الفصل العاشر

قصص الببغاء١

أما الببغاء فكاتب شاعر، كان في ريعان شبابه متصلًا بسيف الدولة، ثم تنقلت به الأحوال بعد وفاة صاحبه، فورد الموصل وبغداد ونادم بها الملوك والرؤساء، وظل ينعم تارة ويشقى تارة أخرى حتى وافاه حمامه لثلاث بقين من شعبان سنة ٣٩٨.

وليس لدينا من النصوص ما يكفي لبيان الاتجاهات الفنية التي كانت تغلب على الببغاء في القَصَص، ولكن يظهر أنه كان معروفًا بهذا الفن، حتى استطاع الصابي أن يخاطبه بقوله:

فحوشيت يا قس الطيور فصاحةً
إذا أنشد المنظوم أو درس القصص٢
وقد بقى لنا من قصصه حكاية ذكر الثعالبي أنه لم يسمع أظرف منها في فنها، ولا ألطف ولا أعذب ولا أخف،٣ ونحن كذلك نشهد بأننا لم نقرأ في أدب العرب أظرف من تلك الحكاية، وهي تمثل الحرية التي كان يمرح في ظلالها رجال الأدب في ذلك الحين. ولغة الببغاء في تلك القصة سهلة مقبولة لا يظهر فيها تصنع ولا تكلف، وهو لا يستعمل السجع إلا حيث يقضي السياق بالتأنق والتنميق، فالسجع عنده حلية فنية يلجأ إليها حين يريد تصوير سمة من سمات الجمال، أو نزعة من نزعات الوجدان.

ولو سلك الأدباء مسلك الببغاء في ذلك القَصَص الغرامي لسلمت اللغة العربية من الجفاف الذي غلب عليها في النثر ووقف به الجمود، والشعر من هذه الناحية أسلس وأرق، فقد كان للشعر ما يشبه التقاليد المرسومة التي تبيح التحدث عن هفوات الصبا ونزوات الشباب، ولعل هذا كان من أسباب ظهور الشعر على النثر في البلاغة العربية، فإنا نرى للشعر المكان الأول في الأندية والمحافل والمواسم، ونراه كذلك أول ما تتوجه إليه عناية الناقدين؛ إذ كان أقرب ألوان الادب إلى النفوس، وأحبها إلى القلوب؛ لاهتمام أصحابه بالحديث عن أهواء الناس وشهواتهم وظنونهم في عالم الجد وعالم المجون، ولكن النثر لما قُصِر قديمًا على الشئون الجدية من علم وأدب وسياسة ودين كان نصيبه أن يحبس على فئة قليلة هي الجمهور المحدود؛ جمهور الساسة والعلماء والهداة، وهو جمهور له قيمته وخطره، ولكنه لقلته لم يستطع في أي عصر أن يذيع فنًّا من الفنون الأدبية التي يموت أصحابها إن لم تغزُ في وقت واحد ساكني القصور والأكواخ.

ومن أجل هذا كانت الأقاصيص في النثر من أهم ما يمتاز به الأدب في القرن الرابع، ففي كتابات بديع الزمان والتوحيدي والتنوخي والببغاء والأزدي نماذج فنية فيها فتن للعقول والقلوب والأهواء والأحاسيس، لا تقل أثرًا في أنفس قارئيها وسامعيها عما يقدم الشعر البليغ من صنوف اللذة والإمتاع.

قال أبو الفرج: تأخرت بدمشق عن سيف الدولة — رحمه الله — مكرهًا وقد سار عنها في بعض وقائعه، وكان الخطر شديدًا على من أراد اللحاق به من أصحابه، حتى أن ذلك كان مؤديًا إلى النهب وطول الاعتقال، واضطررت إلى إعمال الحيلة في التخلف والسلامة بخدمة من بها من رؤساء الدولة الإخشيدية، وكان سني في ذلك الوقت عشرين سنة، وكان انقطاعي منهم إلى أبي بكر بن علي بن صالح الرزباذي لتقدمه في الرياسة ومكانه من الفضل والصناعة، فأحسن تقبلي وبالغ في الإحسان بي، وحصلت تحت الضرورة في المقام، فتوفرت على قصد البقاع الحسنة والمتنزهات المطرفة تسليًّا وتعللًا.

فلما كان بعض الأيام عملت على قصد دير مران، وهذا الدير مشهور الموقع في الجلالة وحسن المنظر، واستصحبت بعض من كنت آنس به، وتقدمت لحمل ما يصلحنا وتوجهنا نحوه، فلما نزلناه أخذنا في شأننا، وقد كنت اخترت من رهبانه لعشرتنا من توسمت فيه رقة الطبع، وسجاحة الخلق، حسبما جرى به الرسم في غشيان الأعمار وطرق الديرة من التظرف بعشرة أهلها والأنس بسكانها، ولم تزل الأقداح دائرة بين مطرب الغناء وزاهر المذاكرة إلى أن فض اللهو ختامه، ولوَّح السكر لصحبي أعلامه، وحانت منِّي نظرة إلى بعض الرهبان فوجدته إلى خطابي متوثبًا، ولنظري إليه مترقبًا، فلما أخذته عيني أكب يزعجني بخفي الغمز، ووحي الإيماء، فاستوحشت لذلك وأنكرته، ونهضت عجلًا واستحضرته، فأخرج إليَّ رقعة مختومة، وقال لي: لقد لزمك فرض الأمان فيما تقتضيه هذه الرقعة، وسقط زمام كاتبها في سترها بك عني. ففضضتها فإذا فيها بأحسن خط وأملحه وأقرئه وأوضحه:

بسم الله الرحمن الرحيم

لم أزل فيما تؤديه هذه المخاطبة يا مولاي بين حزم يحث على الانقباض عنك، وحسن ظن يحض على التسامح بنفيس الحظ منك، إلى أن استنزلتني الرغبة فيك، على حكم الثقة بك، من غير خبرة، ورفعت بيني وبينك سجف الحشمة، فأطعت بالانبساط أوامر الأنسة، وانتهزت في التوصل إلى مودتك فائت الفرصة. والمستماح منك — جعلني الله فداك — زورة أرتجع بها ما اغتصبتنيه الأيام من المسرة مهنأة بالانفراد إلا من غلامك الذي هو مادة مسرتك، وما ذاك عن خلق يضيق بطارق، ولكن لأخذي بالاحتياط على حالي، فإن صادف ما خطبته منك — أيدك الله — قبولًا، ولديك نفاقًا فَمُنْيَةٌ غفل الدهر عنها، أو فارق مذهبه فيما أهداه إليَّ منها، وإن جرى على رسمه المضايقة فيما أوثره وأهواه، وأترقبه من قربك وأتمناه، فذمام المروءة يلزمك رد هذه الرقعة وسترها وتناسيها واطراح ذكرها.

وإذا بأبيات تتلو الخطاب وهي:

يا عامر العمر بالفتوة والـ
ـقصف وحث الكئوس والطرب
هل لك في صاحب تناسب في الـ
ـغربة أخلاقه وبالأدب
أوحشه الدهر فاستراح إلى
قربك مستنصرًا على النوب
فإن تقبلت ما أتاك به
لم تشن الظن فيه بالكذب
وإن أتى الزهد دون رغبتنا
فكن كمن لم يقل ولم يُجِبِ

قال أبو الفرج: فورد عليَّ ما حيرني، واسترد ما كان الشراب حازه من تمييزي، وحصل لي في الجملة أن أغلب الأوصاف على صاحبها الكتابة خطًّا وترسلًا ونظمًا، فشاهدته بالفراسة من ألفاظه، وحمدت أخلاقه قبل الاختبار من رقعته، وقلت للراهب: ويحك من هذا! وكيف السبيل إلى لقائه؟ فقال: أما ذكر حاله فإليه إذا اجتمعتما، وأما السبيل إلى لقائه فمتسهل إن شئت. قلت: دلني. قال: تظهر فتورًا وتنصب عذرًا تفارق به أصحابك منصرفًا، وإذا حصلت بباب الدير عدلتُ بك إلى باب خفي تدخل منه. فرددت الرقعة عليه وقلت: ارفعها ليتأكد أنسه بي وسكونه إليَّ، وعرفه أن التوفر على إعمال الحيلة في المبادرة إلى حضرته على ما آثره من التفرد أولى من التشاغل بإصدار جواب وقطع وقت بمكاتبته.

ومضى الراهب وعدت إلى أصحابي بغير النشاط الذي نهضت به فأنكروا ذلك، فاعتذرت إليهم بشيء عرض لي واستدعيت ما أركبه، وتقدمت إلى من كان معي ممن يخدم بالتوفر على خدمتهم، وقد كنا عملنا على المبيت، فأجمعوا على تعجل السكر والانصراف، وخرجت من باب الدير ومعي صبي كنت آنس به وبخدمته، وتقدمت إلى الشاكري برد الدابة وستر خبري ومباكرتي، وتلقاني الراهب وعدل بي إلى طريق في مضيق، وأدخلني إلى الدير من باب غامض، وسار بي إلى باب قَلَّاية،٤ متميز عما يجاوره من الأبواب نظافة وحسنًا، فقرعه بحركات مختلفة كالعلامة، فابتدرنا منه غلامٌ كأن البدر ركَّب على أزراره، مهفهف الكشح مخطفهُ، معتدلُ القوام أهيفهُ، تخال الشمس برقعت غرته، والليل ناسب أصداغه وطرته، في غلالة تنم على ما تستره، وتجفو مع رقتها عما تظهره، وعلى رأسه مجلسية مصمت، فبهر عقلي، واستوقف نظري، ثم أجفل كالظبي المذعور، وتلوته والراهب إلى صحن القلاية، فإذا أنا ببيت فضي الحيطان، رخامي الأركان، يضم طارقة خيش مفروشة بحصير مستعمل، فوثب إلينا منه فتى مقتبل الشبيبة، حسن الصورة، ظاهر النبل والهيئة، متزيٍ من اللباس بزي غلامه، فلقيني حافيًا يعثر بسراويله واعتنقني، ثم قال: إنما استخدمت هذا الغلام في تلقيك يا سيدي لأجعل ما لعلك استحسنته من وجه مصانعًا عما ترد عليه من مشاهدتي. فاستحسنت اختصاره الطريق إلى بسطي، وارتجاله النادرة على نفسه؛ حرصًا في تأنيسي، وأفاض في شكري على المسارعة إلى أمره، وأنا أواصل في خلال سكناته المبالغة في الاعتداد به.

ثم قال: يا سيدي أنت مكدود بمن كان معك، والاستمتاع بمحادثتك لا يتم إلا بالتوصل إلى راحتك — وقد كان الأمر على ما ذكر — فاستلقيت يسيرًا، ثم نهضت فخدمت في حالتي النوم واليقظة الخدمة التي ألفتها في دور أكابر الملوك وأجلة الرؤساء، وأحضرنا خادم له، لم أر أحسن منه وجهًا، طبقًا يضم ما يتخذ للعشاء مما خف ولطف. فقال: الأكل مني يا سيدي للحاجة، ومنك للممالحة والمساعدة. فنلنا شيئًا، وأقبل الليل فطلع القمر، ففتحت مناظر ذلك البيت إلى فضاء أدَّى إلينا محاسن الغوطة، وحبانا بذخائر رياضها من المنظر الجناني والنسيم العطري، وجاءنا الراهب من الأشربة بما وقع اتفاقنا على المختار منه، ثم اقتعدنا غارب اللذة، وجرينا في ميدان المفاوضة، فلم يزل يناهبني نوادر الأخبار وملح الأشعار، ونخلط ذلك من المزج بأظرفه، ومن التودد بألطفه، إلى أن توسطنا الشراب، فالتفت إلى غلامه وقال له: يا مترف، إن مولاك ما ادخر عنا السرور بحضوره، وما يجب أن ندخر ممكنًا في مسرته، فامتقع وجه الغلام حياء وخفرًا، فأقسم عليه بحايته وأنا لا أعلم ما يريد، ومضى فعاد يحمل طنبورًا وجلس فقال لي: يا سيدي تأذن لي في خدمتك؟ فهممت بتقبيل يده لما تداخلني من عظم المسرة بذلك، فأصلح الغلام الطنبور وضرب وغنَّى:

يا مالكي وهو ملكي
وسالبي ثوب نسكي
نزِّه يقين الهوى فيـ
ـك عن تعرض شك
لولاك ما كنت أبكي
إلى الصباح وأبكي

فنظر إليَّ الغلام وتبسم فعلمت أن الشعر له، فكدت والله أطير طربًا وفرحًا بملاحة خَلقه، وجودة ضربه، وعذوبة ألفاظه، وتكامل حسنه، فاستدعيت كيزانًا، فأحضرنا الخدم عدة قطع من فاخر البلور وجيد المحكم، فشربت مسرورًا بوجهه، وشرب بمثل ما شربت، ثم قال لي: أنا والله يا سيدي أحب ترفيهك، وأنا لا أقطعك عما أنت متوفر عليه، ولكن إذا عرفت الاسم والنسب والصناعة واللقب فلا بد أن تشي ليلتنا بشيء يكون لها طرازًا، ولذكرها معلمًا. فجذبت الدواة وكتبت ارتجالًا وقد أخذ الشراب مني:

وليلة أوسعتني
حسنا ولهوًا وأنسَا
مازلت ألثم بدرًا
بها وأشرب شمسَا
إذا طلع الدير سعدًا
لم يبقِ مذبان نحسَا
فصار للروح مني
روحًا وللنفس نفسَا

فطرب على قولي: «ألثم بدرًا وأشرب شمسًا»، وجذب غلامه فقبَّله وقال: ما جهلت ما يجب لك يا سيدي من التوقير، وإنما اعتمدت تصديقك فيما ذكرته، فبحياتي إلا فعلت مثل ذلك بغلامك، فاتَّبعت إيثاره خوفًا من احتشامه. وأخذ الأبيات وجعل يرددها، ثم أخذ الدواة وكتب إجازة لها:

ولم أكن لغريمي
والله أبذل فلسَا
لو ارتضى لي خصمي
بدير مران حبسَا

فقلت: إذًا والله ما كان أحد يؤدي حقًّا ولا باطلًا! وداعبته في المعنى بما حضر، وعرفت في الجملة أنه مستتر من دَين قد ركبه، وقال لي: قد خرج لك أكثر الحديث فإن عذرت وإلا ذكرت لك الحال لتعرفها على صورتها، فتبينت ما يؤثره من كتمان أمره، فقلت له: يا سيدي كل ما لا يتعرف بك نكرة، وقد أغنا المشاهدة عن الاعتذار، ونابت الخبرة عن الاستخبار. وجعل يشرب وينحب عليَّ من غير إكراه ولا حث ولا استبطاء، إلى أن رأيت الشراب قد دبَّ فيه، وأكب على مجاذبة غلامه، والفطنة تثنيه في الوقت بعد الوقت، فأظهرت السكر وحاولت النوم، وجاء الغلام ببردعة ففرشها لي بإزاء بردعته، فنهضت إليها وقام يتفقد أمري بنفسه، فقلت له: إن لي مذهبًا في تقريب غلامي مني. واعتمدت بذلك تسهيل ما يختاره من هذه الحال في غلامه، فتبسم لي وقال لي بسكره: قد جمع الله لك شمل المسرة كما جمعه لي بك.

وأظهرت النوم، وعاد يجاذب غلامه بأعذب لفظ، وأحلى معاتبة، ويخلط ذلك بمواعيد تدل على سعة وانبساط يد، وغلامه تارة يقفل يده، وتارة فمه، وغلبتني عيناي إلى أن أيقظني هواء السحر، فانتبهت وهما متعانقان بما كان عليهما من اللباس، فأردت توديعه، وحاذرت انتباهه وانزعاجه، فخرجت ولقيني الخادم يريد إيقاظه وتعريفه انصرافي، فأقسمت عليه أن لا يفعل، ووجدت غلامي قد بكر بما أركبه كما كنت أمرته، فركبت منصرفًا وعاملًا على العودة إليه، والتوفر على مواصلته، وأخذ الحظ من معاشرته، ومتوهمًا أن ما كنت فيه منام لطيبه وقرب أوله من آخره، واعترضتني أسباب أدت إلى اللحاق بسيف الدولة، فسرت على أتم حسرة لما فاتني من معاودة لقائه.٥

ولم أزل على أتم قلق وأعظم حسرة، واشتد تأسفي على ما سلبته من فراق الفتى، لا سيما ولم أحصل منه على حقيقة علم ولا يقين خبرة يؤديانني إلى الطمع في لقائه، إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق وأنا في جملته، فما بدأت بشيء قبل المصير إلى الراهب — وقد كنت حفظت اسمه — فخرج إليَّ مرعوبًا وهو لا يعرف السبب، فلما رآني استطار فرحا وأقسم لا يخاطبني إلا بعد النزول والمقام عنده يومي ذلك، ففعلت.

فلما جلسنا للمحادثة قال: ما لي لا أراك تسأل عن صديقك! قلت: والله ما لي فكر ينصرف عنه، ولا أسف يتجاوز ما حرمته منه، ولا سررت بعودي إلى هذه البلدة إلا من أجله؛ ولذلك بدأت بقصدك، فاذكر لي خبره. فقال لي: أما الآن فنعم! هذا فتى من المادرائيين جليل القدر، عظيم النعمة، كان ضمن من سلطانه بمصر ضياعًا بمال كثير، فخاش٦ به ضمانه لقعود السعر، وأشرف على الخروج من نعمته، فاستتر، ولما اشتد البحث عنه خرج متخفيًا إلى أن ورد دمشق بزي تاجر، فكان استتاره عند بعض إخوانه ممن أخدمه، فإني عنده يومًا إذ ظهر لي وقال لصديقه: إني أريد الانتقال إلى هذا الراهب إن كان عليَّ مأمونًا، فذكر له صديقه مذهبي، وأظهرت السرور بما رغب فيه من الأنس بي وأنا لا أعرفه، غير أن صديقي قد أمرني بخدمته، وحصل في قلايتي فواصل الصوم، فلما كان بعد أيام جاءنا الرسول من عند صديقنا ومعه الغلام والخادم، وقد لحقها به ومعهما سفاتج٧ وعليهما ثياب رثة، فلما نظر إلى الغلام قال: يا راهب، قد حل الفطر، وجاء العيد! ووثب إليه فاعتنقه وجعل يقبِّل بين عينيه ويبكي، ووقف على السفاتج فأنفذها مع درج رقعة منه إلى صديقه.

فلما كان بعد يومين حمل إليه ألفي دينار، وقال: ابتع لنا ما نستخدمه في هذه الضيعة، فابتاع آلة وفرشًا، ولم يزل مكبًّا على ما رأيت إلى أن ورد عليه بالبغال والآلات الحسنة، وكتب أهله باجتماعهم إلى صاحب مصر وتعريفهم إياه الحال في بعده عن وطنه لضيق ذات يده عما يطالب به، والتوقيع بحطيطة المال عنه مقترن بالكتب، فلما عمل على السير قال لغلامه: سلم جميع ما بقي معك من نفقتنا إلى الراهب ليصرفه في مصالح الدير إلى أن نواصل تفقده من مستقرنا، وسار وما له حسرةٌ ولا أسفٌ إلا عليك، يقطع الأوقات بذكرك، ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك، وهو الآن بمصر على أفضل الأحوال وأجلها ما يبخل بتفقدي ولا يغبُّ بري.

فتعجلت بعض السلوة بما عرفت من حقيقة خبره، وأتممت يومي عند الراهب وكان آخر العهد به.

هوامش

(١) راجع: ترجمة أبي الفرج الببغاء وتحليل رسائله في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
(٢) (١ / ١٨٨) يتيمة الدهر.
(٣) (١ / ١٧٤).
(٤) القلَّاية: بناء كالدير.
(٥) أسقطنا من هذا الموضع قصيدة رائية نظم بها الببغا ما سلف من حوادث هذه القصة، فليراجعها القارئ في (١ / ١٨٠) من يتيمة الدهر.
(٦) خَاش: من الخوش وهو النقص، وقد يكون الأصل: «خاس بضمانه» أي: غدر.
(٧) السفاتج: سندات مالية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠