الفصل الرابع

الفكاهات

ليست الفكاهات النثرية مما ابتكره كُتَّاب القرن الرابع، ولكنها ظهرت فيه ظهورًا واضحًا، وصارت فنًّا واضح الرسوم؛ بحيث يمكن الحكم بأن الكتَّاب كانوا يقصدون إليها قصدًا، ويتنافسون في تزويرها وتحبيرها، ومن أشهرهم في هذا الباب بديع الزمان، فقد كتب في الفكاهة عدة مقامات؛ منها المقامة الشامية التي أنطق فيها «زوج الاثنين» أمام قاضي الشام، وكانت إحداهما تدعي صداقًا، والأخرى تلتمس طلاقًا.

القاضي : ما تقول في الملتمسة صداقها؟١
الزوج : أعز الله القاضي! صداق عن ماذا؟ وأنا غريب من أهل الإسكندرية، فوالله ما أثقلت لي وتدًا، ولا أشبعت لي كبدًا، ولا عمرت خرابًا، ولا ملأت جرابًا.
القاضي : إنك تبطنتها!
الزوج : نعم! لكن فمًا غير بارد، وثديًا غير ناهد، وبطنًا غير والد، وعينًا غير واجد، وريقًا غير ريِّق، وطريقًا غير ضيِّق.
القاضي (للمرأة) : ما تقولين؟
المرأة : أيد الله القاضي! هو أكذب من أمله، وأكثر في اللؤم من حيله، وأفسد عِشرةً من أسفله، والله لقد صادفت من فمه صقرًا، ومن يده صخرًا، ومن صدره سم خياط، لا يرشح بقيراط، ولقد زففت إليه بدنًا كالديباج، ووجهًا كالسراج، وعينًا كعين النعاج، وثديًا كحق العاج، وبطنًا كظهر الهملاج، وحشًى ضيق الرتاج، خشن المنهاج، حار المزاج، صعب العلاج، ولكن كيف ألد، وهو لا ينجز ما وعد؟ وكيف ينجز ولا يجد، وهو يجتهد، لو لم يخنه الوتد!
القاضي : أيها الرجل، قد رمتك بالعنَّة!
الزوج (وقد مال إلى الزوجة محتدًّا) : ألم أجعل تسعينك ثلاثين؟ ألم أعرك في ليلة عشرين، حتى أسقطت الجنين؟
المرأة : اشهد أيها القاضي على هذا الإقرار!
الزوج : خدعتني يا دَفار!
والمقامة المضيرية من أنضر ما كتب من الفكاهات، وانظر كيف يتحدث عيسى بن هشام: «كنت بالبصرة ومعي أبو الفتح الإسكندري رجل الفصاحة والبلاغة، وحضرنا معه دعوة بعض التجار، فقدمتْ إلينا مضيرة تثني على الحضارة، وتؤذن بالسلامة، وتشهد لمعاوية — رضي الله عنه — بالإمامة، في قصة يزل عنها الطرف، ويموج فيها الظرف، فلما أخذت من الخوان مكانها، ومن القلوب أوطانها، قام أبو الفتح الإسكندري يلعنها وصاحبها، ويمقتها وآكلها، ويثلبها وطابخها، وظنناه يمزح، فإذا الأمر بالضد، وإذا المزح عين الجد، وتنحى عن الخوان، وترك مساعدة الإخوان، ورفعناها فارتفعت معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلبت لها الأفواه، وتلمظت لها الشفاه، واتقدت لها الأكباد، ومضى في أثرها الفؤاد.٢

ولكنَّا ساعدناه على هجرها، وسألناه عن أمرها، فقال: قصتي معها أطول من مصيبتي فيها، ولو حدثتكم بها لما أمنت المقت، وإضاعة الوقت.

قلنا: هات.

فقال: دعاني بعض التجار إلى مَضيرة وأنا ببغداد، ولزمني ملازمة الغريم، والكلب لأصحاب الرقيم، إلى أن أجبته إليها، وقمنا، فجعل طول الطريق يثني على زوجته، ويفديها بمهجته، ويصف حذقها في صنعتها، وتأنقها في طبخها، ويقول: يا مولاي، لو رأيتها، والخرقة في استها، وهي تدور في الدور، من التنور إلى القدور، ومن القدور إلى التنور، تنفث بفيها النار، وتقد بيديها الأبزار، ولو رأيت الدخان وقد غبَّر في ذلك الوجه الجميل، وأثر في ذلك الخد الصقيل، لرأيت منظرًا تحار فيه العيون، وأنا أعشقها لأنها تعشقني، ومن سعادة المرء أن يرزق المساعدة من حليلته وأن يسعد بظعينته، ولا سيما إذا كانت من طينته، وهي ابنة عمي لحًّا طينتها طينتي، ومدينتها مدينتي، وعمومتها عمومتي، وأرومتها أرومتي، ولكنها أوسع مني خُلقًا، وأحسن خَلقًا.

وصدعني بصفات زوجته، حتى انتهينا إلى محلته، ثم قال: يا مولاي، ترى هذه المحلة؟ هي أشرف محال بغداد، يتنافس الأخيار في نزولها، ويتغاير الكبار على حلولها، ثم لا يسكنها غير التجار، وإنما المرء بالجار، وداري في السطة٣ من قلادتها، والنقطة من دائرتها.

كم تقدر يا مولاي أنفق على كل دار منها؟

قُلْه تخمينًا، إن لم تعرفه يقينًا.

أبو الفتح : الكثير!
التاجر : سبحان الله! ما أكبر هذا الغلط! تقول الكثير فقط؟

(وتنفس الصعداء، وقال: سبحان من يعلم الأشياء!)

قال أبو الفتح: وانتهينا إلى داره.

التاجر : هذه داري، كم تقدر يا مولاي أنفقت على هذه الطاقة، أنفقت والله عليها فوق الطاقة، ووراء الفاقة، كيف ترى صنعها وشكلها، أرأيت بالله مثلها؟ انظر إلى دقائق الصنعة فيها، وتأمل حسن تعريجها، فكأنما خط بالبركار، وانظر إلى حذق النجار في صنعة هذا الباب، اتخذه من كم؟ قُلْ.
أبو الفتح : ومن أين أعلم؟
التاجر : هو ساج من قطعة واحدة، لا مأروض ولا عفن، إذا حرك أَنَّ، وإذا نقر طنَّ، من اتخذه يا سيدي؟
أبو الفتح : …؟
التاجر : اتخذه أبو إسحاق بن محمد البصري، وهو والله رجل نظيف الأثواب، بصير بصنعة الأبواب، خفيف اليد في العمل. لله درُّ ذلك الرجل! بحياتي لا استعنت إلا به على مثله. وهذه الحلقة تراها؟ اشتريتها في سوق الطرائف من عمران الطرائفي بثلاثة دنانير معزية. وكم فيها يا سيدي من الشبه؟ فيها ستة أرطال، وهي تدور بلولب في الباب، بالله دوِّرها، ثم انقرها وأبصرها، وبحياتي عليك لا اشتريت الحلق إلا منه، فليس يبيع إلا الأعلاق.

قال أبو الفتح: ثم قرع الباب ودخلنا الدهليز. وقال التاجر: عمرك الله يا دار، ولا خربك يا جدار، فما أمتن حيطانك، وأوثق بنيانك، وأقوى أساسك! وتأمل بالله معارجها، وتبين دواخلها وخوارجها، وسلني كيف حصلتها، وكم من حيلة احتلتها، حتى عقدتها؟

أبو الفتح : …؟
التاجر : كان لي جار يكنى أبا سليمان يسكن هذه المحلة، وله من المال ما لا يسعه الخزن، ومن الصامت ما لا يحصره الوزن، مات — رحمه الله — وخلف خلفًا أتلفه بين الخمر والزمر، ومزقه بين النرد والقمْر، وأشفقت أن يسوقه قائد الاضطرار، إلى بيع الدار، فيبيعها في أثناء الضجر، أو يجعلها عرضة للخطر، ثم أراها، وقد فاتني شراها، فأتقطع عليها حسرات، إلى يوم الممات، فعمدت إلى أثواب لا تنض تجارتها، فحملتها إليه، وعرضتها عليه، وساومته على أن يشتريها نسية، والمدبر يحب النسية عطية، والمتخلف يعتدها هدية، وسألته وثيقة بأصل المال ففعل، وعقدها لي، ثم تغافلت عن اقتضائه، حتى كادت حاشية حاله ترق، فأتيته، فاقتضيته، واستمهلني فأنظرته، والتمس غيرها من الثياب فأحضرته، وسألته أن يجعل داره رهينة لديَّ، ووثيقة في يديَّ، ففعل، ثم درجته بالمعاملات إلى بيعها، فحصلت لي بجد صاعد، وبخت مساعد، وقوة ساعد، ورب ساعٍ لقاعد! وأنا بحمد الله مجدود في مثل هذه الأحوال.

وحسبك يا مولاي أني كنت منذ ليالٍ نائمًا مع من فيه إذ قُرع علينا الباب، فقلت: من الطارق المنتاب؟ فإذا امرأة معها عقد لآل، في جلدة ماء ورقة آل، تعرضه للبيع، فأخذته منها إخذة خلس، واشتريته بثمن بخس، وسيكون له نفع ظاهر، وربح وافر، بعون الله تعالى.

وإنما حدثتك بهذا الحديث لتعلم سعادة جدي في التجارة، والسعادة تنبط الماء من الحجارة، الله أكبر! لا ينبئك أصدق من نفسك، ولا أقرب من أمسك، اشتريت هذا الحصير في المناداة، وقد أخرج من آل دور الفرات، وقت المصادرات، وزمن الغارات، وكنت أطلب مثله منذ الزمن الأطون فلا أجد، والدهر حُبْلَى ليس يُدرَى ما يلد، ثم اتفق أني حضرت باب الطاق، وهذا يعرض في الأسواق، فوزنت فيه كذا وكذا دينارًا. تأمل بالله دقته ولينه وصنعته ولونه، فهو عظيم القدر، لا يقع مثله إلا في الندر، وإن كنت سمعت بأبي عثمان الحصيري فهو عمله، له ابن يخلفه الآن في حانوته، لا يوجد أعلاق الحصر إلا عنده، فبحياتي لا اشتريت الحصر إلا من دكانه، فالمؤمن ناصح لإخوانه، لا سيما من تحرَّم بخوانه.»

إلى هنا يتصوَّر القارئ ضجر أبي الفتح وهو ينتظر طعام المضيرة.

ولكن التاجر يستأنف الحديث فيقول: «ونعود إلى حديث المضيرة، فقد حان وقت الظهيرة.»

يا غلام، الطَّسْتَ والماء.

أبو الفتح (في سره) : الله أكبر! ربما قرب الفرج، وسهل المخرج.
(ويتقدم الغلام بالماء.)
التاجر: ترى هذا الغلام؟ إنه رومي الأصل، عراقي النشء. تقدم يا غلام واحسر عن رأسك، وشمر عن ساقك، وانض عن ذراعك، وافتر عن أسنانك، وأقبل وأدبر.

(ويفعل الغلام ذلك.)

التاجر: بالله من اشتراه؟
أبو الفتح: …؟
التاجر: اشتراه والله أبو العباس، من النخاس. ضع الطست وهات الإبريق.

(يضع الغلام الإبريق ويأخذه التاجر فيقلبه ويدير فيه النظر ثم ينقره.)

التاجر: انظر إلى هذا الشبه كأنه جذوة اللهب، أو قطع الذهب، شبه٤ الشام وصنع العراق، ليس من خلقان الأعلاق، قد عرف دور الملوك، تأمل حسنه وسلني: متى اشتريته؟
أبو الفتح: …؟
التاجر: اشتريته والله عام المجاعة، وادخرته لهذه الساعة، يا غلام، الإبريق.

(يقدم الغلام الإبريق فيأخذه التاجر ويقلبه.)

التاجر: وأنبوبه منه، لا يصلح هذا الإبريق إلا لهذا الطست، ولا يصلح هذا الطست إلا مع هذا الدست، ولا يصلح هذا الدست إلا في هذا البيت، ولا يجمل هذا البيت إلا مع هذا الضيف. أرسل الماء يا غلام، فقد حان وقت الطعام.

(ويصب الغلام الماء فيتأمله التاجر ويقول):

التاجر: ترى هذا الماء؟ ما أصفاه! أزرق كعين السنور، وصاف كقضيب البلور، استُقِيَ من الفرات، واستُعمِل بعد البيات، فجاء كلسان الشمعة، في صفاء الدمعة، وليس الشأن في السقاء، الشأن في الإناء، لا يدلك على نظافة أسبابه، أصدق من نظافة شرابه … وهذا المنديل؟ سلني عن قصته في نسج جرجان، وعمل أرجان، وقع إليَّ فاشتريته، فاتخذتْ بعضه امرأتي سراويلًا، واتخذتْ بعضه منديلًا، دخل في سراويلها عشرون ذراعًا، وانتزعت من يدها هذا القدر انتزاعًا، وأسلمته إلى المطرِّز حتى صنعه كما تراه، وطرزه ثم رددته من السوق، وخزنته في الصندوق، وادخرته للظراف، من الأضياف … يا غلام، الخوان، فقد طال الزمان، والقصاع، فقد طال المصاع، والطعام، فقد كثر الكلام.

(ويأتي الغلام بالخوان فيقلبه التاجر وينقره ببنانه ويعجمه بأسنانه.)

التاجر: عمَّر الله بغداد! فما أجود متاعها، وأظرف صناعها! تأمل بالله هذا الخوان، وانظر إلى عرض متنه، وخفة وزنه، وصلابة عوده، وحسن شكله.
أبو الفتح (وقد ضاق صدره): هذا الشكل، فمتى الأكل؟
التاجر: عجل يا غلام، لكن الخوان قوائمه منه.
أبو الفتح (وقد جاشت نفسه): بقي الخَبْزُ وآلاته، والخُبْز وصفاته، والحنطة أين اشتُريتْ أصلًا، وكيف اكتري لها حملًا، وفي أي رحى طحن، وإجانة عجن، وفي أي تنور سجر، وخباز استؤجر؟وبقي الحطب، من أين احتطب، ومتى جلب، وكيف صفف، حتى جفف، وحبس حتى يبس؟وبقي الخباز ووصفه، والتلميذ ونعته، والدقيق ومدحه، والخمير وشرحه، والملح وملاحته.وبقيت السُّكُرَّجات من اتخذها، وكيف انتقذها، ومن استعملها، ومن عملها؟والخل كيف انتفى عنبه، أو اشتري رطبه، وكيف صهرجت معصرته، واستخلص لبه، وكيف قُبِّر حبه، وكم يساوي دنُّه؟وبقي البقل كيف احتيل له حتى قطف، وفي أي مبقلة رصف، وكيف تؤنق حتى نظف؟ وبقيت المضيرة، كيف اشتري لحمها، ووفى شحمها، ونضبت قدرها، وأججت نارها، ودقت أبزارها، حتى أجيد طبخها، وعقد مرقها؟ وهذا خطب يطم، وأمر لا يتم!

(ويقوم أبو الفتح.)

التاجر: أين تريد؟
أبو الفتح: حاجة أقضيها!
التاجر: يا مولاي، تريد كنيفًا يزري بربيعيِّ الأمير، وخريفيِّ الوزير؟ قد جُصِّص أعلاه، وصهرج أسفله، وسطِّح سقفه، وفرشت بالمرمر أرضه، يزل عن حائطه الذر فلا يقلق، ويمشي على أرضه الذباب فيزلق، عليه بابٌ غير أنه من خليطي ساج وعاج، مزدوجين أحسن ازدواج، يتمنى الضيف أن يأكل فيه.
أبو الفتح: كُلْ أنت من هذا الجراب، لم يكن الكنيف في الحساب.

(ويمضي أبو الفتح فيقول):

وخرجت نحو الباب، وأسرعت في الذهاب، وجعلت أعدو وهو يتبعني ويصيح: «يا أبا الفتح، المضيرة، يا أبا الفتح!» وظن الصبيان المضيرة لقبًا فصاحوا صياحه، ورميت أحدهم بحجر، ومن فرط الضجر، فلقي رجل الحجر بعمامته، فغاص في هامته، فأخذت من النعال بما قدم وحدث، ومن الصفع ما طاب وخبث، وحشرت إلى الحبس، فأقمت عامين في ذلك النحس، فنذرت ألا آكل مضيرة ما عشت، فهل أنا في ذا يا آل همدان ظالم؟

قال عيسى بن هشام: فقبلنا عذره، ونذرنا نذره، وقلنا: قديمًا جنت المضيرة على الأحرار، وقدمت الأراذل على الأخيار!

ومن الفكاهات التي صيغت صياغة فنية ما كتبه أبو الخطاب الصابي في صفة حَمَلٍ أهداه إليه أبو العباس بن سابور:

وصلت رقعتك ففضضتها عن خط مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعانٍ غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته، وسحبان في خطابته، وتصرف بين جدٍّ أمضى من القدَر، وهزل أرق من نسيم السحَر، وتقلب في وجوه الخطاب، الجامع للصواب، إلا أن الفعل قصر عن القول؛ لأنك ذكرت حملًا، جعلته بصفتك جملًا، فكان المعيدي الذي تسمع به ولا أن تراه، وحضر فرأيت كبشًا متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذريته، صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلًا ضئيلًا، باليًا هزيلًا، بادي السقام، عاري العظام، جامعًا للمعايب، مشتملًا على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتِّي الحركة فيه؛ لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، لا يجد فوق عظامه سلبًا، ولا تلقى يدك منه إلا خشبًا، لو ألقي إلى السبع لأباه، ولو طرح إلى الذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم يرَ القت إلا نائمًا، ولا عرف الشعير إلا حالمًا.

وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الرحل، فملت إلى استبقائه لما تعرف من محبتي في التوفير، ورغبتي للتثمير، وجمعي للولد، وادخاري للعتد، فلم أجد فيه مستمتعًا للبقاء، ولا مدفعًا للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فتحمل، ولا بفتى فينسل، ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى، فملت إلى الثاني من رأيَيْك، وعولت على الآخر من قولَيْك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطبًا مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، وحدَّت الشفار، وشمر الجزار:

أعيذها نظرات منك صادقة
أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقال: ما الفائدة لك في ذبحي، وأنا لم يبقَ مني إلا نفس خافت، ومقلة إنسانها باهت، لست بذي لحم فأصلح للأكل؛ لأن الدهر قد أكل لحمي، ولا جلدي يصلح للدباغ؛ لأن الأيام قد مزقت أدمي، ولا لي صوف يصلح للغزل؛ لأن الحوادث قد حصَّت وبري! فإن أردتني للوقود فكفُّ بعرٍ أبقى من ناري، ولن تفي حرارة جمري بريح قتاري! فلم يبقَ إلا أن تطلبني بذحل، أو بيني وبينك دم! فوجدته صادقًا في مقالته، ناصحًا في مشورته، ولم أعلم من أي أمريه أعجب؟ أمن مماطلته الدهر بالبقاء؟ أم صبره على الضر واللأواء؟ أم قدرتك عليه مع إعواز مثله، أم تأهيلك الصديق به مع خساسة قدره! ويا ليت شعري إذ كنت وإليك سوق الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكل كبش سمين، وحمل بطين، مجلوب إليك، مقصور عليك، تقول فيه قولًا فلا تردُّ، وترديه فلا تصدُّ، وكانت هديتك هذا الذي كأنه ناشر من القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنت مهديًا لو أنك رجل من عرض الكتاب، كأبي علي وأبي الخطاب، ما كنت تهدي إلا كلبًا أجرب، أو قردًا أحدب!٥
وكتب أبو إسحاق الصابي يعزي أبا بكر بن قريعة عن ثور أبيض جلس للعزاء عليه تراقعًا وتحامقًا:

التعزية على المفقود — أطال الله بقاء القاضي! إنما تكون بحسب محله من فاقده، من غير أن تراعى قيمته، ولا قدره، ولا ذاته، ولا عينه؛ إذ كان الغرض منها تبريد الغلة، وإخماد اللوعة، وتسكين الزفرة، وتنفيس الكربة، فربَّ ولد عاق، وأخ مشاق، وذي رحم أصبح لها قاطعًا، وقريب قوم قد قلدهم عارًا، وناط بهم شنارًا، فلا لوم في ترك التعزية عنه، وأحرِ بها أن تكون تهنئة بالراحة منه. ورب مال صامت غير ناطق، قد كان صاحبه به مستظهرًا، وله مستثمرًا، فالفجيعة به إذا فقد موضوعة موضعها، والتعزية عنه واقعة منه موقعها، وقد بلغني أن القاضي أصيب بثور كان له فجلس للعزاء عنه شاكيًا، وأجهش عليه باكيًا، وللندم عليه والهًا، وحُكيت عنه حكايات في التأبين له، وإقامة الندب عليه، وتعديد ما كان من فضائل البقر التي تفرقت في غيره، واجتمعت فيه وحده، فكان كما قال أبو نواس في مثله من الناس:

ليس على الله بمستنكر
أن يجمع العالم في واحد

لأنه يكرب الأرض مغمورة، ويثيرها مزروعة، ويدور في الدوَاليب ساقيًا، وفي الأرحاء طاحنًا، ويحمل الغلات مستقلًّا، والأثقال مستخفًّا، فلا يؤدُّه عظيم، ولا يعجزه جسيم، ولا يجري في الحائط مع شقيقه، ولا في الطريق مع رفيقه، إلا كان جلدًا لا يسبق، ومبرزًا لا يلحق، وفائتًا لا ينال شأوه وغايته، ولا يبلغ مداه ونهايته، ويشهد الله أن ما ساءه ساءني، وما آلمه آلمني.

ولم يجز عندي في حق وده، استصغار خطب جل عنده فأرمضه وأرقه، وأمرضه وأقلقه، فكتبت هذه الرقعة فأصابها من الجوى في مصابه هذا بقدر ما أظهر من إكباره إياه، وأبان من إعظامه له، وأسأل الله تعالى أن يخصه من المعوضة بأفضل ما خص به البشر عن البقر، وأن يفرد هذه البهيمة العجماء بأثرة من الثواب، يضيفها إلى المكلفين من ذوي الألباب، فإنها وإن لم تكن منهم، فقد استحقت ألا تفرد عنهم، بأن مس القاضي سببها، وصار إليه منتسبها، حتى إذا أنجز الله ما وعد به من تمحيص سيئاتهم، وتضعيف حسناتهم، والإفضاء بهم إلى الجنة التي رضيها لهم دارًا، وجعلها لجماعتهم قرارًا، وأورد القاضي — أيده الله تعالى — موارد أهل النعيم، مع أهل الصراط المستقيم، جاء وثوره هذا مجنوب معه، مسموح له به! وكما أن الجنة لا يدخلها الخبث، ولا يكون من أهلها الحدث، ولكنه عرق يجري من أعراضهم.

كذلك يجعل الله ثور القاضي مركبًا من العنبر الشحريِّ، وماء الورد الجوري، فيكون له جونة عطر ونور! وليس ذلك بمستبعد ولا مستنكر، ولا مستصعب ولا متعذر؛ إذ كانت قدرته بذلك محيطة، ومواعيده لأمثاله ضامنة، بما أعده الله في الجنة لعباده الصادقين، وأوليائه الصالحين، من شهوات أنفسهم، وملاذ أعينهم، ما هو منحة من غامر فضله، وفائض كرمه، عاقبة ذلك مع صالح مساعيه، ومحمود شيمه، وقلبي بمعرفة خبره — أدام الله عزه — فيما أدرعه من شعار الصبر، واحتفظ به من إيثار الأجر، ورفع إليه من السكون لأمر الله تعالى في الذي طرقه، والشكر له فيما أزعجه وأقلقه، فليعرفني القاضي من ذلك ما أكون ضاربًا معه بسهم المساعدة عليه، وآخذًا بقسط المشاركة فيه.٦
ومن أظرف ما كتب على طريق الهزل والفكاهة «عهد التطفل»، وهو عهد أنشأه أبو إسحاق الصابي على لسان طفيلي اسمه (عليكا) كان يقع على مائدة معين الدولة بن بويه. والظريف في هذا العهد أنه يجري على نمط العهود السلطانية؛ فيبدأ بعرض خصائص المعهود إليه، ويعين المهمات التي كتب من أجلها العهد فيقول:

وهذا ما عهد به عليُّ بن أحمد المعروف بعليكا إلى علي بن عرس الموصلي، حين استخلفه على إحياء سننه، واستنابه في حفظ رسومه، من التطفل على أهل مدينة السلام، وما يتصل بها من أرباضها وأكنافها، ويجري معها في سوادها وأطرافها، لما توسمه فيه من قلة الحياء، وشدة اللقاء، وكثرة اللقم، وجودة الهضم، ورآه أهلًا له من سد مكانه …

ثم يأخذ الأمر بالجد فيقول:

أمره بتقوى الله التي هي الجانب العزيز والحرز الحريز، والركن المنيع، والطود الرفيع، والعصمة الكالئة، والجنة الواقية، والزاد النافع يوم المعاد … وأن يستشعر خيفته في سره وجهره، ويراقبه في قوله وفعله …

وبعد كلام طويل في هذه النصائح الجدية ينتقل إلى صدر الموضوع فيقول:
وأمره أن يتأمل اسم التطفيل ومعناه، ويعرف مغزاه ومنحاه … فإن كثيرًا من الناس قد استقبحه ممن فعله، وكرهه لمن استعمله، ونسبه فيه إلى الشره والنهم، وحمله منه على التفه والقرم، فمنهم من غلط في استدلاله، فأساء في مقاله، ومنهم من شحَّ على ماله، فدافع عنه باحتياله، وكلا الفريقين مذموم، وجميعهما ملوم، ومنهم الطائفة التي ترى فيها شركة العنان، فهي تتدله إذا كان لها، وتتدلى عليه إذا كان لغيرها، وترى أن المنة في المطعم للهاجم الآكل، وفي المشرب للوارد الواغل، وهي أحق بالحرية، وأخلق بالخيرية … وقد عُرفتَ بالتطفيل ولا عار فيه عند ذوي التحصيل؛ لأنه مشتق من الطَّفَل وهو وقت المساء، وأوان العشاء، فلما كثر استُعمل في صدر النهار وعجزه وأوله وآخره، كما قيل للشمس والقمر: قمران وأحدهما القمر، وأبي بكر وعمر: العمران وأحدهما عمر، وقد سبق إمامنا (بيَّان)٧ — رحمة الله عليه — إلى هذا الأمر سبقًا أوجب له خلود الذكر، فهو باقٍ بقاء الدهر، ومتجدد في كل عصر، وما نعرف أحدًا نال من الدنيا حظًّا من حظوظها فبقي له منه أثر يخلقه وصيت يستبد به إلا هو وحده، فبيَّان — رضوان الله عليه —٨ يذكر بتطفيله كما تذكر الملوك بسيرها، فمن بلغ إلى نهايته، أو جرى إلى غايته، سعد بغضارة عيشه في يومه، ونباهة ذكره في غده، جعلنا الله جميعًا من السابقين إلى مداه، والمذكورين كذكراه!
ويقول فيمن يجب أن يغشاهم المتطفلون:

وأمره أن يعتمد موائد الكبراء والعظماء بغزاياه، وسُمُط الأمراء والوزراء بسراياه، فإنه يظفر منها بالغنيمة الباردة، ويصل عليها إلى الغريبة النادرة، وإذا استقراها وجد فيها من طرائف الألوان، والملذة للسان، وبدائع الطعوم، السائغة في الحلقوم، ما لا يجده عند غيرهم، ولا يناله إلا لديهم؛ لحذق صناعتهم، وجودة أدواتهم، وانزياح عللهم، وكثرة ذات بينهم، والله يوفر من ذلك حظنا، ويسدد نحوه لحظنا، ويوضح عليه دليلنا، ويسهل إليه سبيلنا.

ويقول في أخلاق الموسرين من التجار:
وأمره أن يعرض لموسري التجار، ومجهزي الأمصار، من وكيرة٩ الدار والعرس والإعذار،١٠ فإنهم يوسعون على نفوسهم في النوائب، بحسب تضييقهم عليها في الراتب، وربما صبروا على تطفيل المتطفلين، وأغضوا على تجهم الواغلين، ليتحدثوا بذلك في مجالسهم الرذلة، ويعدوه في مكارم أخلاقهم النذلة، ويقول قائلهم الباجح باتساع طعامه، المباهي بكثرة حطامه: إنني كنت أرى الوجوه الغريبة فأطعمها، والأيدي الممتدة فأملؤها. وهذه طائفة لم ترد بما فعلته الكرم والسعة، وإنما أرادت المن والسمعة، فإذا اهتدى الأريب إلى طرائقها وصل إلى بغيته من إعلان قضيتها، وفاز بمراده من ذخائر حسنتها، إن شاء الله.
ويقول فيما يجب على المتطفل من مصادقة المدبرين والطباخين والحمالين:
وأمره أن يصادق قهارمة١١ الدور ومدبريها، ويرافق وكلاء المطابخ وحماليها، فإنهم يملكون من أصحابهم أزمة مطاعمهم ومشاربهم، ويضعونها بحيث يحبون من أهل موادتهم ومعارفهم، وإذا عَدَّت هذه الطائفة أحدًا من الناس خليلًا من خلانها، واتخذته أخًا من إخوانها، سعد بمرافقتها، ووصل إلى محابِّه من جهاتها، ومآربه في جنباتها.

وأوصاه بعد ذلك أن يتعهد الأسواق ليتوسم من يتهيئون لإقامة الولائم، ونصحه بأن ينصب الأرصاد على منازل المغنين والمغنيات، وأمره أن يتجنب مجامع العوام المقلين، ومحافل الرعاع المقترين؛ لأن التطفيل على المعوزين إجحاف، وفيه إزراء بمروءة المتطفلين!

ثم قال في سياسة الأكل:

وأمره أن يحزر الخوان إذا وضع، والطعام إذا نقل، حتى يعرف بالحدس والتقريب، والبحث والتنقيب، عدد الألوان في الكثرة والقلة، وافتنانها في الطيب واللذة، فيقدر لنفسه أن يشبع مع آخرها، وينتهي منها عند انتهائها، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها، ولا يخطئه الحظ في دقيقها وجليلها، ومتى أحس بقلة الطعام، وعجزه عن الأقوام، أمعن في أوله إمعان الكيِّس في سعيه، الرشيد في أمره، المالئ لبطنه، من كل حار وبارد، وخبيث وطيب، فإنه إذا فعل ذلك سلم من عواقب الأغمار الذين يكفون تطرفًا، ويُقلَّون تأدبًا، ويظنون أن المادة تبلغهم في آخر أمرهم، وتنتهي بهم إلى غاية سعيهم، فلا يلبثوا أن يخجلوا خجلة الوائب، وينقلبوا بحسرة الخائب، أعاذنا الله من مثل مقامهم، وعصمنا من شقاء جدودهم، إن شاء الله!

ثم قال يوصيه باحتمال الضيم في سبيل البطن:

وأمره أن يروض نفسه ويغالط حسَّه، ويضرب عن كثير ما يلحقه صفحًا، ويطوي دونه كشحًا، ويستحسن الصمم عن الفحشاء، وإن أتته اللكزة في حلقه، صبر عليها في الوصول إلى حقه، وإن وقعت به الصفعة في رأسه، صبر عليها لموقع أضراسه، وإن لقيه لاقٍ بالجفاء، قابله باللطف والصفاء، إذ كان قد ولج الأبواب، وخالط الأسباب، وجلس مع الحضور، وامتزج بالجمهور، فلا بد أن يلقاه المنكر لأمره، ويمر به المستغرب لوجهه، فإن كان حرًّا حييًّا أمسك وتذمم، وإن كان فظًّا غليظًا همهم وتكلم، وتجنب عند ذلك المخاشنة، واستعمل مع المخاطب له الملاينة؛ ليبرِّد غيظه، ويقل حده، ويكف غربه، ويأمن شغبه، ثم إذا طال المدى تكررت الألحاظ عليه فعرف، وأنست النفوس به فألف، ونال من المحال المجتمع عليها منال من حشم وسئل الذهاب إليها.

وقد بلغنا أن رجلًا من العصابة كان ذا فهم ودراية، وعقل وحصافة، طفل على وليمة لرجل ذي حال عظيمة، فرمقته فيها من القوم العيون، وصرفت بهم فيه الظنون، فقال له قائل منهم: من تكون — أعزك الله؟ فقال: أنا أول من دعي إلى هذا الحق، فقيل له: وكيف ذاك ونحن لا نعرفك؟ فقال: إذا رأيت صاحب الدار عرفني وعرفته نفسي. فجيء به إليه، فلما رآه بدأه بأن قال له: هل قلت لطباخك أن يضع طعامًا زائدًا على عدد الحاضرين، ومقدار حاجة المدعوين؟ قال: نعم! قال: فإنما تلك الزيادة لي ولأمثالي وبها يستظهر لمن جرى مجراي، وهي رزق لنا أنزله الله على يدك وبك. فقال له: كرامة ورحبًا، وأهلًا وقربًا! والله لا جلست إلا مع علية الناس، ووجوه الجلساء، إذا أطرفت في قولك، وتفننت في فعلك، فليكن ذلك الرجل إمامًا يقتدى به، إن شاء الله!

وأوصاه بعد ذلك أن يكثر من تعاهد الأشياء المقوية للمعدة المشهية للطعام «فإنها عماد أمره وقوامه، وبها انتظامه والتئامه»؛ إذ كان تعين على حضور دعوتين، وتنهش المتطفل لأن يأكل في اليوم الواحد أكلتين!

وختم عهد التطفل بهذا الختام الطريف:
هذا عهد عليكا بن أحمد إليك، وحجته لك وعليك، لم يألك فيه إرشادًا وتوقيفًا وتهذيبًا وتثقيفًا، وبعثًا وتبصيرًا، وحقًّا وتذكيرًا، فكن بأوامره مؤتمرًا، وبزواجره مزدجرًا، ولرسومه متبعًا، وبحفظها مضطلعًا، إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.١٢

وذوق الفكاهة يغلب على كتَّاب القرن الرابع، ولكن المهم في هذا الفصل أن يعرف القارئ أنهم كانوا يعمدون إلى هذا الفن. وعهد التطفل الذي لخصناه يدل أوضح الدلالة على أن الفكاهة صارت فنًّا من فنون القول، وكان بودنا أن نكثر من الشواهد، ولكن هذا الباب في جملته لا يراد منه إلا عرض النواحي البارزة في الأساليب والأغراض.

هوامش

(١) حولنا هذه المقامة والتي بعدها إلى الحوار بتصرف قليل.
(٢) للقارئ أن يلاحظ الفكاهة في هذا الموطن.
(٣) السطة: الواسطة، وهي كلمة يكثر ورودها في كلام بديع الزمان في مثل هذا المعنى، فقد جاء في المقامة السجستانية ما نصه: «انتهيت من دائرة البلد إلى نقطتها، ومن قلادة السوق إلى سطتها.»
(٤) الشبه — بالتحريك: النحاس الأصفر.
(٥) زهر الآداب (٢ / ٢٣١–٢٣٣).
(٦) راجع: جواب هذا الخطاب في زهر الآداب (٤ / ١٠٣).
(٧) لا نذكر أنَّا اطلعنا على شيء من نوادر (بيان) هذا، ولكن يظهر أنه كان من الشخصيات المشهورة بالتطفل في الأزمان الماضية.
(٨) تأمل الفكاهة في عبارة (رضوان الله عليه).
(٩) الوكيرة، طعام يعمل ابتهاجًا بالفراغ من بناء البيت.
(١٠) الإعذار: الختان، وهو أيضًا تقديم طعام الختان.
(١١) القهارمة: جمع قهرمان وهو رئيس الخدمة المنزلية.
(١٢) صبح الأعشى (١٤ / ٣٦٠–٣٦٥).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠