الفصل السادس

الإخوانيات

هذا الفن لا يحتاج إلى تمهيد مطول في بيان أطواره النثرية، كما صنعنا في النسيب، فإنه فن قديم في اللغة العربية، وجد في النثر كما وجد في الشعر، غير أنه في النثر يسمى العتاب.

ومن المؤلفين من يطلق الإخوانيات والعتاب بدون تمييز على ما يقال شعرًا أو نثرًا في مناجاة الأصدقاء.

وقِدَم هذا الفن في اللغة العربية لا يمنع أنه صار في القرن الرابع فنًّا قويًّا يخيل إلى القارئ أنه فن جديد؛ لكثرة ما جدَّ فيه من الصور والتعابير، وهو في جوهره قريب من الغزل لا يفرق بينهما إلا اختلاف ما يردان عنه من أحوال النفس، وقد أفصح عن ذلك التوحيدي إذ قال:
الصداقة أذهب في مسالك العقل، وأدخل في باب المروءة، وأبعد من نوازي الشهوة، وأنزه عن آثار الطبيعة … فأما العلاقة فهي من قِبَل العشق والمحبة والكلف والشغف والهوى والصبابة … إلخ.١
وقد بلغ من ذيوع هذا الفن في القرن الرابع أن عقد له الثعالبي فصولًا في سحر البلاغة جمع فيها ما تخيَّره من عبارات الكتَّاب، كما اهتم في يتيمة الدهر بجمع الفقرات الخاصة بالإخوانيات، وإلى القارئ شذرات من تلك التعابير الإخوانية:
  • مودة سكنت الصدر، وحلت سواد القلب.

  • ودٌّ سليم الصفحة، أملس الجلدة، مشرق السحنة، واضح الجبهة.

  • مودة أدين بها عن خالص النفس، وأُودعها واسطة القلب، وأجمع عليها نواحي الصدر، وأحرسها من لواحظ الدهر.

  • قد اتخذنا المودة بيننا دينًا وخليقة، ورأيناها بين الناس مجازًا فأعدناها حقيقة.

  • لا أحول عن عهدك وإن حالت النجوم عن ممارِّها، ولا أزول عن ودِّك وإن زالت الجبال عن مقارِّها.

  • عهدك سجير فكري، وودك سمير ذكري.

  • صدري وعاء ودِّك، ولساني ناشر فضلك، وضميري وقف على عهدك.

  • الحال بيننا أربت على المودة والحرمة، وأرمت٢ على المشاركة والخلة، وعُدَّت في شواجر الرحم واللحمة، ومزجت الدم بالدم والمهجة بالمهجة.
  • محبة لا تتميز معها الأرواح، إذا ميزت الأشباح، ومخالصة لا تتباين بها النفوس والمهج، وإن تباينت الأشخاص والصور.

  • نحن كالنفس الواحدة؛ لا تجزُّؤ ولا انقسام، ولا تميز ولا انفصام.

  • لا أعظم كحق مودته حقًّا، ولا أرى بين النفسين فكيف بين المالين فرقًا.

  • أنت جارٍ مني مجرى أبعاض جسمي، وأعشار قلبي، وأنت جزء من نفسي، وناظم شمل أنسي.

  • أنت مني كالعين الناظرة التي تصان عما يقذيها، واليد الباطشة التي تحفظ مما يدويها.

  • هو شقيق روحه، وعديل حياته، وشريك دولته، وقسيم نعمته.

  • ما زال مستودع سري وجهري، ومشتكى بثي وحزني.

  • هو مني بمنزلة الولد، والعضو من الجسد.

  • العشرة رَضاع تثبت حرمته، والمودة لبان تلزم ذمته.

  • قد تقلبنا في أعطاف العيش، بين الوقار والطيش.

  • إخوان تطابقوا في الآراء، وتآلفوا في الأهواء، وتمالحوا في الطعام، وترضعوا بالمدام.

  • أنا أتهم عليك عيني، وإن كنت لا أتهم قلبي، وأرضي لمودتك نيتي، وإن كنت لا أرضي له طاقتي.

  • لا مرحبًا بعيش أتفرد به عنك، ويوم لا أكتحل فيه بك.

  • وددت أن أضرب بحضرتك أطناب عمري، وأنفق على خدمتك أيام دهري.

  • لا أزال أحن إليك، وأحنو عليك، يا ليت قلبي يتراءى لك فتقرأ فيه سطور ودي، وتقف منها على رأيي فيك!

  • إني لآسف على كل يوم فارغ منك، وكل لحظة لا تؤنسها برؤيتك.

  • أنت من لا يسافر ودي إلا إليه، ولا يرفرف طير محبتي إلا عليه.

  • قد ملت إليك فما أعتدل، ونزلت بك فما أرتحل، ووقفت عليك فما أنتقل.

  • أنا أتصبَّح باسمك، وأتفاءل بذكرك، وأحلم بوجهك، وأحتلب ضرع الشعر بذكرك.

  • ما في نفسي بقعةٌ أعمر من محلك، وأنضر من مسكنك، ولا في قلبي مكان إلا موشَّي بذكرك، مطرز باسمك.

  • عهدي لك أكرم العهود، ووفائي لك وفاء العِرق للعود.

  • شوقي إليك زادي في سفري وعتادي في حضري.

  • شوقٌ لو خُوِّف المجرمون بحره، وتُوعِّد المشركون بجمره، لما عُبِد صنم، ولا نقلت في الضلال قدم.

  • فرحة الأديب بالأديب، كفرحة المحب بالمحبوب، والعليل بالطبيب.

  • حالي بعدك حال عود زوى بعد ارتوائه، ونجم هوى بعد اعتلائه.

  • ودعت بوداعك العافية، وفارقت مع فراقك العيشة الراضية.

  • يا أسفي على غَفَلات العيش، ولحظات الأنس، إذ ظهائرنا أسحار، وليالينا نهار، وشهورنا أيام، وسنوننا قصار.

  • سقى الله أيامًا لو كان دهري عِقدًا كانت واسطته، أو كان عمري جِيدًا كانت قلادته.

  • أيامٌ حسنتْ فكأنها أعراس، وقصرتْ فكأنها أنفاس.

  • سلامٌ كأنفاس الأحباب، وأيام الشباب.

  • صرت عندك ممن محا النسيان صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك.

  • أنت سخيٌّ بمالك على من يطالبك، بخيلٌ بكتابك على من يكاتبك، تتوسع في ألوف، وتضايق في حروف.٣
وهذه فقرات قليلة تخيرناها مما تخير الثعالبي لأقطاب عصره، ويجب أن نشير إلى أن هذه الثروة الأدبية ليست مِلْكًا خالصًا لكتَّاب ذلك العهد، فبعضها انتُهِب من ألفاظ الشعراء، فقول أحد أولئك الكتاب:٤

في الأرض مجالٌ إن ضاقت ظلالك، وفي الناس واصلٌ إن رثَّت حبالك.

مأخوذ من قول معن بن أوس:

وفي الناس إن رثَّت حبالك واصلٌ
وفي الأرض عن دار القلى متحوَّلُ

ولا يقدح في هذا المأخذ أن يحدثنا الثعالبي في مقدمة سحر البلاغة أنه حلَّ بعضه من نظم أمراء الشعر في زمانه، فإن ألفاظ الشعراء تواجه القارئ في أكثر ما ترك كتَّاب القرن الرابع، وعمل الثعالبي نفسه شاهد على ذلك.

وأفضل من كتب في الإخوانيات أبو حيان التوحيدي، وكتابه عن «الصداقة والصديق» من أنفس ذخائر اللغة العربية، وقد تكلمنا عنه في الجزء الثاني من هذا الكتاب، وتعجبنا المحاورات التي أنشأها في تحليل معاني الصداقات والعلاقات والمودات. واسمع كيف يقول:

قلت للهائم أبي علي: مَن تحب أن يكون صديقك؟ قال: من يطعمني إذا جعت، ويكسوني إذا عريت، ويحملني إذا كللت، ويغفر لي إذا زللت. فقال له علي بن الحسين العلوي: أنت إنما تريد إنسانًا يكفيك مئونتك، ويكفلك في حالك، كأنك تمنيت وكيلًا فسميته صديقًا. فما أحار جوابًا.

وقلت للنبوي — ولقيته بالدسكرة سنة خمس وستين — مَن تحب أن يكون صديقك؟ قال: من يقيلني إذا عثرت، ويقومني إذا ازوررت، ويهديني إذا ضللت، ويصبر عليَّ إذا مللت، ويكفيني ما لا أعلم وما علمت.

وسمعت أبا عامر النجدي يقول: الصديق من صدقك عن نفسه لتكون على نور من أمرك، ويصدقك أيضًا عنك لتكون على مثله، لأنكما تقتسمان أحوالكما بالأخذ والعطاء، في السراء والضراء، والشدة والرخاء، فليس لكما فرحة ولا ترحة إلا وأنتما تحتاجان فيهما إلى الصدق والانكماش والمساعدة على اجتلاب الحظ في طلب المعاش.٥
ويمتاز التوحيدي بتأريخ أكثر ما ينقل من الإخوانيات، فهو بهذا أفضل من الثعالبي الذي يهمل التأريخ حتى حين يترجم للشعراء والكتَّاب، من ذلك ما حدثنا أنه لما استوزر أبو محمد المهلبي سنة أربعين بعد وفاة أبي جعفر الضيمري كتب إلى أبي الفضل العباس بن الحسين وكان بينهما تواصل:

بسم الله الرحمن الرحيم

إني — حفظك الله وحفظني لك، وأمتعك بي وأمتعني بك — قد بلوتك طوال أيام أبي جعفر — قدس الله روحه — فوجدتك ذا شهامة فيما يناط بك، حسن الكفاية فيما يوكل إليك، كتومًا للسر إذا استُحفظته، حسن المساعدة فيما يجمل بك الوفاق عليه. وقد حداني هذا كله على احتبائك وتقريبك، وإدنائك وتقديمك، وغالب ظني أنك تعينني على ذلك بميمون نقيبتك، ومأمون ضريبتك، وجعلت دعامة هذا كله أني أجريك مجرى الصديق الذي يفاوض في الخير والشر، ويشارك في الغث والسمين، ويستنام إليه في الشهادة والغيب، ولي معك عينان؛ إحداهما مغضوضة عن كل ما ساءني منك، والأخرى مرفوعة إلى كل ما سرني فيك، فإن كنت تجد في نفسك على قولي هذا شاهدًا صدوقًا، وأمَّارًا نطوقًا، فعرفني لأعلم أن فراستي لم تفلْ، وحدسي عن طريق الصواب لم يمل، والحالة التي قد جددها الله لي هي محروسة لك، ومفرغة عليك، ومستقلة بك، فاشكرني فيها بخالصة الوفاء، أو تفرد بها إن شئت بحقيقة الصفاء، فلك الأمنة من حيلولة الاعتقاد، والسكونُ إلى عفة الاجتهاد.

وثق بأن الذي خطبته منك، إنما أريده لك، فلا يقعن في وساوس صدرك أن لكاشح لنا فيما نحن عليه طريقًا لنقص، أو لمحب لنا فيه بابًا إلى الزيادة، واكتفِ بهذا القدر الذي دللتك عليه، واستقبل أمري وأمرك بالذي أرشدتك إليه، وإياك أن تستشير فيه غير نفسك، فإنك بعرض حسد يكون عقالًا لحظك، والله يهديني للحسنى، ويقيني فيك غوائل العيون المرضى، والسلام.٦
وهذا كلام أفصح من أن يحتاج إلى تعليق، وإليك ما هو أحلى منه وأعذب: قلت لابن الأبهري: من الصديق؟ قال: من سلَّم سره لك، وزيَّن ظاهره بك، وبذل ذات يده عند حاجتك، وعف عن ذات يدك عند حاجته، يراك منصفًا وإن كنت جائرًا، ومفضلًا وإن كنت ممانعًا، رضاه منوط برضاك، وهواه محوطٌ بهواك، إن ضللت هداك، وإن ظمئت أرواك، وإن عجزت آداك،٧ يبين عنك بالجسم والرسم، ويشاركك في القسم والوسم.

«قلت: أما الوصف فحسن، وأما الموصوف فعزيز.»

قال: «إنما عز هذا في زمانك، حين خبثت الأعراق، وفسدت الأخلاق، واستعمل النفاق في الوفاق، وخيف الهلاك في الفراق، والله لقد شاهدت لشيخنا ابن طاهر أصدقاء ينطوون له على مودة أذكى من الورد والعنبر، إذا لحظهم بطرفه تهللوا، وإذا ناقلهم بلفظه تدللوا، وإذا تحكم عليهم تعجلوا، وإذا أمسك عنهم تولوا وخولوا، وكانوا يجدون به ما لا يجدون بأهلهم وأولادهم — رحمة الله عليهم — فلقد كانوا زينة الأرض، في كل حال من الشدة والخفض، وإني لأذكرهم فأجد في روحي روحًا من حديثهم.»٨

والكلام في إخوانيات التوحيدي يطول إذا شئناه، فلنكتفِ بهذه الكلمات الطيبات.

ومن الذين أكثروا من الإخوانيات بديع الزمان الهمذاني، وكلامه في ذلك موصول بباب العتاب؛ كقوله من رسالة ابتدأها بهجاء خصومه الواشين:

أنا — أطال الله بقاء الشيخ الإمام — بصير بأبناء الذنوب، وأولاد الدروب، أعرفهم بشامة، وأثبتهم بعلامة، والعلامة بيني وبينهم أن يفسدوا الصنيع على ما صانعه، ويحرِّفوا الكلم عن مواضعه، ويرموا في الحكاية سهم الشكاية، ويجيلوا في الشكاية قدح النكاية، ثم لا يرون النكاية إلا السعاية، وإن أعوزهم الصدق مالوا إلى الكذب، وإن حلم لهم الجد عرضوا باللعب. ومن علاماتهم؛ قبح مقاماتهم، وإيراد ظلاماتهم مورد النصيحة لكبرائهم. ومن آياتهم كثيرة جناياتهم على الفضلاء، وشدة حنقهم على من لا يخطرهم بباله، ولا يحطبهم في حباله … والذي فاوضني القاضي في معناه، جلي في بابه ما حكاه، يجمع هذه الخصال وقيادة، وينظم هذه الأوصاف وزيادة، فلِمَ يَبعد الشيخ عن مثله أن يكذب؟ ألطهارة أصله، أم نجابة نسله، أم حصانة أهله، أم رجاحة عقله، أم ملاحة شكله، أم غزارة فضله؟! ولِم يجوز عليَّ ما حكاه؟ ألم يُؤْوِنِي طريدًا، ويلمني حصيدًا، ويؤنسني وحيدًا، ويصطنعني مبديًا ومعيدًا؟ وكان بقدري أنه إذا رآني أفعل شنيعًا، أو سمع أني ألفظ بنكر، لم يأل في تحسين أمري، فعل الوالد بولده، ونظر المولى لصنيعه أقرب.

والآن إذا عاد الأمر إلى العتاب، فهلم إلى الحساب، إن كنت أخللت بطرف من طاعتي من جهة فقد نقصني ما عودني من وجوه؛ وذلك أنه كان يتجاسر أحد على أن يفريني عنده، ويبرئ جلده، وكان يقوم قناتي، فقد صار يحبط حسناتي، وكان يثمر مالي، فقد صار يبطل آمالي، وكان يحتشد لأمري احتشاده لأمره، فقد نبذت وراء ظهره، وقد كان يحمل فصار يتحامل، وكان لا يضايقني في الألوف والدنانير، فقد ضايقني في الشعير، في حمل بعير … إلخ.٩
وله من رسالة ثانية:
ليسوا سواء؛ فئة بالباب تسعد بالحضرة، وأخرى بالمغيب تكمد بالحسرة، والله ما للساعة من ولي النعمة ثمن، ولا كالاعتياض من لقائه غبن وغبَن، فليت كتاب الإذن شفي مما نجد، وليت هندًا أنجزتنا ما تعد! معاذ الله أن أشتاق إلى حضرته، لكني أفتقر إليها افتقار الجسد إلى الحياة، والحوت إلى الفرات، وإنما مَثَل العبد مع الأصحاب مثل الأرض مع السحاب، أفيسمى القحط شوقًا، أم يكون الموت وجدًا؟ إني عبد الشيخ واسمي أحمد، وهمذان المولد، وتَغلِب المورد، ومضر المحتد.١٠ وعبدٌ بهذه الصفة غريبٌ نادر، وللصدور والملوك بغريب الأعلاق ولوع … إلخ.١١
وأبو نصر العتبي له رسائل جيدة في الإخوانيات، نختار منها قوله في الاستزارة:
هذا يوم رقت غلائل صحوه، وخنثت شمائل جوه، وضحكت ثغور رياضه، واطرد زرد الحسن فوق حياضه، وفاحت مجامر الأزهار، وانتثرت قلائد الأغصان عن فرائد الأنوار، وقام خطباء الأطيار، فوق منابر الأشجار، ودارت أفلاك الأيدي بشموس الراح، في بروج الأقداح، وقد سيبنا العقل في مرج المجون، وخلعنا العذار بأيدي الجنون، فما طالعنا بين هذه البساتين وأنواع الرياحين، طالع فتيانًا كالشياطين، ونصارى يوم الشعانين، فبحق الفتوة التي زان الله بها طبعك، والمروءة التي قصر عليها أصلك وفرعك إلا تفضلت بالحضور، ونظمت لنا بك عقد السرور.١٢

وقد ترق الرسائل الإخوانية حتى تعود وكأنها رسائل حب؛ كالذي اتفق لأبي الفضل المكيالي، وأبي الفضل بن العميد، وقد أشرنا إلى بعض ذلك في ترجمة هذين الكاتبين في الجزء الثاني فليرجع إليه القارئ هناك.

هوامش

(١) الصداقة والصديق ص٤٠.
(٢) أرمت: زادت.
(٣) راجع: سحر البلاغة ص١٢٤–١٣٤.
(٤) هو بديع الزمان.
(٥) الصداقة والصديق ص٦٠
(٦) ص٧٠، ٧١.
(٧) آداك: أعانك.
(٨) الصداقة والصديق ص١٢٤، ١٢٥.
(٩) رسائل بديع الزمان ص١٠٧، ١٠٨.
(١٠) في هذا ردٌّ على من يظنون بديع الزمان فارسي الأصل.
(١١) ص٨، ٩.
(١٢) اليتيمة (٤ / ٢٨٤).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠