الفصل الخامس

النسيب

النسيب من الموضوعات التي احتكرها الشعر عند العرب، وتلك نزعة طبيعية؛ فإن النسيب والغزل من أرق ألحان الغناء، وذلك يفرض أن تؤدى تلك المعاني في كلام مقفى موزون، ولم نجد في المجموعات الأدبية مختارات نثرية في النسيب؛ لأن مصنفي المجموعات كانوا يفهمون أن الغزل لا يخرج عن الأنفاس الشعرية.

غير أننا نجد في النثر لأقدم عهوده نماذج غزلية، كالذي وقع في القرآن وصفًا للحور والولدان، نحو: وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ.١

ونحو: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ.

وكما جاء في سورة الواقعة: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا.٢

فهذه كلها أوصاف تدخل في باب النسيب، ونُسب إلى إحدى النساء حديث في وصف الرسول هو أيضًا نسيب؛ لأنها تكلمت عن أوصافه الحسية التي تعين أنه إنسان جميل، ووصف الجمال من ألوان النسيب.

ثم جاء القصَص الغرامي الذي شاع في عصر بني أمية وأول عصر بني العباس، وهو قصص كثير تجد أطيابه مبعثرة في كتب الأدب هنا وهناك، وفيه فقرات من الغزل الصرف تؤدي ما يؤديه الشعر من مليح الأوصاف. وإلى القارئ شاهدًا من تلك الأقاصيص:
خرج أناس من بني حنيفة يتنزهون إلى جبل لهم، فبصر فتى منهم يقال له عباس؛ بجارية فهويها، وقال لأصحابه: والله لا أنصرف حتى أرسل إليها. فطلبوا إليه أن يكف وأن ينصرف معهم فأبى، وأقبل يراسل الجارية حتى وقع في نفسها، فأقبل في ليلة إضحيانة٣ متنكبًا قوسه وهي بين إخوتِها نائمة، فأيقظها فقالت: انصرف، وإلا أيقظت إخوتي فقتلوك. فقال: والله للموت أيسر مما أنا فيه، ولكن لله عليَّ إن أعطيتني يديك حتى أضعها على فؤادي أن أنصرف، فأمكنته من يدها، فوضعها على فؤاده ثم انصرف.
فلما كان من القابلة أتاها وهي في مثل حالها، فقالت له مثل مقالتها، ورد عليها وقال: إن أمكنتني من شفتيك أرشفهما انصرفت ثم لا أعود إليك. فأمكنته من شفتيها فرشفهما ثم انصرف، فوقع في قلبها منه مثل النار، ونذر به الحي،٤ فقالوا: ما لهذا الفاسق في هذا الجبل! انهضوا بنا إليه حتى نخرجه منه. فأرسلت إليه: إن القوم يأتونك الليلة فاحذر. فلما أمسى قعد على مرقب ومعه قوسه وأسهمه، وأصاب الحيَّ من آخر النهار مطرٌ وندى فلهوا عنه، فلما كان في آخر الليل وذهب السحاب وطلع القمر، خرجت وهي تريده وقد أصابها الطل، فنشرت شعرها وأعجبتها نفسها ومعها جارية من الحي، فقالت: هل لك في عباس؟ فخرجتا تمشيان، ونظر إليهما وهو على المرقب فظن أنهما ممن يطلبانه، فرمى بسهم فما أخطأ قلب الجارية ففلقه! وصاحت الأخرى فانحدر من الجبل وإذا هو بالجارية في دمها فقال:
نعب الغراب بما كرهـ
ـت ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتها
فاصبر وإلا فانتحر
ثم وجأ٥ في أوداجه بمشاقصه،٦ وجاء الحي فوجدهما مقتولين.٧

ففي هذه الأقصوصة تعابير غزلية لا تخفى على فطنة القارئ.

ويتصل بهذا الفن ما جاء في وصف المخطوبات؛ كقول أحدهم لصاحبه:
ابغني امرأة بيضاء البياض، سوداء السواد، طويلة الطول، قصيرة القصر.٨
وقال آخر:
ابغني امرأة لا تؤهل دارًا،٩ ولا تؤنس جارًا،١٠ ولا تنفث نارًا.١١
وقول أعرابي لابن عمه:
اطلب لي امرأة بيضاء، مديدة١٢ فرعاء،١٣ جعدة١٤ تقوم فلا يصيب قميصها منها إلا مشاشة١٥ منكبيها، وحلمتي ثدييها، ورانفتي١٦ أليتها، ورضاف ركبتيها، إذا استقلت فرميت تحتها بالأترجة١٧ العظيمة نفذت من الجانب الآخر.
فقال له ابن عمه: وأنَّى بمثل هذا إلا في الجنان!١٨
وأُثِرت عن الأعراب كلمات غزلية؛ كقول أحدهم في وصف الهوى:
هو أعظم ملكًا في القلب من الروح في الجسم، وأملك بالنفس من النفس؛ يظهر ويبطن، ويكثف ويلطف، فامتنع عن وصفه اللسان، وعيَّ عنه البيان، فهو بين السحر والجفون، لطيف المسلك والكمون.١٩
وسمع الأصمعي امرأة من العرب تصف امرأة وهي تقول:
بيضاء غضة،٢٠ وذماء٢١ رخصة،٢٢ قباء طفلة، تنظر بعيني شادن ظمآن، وتبسم عن منثور الأقحوان، في غب التهتان، بأساريع٢٣ الكثبان، خلقها عميم، وكلامها رخيم.
ووصف أعرابي امرأة يحبها فقال:

هي زينة الحضور، وباب من أبواب السرور، ولذكرها في المغيب، والبعد عن الرقيب، أشهى إلينا من كل ولد ونسيب، بها عرف فضل الحور العين، واشتيق بها إليهن يوم الدين.

وسئلت أعرابية عن الهوى فقالت:

لا متع الهوى بملكه، ولا ملَّى بسلطانه! وقبض الله يده، وأوهن عضده! فإنه جائر لا ينصف في حكم، ولا يقصر في ظلم، ولا يرعوي للذم، ولا ينقاد لحق، ولا يبقى على عقل وفهم، لو ملك الهوى وأطيع لرد الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها.

وقال أعرابي:
دخلت بغداد فرأيت فيها عيونًا دعجًا،٢٤ وحواجب زجًّا،٢٥ يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب.

وقال رجل من فزارة لرجل من بني عذرة: تعدون موتكم في الحب مزية، وإنما ذلك من ضعف البنية وعجز الروية.

فقال العذري: «أما أنكم لو رأيتم المحاجر البلج،٢٦ ترشق بالأعين الدعج، فوقها الحواجب الزج، وتحتها المباسم الفلج،٢٧ والشفاه السمر تفتر عن الثنايا الغر؛ كأنها برد الدر، لجعلتموها اللات والعزى ورفضتم الإسلام وراء ظهوركم.»
وذكر أعرابي نساء فقال:
ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول،٢٨ إذا مشين أسبلن الذيول، وإن ركبن أثقلن الحمول.
ووصَف آخرُ نساءً فقال:
يتلثمن على السبائك، ويتشحن على النيازك،٢٩ ويتزرن على العوانك،٣٠ ويرتفقن على الأرائك، ويتهادين على الدوانك، ابتسامهن وميض، عن ثغر كالإغريض، وهن عن الصبا صُور،٣١ وعن الحيا حُور.
ولم نجد فيما طالعناه رسالة غرامية لأحد كُتَّاب القرن الأول، أما القرن الثاني فنجد فيه شواهد، من ذلك ما حدَّث مخارق المغني إذ قال:
لقيني أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم٣٢ قبل نسكه فقال: أنا والله صب بك، ولوع إليك، مغمور القلب بشكرك، واللسان بذكرك، متشوف إلى رؤيتك ومفاوضتك، وقد طالت الأيام على ما أعد به نفسي من الاجتماع معك، ومن قضاء الوطر منك، فما عندك أنا الفداء لك! أتزورني أم أزورك؟ قلت: جعلني الله فداك! ما يكون عند من هو منك بهذا الموضع، وفي هذا المحل، إلا الانقياد إلى أمرك، والسمع والطاعة لك، ولولا أن أسيء الأدب في أمر بدأت فيه بالفضل لقلت: إن كثير ما ابتدأت به من القول يقل عما عندي من الشوق إليك، والشغف بك، فوجبت لك به المنة عليَّ، وأنا بين يديك، فاثن عناني إلى ما أردت، وقدني كيف شئت.
وكان أبو العتاهية من المفتونين بغناء مخارق، سمعه يومًا يغني فجعل يبكي، ثم قال:
يا دواء المجانين! لقد رققت حتى كدت أن أحسوك!٣٣

وهذه العبارة جذوة من جذوات التشبيب.

وقال علي بن عبيدة الريحاني وقد رأى جارية يهواها:

لولا البقيا على الضمائر، لبحنا بما تجنه السرائر، لكن نيران الحب تتدارك بالإخفاء، ولا تعاجل بالإبداء، فإن دوامها مع إغلاق أبواب الكتمان، وزوالها في فتح مصارع الإعلان.

وقال:

لولا حركات من الابتهاج أجد حسها عند رؤيتك في نفسي لا أعرف لها مثيرًا من مظانها إلا مؤانستك لي، لأبقيت عليك من العناء، وخففت عنك مئونة اللقاء، لكني أجد من الزيادة بك عندي أكثر من قدر راحتك في تأخرك عني فأضيق عن احتمال الخسران بالوحدة منك.

والكلمة الأولى غزل خالص، والثانية بين الغزل والإخوانيات، ولكنها تفيض بروح النسيب.

وكان عليُّ بن عبيدة رقيق الإحساس يتحوَّل الودُّ عنده إلى عشق، وهو صاحب هذه الحكمة الغالية:
اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودِّك، ومن الاسترسال منك، حتى تجد له مستحقًّا، فإن الأنس لباس العِرض، وتحفة الثقة، وحِباء الأكفاء، وشعار الخاصة، فلا تخلق جدَّته إلا لمن يعرف قدر ما بذلت له منك.٣٤
وكتب إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى علي بن هشام القائد:

جعلت فداك! بعث إليَّ أبو نصر مولاك بكتاب منك إليَّ يرتفع عن قدري، ويقصر عنه شكري، فلولا ما أعرف من معانيه، لظننت أن الرسول غلط بي فيه، فما لنا ولك يا أبا عبد الله، تدعنا حتى إذا نسينا الدنيا وأبغضناها، ورجونا السلامة من شرها، أفسدت قلوبنا، وعلقت أنفسنا، فلا أنت تريدنا، ولا أنت تتركنا!

وما ذكرته من شوقك إليَّ لولا أنك حلفت عليه لقلت:

يا من شكا عبثًا إلينا شوقه
شكوى المحب وليس بالمشتاق
لو كنت مشتاقًا إليَّ تريدني
ما طبت نفسًا ساعة بفراقي
وحفظتني حفظ الخليل خليله
ووفيت لي بالعهد والميثاق
هيهات قد حدثت أمور بعدنا
وشغلت باللذات عن إسحاق

قد تركت — جعلت فداك — ما كرهت من العتاب في الشعر وغيره، وقلت أبياتًا لا أزال أخرج بها إلى ظهر المربد، وأستقبل الشمال وأتنسم أرواحكم فيها، ثم يكون ما الله أعلم به، وإن كنت تكرهها تركتها إن شاء الله:

ألا قد أرى أن الثواء قليلُ
وأنْ ليس يبقى للخليل خليلُ
وإني وإن مُلِّيت في العيش حقبة
كذي سفر قد حان منه رحيل
فهل لي إلى أن تنظر العين مرة
إلى ابن هشام في الحياة سبيل
فقد خفت أن ألقى المنايا بحسرة
وفي النفس منه حاجة وغليل
وأما بعد، فإني أعلم أنك وإن لم تسأل عن حالي تحب أن تعلمها، وأن تأتيك عني سلامة، فأنا يوم كتبت إليك سالم البدن، مريض القلب … إلخ.٣٥

والشعر في هذه الرسالة أغلب؛ وفقًا للتقاليد الأصلية في النسيب.

وقال أحمد بن يوسف: كتب غلام من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان إلى آخر منهم وكان قد علق به، وكان شديد الكلف به والمحبة له:

ليس من قدري — أدام الله سعادتك — أن أقول لمثلك: جعلت فداك. لأني أراك فوق كل قيمة نضيرة، وثمن معجز، ولأن نفسي لا تساوي نفسك، فتقبل في فديتك على كل حال، فجعلني الله فداء ساعة من أيامك! اعلم أيها السيد العليُّ المنزلة أنه لو كان لبعدك من شدة الخطب أمر يقف على حدِّه النعت لاجتهد أن يصف من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قلبك، وتحنو على الرقة والتحفي أثناء جوانحك، ولكن الذي أصبحت وأمسيت ممتحنًا به فيك منع من كل بيان، ونزع عن كل لسان، والحب أيها الملك، لم يشبه قذى ريبة ولم يختلط به قلب معاب، فلا ينبغي لمن كرمت أخلاقه أن يعاف مقاربة صاحبه المدل بحزم نيته، والذي أتمناه أيها المولى اللطيف مجلسٌ أقف فيه أمامك، ثم أبوح بما أضنى جسدي، وفتت كبدي، فإن خف ذلك عليك، ورأيت نشاطًا من نفسك إليه، كنت كمن فك أسيرًا، وأبرأ عليلًا، وسلك من الخير سبيلًا يتوعر سلوكها على من كان قبله، ويكون بعده، ثم أضاف إليَّ منة لا يطيقها جبل راسٍ ولا فلك دائر، فرأيك أيها السيد المعتمد الإسعاف قبل أن ينذرني الموت فيحول بيني وبين ما خدعت إليه النفس مواصلًا برًّا، إن شاء الله تعالى.

فأجابه:
تولى الله ما جرى به لسانك بالمزيد، ولا أوحش ما بيننا بطائر فرقة، ولا حافر تشتت، وضمنا وإياك في أوثق حبال الأنس، وأوكد أسباب الألفة، وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامر قلبك، وانطوى في ضميرك من الشغف المقلقل، والهوى المضرع، ولعمرى لو كشف لك عن معشار ما عليه مضمر صدري، لأيقنت أن الذي عندك إذا نسبته إلى ما عندي كالمتلاشي الزائل، ولكنك بفضل الإنعام سبقتنا إلى كشف ما في الضمير، وأما طاعتي لك، وذمامي إليك، فطاعة العبد المقتنى، الطائع لما يحكم له وعليه مولاه ومالكه، وأنا سائر إليك وقت كذا، فتأهب لذلك بأجهد عافية، وأتم عاقبة، وأسعد نجم جرى بالألفة إن شاء الله تعالى.٣٦

وهذا كما يرى القارئ غزل عفيف يفيض بأرق أنفاس الوجدان.

وفي نسبته إلى غلمان من أولاد أنوشروان دليل على أن هذا الفن وصل إلى العرب من الفرس، والفرس المستعربون نقلوا إلى اللغة العربية فنونًا من القول كان يتحرَّج منها العرب، فهم الذين أذاعوا غزل المذكر في الشعر، وهم كذلك الذين أذاعوه في النثر؛ لأن هذه العواطف الرقيقة كانت مما يتحاماه العرب في بداوتهم، فلما تحضروا أقبلوا على هذه الفنون الناعمة التي سبقهم إليها الفرس واليونان بأزمان طوال.

وفي القرن الثالث نجد الغزل أخذ يظهر في النثر، ونرى الجاحظ يكتب إلى إبراهيم بن المدبر:٣٧

ما ضاء لي نهار ولا دَجَا ليل مذ فارقتك، إلا وجدت الشوق إليك قد حزَّ في كبدي، والأسف عليك قد أسقط في يدي، والنزاع نحوك قد خان جلدي، فأنا بين حشا خافقة، ودمعة مهراقة، ونفس قد ذبلت بما تجاهد، وجوانح قد بليت بما تكابد، وذكرت وأنا على فراش الارتماض، ممنوع من لذة الاغتماض قول بشار:

إذا هتف القمريُّ نازعني الهوى
بشوق فلم أملك دموعي من الوجد
أبى الله إلا أن يفرق بيننا
وكنا كماء المزن شيب مع الشهد
لقد كان ما بيني زمانًا وبينها
كما كان بين المسك والعنبر الورد

فانتظم وصف ما كنا نتعاشر عليه، ونجري في مودتنا إليه، في شعره هذا، وذكرت أيضًا ما رماني به الدهر من فرقة أعزائي من إخواني الذين أنت أعزهم، ويمتحنني بمن نأى من أحبائي وخلصائي الذين أنت أحبهم وأخلصهم، ويجرِّعنِيهُ من مرارة نأيهم، وبُعد لقائهم، وسألت الله أن يقرن آيات سروري بالقرب منك، ولين عيشي بسرعة أوبتك، وقلت أبياتًا تقصر عن صفة وجدي، وكنه ما يتضمنه قلبي؛ وهي:

بخديَ من قطر الدموع نُدوبُ
وبالقلب مني قد نأيت وجيبُ
ولي نَفس حتى الدجى يصدع الحشا
ورجع حنين للفؤاد مذيب
ولي شاهد من ضر نفسي وسقمه
يخبر عني أنني لكئيب
كأنيَ لم أفجع بفرقة صاحب
ولا غاب عن عيني سواك حبيب

وقد قرئت هذه الرسالة في مجلس ابن المدبر فقال أحد الحاضرين: هذه رقعة عاشق لا رقعة خادم، ورقعة غائب لا رقعة حاضر! فضحك ابن المدبر وقال: نحن نتبسط مع أبي عثمان إلى ما هو أدق من هذا وألطف.

وقال ابن المعتز: كان لنا مجلس حظ أرسلت بسببه خادمة إلى قينة فأجابت، فلما مرت في الطريق وجدت فيه حارسًا فرجعت، فأرسلت إليها أعاتبها، فكتبت إليَّ:

لم أتخلف عن المسير إلى سيدي في عشية أمس لأرى وجهه المبارك، وأجيب دعاءه، إلا لعلة قد عرفتها فلانة، ثم خفت أن يسبق إلى قلبه الطاهر أني قد تخلفت بغير عذر، فأحببت أن تقرأ عذري بخطي، ووالله ما أقدر على الحركة، ولا شيء أسرَّ إليَّ من رؤيتك، والجلوس بين يديك، وانت يا مولاي جاهي وسندي، لا فقدت سندي! ولك رأيك في بسط العذر موفقًا.

وكتبت في أسفل الكتاب:

أليس من الحرمان حظٌ سُلبتهُ
وأحوجني فيه البلاء إلى العذر!
فصبرًا فما هذا بأول حادث
رمتني به الأقدار من حيث لا أدري
فأجابها ابن المعتز:
كيف أرد عذر من لا تتسلط التهمة عليه، ولا تهتدي الموجدة إليه، وكيف أعلمه قبول المعاذير، ولا آمن بعض خواطره أن تشير إلى انتهاز فرصة فيما دعا إلى الفرقة، فإن سلمت من ذلك فمن يجيرني من توكله على تقديم العذر، ووقوعه موقع التصديق في كل وقت، فتتصل أيام الشغل والعلة، وتنقضي أيام الفراغ والصحة، فتطول مدة الغيبة، وتدرس آثار المودة.٣٨

وكتب آخر الرقعة:

إذا غبت لم تعرف مكانيَ لذةٌ
ولم يلق نفسي لهوها وسرورها
وبدَّلت سمعًا واهيًا غير ممسك
لقولي وعينًا لا يراني ضميرها

وفي القرن الرابع يظهر الغزل في النثر ظهورًا رائعًا؛ بحيث يمكن مقارنة الرسائل الغرامية بأقوى قصائد التشبيب، ولا يمكن الارتياب في قدرة كتَّاب القرن الرابع على إجادة هذا الفن وتفوقهم فيه، وتصرفهم في ضروبه تصرف المبدعين.

وأي حسن فات ابن العميد إذ يقول:

سألتني عمن شغفني وجدي به، وشغفني حبي له، وزعمت أني لو شئت لذهلت عنه، أو لو أردت لاعتضت منه، زعمًا لعمر أبيك ليس بمزعم! كيف أسلو عنه وأنا أراه، وأنساه وهو لي تجاه، هو أغلب عليَّ، وأقرب إليَّ، من أن يرخي لي عناني، أو يخليني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي في سلكه، وبعد أن ناط حبه بقلبي نائط، وساطه بدمي سائط، وهو جار مجرى الروح في الأعضاء، متنسم تنسم الروح للهواء، إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقعت عليه، وما أحب السلو عنه مع هناته، وما أوثر الخلو منه مع ملاته.

هذا على أن أقبل بهتني إقباله، وإن أعرض عني لم يطرقني خياله، يبعد عني مثاله، ويقرب من غيري نواله، ويرد عيني خاسية، ويثني يدي خالية، وقد بسط آفات العيون المقاربة، وصدق مرامي الظنون الكاذبة، وصله ينذر بصده، وقربه يؤذن ببعده، يدني عندما ينزح، ويأسو مثلما يجرح، فحالته أحوال، وخلته خلال، وحكمه سجال، الحسن في عوارفه، والجمال في منائحه، والبهاء من أصوله وصفاته، والسناء من نعوته وسماته، اسمه مطابق لمعناه، وفحواه موافق لنجواه.٣٩
وأرسل قابوس بن وشمكير إلى بعض أودَّائه:
كتبت — أطال الله بقاء مولاي — وما في جسمي جارحة إلا وهي تود لو كانت يدًا تكاتبه، ولسانًا يخاطبه، وعينًا تراقبه، وقريحة تعاتبه، بنفس ولهى، وبصيرة ورهى، وعين عبرى، وكبد حرى، منازعة إلى ما يقرب منه، وتمسكًا بما يتصل عنه، ومثابرة على أمل هو غايته، وتعلقًا بحبل عهد هو نهايته، وخاطري يميل نحوه، ونفسي تأمل دنوه، وترجو وتقول: أتراه، بل لعله وعساه، يرق لنفس قد تصاعد نفَسها، ويرحم روحًا قد فارقها روحها ومؤنسها، وكيف بقلبه لو عاين صورةً هذه صورتها، وشاهد مهجةً هذه جملتها، فليرفق — جعلت فداه — بمن عاند برحًا عظيمًا، وكابد قرحًا أليمًا، وليرق لكبد مزقها البعاد، وعين أرقها السهاد، وأحشاء محرقة بنار الفراق، وأجفان مقروحة بدمعها المهراق، وقلب في أوصابه متقلب، ولب في عذابه معذب، فلو أني أسعدت فأعطيت الرضى، وخيرت فاخترت المنى، لتمنيت أن أتصوَّر صورتك، وأطالع طلعتك، وأمثل لها مثالي لتراه، فأخبرها بكنه حالي ومعناه، لترفق لإزالة ما أزله الدهر إليَّ، ولتتلطف لإماطة ما أماطه عليَّ، وأشكو بعض ما نابني من نوائبه وغوائله، وأطلقني من أشراكه وحبائله.٤٠
وأمثال هاتين الرسالتين مما يكثر وجوده في نثر القرن الرابع، وهو فن وسط بين الغزل والإخوانيات. وهناك نماذج عديدة من الغزل الصريح، كالذي تخيره الثعالبي مما جاء في رسائل معاصريه وصفًا لمحاسن النساء ومحاسن الغلمان، وإلى القارئ شواهد تعيِّن مناحيهم في هذا الباب:
  • هي روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض.

  • هي من وجهها في صباح شامس، ومن شعرها في ليل دامس، كأنها فلقة قمر على برج فضة، بدر التم يضيء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها.

  • ثغرها يجمع الضريب والضرب، كأنه نثر الدر.

  • قد أنبت صدرها ثمر الشباب.

  • خرطت لها يد الشباب حقين من عاج.

  • كأنها البدر قرط بالثريا ونيط بها عقد من الجوزاء.

  • أعلاها كالغصن ميال، وأسفلها كالدعص منهال.

  • لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج.

  • نطاقها مجدب، وإزارها مخصب.

  • مطلع الشمس من وجهها، ومنبت الدر من فمها، وملقط الورد من خدها، ومنبع السحر من طرفها، ومبادي الليل من شعرها، ومغرس الغصن من قدها، ومهيل الرمل من ردفها.

  • شادن فاتر طرفه، ساحر لفظه.

  • غلام تأخذه العين، ويقلبه القلب، وترتاح إليه الروح.

  • تكاد القلوب تأكله، والعيون تشربه.

  • جرى ماء الشباب في عوده فتمايل كالغصن، واستوفى ماء الحسن، ولبس ديباجة الملاحة.

  • كأن البدر قد ركب على أزراره، لا يشبع منه الناظر، ولا يروى منه الخاطر.

  • شادن منتقب بالدرر، ومكتحل بالسحر.

  • ماهو إلا نزهة الأبصار، ومخجل الأقمار، وبدعة الأمطار.

  • غمزات طرفه تخبر عن ظرفه، ومنطقته تنطق عن وصفه.

  • تخال الشمس تبرقعت غرته، والليل ناسب أصداغه وطرته.

  • الحسن ما فوق أزراره، والطيب ما تحت إزاره.

  • شادن يضحك عن الأقحوان، ويتنفس عن الريحان.

  • له عينان حشو أجفانهما السحر، كأنه قد أعار الظبي جيده، والغصن قده، والراح ريحه، والورد خده.

  • الشكل في حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته.

  • قد ملك أزمَّة، وأظهر حجة الذنوب، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظه الفلك، فصاغه من ليله ونهاره، وحلاه بنجومه وأقماره، ونقشه ببدائع آثاره، ورمقه بنواظر سعوده، وجعله بالكمال أحد جنوده.

  • قد صبغ الحياء غلالة وجهه، ونشر لؤلؤ العرق عن ورد خده.

  • له طرَّة كالغسق، على غرة كالفلق.

  • جاءنا غي غلالة تنمُّ على ما يستره، وتحنو مع رقتها على ما يظهره.

  • وجهٌ بماء الحسن مغسول، وطرف بمرود السحر مكحول.

  • السحر في ألحاظه، والشهد في ألفاظه؛ كأنه خاصم الولدان، ففارق الجنان.

  • اختلس قامة الغصن، ووشح بمطارف الحسن، وحكى الروض غب المزن.

  • الجنة مجتناة من قربه، وماء الجمال يترقرق في خده، ومحاسن الربيع بين سَحره ونحره.

  • ما هو إلا خالٌ في خد الظرف، وطراز على علم الحسن، ووردة في غصن الدهر، ونقش على خاتم الملك، وشمس في فلك اللطف.٤١
وأوضح ما يكون النسيب المنثور إذا اتصل بأهل الفنون؛ كقول أحد الكتاب في وصف جارية كاتبة:
كأن خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بنانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مِقطعها قلب عاشقها.٤٢

هذا، ولعل القارئ لاحظ أن أكثر ما مرَّ به في هذا الفصل يرجع إلى غزل المذكر، وهو كذلك، فقد تحول النسيب في العصر العباسي إلى هذا الفن، وقل التشبيب بالنساء أو كاد، وخفَّ خطاب المذكر على ألسن الشعراء، حتى رأينا من يصف محبوبه، وهو يعني محبوبته، كأن خطاب المذكر أخف في اللغة وأسهل في توجيه الضمائر والإشارات، أو كأنه متابعة لما يقع من هذا النوع في اللغة الفارسية.

وقد وضع الراغب الأصفهاني في محاضراته٤٣ هذا العنوان: «الاستحياء من المحبوب بظهر الغيب لتذكره».
ثم جاء بشواهد من شعر جميل، وأشجع، ومجنون ليلى، وكلها في المحبوبة لا في المحبوب.٤٤
ولنذكر أن غزل المذكر في النثر نوع من الثورة على التقاليد الأدبية، فإن أبا هلال يحدِّثنا أن صاحب الرياسة لو خطب بذكر عشيق له ووصف وجده به، وحنينه إليه، وشهرته في حبه، وبكاه من أجله؛ لاستهجن منه ذلك، ولو قال في ذلك شعرًا لكان حسنًا.٤٥ فكأن غزل المذكر في الشعر مستحسن مقبول، ولكنه في النثر مستهجن مرذول، فكيف يتفق هذا مع ما رأيناه من الغزل المنثور في رسائل ابن العميد؟ الجواب سهل؛ وهو أن أبا هلال يقول: «لو خطب»، ولم يقل: «لو كتب»، ومن الواضح أن من يلقي خطبة في الحنين إلى معشوق يعد سخيفًا، ولا كذلك من يحن إلى محبوبه بأوتار القصيد.

ولا ينسَ القارئ أن موقفنا دائمًا موقف المؤرخ، وليس في مقدورنا أن نحكِّم ذوقَ اليوم؛ ذوقَ القرن الرابع عشر؛ في ذوق القرن الرابع؛ فكُتَّاب عصرنا لا يتغزلون بالنثر، ومنهم من يلوِّن عواطفه في شعره وفقًا لتقاليد العصر الحاضر فيخاطب المؤنث وهو يريد المذكر، كما كان يتفق لبعض القدماء أن يخاطب المذكر وهو يريد المؤنث. ومؤرخ الأدب تفرض عليه الأمانة العلمية أن يصور الأدب كما كان، لا كما توجب تقاليد عصره أن يكون.

ومما سلف يتبين أن الأستاذ مصطفى صادق الرافعي أخطأ حين قرر في مقدمة كتابه «أوراق الورد» أن العرب لم تُؤْثر عنهم رسائل الحب، لتصح له دعوى التفرد بالسبق إلى هذا الفن الجميل، وهو يقف عند ما كُتَب في الشوق إلى المحبوبة، وذلك خطأ من الوجهة التاريخية؛ فإن أقطاب النثر الفني وجهوا غزلهم إلى المحبوب، وللأستاذ الرافعي أن يطعن في هذا باسم الأخلاق، أما نحن فنؤرخ الأدب في حيدة مطلقة، ونسايره أين سار، والأدب لا يفرق بين الخير والشر، لا يميز بين الجدِّ والمجون.

هوامش

(١) الحور: جمع حوراء من الحَوَر بالتحريك؛ وهو أن يشتد بياضُ بياضِ العين وسوادُ سوادِها، وتستدير حدقتها وترق جفونها. والعِين: جمع عيناء؛ وهي سودَاء العين في سعة.
(٢) العُرُب: جمع عَروب؛ وهي العاشقة لزوجها أو المتحببة إليه.
(٣) إضحيانة: مقمرة.
(٤) نذر به الحي: علموا به.
(٥) وجأ: ضرب.
(٦) المشاقص: جمع مشقص؛ وهو نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض.
(٧) راجع: عيون الأخبار (٤ / ١٣٣، ١٣٤).
(٨) يريد: كل شيء منها أبيض فهو شديد البياض، وكل شيء منها أسود فهو شديد السواد. وكذلك الطول والقصر. راجع: عيون الأخبار (٤ / ٥).
(٩) لا تجعل دارها آهلة بدخول الناس عليها.
(١٠) لا تؤنس الجيران بدخولها عليهم.
(١١) أي: لا تنم ولا تعرى بين الناس. راجع عيون الأخبار (٤ / ٥).
(١٢) طويلة.
(١٣) الفرعاء: ذات الفرع؛ وهو الشعر.
(١٤) جعدة: مجتمعة الخلق.
(١٥) المشاشة: رءوس العظام.
(١٦) مثنى رانفة وهي أسفل الألية الذي يلي الأرض عند القعود.
(١٧) الأترجة: ثمر شجر من جنس الليمون.
(١٨) راجع عيون الأخبار: (٤ / ٥، ٦).
(١٩) زهر الآداب (٤ / ٩٢).
(٢٠) غضة: بضة.
(٢١) ذماء: جسمها ريان.
(٢٢) رخصة: لينة.
(٢٣) الأساريع: جمع أسروع؛ وهو نوع من دود الرمل تشبه به الأنامل.
(٢٤) الدعج: جمع دعجاء، من الدعج بالتحريك؛ وهو سواد العين من سعتها.
(٢٥) زج: جمع أزج، من الزجج بالتحريك؛ وهو دقة الحاجبين في طول.
(٢٦) البلج: جمع أبلج؛ وهو الأبيض.
(٢٧) الفلج: جمع أفلج من الفلج بالتحريك؛ وهو تباعد ما بين الأسنان.
(٢٨) أي: أن العطل من الحلي لا يغير من حسنهن.
(٢٩) النيازك: جمع نيزك؛ وهو الرمح القصير.
(٣٠) العوانك: جمع عانك؛ وهو الرمل المعقد.
(٣١) صور: منحرفات.
(٣٢) هو أبو العتاهية.
(٣٣) نهاية الأرب(٤ / ٣٣٤).
(٣٤) زهر الآداب (١ / ١٨٥).
(٣٥) ياقوت (٢ / ١١٩، ١٢٠).
(٣٦) راجع: (١ / ١٣٩، ١٤٠) من زهر الآداب.
(٣٧) راجع: أخبار هذه الرسالة في الياقوت (٦ / ٦٧، ٦٨).
(٣٨) زهر الآداب (٤ / ٢٧).
(٣٩) (٤ / ١٣٠، ١٣١) من زهر الآداب.
(٤٠) ياقوت (٦ / ١٤٥ ،  ١٤٦).
(٤١) راجع: زهر الآداب (٣ / ١٤٧، ١٤٩)، وسحر البلاغة ص٢٩.
(٤٢) زهر الآداب (٣ / ٩٣).
(٤٣) (٢ / ٢٥).
(٤٤) وكُتاب العصر الحاضر على عكس ذلك، يفرون من خطاب المذكر في الغزل، ويحرفون الكلم عن مواضعه أحيانًا؛ فقد كتب الدكتور طه حسين فصلًا عن شعر الأستاذ عباس العقاد تعرض فيه لتحليل إحدى مقطوعاته فقال: «أحسن العقاد وصف صاحبته»، مع أن العقاد كان يصف صاحبه لا صاحبته. وكتب الأستاذ الشيخ عبد الله عفيفي فصولًا عن شعراء مصر فكان يتفق له كثيرًا أن يقول: «وقال في وصف محبوبته»؛ على حين يتحدث الشاعر عن محبوبته. وهذا وذاك نوع من التجمُّل المقبول، والذي يهمنا هو تقييد هذه الظواهر الأدبية لدلالتها على تطور التعابير وفقًا لتطور الأذواق.
ومما يحسن ذكره بهذه المناسبة أن المستشرقين الذين اهتموا بترجمة بعض القصائد الفارسية والعربية إلى الفرنسية ينقلون الخطاب من المذكر إلى المؤنث وفقًا لتقاليدهم الأدبية، فإن الكلام عن المعشوق بالتذكير غير مقبول في لغة الفرنسيس، وقد اتفق لي وأنا أكتب هذا الكتاب بالفرنسية أن أجاري ذلك الذوق، فقهرت بعض الضمائر ونقلتها من المذكر إلى المؤنث للتقاليد الفرنسية. والعرف يطغي أحيانًا فيأخذ قوة القانون.
(٤٥) الصناعتين ص١٠٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠