعية إلى القرآن، ومن أمثلة ذلك ما رواه من الشواهد في باب (التجنيس) من مثل: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَفَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِتَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُوَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُوَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ،١١٥ وعرض أبو هلال للشاهد الذي عرض له الرقاشي فيما نقل الجاحظ، ووقف عند قوله عليه السلام: «أسجعًا كسجع الكهان؟!» وعلل الاستنكار بما عرف في سجع الكهان من التكلف، ثم قال: «ولو كرهه عليه الصلاة والسلام لكونه سجعًا لقال: أسجعًا؟ ثم سكت، وكيف يذمه ويكرهه وإذا سلم من التكلف وبرئ من التعسف لم يكن في جميع صنوف الكلام أحسن منه؟١١٦
ويحدثنا أبو هلال أن النبي كان ربما غيَّر الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ وإتْباع الكلمة أخواتها؛ كقوله: «أعيذه من الهامة والسامة، وكل عين لامة.» وإنما أراد: ملمة، وقوله عليه السلام: «ارجعن مأزورات، غير مأجورات.» وإنما أراد: موزورات من الوزر، فقال (مأزورات) لمكان (مأجورات) قصدًا للتوازن وصحة التسجيع.١١٧
وشدد أبو هلال في الحرص على الازدواج، وهو فن ظاهر في كلام من لا يلتزمون السجع من أقطاب القرن الأول والثاني والثالث، ومن أمثلة الازدواج قول بعضهم:
أصبر على حر اللقاء، ومضص النزال، وشدة المصاع،١١٨ ومداومة المراس.
فلو قال: «على حر الحرب، ومضض المنازلة» لبطل رونق التوازن.١١٩
وقد يتفق السجع والازدواج مثل:

حتى صار تعريضك تصريحًا، وتمريضك تصحيحًا.

فالتعريض والتمريض سجع، والتصريح والتصحيح سجع آخر؛ فهو سجع في سجع.

قال أبو هلال: وهذا الجنس إذا سلم من الاستكراه فهو أحسن وجوه السجع.١٢٠

ويحدثنا أبو هلال أن العرب فتنوا بالسجع حتى استعملوه في منظوم كلامهم، وصار ذلك الجنس من الكلام منظومًا في منظوم وسجعًا في سجع، وهذا النوع من الشعر اسمه «المرصَّع»، ومن أمثلته:

فتور القيام قطيع الكلا
م يفتر عن ذي غروب خصر

وقول كعب بن زهير:

هيفاء مقبلةً عجزاء مدبرةً

وقول أوس:

جُشًّا حناجرها عُلمًا مشافرها

وقول النمر:

من صَوْب سارية عُلَّت بغادية

وقال تأبط شرًّا:

حمَّال ألوية شهَّاد أندية
هبَّاط أودية جوَّاب آفاق

وقول الأفوه الأزدي:

سود غدائرها بُلج محاجرها

وقول عامر بن الطفيل:

ولكنني أحمي حماها وأتقي
أذاها وأرمي من رماها بمنكب

وقد ارتقى أبو هلال بالترصيع إلى العصر الجاهلي وصدر الإسلام، فدلنا على أنه فن قديم انتُزع من النثر وأضيف إلى الشعر رغبة في وفرة الأنغام والألحان.

ومن أظهر من اهتموا بالكلام عن السجع صاحب «المثل السائر»، وهو يمتاز عمن سبقوه إلى الدفاع عن السجع بأنه عاش في عصر كان أهله جميعًا يسجعون،١٢١ وهو يتهم خصوم السجع بالعجز عن أن يأتوا به «وإلا فلو كان مذمومًا لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى منه بالكثير حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة كسورة الرحمن وسورة القمر وغيرها، وبالجملة فلم تخلُ منه سورة من السور»،١٢٢ ثم سرد أمثلة من الآيات المسجوعة، وانتقل إلى الحديث فذكر شواهد من سجع الرسول، ثم تحدث عن نهي النبي عن سجع الكهان بمثل ما تحدث به صاحب الصناعتين، ثم قال:
واعلم أن الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع، ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد؛ إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب من الأدباء سجَّاعًا، وما من أحد منهم ولو شدا شيئًا يسيرًا من الأدب إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظًا مسجوعة ويأتي بها في كلام، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنانة رنانة، لا غثَّة ولا باردة، وأعني بقولي: غثة وباردة، أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وما يشترط لها من الحسن، ولا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن، وهو في الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابًا من الكرسف أو ينظم عقدًا من الخزف الملون، وهذا مقام تزل عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابه قليلًا. فإذا صفي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد فإن وراء ذلك مطلوبًا آخر؛ وهو أن يكون اللفظ فيه تابعًا للمعنى لا أن يكون المعنى فيه تابعًا للفظ، فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموه عند باطن مشوه، ويكون مثله كغمد من ذهب على نصل من خشب.١٢٣

وقد افترض ابن الأثير أن يقال: إذا كان السجع أعلى درجات الكلام فكان ينبغي أن يأتي القرآن كله مسجوعًا، وليس الأمر كذلك، بل منه المسجوع وغير المسجوع.

وقال في الجواب: «إن أكثر القرآن مسجوع، حتى إن السورة لتأتي كلها مسجوعة، وما منع أن يأتي القرآن كله مسجوعًا إلا أنه سلك به مسلك الإيجاز والاختصار، والسجع لا يؤاتى في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز والاختصار، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب.»

ثم قال: «وها هنا وجه آخر هو أقوى من الأول، ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من غير المسجوع، وإنما تضمن القرآن غير المسجوع؛ لأن ورود غير المسجوع معجزًا أبلغ في باب الإعجاز.»١٢٤

ومعنى هذا أن السجع بعض أسرار الإعجاز عند ابن الأثير.

وحدثنا في مكان آخر أنه تصفح القرآن فوجده «لا يكاد يخرج منه شيء عن السجع والموازنة»،١٢٥ والواقع أن الموازنة كثيرة في القرآن، مثل: وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فالمستبين والمستقيم على وزن واحد. وكذلك قوله تعالى في سورة مريم عليها السلام: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا * أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا، فالعزُّ والضدُّ على وزن واحد، والأزُّ والعدُّ على وزن واحد.
وكلام ابن الأثير يؤيد ما انتهينا إليه في أثناء هذا الفصل من أن بناء الجملة لم يخرج في جوهره عن السجع طوال القرن الثاني والثالث، والقرن الثالث يسميه صديقنا الأستاذ أحمد أمين «عصر الجاحظ» وينفي عنه السجع، مع أن الجاحظ يسجع ولا يخرج من السجع إلا إلى الازدواج، ومن كلامه في وصف إفك الحاسد:
وإن كان المحسود عالمًا قال: مبتدع، ولرأيه متبع، حاطب ليل، وتابع نيل، لايدري ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل، وقد أقبل وجوه الناس إليه، وما أحمقهم إذ مالوا عليه، فقبَّحه الله من عالم ما أعظم بليته، وأقل رعيته، وأسوأ طعمته. وإن كان المحسود ذا دين قال: متصنِّع يغزو ليوصى إليه، ويحج ليثنى عليه، ويقرأ في المسجد ليزوِّجه جاره ابنته، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته.١٢٦
وانظر قوله في مقدمة الجزء الثاني من البيان والتبيين:

ولكننا أحببنا أن نصدِّر هذا الجزء بكلام من كلام رسول رب العالمين، والسلف المتقدمين، والجلة من التابعين، الذين كانوا مصابيح الظلام، وقادة هذا الأنام، وملح الأرض، وحلي الدنيا، والنجوم لا يضل معها الساري، والمنار الذي يرجع إليه الباغي، والحزب الذي كثَّر الله به القليل، وأعز به الذليل، وزاد الكثير في عدده، والعزيز في ارتفاع قدره، وهم الذين جلَوا بكلامهم الأبصار العليلة، وشحذوا بمنطقهم الأذهان الكليلة، فنبهوا القلوب من رقدتها، ونقلوها من سوء عادتها، وشفوها من داء القسوة، وغباوة الغفلة، وداووا من العي الفاضح ونهجوا الطريق الواضح … إلخ.

وهذا يدلنا على أن الجاحظ لا يهمل السجع إلا حين يسوقه اطراد القول في لغة التأليف، ولكنه حين يحتفل بالكتابة يسجع ويزاوج، كأن لغة النثر الفني تنتظر مِلاكًا من السجع والازدواج.١٢٧
وقدامة١٢٨ بن جعفر — من كُتَّاب القرن الرابع — يرى السجع من أوصاف البلاغة، على شرط أن يكون في موضعه وعند سماح القريحة به، وأن يكون في بعض الكلام لا في جميعه، «فإن السجع في الكلام كمثل القافية في الشعر، وإن كانت القافية غير مستغنى عنها والسجع مستغنى عنه، فأما أن يلزمه الأنسان في جميع قوله ورسائله وخطبه ومناقلاته فذلك جهلٌ من فاعله، وعيٌّ من قائله».

وتحدث قدامة عما كره الرسول من السجع بمثل ما تحدث الجاحظ وأبو هلال وابن الأثير، ثم قال: وإنما أنكر ذلك؛ لأنه أتى بكلامه مسجوعًا كله وتكلف فيه السجع تكلف الكهان، وأما إذا أتى به في بعض كلامه ومنطقه ولم تكن القوافي مختلفة متكلفة، ولا متمحلة مستكرهة، وكان ذلك على سجية الإنسان وطبعه، فهو غير منكر ولا مكروه، بل قد أتى في الحديث: «ويقول العبد: مالي مالي، وماله من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى.»

ثم عرض لأهل عصره؛ وهم رجال القرن الرابع، فقال: ومما تكلم به أهل العصر فأُتي بالسجع فيه محمودًا، ومن الاستكراه بعيدًا، قوله: «والحمد لله الذي ذخر المنة لك، وأخَّرها حتى كانت منك، فلم يسبقك أحد إلى الإحسان إليَّ، ولم يحاضِّك أحد في الإنعام عليَّ، ولم تتقسم الأيادي شكري فهو لك عتيد، ولم تخلق المنن وجهي فهو لك مصون جديد، ولم يزل ذمامي مضاعًا حتى رعيته، وحقي مبخوسًا حتى قضيته، ورفعت من ناظري بعد انخفاضه، وبسطت من أملي بعد انقباضه، فليس أعتد يدًا إلا لك، ولا منة إلا منك، ولا أوجِّه رغبتي إلا إليك، ولا أتكل في أمري بعد الله إلا عليك، فصانك الله عن شكر من سواه، كما صنتني عن شكر من سواك.»

ثم قال: ومما يباين هذا مما وضع في غير موضعه قول صديق لنا في فصل من رقعة له: «ورزقني عدلك، وصرف عني خذلك.» وقوله أيضًا: «ولقد جلَّت عندي بابن فلان المصيبة، وعظمت الشعيبة.» وقول آخر في صدر رقعة: «أطال الله بقاءك لي خصيصًا، ولأودائك فيصوصًا. إلى أن قال: ولو كان لزوم السجع في القول والإغراب فيه وفي اللفظ هما البلاغة لكان الله — عز وجل — أولى باستعمالهما في كلامه الذي هو أفضل الكلام، ولكان النبي والأئمة المهديون قد استعملوهما ولزموا سبيلهما وسلكوا طريقهما، فأما ولسنا واجدين فيما في أيدينا من كلامهم استعمال السجع والغريب إلا في المواضع اليسيرة فهم أولى بأن يُقتدى بهم، ويحتذى بمناهجهم ممن قد نبت في هذا الوقت من هؤلاء الذين ليس معهم من البلاغة إلا ادعاؤها، ولا من الخطابة إلا التحلي باسمها.١٢٩
وقد لاحظنا أن الكُتَّاب كانوا يسجعون ويزاوجون حين يترجمون، لأن الترجمة القوية لونٌ من الإنشاء توجب ما يوجبه الكلام المبتكر من قوة الوصف، والتأنق في الصوغ، وقد حدثوا أنه قيل لبزرجمهر: أي الاكتساب أفضل؟ فقال: «العلم والأدب كنزان لا ينفدان، وسراجان لا يطفآن، وحلتان لا تبليان، من نالهما أصاب الرشاد، وعرف طريق المعاد، وعاش رفيعًا بين العباد.»١٣٠ وقيل لكسرى: أي الملوك أفضل؟ فأجاب: «الذي إذا حاورته وجدته عليمًا، وإذا خبرته وجدته حكيمًا، وإذا غضب كان حليمًا، وإذا ظفر كان كريمًا، وإذا استُمْنح منح جسيمًا، وإذا وعد وفَّى وإن كان الوعد عظيمًا، وإذا شُكي إليه وجد رحيمًا.»١٣١
فهذه فِقَر نقلت عن الفارسية وروعي فيها السجع، وسنرى في الجزء الثاني من هذا الكتاب فقرات منقولة عن اليونانية وروعي فيها السجع، ونقلت صحائف من لغات أخرى وروعي فيها السجع، من ذلك ما حدَّث ابن قتيبة بسنده أن يوسف — عليه السلام — لما لبث في السجن سبع سنين أرسل الله — عز وجل — إليه جبريل — عليه السلام — بالبشارة بخروجه فقال له: أتعرفني أيها الصديق؟ قال له يوسف: أي صورة طاهرة وروحًا طيبًا لا يشبه أرواح الخاطئين. قال جبريل: أنا الروح الأمين، ورسول رب العالمين. قال يوسف: فما أدخلك مداخل المذنبين، وأنت سيد المرسلين، ورأس المقربين؟ قال جبريل: أوَلم تعلم أيها الصديق أن الله يطهر البيوت بطهر النبيين، وأن البقعة التي يحلون بها هي أطهر الأرضين، وأنه قد طهَّر بك السجن وما حوله يابن الطاهرين! قال يوسف: كيف تشبهني بالصالحين وتسميني بأسماء الصدِّيقين، وتعدُّني مع آبائي المخلصين، وأنا أسيرٌ بين هؤلاء المجرمين؟ قال جبريل: لم يكْلم قلبك الجزع، ولم يغيِّر خلقك البلاء، ولم يتعاظمك السجن، ولم تطأ فراش سيدك، ولم ينسِكَ بلاء الدنيا بلاء الآخرة، ولم تنسِكَ نفسك أباك، ولا أبوك ربك، وهذا الزمان الذي يفك الله به عنوَّك، ويعتق به رقَّك، ويبين للناس فيه حكمتك، ويصدق رؤياك وينصفك ممن ظلمك، ويجمع إليك أحبتك.»١٣٢

ولسنا نريد أن نثبت أن كل ما ترجم روعي فيه السجع والازدواج، لا، ولكنا نقول: إن فريقًا من المترجمين جرى على الطبع المكتسب بطول الألفة في مذاهب الإنشاء، فسجع وزاوج فيما نقل إلى العربية من اللغات الأجنبية، وفي هذا تأييد لما حاولنا إثباته في هذا الفصل من غلبة السجع والازدواج على سواد المنشئين.

أما بعد، فقد أسهبنا في هذا الفصل إسهابًا نخشى أن ينتهي إلى الإملال، ولكنه فصلٌ ضروريٌ جدًّا في بناء هذا الكتاب، ذلك بأن السجْعَ صار خصيصة عند كُتَّاب القرن الرابع، ومن الناس من ظن أنه كان كذلك؛ لأن كُتَّاب ذلك العهد أسرفوا في انتهاب المحسنات اللفظية من اللغة الفارسية، فأردنا أن نثبت أن السجع كان حلية أصلية في اللغة العربية، وأنه أخذ أطوارًا مختلفة حتى وصل إلى القرن الرابع.

وسنرى بعد قليل أن السر في إقبال كُتَّاب القرن الرابع على السجع يرجع إلى حرصهم على انتهاب طرائق الشعراء في المعاني والأساليب.

ونعيذ القارئ أن يتوهم أننا كتبنا هذا الفصل للدعوة إلى إيثار السجع، لا، فنحن نرى السجع قيدًا يعطل حركة الفكر والعقل في كثير من الأحيان، ونراه يبعد لغة العرب من أن تصير لغةً مدنية تعبر عن جميع الشئون في طلاقة وحرية؛ بحيث لا يصدها سجع، ولا يحدها ازدواج. وسيرى المتأمل حين يجاوز القرن الرابع — الذي سلم فيه السجع من آثار التكلف الممقوت — أن لغة الرسائل والتأليف وقعت تحت نِيرٍ من السجع ثقيل، حتى وجدنا السجع يلتزم في موضوعات بعيدة عن الأدب، وكان الأدب هو الذي يوحي بالتأنق والافتتان.

وإذا كان كُتَّاب العصر الحاضر قد انصرفوا انصرافًا تامًّا عن السجع، فإن ذلك منشؤه أنهم ملُّوا هذا الزخرف، وضجروا منه، ورأوه علامة على فقر الكاتب وعجزه عن الظفر بالحلية الجوهرية؛ حلية المعنى الرائع والغرض النبيل.

ولا ينسَ القارئ أننا نؤدي في هذه الدراسة مهمة المؤرخ، فليس من شأننا أن نقبِّح أو نحسن فنًّا من طرائق البيان، وإنما نرسم العهود الأدبية رسمًا واضحًا قد يظهر عليه التشيع في بعض الأحيان، وما بنا أن نتشيع، ولكن الحرص على إتقان الصورة التاريخية قد يظهرنا متشيعين من حيث لا نريد.

ونحن في العصر نهرب من السجع والمزاوجة عامدين، حتى في المواطن التي يفرض فيها المعنى أن نسجع أو نزاوج، وليس خطؤنا في هذا بأقل من خطأ من يجنون على المعنى بالتزام السجع، ولكل عصر آفته؛ فالتأنق الُمغرِب آفة، والتحرر المسرف آفة، والصواب أن تكون السيادة للمعنى، وأن يكون له السلطان المطلق في فرض ما توجبه الألوان النفسية من مختلف الصور والأساليب.١٣٣

هوامش

(١) عرضنا لهذا الموضوع في الأصل الفرنسي، ثم عدنا ففصلناه بعض التفصيل في المقدمة الفرنسية التي نشرناها مع (الرسالة العذراء).
(٢) من الإنصاف أن نذكر أن رأي هذين الباحثين قد تغير في كثير من موضوعات النثر الفني بعد الأبحاث الجدية التي قدمناها إلى السوربون ومدرسة اللغات الشرقية في باريس.
(٣) أسجاع العامة كثيرة، ومن طريفها ما جرى في وصف الشهور المصرية مثل: «كياك، صباحك مساك» يريدون وصفه بقصر النهار. و«برمهات، روح الغيط وهات»؛ لأن برمهات موسم ظهور البقول. و«برمودة، دق بالعمودة»؛ لأنه موسم الحصاد والدرس، درس القمح والفول والشعير. ويقولون في موعد انصرام الشتاء: «إذا اخضر التوت البرد يموت.» ومن فكاهاتهم: «عيشك كويس يا خالتي! من سوء بختي، يا بنت أختي!»
وأذكر في مناسبة السجع في الشهور المصرية أن هناك سجعًا يماثله عند عوام الفرنسيين مثل: En Avril، n’enlève un fil.
ومثل: En Mai، fais ce qu’il te palit.
(٤) تجد هذه الخطبة في ص٣٨ من مجموعة التحفة البهية.
(٥) موضونة: منسوجة بقضبان من الذهب والجواهر.
(٦) الباقلاني ينفي ورود السجع في القرآن، وقد نقضنا رأيه من الأساس. راجع: الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(٧) في ملاحظاته التي أبداها يوم مناقشته الرسالة في السوربون.
(٨) إحياء علوم الدين (١ / ٣٣٠).
(٩) إحياء علوم الدين (١ / ١٢٢).
(١٠) اللاطئة: اللاصقة بالأرض.
(١١) نهج البلاغة ص٤٨١–٤٨٣.
(١٢) البيان (١ / ١٤٧).
(١٣) الواقع أن اتهام الشريف الرضي بوضع «نهج البلاغة» قديم، وقد أشار إليه ابن أبي الحديد في شرحه، ثم أفاض في نقض ذلك الاتهام. راجع: ص٥٤٦ من المجلد الثاني.
(١٤) صبح الأعشى (١ / ٢٤٢).
(١٥) ولا ننسى أن نشير إلى أن لغة الزهاد والنساك في العصر الأموي كانت في الأغلب مسجوعة، ومن شواهد ذلك قول الحسن البصري يوصي عمر بن عبد العزيز: «واذكر يا أمير المؤمنين إذا بُعثر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصدور … وأنت في مَهَل، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، لا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين؛ لأنهم لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، فتبوء بأوزارك، وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالًا مع أثقالك، ولا يغرنك الذين ينعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات من دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك.» راجع: نهاية الأرب (٦ / ٣٨).
(١٦) صبح الأعشى (١ / ٢٦٥).
(١٧) محاضرات الأصفهاني (١ / ١٤٦).
(١٨) رسائل الجاحظ ص١٥٥.
(١٩) (١ / ٦٤) البيان والتبيين. وهذا الذي رواه الجاحظ عن فهم ابن المقفع لقيمة السجع، وعدَّه بابًا من البلاغة كافٍ في الرد على من يشك في نسب كتاب ابن المقفع بسبب ما يقع فيه من تعمد السجع أحيانًا، كما فعل مؤلف ضحى الإسلام (١ / ٢١٥) حين ارتاب في أحد كتب ابن المقفع.
(٢٠) زهر الآداب (٢ / ١٢١). ولنلاحظ أن «سجاعًا» رواها الحصري بالسين المهملة. ووصف الجاحظ في الجزء الثالث من البيان ص٩٦ مسلمة بأنه كان «شجاعًا خطيبًا، وبارع اللسان، جوادًا»، فأثبت «شجاعًا» بالشين المعجمة. و«سجاعًا» و«شجاعًا» وردتا مقرونتين إلى «خطيبًا»، ونحن نرجح أن التحريف وقع في كتاب الجاحظ.
(٢١) زهر الآداب (٢ / ٥١).
(٢٢) رسائل البلغاء ص٦٤.
(٢٣) الصداقة والصديق ص٢٨.
(٢٤) زهر الآداب (٤ / ١٩٠).
(٢٥) زهر الآداب (٤ / ١٤٢).
(٢٦) الوسمي: المطر الأول.
(٢٧) الولي: المطر الثاني.
(٢٨) زهر الآداب (٤ / ٢٤٣).
(٢٩) زهر الآداب (٣ / ٢٥٦).
(٣٠) ذعذعت: فرقت.
(٣١) أمالي القالي (٢ / ٤٩).
(٣٢) الأمالي (٢ / ٢٠٥).
(٣٣) آمرك: شاورك.
(٣٤) عيون الأخبار (٣ / ٤).
(٣٥) الأمالي (٢ / ٤٩).
(٣٦) انحوش: أسرع، ومثلها انكمش.
(٣٧) رواية «صبح الأعشى» تصف جديلة بأنه «كان في الحرب سيفًا قاطعًا، وفي المكرمات غيثًا نافعًا، وفي اللقاء لهبًا ساطعًا». وبين رواية صبح الأعشى والأمالي خلاف ملموس، وهو دليل على التصرف في أصل هذا الحديث، وقد اعتمدنا على رواية الأمالي (٢ / ٢٣٠–٢٣١).
(٣٨) هي كذلك بالغين المعجمة في الأصل، وهو خارج على السجع وإن لم يخرج على الموازنة، ولعل الصواب «مفرعة» بالعين المهملة؛ يريد وصف الجفان بالامتلاء، والمادة تسمح بذلك. وليلاحظ القارئ أن (أفصى) ذكر مرتين في هذه الرواية، ولعل هناك خطأ في الوضع.
(٣٩) صبح الأعشى (١ / ٢٥٥).
(٤٠) هذا النمط من الأجوبة المسجوعة كثير جدًّا فيما نقله الرواة، وجزء منه منسوب إلى نساء شهيرات، ويمكن الحكم بأن هذا النوع يمثل أدبًا قائمًا بذاته يجد القارئ مواده متفرقة في كتب الأخبار والأقاصيص. وفن المقامات الذي ظهر ظهورًا قويًّا في القرن الرابع متأثرٌ بهذه الأحاديث؛ فالمقامة حديث مطول يرتكز على الحوار ويلتزم فيه السجع، ويفترض عند بطل المقامة ذكاء يماثل الذكاء الذي يظهر في أحاديث الأعراب والوافدين على الخلفاء.
(٤١) يؤيد هذا قول أبي العلاء المعري في رسالة المنيح: «وقد كان فيما مضى قوم جعلوا الرسائل كالوسائل، وتزينوا بالسجع تزين المحول بالرجع.» راجع: فحول البلاغة ص٢٠٠.
(٤٢) الملطاط: كل شفير نهر أو وادٍ.
(٤٣) المواصي والمواصل واحد، يقال: تواصى النبت؛ إذا اتصل بعضه ببعض.
(٤٤) الأسياف: جمع سيف، بكسر السين، وهو ساحل البحر.
(٤٥) عكفت: أقامت.
(٤٦) مُحش: جمع محوش، وهي التي تمحش الكلأ؛ أي تحرقه.
(٤٧) اجتبت: اقتلعت من الجب، وهو القطع.
(٤٨) هشمت: كسرت.
(٤٩) العرى: جمع عروة، وهي هنا القطعة من الشجر لا يزال باقيًا على الجدب.
(٥٠) جمشت: احتلقت.
(٥١) النجم: ما نجم من النبت، ولم يستقل علَى ساق.
(٥٢) أعجت: صيرتها عجايا، والعجي: المهزول من سوء الغذاء.
(٥٣) همت: أذابت.
(٥٤) التحبت اللحم: عرقته عن العظم.
(٥٥) أحجنت العظم: عوجته فصيرته كالمحجن.
(٥٦) المور: الذي يذهب ويجيء.
(٥٧) الغور: الغائر.
(٥٨) أوزاع: فِرق.
(٥٩) النبط: الماء الذي يستخرج من البئر أول ما تحفر، والقعاع: الماء المالح المر.
(٦٠) الضهل: القليل من الماء، والجزاع: أشد المياه مرارة.
(٦١) الجعجاع: الذي لا يطمئن من قعد عليه.
(٦٢) الهاوي: الجراد.
(٦٣) العاوي: الذئب.
(٦٤) الوصيدة: كل منسوج.
(٦٥) الهبيدة: حب الحنضل.
(٦٦) البخصات: جمع بخصة، وهي لحم باطن القدم، والوقعة من قولهم: وقع الرجل؛ إذا اشتكى لحم باطن قدمه.
(٦٧) زلعة: متشققة.
(٦٨) قفعة: مقفعة، وهي التي انقبضت ويبست.
(٦٩) مسلهم: مدبر.
(٧٠) المدرهم: الضعيف البصر الذي ضعف بصره من جوع أو مرض.
(٧١) أعشو: أنظر. فأغطش؛ أي أصبر غطشًا، والغطش ضعف في البصر.
(٧٢) الخفش: فساد في الجفون.
(٧٣) يقول: إذا مشيت في السهول ظلعت؛ أي غمزت.
(٧٤) أي: إذا علا الحزن ركع وكبا لوجهه.
(٧٥) المير: العطية.
(٧٦) القاهر والكاهر واحد، وقرأ بعضهم: (فأما اليتيم فلا تكهر.)
(٧٧) راجع هذه القصة وشرحها في الأمالي (١ / ١١٣–١١٦) طبع بولاق.
(٧٨) زهر الآداب، (١ / ٢٤٧–٢٤٨).
(٧٩) القنعان: القناعة.
(٨٠) البيان والتبيين (٣ / ٢٢٤)، وبمناسبة هذا الدعاء نذكر أن الأعراب رويت لهم دعوات كثيرة مسجوعة، منها قول أحدهم عشية عرفة: «اللهم إن هذه العشية من عشايا منحك، وأحد أيام زلفتك … أتتك الضوامر من الفج العميق، وجابت إليك المهارق من شعب المضيق ترجو ما لا خلف له من وعدك، ولا مترك له من عظيم أجرك، أبرزت إليك وجوهها المصونة، صابرة على لفح السمائم، وبرد ليل النمائم، ليدركوا بذلك رضوانك.» ثم قال: «إلهي، إن كنتُ مددتُ يدي إليك داعيًا، فطالما كفيتني ساهيًا، نعمتك تظاهرها عليَّ عند القفلة، فكيف أيأس منها عند الرجعة … فهب لي يا رب الصلاح في الولد، والأمن في البلد، وعافني من شر الحسد، ومن شر الدهر النكد.» راجع: الأمالي (٢ / ٣٢٣).
ولا يغض من قيمة هذه الأسجاع أن يظن أنها موضوعة، فقد أشرنا غير مرة إلى أن الواضعين يراعون الذوق المعروف عند اختراع الأحاديث.
(٨١) البيان، (٣ / ٢٣٢).
(٨٢) البيان (١ / ١٥٨)، وعبد الصمد هذا من رجال القرن الثاني، وله كلام طريف مع شعيب بن شبة يجده القارئ في الصناعتين (ص٣٥٠)، وسيرد له ذكر في كلام الجاحظ بعد صفحات من هذا الفصل في الدفاع عن السجع.
(٨٣) كلمة الرقاشي تدل على أن النثر الموزون لم يضِع عشره، فالشعر من باب أولى لم يضِع منه إلا قليل؛ أي إن معظمه كان موجودًا عند أهل القرن الثاني.
ولنشر هنا إلى خطأ وقع فيه صاحب «الريحان والريعان» فيما نقله عنه القلقشندي في صبح الأعشى (١ / ٢١٠)، إذ قال: «إن ما تكلمت به العرب من أهل المدر والوبر من جيد المنثور ومزدوج الكلام أكثر مما تكلمت به من الموزون، إلا أنه لم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره.» ثم مضى فبيَّن أن المنثور هو الخطب، وأن الموزون هو الشعر، وإنما كان هذا خطأ لأنه اعتمد على كلمة الرقاشي وأساء فهمها، فإن كلمة الرقاشي كانت جوابًا على من سأله: كيف الكلام المرسل ويؤثر الكلام المسجوع. ولا ننسى أن المنثور من ضروب النثر الفني، فصاحب «الريحان والريعان» على هذا أخطأ مرتين؛ حيث ظن أن المنثور والمزدوج مقصور على كلام الخطباء.
(٨٤) الأمالي (٢ / ١٣٦).
(٨٥) ياقوت (٦ / ٢١٤)، وانظر: الصناعتين، ص٢٥٢.
(٨٦) ياقوت (٧ / ٦٩).
(٨٧) معجم البلدان (٢ / ٢٤٢).
(٨٨) زهر الآداب (١ / ١٦٥).
(٨٩) جاء في كتاب «ضحى الإسلام» للأستاذ أحمد أمين ما نصه: «ونحن نعلم أن هذا العصر — عصر الجاحظ — لم يتكلف فيه السجع، ولم تؤلف فيه كتب مسجوعة كلها، وإن تكلف فيه سجع ففقرة أو فقرتان، فأما كتاب كله سجع فهذا ما لا نعرفه في هذا العصر.» راجع (١ / ٢٢٦).
ودراستنا لأطوار السجع تقنعنا بأن حكم الأستاذ غير صحيح، وأنه لا مانع أن توجد في القرن الثالث مؤلفات مسجوعة؛ لأن السجع بدأ يكثر في هذا القرن حتى في لغة التأليف كما في الفقرات التي نقلناها عن أبي العيناء، ولأن القرن الرابع كثرت فيه المؤلفات المسجوعة ثم شاعت بدعة السجع في التأليف في القرن الخامس، ومن المعقول أن يكون لطغيان السجع في التأليف بواكير ظهرت في القرن الثالث.
(٩٠) ياقوت (٦ / ٢٥٢).
(٩١) وأظرف من هذا ما يصنع المستشرقون في عناوين ما يطبعون من المصنفات، فقد سمى فلوجل كتابه في فهرس الألفاظ القرآنية: «نجوم الفرقان في أطراف القرآن.»
(٩٢) راجع: فهرس الموشي.
(٩٣) الموشي ص٨.
(٩٤) ص١٦٣.
(٩٥) ص١٦٤.
(٩٦) المزدوج في كلام الجاحظ باب مع السجع، فإنَّا نراه في كتاب البيان يعقد بابًا لمزدوج الكلام (٢ / ٥٨، ٩٥) يستشهد فيه بأمثال هذه الكلمات: «اللهم علِّمه الحساب والكتاب، وقِهِ العذاب.» وقال رجل من بني أسد لشيخ مات ابنه: «اصبر أبا أمامة، فإنه فرط أفرطته، وخير قدمته، وذخر ادخرته.» فقال له مجيبًا له: «ولد دفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته.» وكان مالك بن الأخطل قد بعثه أبوه يسمع شعر جرير والفرزدق فسأله أبوه عنهما فقال: «جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر.»
وسنرى أن علماء البديع لا يشترطون القافية في الازدواج، وبها يتم السجع، وإنما يشترطون أن تتفق الكلمات في الوزن؛ مثل «المستقيم» و«المستبين».
(٩٧) (٣ / ١٣) من البيان والتبيين.
(٩٨) النجر: الأصل.
(٩٩) الدقل: أردأ التمر.
(١٠٠) البيان (١ / ١٥٧).
(١٠١) اللثق: الندى.
(١٠٢) البيان (١ / ١٦٣).
(١٠٣) البيان (١ / ١٥٨).
(١٠٤) البيان (١ / ١٥٨).
(١٠٥) الصقعاء: الشمس.
(١٠٦) البقعاء: السنه المجدبة.
(١٠٧) البيان (١ / ١٥٩).
(١٠٨) البيان (١ / ١٥٩).
(١٠٩) كتاب مخطوط منه نسختان بدار الكتب المصرية، رقم٤٣٩، ٤٤٢ بلاغة.
(١١٠) سر الفصاحة ص٩٢.
(١١١) ص٩٤–٩٧.
(١١٢) ص٩٤–٩٧.
(١١٣) صبح الأعشى (١ / ٢٢٤).
(١١٤) ومن السجع المقبول عند خطباء القرن الأول قول زياد: «إن للشيطان طيفًا، وللسلطان سيفًا، فمن سقمت سريرته صحت عقوبته، ومن وضعه ذنبه رفعه صلبه، ومن لم تسعه العافية لم تضِق عنه الهلكة، ومن سبقته بادرة فمه سبقه بدنه بسفك دمه، إني أنذر ثم أنظر، وأحذر ثم لا أعذر.» صبح الأعشى (١ / ٢٢٠).
(١١٥) ص٢٥١.
(١١٦) ص٢٠٠.
(١١٧) الموازنة التي عني بها أبو هلال كانت مما عرض له الحريري في «درة الغواص»، وكلام الحريري هناك أظهر الدلالة على أن الموازنة فن أصيل في العربية تغير به الكلمات من وضع إلى وضع رغبة في الوزن، فهم يقولون: «حدُث وقدُم» فيضمون الدال من «حدُث» لتوازن «قدُم»، فإذا أفردوها فتحوا الدال، ويقولون: «الغدايا والعشايا» إذا قرنوا بينهما، فإن أفردوا «الغدايا» ردوها إلى أصلها فقالوا: الغدوات. ويقولون: «هنأني الشيء ومرأني»، فإن أفردوا (مرأني) قالوا: أمرأني. وقالوا: «فعلت به ما ساءه وناءه»، فإن أفردوا قالوا: (أناءه)، وقالوا في الشجاع الذي لا يزايل مكانه: «أهيس أليس»، والأصل في الأهيس الأهوس لاشتقاقه من هاس يهوس إذا دق، فعدلوا به إلى الياء ليوافق لفظة (أليس). وفي الحديث «من حفَّنا أو رفَّنا فليقتصر»؛ أي من خدمنا أو أطعمنا، وكان الأصل أتحفنا فأتبع حفَّنا رفَّنا. ويروى في قضايا عليٍّ أنه قضى في القارصة والقامصة والواقصة بالدية، والواقصة هي الموقوصة، وإنما قال: الواقصة للموازنة مع القارصة والقامصة، وأنشد الفراء:
هناك أخبية ولاج أبوبة
فجمع باب على أبوبة ليزاوج لفظة أخبية (راجع درة الغواص ص٣٠، ٣١ وراجع الشرح ص٧٩–٨٣)، والازدواج كثير الوقوع في اللغة العربية، وله شواهد عديدة لنكتفِ بهذه الأمثلة في الدلالة على ذوق العرب في هندسة الألفاظ والتعابير. ومن طريف التوافق أن اللغة العامية تساير اللغة الفصيحة في هذا الباب، سمعت مرة تلميذة تقول وهي تتململ: «النجوح زي السقوط.» نقلت (النجاح) إلى (النجوح) ليوازن (السقوط)، وأحسب أن ذلك جرى على لسانها بدون أن تقصد إليه؛ لأن حاسة الموازنة بين الكلمات تأصلت عند الناطقين بالضاد.
(١١٨) المصاع: القتال.
(١١٩) ص٢٠٣.
(١٢٠) ص٢٠٢.
(١٢١) ولد ابن الأثير سنة ٥٨٨، وتوفي سنة ٦٣٧، وهو نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، وأبناء الأثير ثلاثة: مؤرخ ومحدث وأديب، وهو صاحب المثل السائر.
(١٢٢) المثل السائر ص١١٤.
(١٢٣) المثل السائر ص١١٦، ١١٧.
(١٢٤) ص١١٨، هذا وقد عرض ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة إلى مناقشة من أنكروا السجع على عليِّ بن أبي طالب، وبيَّن أن كثيرًا من كلام الرسول مسجوع، وعرض لسجع الكهان بكلام قريب مما ذكره الجاحظ والعسكري وابن الأثير. راجع: شرح ابن أبي الحديد (١ / ٤١–٤٢)، ثم راجع ما كتبه عن الموازنة في ص٢٧٣ من المجلد الأول.
(١٢٥) المثل السائر ص١٧٠.
(١٢٦) معنى هذا أن حضور الجنائز للشهرة كان من عيوب الناس في القرن الثالث، وهو اليوم لا يزال كذلك!
(١٢٧) للجاحظ رسائل إخوانية التزَم فيها السجع، ستجد منها نموذجًا عند الكلام على الغزل المنثور في الباب الثاني من هذا الكتاب.
(١٢٨) اهتم قدامة بالكلام عن النقد والبلاغة، وألف في ذلك «نقد النثر» و«نقد الشعر» و«جواهر الألفاظ»، ومن أحكامه التي تهمنا ما قضى به من أن المنثور «ليس يخلو من أن يكون خطابة أو ترسُّلًا أو احتجاجًا أو حديثًا»، ص٨٢ من «نقد النثر». وهذا يؤيد ما أشرنا إليه من قبل.
(١٢٩) راجع: ص٩٣–٩٥ من كتاب «نقد النثر».
(١٣٠) راجع: ص٩٣–٩٥ من كتاب «نقد النثر».
(١٣١) زهر الآداب (٢ / ١٨٩).
(١٣٢) عيون الأخبار (٢ / ٢٧٦).
(١٣٣) من أجمل ما قرأنا في الدفاع عن السجع قول ابن أبي الحديد في الرد على من يرون السجع بابًا من التكلف: «المذموم هو التكلف الذي تظهر سماجته وثقله للسامعين، فأما التكلف المستحسن فأي عيب فيه؟ ألا ترى أن الشعر نفسه لا بد فيه من تكلف إقامة الوزن، وليس لطاعن أن يطعن فيه بذلك.» راجع: شرح نهج البلاغة (١ / ٤٢).
وفي هذا المعنى قال شوقي — طيب الله ثراه: «كل موضع للشعر الرصين محل السجع، وكل قرار لموسيقاه قرار كذلك للسجع، فإنما يوضع السجع النابغ فيما يصلح مواضع للشعر الرصين؛ من حكمة تخترع، أو مثل يضرب، أو وصف يساق، وربما وشيت به الطوال من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من فقر البيان المحض، وقد ظلم العربية رجال قبَّحوا السجع وعدوه عيبًا فيها، وخلطوا الجميل المنفرد بالقبيح المرذول منه يوضع عنوانًا لكتاب، أو دلالة على باب أو حشوًا في رسائل السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية، فيا نشء العربية، إن لغتكم سرية مثرية، ولن يضيرها عائب ينكر حلاوة الفواصل في الكتاب الكريم، ولا سجع الحمام في الحديث الشريف، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح.» «أسواق الذهب» ص١٠٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠