الفصل الثالث

تصوير الحياة العقلية١

إن الكُتَّاب المشاهير الذين تولوا قيادة النثر الفني في القرن الرابع قد اهتموا اهتمامًا عظيمًا بتصوير الحياة العقلية والأدبية والوجدانية التي شملت ذلك العصر، فمن الخطأ أن يظن أنهم وقفوا عند زخرفة الألفاظ والتعابير ولم يشتركوا في الأزمات العقلية والمجادلات الحزبية والدينية في الحدود التي سمحت بها قوتهم الأدبية، وسيرى القارئ كيف شغلوا بالبلاغة ودراسة الشعر والنثر. فلننظر هنا كيف شغلوا بما كان يجري لعهدهم من الفتن السياسية والاجتماعية.

من ذلك أننا نجد أثر قوة الحزب الشيعي ممثلة في رسائل بديع الزمان ورسائل الخوارزمي، وفي المقتطفات التي جمعها صاحب زهر الآداب عما قيل في آل البيت مدحًا ورثاءً، مما يدل على أن الشيعة كانت لهم قوة صاخبة في ذلك العصر. وربما كانت رسالة الخوارزمي التي بعثها إلى الشيعة بنيسابور لما قصدهم إليها محمد بن إبراهيم تمثل مأساة الشيعة أصدق تمثيل، ولننظر كيف يقول:

وأنتم ونحن — أصلحنا الله وإياكم — عصابة لم يرضَ الله لنا ثواب العاجل، فأعدَّ لنا ثواب الآجل، وقسمنا قسمين: قسمًا مات شهيدًا، وقسمًا عاش طريدًا، فالحي يحسد الميت على ما صار إليه، ولا يرغب بنفسه عما جرى إليه. قال أمير المؤمنين ويعسوب الدين عليه السلام: «المحن إلى شيعتنا أسرع من الماء إلى الحدود.» وهذه مقالة أسست على المحن وولد أهلها في طالع الهزاهز والفتن، فحياة أهلِها نغص، وقلوبهم حشوها غصص، والأيام عليهم متحاملة، والدنيا عليهم مائلة، فإذا كنا شيعة أئمتنا في الفرائض والسنن، ومتبعي آثارهم في كل قبيح وحسن، فينبغي أن نتبع آثارهم في المحن، غُصِبت سيدتنا فاطمة — صلوات الله عليها وعلى آلها — ميراثَ أبيها — صلوات الله عليه وعلى آله — يوم السقيفة، وأُخِّر أمير المؤمنين عن الخلافة، وسُمَّ الحسن — رضي الله عنه — سرًّا، وقتل أخوه — كرم الله وجهه — جهرًا، وصلِب زيد بن علي بالكناسة، وقطع رأس زيد بن علي في المعركة، وقتل ابناه محمد وإبراهيم على يد عيسى بن موسى العباسي، ومات موسى بن جعفر في حبس هارون، وسمَّ علي بن موسى بيد المأمون، وهزم إدريس بفخ حتى وقع إلى الأندلس فريدًا، ومات عيسى بن زيد طريدًا شريدًا … إلخ.

وفي هذه الرسالة تفاصيل مزعجة عما لقيه العلويون من المحن والمصائب يتلقونها صابرين من خصومهم الذين أصروا على إبادتهم من الوجود، والذي يقرؤها كاملة في رسائل الخوارزمي يدرك جيدًا كيف كانت العصبية للشيعة قوية حادة في ذلك العصر، وكيف تشبعت عقول بعض الكُتَّاب بالمعاني البديعة في محاوراتهم العقلية، فمن الرائع حقًّا أن يقرر الخوارزمي أن عليَّ بن أبي طالب شتم على المنابر ألف شهر، فما شك أنصاره في وصيته، وأن النبي محمدًا كذب بضع عشرة سنة فما اتهموه في نبوته، وأن إبليس عاش مدة تزيد على العدد فلم يرتابوا في لعنته.

وفي رأيي أن مثل تلك الرسالة يوضح كثيرًا مما غمض من تاريخ الأمم الإسلامية، فإن الكُتَّاب الذين ينتسبون إلى أحزاب يدافعون عنها قد تتاح لهم فرص كثيرة تبصرهم بما خفي من تاريخ من يناصرونهم ومن يعادونهم، وإن كانوا متهمين في مدح من يرضون عنه وذم من يخرجون عليه.

وبجانب الجدل العنيف الذي كان نشب كل يوم بين العلويين والعباسيين، والعداوات التي كانت تقوى وتشتد كلما أثيرت ذكرى الخلافة والخلفاء، ونراها ممثلة في الآثار النثرية في ذلك العهد، كانت تقوم فتنة أخرى هي الخلاف بين العرب والعجم وانقسام الأدباء إلى فريقين: فريق يفضل العرب، وآخر يفضل العجم، وهي فتنة قديمة شبَّت منذ كان للموالي وأنصار الفرس أطماع في دولة الخلافة، وظلت تزداد وتقوى بفضل الجهود المتصلة التي كان يبذلها الوزراء الفارسيون لكبح النفوذ العربي راجين أن ينتقل إليهم النفوذ الأدبي والسياسي والمادي جميعًا.

ولبديع الزمان الهمذاني رسالة جيدة تمثل تلك المناوشات، يميل فيها إلى تفضيل العرب على العجم وعلى سائر الأمم؛ إذ كانوا في رأيه أوفى وأشجع وأعلم وأحلم، وإن لم يكونوا أحسن ملابس وأنعم مطاعم، ويرى أن فضل العرب لا ينكره إلى وقح، وأن الله قد قدَّم ملك العجم ليحتج عليها، وأخَّر ملك العرب ليحتج بها، وأن العجم ما ملكت حتى تواصلت، والعرب ما ملكت إلا حين تصاولت، وأن العجم ما تواصلت إلا يأسًا من نفوسها، وأن العرب ما تصاولت إلا لما في رءوسها من النخوة، وهذا طبيعي، فلا تكاد السباع تأتلف كما لا تكاد البهائم تختلف. ثم يمضي بديع الزمان فيتحدث عن أعياد الفرس وعبادتهم للنار، وهو في ذلك يسخر منهم ويفضل العرب عليهم.

والذي يهمنا من ذلك كله هو تقرير ما يمثله النثر في ذلك العهد من الشقاق الذي كان يثور بين العرب والفرس من حين إلى حين، أما حجج بديع الزمان في تفضيل العرب على الفرس، وحجج خصومه في تفضيل الفرس على العرب، فتلك أشياء لا يهمنا تحقيقها الآن.

وذلك الخلاف له قيمته في تقدير الحيوية التي كان يحسها رجال الأدب لذلك العهد، فقد كانوا يمثلون طوائفهم ودولهم بذلك الدفاع الذي كان يفيض حياة وقوة، وكان يحتوي أحيانًا على مباحث جيدة في بيان الفضائل النفسية والاجتماعية والأدبية التي تمتاز بها الأمم والشعوب.

ومما يتصل بتصوير الحياة العقلية طريقة أولئك الكتاب في شرح حقائق الحياة. ويظهر أنهم كانوا يميلون إلى الصراحة المطلقة فيما يختص بنعيم العقل والحواس، فما كانوا يخفون أغراضهم بالرمز والإشارة، وإنما كانوا يصرِّحون بما يحبون الخوض فيه، فكان من ذلك أن أكثروا من الرسائل في تهادي الخمر، وأن وصفوا مجالس الشراب واللهو وصفًا مغريًا لا يترك هفوات الشباب ولا جرائم السكر بدون تصوير، وعرضوا للجمال الحسي في الغلمان فوصفوه وصفًا جارحًا لا نكاد نسيغه اليوم، فقد حذف الشيخ محمد عبده طائفة من مقامات بديع الزمان لما فيها من الصراحة المفرطة في تصوير الشهوات.

وللببغاء الشاعر رسالة جميلة في وصف ليلة أنس ذكرها الثعالبي في الجزء الأول من اليتيمة لا يقرؤها القارئ بدون أن يدهش من حب أولئك الكُتَّاب لتصوير لذَّات الحياة، وما نحب أن نطيل في بيان هذه النقطة؛ لأن لها مكانًا غير هذا، وإنما نقرر أن الذي يراجع آثار الكُتَّاب في ذلك العصر يقتنع بأنهم لم يكونوا في الأغلب رجال حشمة ووقار، وإنما كانوا يفضلون الصراحة العابثة فيما يقولون وما يعملون.٢

ومن أهم الجوانب التي تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر؛ الخصومات العنيفة التي قامت بين الكُتَّاب، فقد كانت بينهم مناوشات ومجادلات نشأت من أطماعهم في الحياة المادية، وكانوا يمثلون غالبًا طوائف من الأفكار الدينية والحزبية يقومون في الدفاع عنها بما تقوم به الجرائد المغرضة في العصر الحاضر، وكان لهم من القوة ما كان للشعراء، فلم يكن بد من أن يتنافس أصحاب الملك في تقريبهم، ولم يكن بد كذلك من أن يتنافس هؤلاء في الاستئثار بالحظوة عند الوزراء والرؤساء والملوك.

وفي الرسالة التي كتبها بديع الزمان إلى أبي نصر بن المرزبان فقرات مرة تمثل ما كان عليه كتَّاب ذلك العصر من الطمع في المناصب الرسمية، ومن ضعف الخلق عند الغنى، ومن النبل عند الفقر، إذ «تنسيهم أيام اللدونة أوقات الخشونة، وأزمات العذوبة ساعات الصعوبة»، وقد كانوا كما قال: «ما اتسعت دورهم إلا ضاقت صدورهم، ولا أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم، ولا زاد مالهم إلا نقص معروفهم، ولا ورمت أكياسهم إلا ورمت أنوفهم، ولا صلحت أحوالهم إلا فسدت أعمالهم، ولا فاض جاههم إلا غاضت مياههم، ولا لانت برودهم إلا صلبت خدودهم.»٣

وفي تلك المنافسات الشديدة، وتلك الدسائس الملعونة التي كانت تقع بين الكُتَّاب دليل على جشعهم في حب الحياة، وفهمهم لها فهمًا ماديًّا يتناسب مع تلك العبقريات الفنية التي ظهرت في فقرهم ورسائلهم وأبحاثهم، ومن المؤلم أن تظل قوة الحقد ويقظة الأثرة وشدة العداوة في كل عصر من السمات الغالبة على كبار الكُتَّاب، فمن النادر أن نجد كاتبًا كريمًا يعطف على زملائه، ويحب لهم الخير ويتمنى لهم السداد، وقديمًا أفزعت هذه الظاهرة عبد الحميد بن يحيى — وكان رجلًا نبيلًا — فكتب وصيته المعروفة يدعو بها الكتَّاب إلى التعاون ونبذ الأحقاد، وفي أيامنا تبعث تلك الشمائل من جديد، فلا تجد كاتبًا في العالم العربي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بحيث يظن أن شبوب العبقرية يوحي بالطمع والاستبداد بالفضل والاستئثار بالجاه.

وأهم الخصومات التي وقعت بين كُتَّاب ذلك العصر خصومة الهمذاني والخوارزمي، وخصومة التوحيدي والصاحب بن عباد.

أما خصومة الهمذاني والخوارزمي فترجع إلى رغبة الهمذاني في الظهور وطمعه في الانفراد بالشهرة، وأهم مصدر لهذه الخصومة الرسالة المطولة التي كتبها الهمذاني في وصف المناظرة التي قامت بينه وبين الخوارزمي، وهي رسالة مغرضة مملوءة بالتحامل والتهافت، وليس فيها أفكار جدية تجعل خصومة الرجلين خصومة بين عقلين، إنما محاورات لفظية تدل على غلبة الزخرف وتمكنه من السيطرة على عقول أهل ذلك الجيل، ولو أن الخوارزمي دوَّن بدوره تلك المناظرة لرأينا وجهين في بسط ذلك الحادث الأدبي، واستطعنا أن نستخلص من مقابلة النصين نفس الرجلين، ولكن الهمذاني تكلم وحده، فعرفنا فقط مبلغ زهوه وكبريائه وطمعه في قهر كاتب كان يومئذ على رأس الكاتبين.

أما خصومة التوحيدي لابن عباد فترجع فيما ذكر كتاب التراجم إلى سبب مادي، وذلك أن التوحيدي رغب في مال ابن عباد وجاهه فضاق عنه صدر هذا، فكتب التوحيدي كتابه «مثالب الوزيرين» وهو كتاب جارح كشف به عورات ابن العميد وابن عباد، ثم عاد إليهما بالتجريح أيضًا في كتابه «الامتناع والمؤانسة»، وأسلوبه في الهجاء أسلوب خطر فظيع؛ إذ يختلق من الحوادث والإشارات وينطقهما برسائل ومقطوعات تهوي بهما إلى الحضيض، ويعد التوحيدي من الوجهة الفنية رجلًا خصب الذهن، غني اللغة، وافر المحصول، قوي الخيال.

وقد تنبَّه المتأدبون إلى تحامل التوحيدي وإسرافه في التعصب ضد ذينك الوزيرين، وشاع الاعتقاد بأن كتابه «مثالب الوزيرين» كتاب مشئوم لا يملكه أحد إلا انعكست أحواله، ويذكر ابن خلِّكان أنه جرب هذا وجربه من يثق به!٤ فإذا صح هذا الوهم كان التوحيدي قد عوقب على بغيه وظلمه وافترائه، فقد أنطق الصاحب بن عباد بعبارات مخجلة يندى لها وجه القارئ ويفر منها الطبع والذوق، وإن كانت نُظمت في أسلوب شائق خلاب.

هوامش

(١) هذا الفصل القصير لا يغني عن مراجعة الفصول المطولة في باب (الآراء والمذاهب) بالجزء الثاني، ويمكن القول بأن الأدب في كل عصر صورة للحياة العقلية، غير أن قوة الحيوية في كتَّاب القرن الرابع ميزتهم بطابع خاص.
(٢) وقد رأينا بعد البحث أنهم يؤثرون الأدب الصريح؛ فيتحدثون عن الهنات والعورات في عبارات صريحة لا تسترها كناية ولا تلويح، وأكثرهم يمزج الجد بالهزل في أساليب مكشوفة ينفر منها الطبع في بعض الأحيان، ولا نملك هنا إيراد الشواهد؛ لأن الذوق في عصرنا يأبى ذلك، وحسبنا أن نشير إلى ما كتبه الثعالبي عن بعض العورات، فقد شعر بشيء قليل من الحرج اضطره إلى أن يعتذر بهذه الكلمات: «ذكر الأعضاء لا يؤثم، وإنما الإثم في ذكرها عند شتم الأعراض، وقول الرفث في أكل لحوم الناس وقذف المحصنات.» ثمار القلوب ص١٨٠.
وهذه مشكلة قديمة في اللغة العربية، فقد تحدث ابن قتيبة في مقدمة عيون الأخبار عن هذا الأسلوب في التعبير، ودافع عنه في حماسة بكلام طويل نكتفي منه بالأسطر التالية:

واعلم أنك إن كنت مستغنيًا عن المزاح بتنسكك، فإن غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه محتاج إليه، وأن الكتاب لم يعمل لك دون غيرك فيهيأ على ظاهر محبتك، ولو وقع فيه توقي المتزمتين لذهب شطر بهائه، وشطر مائه، ولأعرض عنه من أحببنا أن يقبل إليه معك، وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين، وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك، وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب.

راجع: مقدمة عيون الأخبار.
(٣) رسائل بديع الزمان ص١٤٥.
(٤) وفيات الأعيان (٢ / ٤٧٠).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠