الفصل الرابع عشر

حكاية أبي القاسم البغدادي

مؤلف هذه الحكاية هو أبو المطهر الأزدي محمد بن أحمد، وهو رجل يذكر قليلًا جدًّا في المجموعات الأدبية، ولم نستطع الوصول إلى معرفة أخباره في كتب التراجم، ولكن المسيو ميتس (Mez) هدانا في المقدمة الألمانية التي صدَّر بها طبعته لهذه الحكاية إلى أن الأزدي كان يعيش في صميم القرن الرابع.
والظاهر أنه ولد في الربع الأخير من القرن الثالث، فقد كان في سنة ٣٠٦ من الفتيان الماجنين، بدليل قوله: «ولَعهدي بهذا الحديث سنة ست وثلثمائة، وقد أحصيت أنا وجماعة بالكرخ أربعمائة وستين جارية في الجانبين، وعشر حرائر وخمسة وسبعين من الصبيان البدور يجمعون من الحسن والحذق والظرف، ما يفوت حدود الوصف، هذا سوى ما كنا لا نظفر بهم ولا نصل إليهم لعزتهم وحرسهم ورقبائهم، وسوى من كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء والضرب إلا إذا نشط في وقت، أو ثمل في حال، وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه … إلخ.»١
وفي مكان آخر يتحدَّث عن مجلس أُنس قضاه مع ابن الحجاج وأبي محمد اليعقوبي وأبي الحسن بن سكرة،٢ وهم من أعيان القرن الرابع، عاش أولهم إلى سنة ٣٩١، وثالثهم إلى سنة ٣٨٥، فحكاية أبي القاسم البغدادي وضعت بلا ريب في أواسط القرن الرابع.
وليست حكاية أبي القاسم التي وضعها أبو المطهر الأزدي إلا فنونًا من القول أراد بها وصف المجون وتصوير الماجنين من أهل بغداد وأصفهان، فهي ليست قصة بالمعنى المعروف، ولكنها مجلس واحد يطرد فيه القول من فن إلى فن في دعابة وظرف. وأبو القاسم البغدادي بطل القصة رجل جمع أدوات النصب والاحتيال والنفاق، وهو يشبه من بعض الوجوه أبا الفتح الإسكندري في مقامات بديع الزمان؛ فإنا نراه يداري أهل المجلس وينافقهم، فيلبس ثوب التقى والصلاح، حتى إذا رآهم على استعداد للهزل، انقلب لاعبًا متمردًا عارفًا بغرائب الخلاعة والمجون.٣
ولنعطِ الكلمة للمؤلف ليحدثنا عن منهج كتابه:

… بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة على سيدنا محمد النبي وآله والسلام، أما الذي أختاره من الأدب فالخطاب البدوي والشعر القديم العربي، ثم الشوارد التي اخترعتها خواطر المتأخرين من أعلام الأدباء، والنوادر التي اخترعتها قرائح المحدثين من أعيان الشعراء، هذا الذي أحصله من أدب غيري وأقتنيه وأتحلى به وأدعيه وأرويه من ملح ما تنفسوا به وتنافسوا فيه، ويصدق شاهدي عليه أسفار لنفسي دونتها، ورسائل سيرتها، ومقامات حضرتها.

ثم إن هذه الحكاية عن رجل بغدادي كنت أعاشره برهة من الدهر فيتفق منه ألفاظ مستحسنة ومستخشنة، وعبارات (عن) أهل بلده مستفصحة ومستفضحة، فأثبتها خاطري لتكون كالتذكرة في معرفة أخلاق البغداديين على تباين طبقاتهم، وكالأنموذج المأخوذ عن عاداتهم، وكأنها قد نظمتهم في صورة واحدة يقع تحتها نوعهم، وتشترك فيها أشخاص ذلك النوع على أحد واحد، بحيث لا يختلفون فيه إلا باختلاف المراتب، وتفاوت المنازل، ولعلي صرت في ذلك كما قال أبو عثمان الجاحظ في فصل من كلامه: وإنا مع هذا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكتن اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئًا، وكذلك تكون حكايته للمغربي والخراساني والأهوازي والسندي والزنجي، نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، فأما إذا حكى كلام الفافأة فكأنه قد جمع كل طرفة في كلام كل فأفاء في الأرض في لسان واحد، كما أنك تجده يحاكي الأعمى بصورة ينشئها بوجهه وعينيه وأعضائه، لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدًا يجمع ذلك كله، فكأن هذا الحاكي قد جمع ما هو مفترق فيهم، وحصر جميع طرف حكايات العميان في أعمى واحد.

ولقد كان فلان٤ يقف بباب الكوخ بحضرة المكارين فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بهير إلا نهق، وقد يسمع الحمار على الحقيقة فلا ينبعث له ولا يتحرك كحركته لصوت هذا الحاكي، وكأنه قد جمع جميع النغم التي تناسب نهيق الحمار فجعلها نهيق حمار واحد، فارتاحت لسماع ذلك نفوس جميع الحمير. ولذلك زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له: العالَم الصغير سليل العالم الكبير؛ لأنه يصور بيده كل صورة، ويحكي بفمه كل صوت، ولأنه كان يأكل النبات كما تأكل البهائم، ويأكل اللحم كما تأكل السباع، ويأكل الحب كما تأكل الطيور، ولأن فيه أشكالًا من جميع أجناس الحيوان.
وإذا قدَّمت هذه الجملة فأقول: هذه حكاية مقدرة على أحوال يوم واحد من أوله إلى آخره، أو ليلة كذلك، وإنما يمكن استيفاؤها واستغراقها في مثل هذه المدة، فمن نشط لسماعها ولم يعدَّ تطويل فصولها وفضولها كلفة على قلبه، ولا لحنًا يرد فيها من عباراتهم قصور معرفة يعيَّرني بها، لا سيما مع انتهائه منها إلى الحكاية البدوية الأدبية التي أردفتها بها، ومع قول أحد البلغاء: (ملح النادرة في لحنها، وحلاوتها في قصر متنها، وحرارتها في حسن منطقها) كلفت له من البسيط جهده المتعب عليَّ وغيرة الممتع٥ له. ثم إن لي قدمة شوط أستعيره وأستغيره من شعر أبي عبد الله بن الحجاج وهو قوله:
يا سيدي دعوةَ مَن شعرهُ
يجري على العادة والعرفِ
لا بد أن يغفل عن لفظة
طريفة يأتي بها سخفي

وهذه المقدمة تبين غرض المؤلف؛ فهو يريد وصف الحياة في بغداد لعهده، وسياق الحكاية صريح في أنه قصد إلى وصف جانب خاص هو جانب العبث والمجون. والطريف في منهج المؤلف هو شعوره بأهمية تدوين العادات والألفاظ، وإشارته إلى أن اللحن قد يكون أصرح من الفصاحة في عرض الملح والفكاهات، وأن السخف قد يكون وسيلة إلى طريف الألفاظ في بعض الأحيان.

وأكثر ألفاظ البغداديين فيما دوَّنه أبو المطهر غير قاموسية؛ أعني أنها لم تدوَّن في المعاجم، وأبو المطهر يقصد إليها قصدًا، فهو رجل مثقف العقل، يجري في درس اللغة على منهاج. من ذلك ما أنطق به المحدّث: يا أبا القاسم، تعرف شيئًا عن السباحة؟

فيجيب: يا أحمق! يا سواديُّ لا يحسن أن يركب البقر، وتركي لا يحسن أن ينزع القوس! أنا والله أسبح من الضفدع ومن التنين، أعرف من السباحة أنواعًا لم يحسنها قط، سمك ولا بط، أعرف منها الشق والذرع والغمر والاستلقاء والتزاور والشكلبي والطاوس والعقربي والمقرفض والموزون والكامل والطويل والمقيد، كان أستاذي في جميعها ابن الطوَّا والزنابيري.

وفي هذا الحوار يعلمنا أبو المطهر أسماء العوم، وهي أسماء لا نجد شرحها كاملًا في القواميس، ولا نجد في أهل زماننا من يعرف ما لها من مدلول. وقد تكون أسماء العوم في أندية الرياضة المصرية مما يمت إلى لغات أجنبية.

ولا يقف أبو المطهر عند هذا، بل يُنطق المحدِّث بألفاظ الملاحين فيقول: يا أبا القاسم، أريد أن أعرف شيئًا عن ألفاظ الملاحين وأحوالهم.

فيقول: يحتاج أن نعرف ألوان المراكب من السفن والسميريات، والمراكب العماليات، والزبازب، والكمندوريات، والبالوع، والطبطاب، والجدي، والجاسوس، والورحيات، والقوارب، والخيطيات، والشلملي، والجعفريات.٦
وللحديث بقية فيها استقصاء لألفاظ الملاحين، وهي خطة تذكر بما صنعه المسيو كولان Colin حين عاشر الملاحين المصريين ليعرف الألفاظ الفنية لأجزاء السفن المصرية، فانظر كيف سبق أبو المطهر صاحبنا كولان بعشرة قرون!
ويتصل بهذا تدوينه لمظاهر الحضارة في بغداد، فقد سخر من أهل أصبهان إذ يجد السالك محال كريهة الأسماء مثل: «موضع المجذومين» و«درب الصُّم» و«درب العُمْى» ويقول: «هل أرى عندكم من أرباب الصناعات والمهن مثل من أرى ببغداد من الوراقين، والخطاطين، والخياطين، والخراطين، والزرادين، والمزوقين، والطباخين، والطحانين، ومن لا يحصى عددًا من الحذاق المعجزين؟»٧

ولأبي المطهر صور فنية يقصد إليها رغبة في الدعاية، من ذلك قوله في وصف منافق: «ويقبل خلال الأحاديث على من يليه من اليمين فيفاوضه ويتسمع من أحاديثه ويستهش لها ويقول: يا سيدي، ذا والله ليس كلام البشر، إنما هو سحر يولِّه القلوب والأسماع، كلام والله كبرد الشراب، وبُرد الشباب، بل كالنعيم الحاضر، والشباب الناضر، قِطَع الزهر، وعُقَد السحر، ما هو إلا كالبشرى بالمولد الكريم، إلى سمع الشيخ العقيم، حسن الديباجة، صافي الزجاجة، حلو المساغ، يعافى به المريض، ويجبر به المهيض، يقود سامعه إلى السجود، ويجري مجرى الماء في العود، قد اتسع له بحمد الله مَشَرع الإطناب، وانفرج عنه مسلك الإسهاب، فهو ينثر الدرَّ على الدرَّ.

فيقول الذي على يساره: في أي شيء أنتم؟ فيغمز إليه بعينه ويقبل عليه ويقول: يا سيدنا، أنا في محنة صلعاء بلا طاقة شعر، في كلام أثقل من الجندل، وأمرَّ من الحنظل، هذيان المحموم، وسواد المهموم، لمثله يتسلى الأخرص عن كلمه، ويفرح الأصم بصممه، كلام والله يصدي الخاطر، إن لم يُعش الناظر، كلام تتعثر الأسماع من حزونته، وتتحير الأوهام من وعورته، لا مساغ له في الأسماع، ولا قبول من الطباع.

ثم يلتفت إلى اليمين فينشده صاحبه الذي يليه شعرًا فيقول: أعيذه بالله؟ ما أصفى نظره! وأتقى درره! وأغزر بحره! وأحكم نحته ونجره!٨ … لو جُعل خلعة على الزمان لتحلى بها مكاثرًا، وتجلى فيها مفاخرًا، شعر والله يختلط بأجزاء النفس، الآذانُ والله تصير أصدافًا لهذا الدر.

ويلتفت عنه ثانيًا إلى اليسار فيقول: يا سيدنا! أما كنت تسمع ذا الشعر البارد العبارة، الثقيل الاستعارة، وتلك الإشارة الفاترة يا سيدنا، فلا حلاوة ولا طراوة، ليس إلا إقواء وإبطاء وأخطاء، لو شعر، أعزه الله بالنقص لما شعر!

ثم يقبل على اليمين ثالثًا ويأخذ في تقريظه ويقول: سيدنا بحمد الله كريم الأخلاق والأطواق، المجد لسان أوصافه، والشرف نسب أسلافه، ما ورث المحاسن عن كلالة، ولا ظفر بها عن ضلالة، شجرة طيبة أصلها في الماء، وفرعها في السماء، ثم هو بحمد الله في الكرم والجود بحر لا يظمأ وارده، ولا يمتنع بارده، لو أن البحر قدره، والسحاب مده، والجبال ذهبه، لقصرت عما يهبه، وفي العلم البحر الممد لسبعة أبحر، كأنما يومٌ بحمد الله منه أعمار سبعة أنسر. شجرة فصل عودها أدب، وأغصانها علم، وثمرتها عقل، هذا بحمد الله مع خُلق كنسيم الأنوار، على صفحات الأشجار، في نفحات الأسحار، خلائق في ذكاء الخلوق،٩ وشمائل في صفاء الشمول، أذكى من حركات الريح بين الريحان، جِد كعلوِّ١٠ الجد، وهزل كحديقة الورد، سبحة ناسك، وتفاحة فاتك، وعشرة يكاد ماؤها يقطر، وصحوها من الغضارة يمطر.
ثم المنظر الذي تبهر وضاءته العيون، متبرقع والله ببديع الجمال، متعوذ من عين الكمال، متخلل مخائل الأمثال، أحلى والله من الوبل، على المحل، الخَلق ورضي، والخُلق رضيٌّ، والفضل مضيٌّ،١١ محاسن أنا والله منها في روضة وغدير، بل في جنة وحرير.
ويلتفت إلى من يليه ويقول على العادة في النفاق والخبث: «ذا والله سخنة عين، عصارة لؤم، في فؤاد خبث، كالكمأة لا أصل لها ثابت، ولا فرع نابت، لو قُذِف والله الليل بلؤمه لطفئت أنوار نجومه، لا يبضُّ حجره، ولا يثمر شجره، حجة لا تروى، وزند لا يورى، قالب جهل مستور بثوب، يعثر في عنان جهله، ويتساقط في ذبول خرقه، صخرة خلقاء لا تستجيب للمرتقى، وحية صماء لا تتسع إلى الرقى، كأني إذا ناظرته أسفر منه عودًا، وأهز طودًا، ثقيل الطلعة، بغيض التفصيل والجملة، يحكي ثقل الحديث المعاد، ويمشي على العيون والأكباد، هو والله في العين قذاة، وبين النعل والأخمص حصاة، كأن وجهه على الحقيقة هول، المطلع النحس يطلع من جبهته، والخل يقطر من وجنته، وجه يشق على العين، وكلام لا يسوغ في الأذن، ما كنت أدري والله أيحدِّث، مدخل أكله أمذر١٢ من مخرج ثفله، لا يفرق والله بين محساه ومفساه … إلخ.»١٣

وأول ما يلاحظ في هذه الصورة كثرة القسم، وكان ذلك لعهد المؤلف من طبيعة البغداديين، والصورة عادية من حيث السياق؛ فليس فيها تحليل لطبيعة المنافق غير هذا الوضع البسيط، وهو التلون والتقلب، والظهور بوجهين، وتلك أظهر ما في شيم المنافقين.

وليس لأبي المطهر يدٌ في تلوين هذه الصور، فهي جملة من المحامد والمقابح جمعها من ألفاظ معاصريه، وكنا أشرنا في النص الفرنسي إلى أنه اقتبسها من كتب الثعالبي، ويظهر لنا الآن أن الثعالبي هو الذي اعتمد على أبي المطهر في نظم هذه الصورة الفنية.

ومن هذه الباب ما كتبه في وصف الثقيل:
يا أول ليلة الغريب، إذا بعد عن الحبيب، يا طلعة الرقيب! يا يوم الأربعاء في آخر صفر، يا لقاء الكابوس في وقت السحر، يا خَرَاجًا بلا غلة، يا سفرًا مقرونًا بعلة! يا أخلق من طيلسان ابن حرب، يا أشأم على نفسه من ضرطة وهب! يا أبغض من قدح اللبلاب في كف المريض، وأنكر من نظر المفلس في وجه الغريم البغيض! يا أنتن من الكنيف في سحر الصيف، وأثقل من طلعة البغيض على الضيف! يا وجه المستخرج في يوم السبت، يا إفطار الصائم على الخبز البحت! يا أبرد من الشمال في كانون، وأوسخ من فراش الجرب المبطون! يا أقذر من ذباب على جعس١٤ رطب، وأحقر من قملة في أذن كلب! يا أقذر من جفنة الدباغين، وأنتن من ريح القاصبين! يا أبلد من حضيض الحمام، وأنتن من حانوت الحجام! يا أقذرمن طين السماكين! يا أوحش من شخص الظالم في عين المظلوم، وأكره من صوت البوم إذا صك سمع المحموم، يا أبرح من غم الدَّين، وأشد من وجع العين، وأوحش من بكرة يوم البين! يا ليلة المسافر في كانون الآخر، على أكاف بائس، وبرد قارس! يا أذل من ناسج برد ودابغ جلد، وراكب قرد، وسائس عرد! يا أثقل من طفيلي يعربد على الندماء، ويقترح أنواع الغناء، ويشتهي بعد أكل الغداء والعشاء، ألوان الصيف في الشتاء، مجشمًا للساقي، قاطعًا على المغني، يواثب ويدني.١٥
يا أشد على الأحرار من تطاول الحجاب، وعبوس البواب، وجفاء الحجاب، وسوء المنقلب والإياب! يا أشد من كربة صاحب المتاع الكاسد، وأضيق من قلب الكاشح الحاسد، وأكرب من الاستماع إلى المغني البارد! يا أكره من هجرات الصديق، ومن النظر إلى زوج الأم على الريق، ومضيق الطريق، من سوء القضاء، وجهد البلاء، وشماتة الأعداء، وحسد القرباء، وملازمة الغرماء،١٦ وخيانة الشركاء، وملاحظة الثقلاء. وملابسة السفهاء، ومساءلة البخلاء، ومعاداة الشعراء.١٧
وقد أشرنا في النص الفرنسي إلى أن هذه الصورة منقولة عن رسالة للخوارزمي، ونرجح الآن أن الخوارزمي هو الذي حاكى أبا المطهر في وصف الثقيل، لأن الخوارزمي مات سنة ٣٨٣ أو ٣٩٣، وأبو المطهر كان شابًّا ماجنًا في سنة ٣٠٦، فمن المستبعد أن يكون عاش طويلًا بعد انتصاف القرن الرابع.١٨

وقد عدنا فوازنَّا بين الرسالتين: رسالة أبي المطهر ورسالة الخوارزمي فوجدناهما تتوافقان في ألفاظ وتختلفان ألفاظ، وفي العبارات المتقاربة تظهر الدقة في جانب الخوارزمي، فأبو المطهر يقول: «يا أنتن من الكنيف، في سحر الصيف.»

والخوارزمي يقول: «يا كنيف السجن في الصيف.»

وهي عبارة أقذر وأشنع.

ورسالة الخوارزمي طويلة جدًّا، ولكن هيهات أن يصل إلى ما وصل إليه أبو المطهر من الإفحاش والإقذاع، فإنه نثر أهاجيه في كتابه نثر الشوك. وهذه الأهاجي البشعة من مظاهر الحضارة في بغداد، ونعيذ القارئ أن يدهش من ذلك، فإن الحضارات تقتضي فنونًا من المناقب والمثالب لا تستطيعها البدوات، وعيوب أصحاب الحرف والصناعات، ورذائل المترفين ومساوي الموسرين لا تُعرف إلا في الحواضر المزهرة، ومن أجل ذلك اتخذنا أهاجي أبي المطهر عنوانًا على قوة الحضارة في بغداد.

وهل يستطيع البدوي أن يفهم كيف تكون القذارة في جفنة الدباغين، وريح القصابين، وطين السماكين؟ هيهات! فتلك وأمثالها بلايا لا يعرفها إلا الحضريون!

ومن طريف الصور ما جرى به قلمه في وصف الجمال، وهو كأهل عصره يتحدث عن جمال النساء وجمال الغلمان، ففي الفن الأول يقول:
وذكاء البغداديين ومجونهم أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن يذكر، فما ظنك بخرعوبة من بنات الملوك قد جمعت الذكاء مع الملاحة، والفطنة مع الصباحة … قد أطرَّ الفتاء١٩ شاربها، وزوى الإباء حاجبها، ورخم ألفاظها، وفتر النعيم ألحاظها، وأرهف الظرف أعطافها، وألانت النعمة أطرافها، ولذ للراشف مقبلها، واغتص بالبرني مخلخها، واطرد ماء النعيم بين رياض وجنتها، وترقرق جريال الشباب على صفحاتها، وتورد مع صبغ الحياء خدها، واهتز من نضارة الصبا قدها، وشخص للطراوة نهدها، وارتجت من الشحم روادفها، وتشربت أنوار الحسن سوالفها، ثم أعيدت ساخطة على محبها، وقد قطب التيه جبينها، وشمخت النخوة بعرنينها، وطفقت تعدد عليه ذنوبه بأناملها المترفة، وتأبى قبول معاذيره المزخرفة، حتى إذا انتهى عاشقها في الاستكانة والخضوع، وبل أكمامه بسوارب الدموع، أقرت متبسمة عن شتيت الدر، ونضحت بلطف كلامها على ذلك الحري والحر.
ثم أقبلت نرجستاها تدمعان رحمة لعاشقها المبتلى، فترى والله حباب الدموع، أو خمر الخجل، ونفسًا تموت فتحييها بزاد من القبل، وتجشمت بعد ذلك زيارة في ملاءة من الظلام، ووافته وهو سادر في ساعة الأحلام، وقد سرى أمامها أرج المسك الفتيق، وعبق الجو منها بريَّا الراح العتيق، وانثنت متمايلة وقد بل اليهر غلائلها، وفتر الأين٢٠ مفاصلها، وأرعد الوجد فرائصها، وغمز المشي أخماصها، وجعلت تمتن عليه بإلمامها، وتدعي فضل غرامها، وتناسمه من أحاديثها بما هو أقر لعينه، وأشهى إلى نفسه، من طول بقائها، وبلاغ نعمائها، تدوي بألحاظها، وتداوي بألفاظها، تردي بمقلتها، وتحيي بقبلتها … إلخ.٢١
وفي الفن الثاني يقول:
كم تشغلني يا أبله، وتسألني عن الأباطيل، وتقطع كلامي بما لا يفيدك؟ ما أرى والله على رأس أحدكم غلامًا نظيفًا غنج الحركات، حلو الشمائل، خنث الأعطاف، بابلي الطرف، يمشي بخصر دقيق، وردف ثقيل، غنت عليه المناطق، ودل على حسن صنعة الخالق، خده جلنار،٢٢ وعيناه نرجس، وشاربه زمرد، وشفتاه مرجان أو عقيق، وثغره در، وريقه رحيق كأنه دينار منقوش، أو جرعة عسل … لو جذب عضو منه انفطر، أرقُّ من نسيم الهواء، وألذ من الماء بعد الظمأ، كأنه طاقة ريحان، أو غصن بان، أو قضيب خيزران، أو طاقة آس ريان، كأن جبينه هلال، وكأن حاجبه خط بقلم، كأن عينيه عينا جؤذر، وكأن أنفه حد سيف، وكأن وجنته الخمر، أو لون الراح، أو حمرة التفاح.
أحسن من نور زهر الربيع الباكر على الغصن الرويِّ، أحسن من الروض الممطور، كأن شاربه طراز بنفسج على ورد جني … كأن شاربه زئبر الخز الأخضر، وعذاره طراز المسك الأذفر، على الورد الأحمر، إذا تكلم يكشف حجاب الزمرد والعقيق، عن الدر الأنيق … كأن فمه حلقة خاتم، وكأن ثغره البرد، أو أقحوان تحت غمامة،. كأن فاه الخمر نبت فيه الدر، كأن عنقه إبريق فضة … كأنما لبس بدنة قشور الدر، كأنه فضة قد مسها ذهب، كأن بطنه قبطية، وساقه بردية، وقدمه لسان حية، كأن وجهه الشمس، وكأنه دارة القمر، وكأنه المشتري، وكأنه الزهرة، وكأنه الدرة، وكأنه الغمامة، أطهر من الماء الزلال، وألذ من معانقة الخيال، وأزهر من النار، وأزكى من الأرض التي تنبت البنفسج … كالظبي الغرير، والقمر المنير، والغصن النضير، والمهاة على الغدير … إلخ.٢٣
وهذه الصورة أيضًا منقولة عن معاصريه من كتاب القرن الرابع، ودليل ذلك أنها خلت من الرباط الوثيق الذي يجمع بين أواصر الإنشاء المتين، فهي أوصاف حشرت حشرًا ولم تكلف الكاتب إلا التقاطها من أزاهير الأسجاع؛ بحيث يصعب التمييز بين ما نقله وما ابتدعه. وإن كنا نجد جودة القصص في مثل قوله يصف غلام ابن عرس:
كان إذا حضر ألقى إزاره، وقال لأهل المجلس: اقترحوا واستفتحوا، فإني ولدكم، بل عبدكم، أخدمكم بغنائي، وأساعدكم على رخصي وغلائي، من أرادني مرة واحدة أردته ألف مرة، ومن أحبني رياء أحببته إخلاصًا، ومن مات لي مت عليه، لِمَ أبخل عليكم بحسني وظرفي؟ ولِمَ أتعسر عليكم وإنما خلقت لكم؟ ولِمَ أتطاول عليكم، وأنا غدًا مضطر إليكم إذا بقل وجهي، وتدلى سبالي، وتولى جمالي، وتكمش خدي، وتعوج قدي؟ حاجتي والله إليكم غدًا أشد من حاجتكم إليَّ اليوم، لحا الله سوء الخلق، وشراسة الطباع، وقلة الرعاية والحفاظ … إلخ.٢٤
وقد وصف الخمر في أماكن متفرقة من حكايته، أظهرها ما جاء في صفحة ١٠٩ وصفحة ١٣٢، وهي كذلك صفات نجدها عند معاصريه، فلا موجب لعرضها في هذا الفصل، ونشير إلى أننا استظرفنا وصفه للخمر بأنها «أرق من دين أبي نواس!»٢٥

وهو مأخوذ من قول أبي نواس نفسه في وصف الصهباء:

عتقت في الدن حتى
هي في رقة ديني

وقد يلقاك أبو المطهر بنظرات فلسفية يعلل بها غلبة المجون على الناس، فقد وَصَفَ أحد المؤلفين في زمانه بأنه كان إذا سمع غناء تمرغ في التراب، وهاج، وأزبد، ونعر واستعر وعض بنانه، وركل برجله، ولطم وجهه ألف لطمة في ساعة. وهنا يسأل السامرون: يا أبا القاسم! كل هذا يجري لسماع غناء؟

فيقول: هذه صورة إذا استولت على أهل مجلس وجدت لها عدوى لا تملك، وغاية لا تدرك؛ لأنه قل ما يخلو الإنسان من صبوة، أو صبابة، أو حسرة على فائت، أو فكر في متمنى، أو خوف من قطيعة، أو رجاء لمنتظر، أو حزن على حال، فالناس كأنهم على جديلة واحدة في هذه الحال.٢٦
وقد عرض لفكاهات البغداديين ونوادرهم في غير موضع، وهي في الأكثر فكاهات ماجنة لا تحسن روايتها في هذا الكتاب، ولا بأس من إيراد هاتين النادرتين:
استعرض رجل جارية مليحة وتوقف عن شرائها لعرج كان بها، فقالت: إن كنت تريد جملًا تحج عليه فما أصلح لك، وإن كنت تريد جارية للمتعة فالعرج لا يمنعك من ذلك.٢٧
وقال آخر لجارية: ليتك أمسيت تحتي! فقالت: نعم يا سيدي، مع ثلاثة أُخر!٢٨ أي: إذا كان على الجنازة.

وفي الكتاب قصص كثيرة عن مجون أهل بغداد وخلاعة مغنيهم وقيانهم، وأوصاف سابغة لسهراتهم ومجالس لهوهم وأنسهم، ذلك كله بأسلوب جميل جذاب يحمل الفارغين على تشهي اللهو والمجون، وكأنما أراد المؤلف أن يجعل تلك القصة مرجعًا لأكثر المعاني الهزلية، فلم يترك بابًا من أبواب الدعابة إلا طرقه، ولم يدع معنى من معاني الخلاعة إلا ألمَّ به، وأحسبه حشر في كتابه أقذر ما روي من الشعر الماجن الخليع.

ولهذا النوع من التأليف قيمته على أي حال، فهو لون من ألوان الأدب تحتاج إليه النفس في ساعات الملال.

وفي الكتاب ألفاظ لا تزال حية على ألسنة عوام المصريين؛ كقول شاعر في وصف ثقيل:

يا كل شيء وَحِشِ مهولِ
يا رأس خنزير ووجه غولِ٢٩

والشاهد في (شيء وحش).

وقول آخر:

يا سفل الناس وأوباشهم
من بين صفعان إلى ضارط٣٠

والشاهد في (أوباش) وهي مقلوبة عن (أوشاب).

وقول أبي القاسم:

يا سفل العالم! إذا أسكرتموني من يزني حينئذ بأم هذا الديوث الذي أنا في داره.

وقول شاعر:

ويكِ سِتي كلميني
قبل أن أَبصر مُثْله٣١

وعوام المصريين يقولون: «فلان عليه حتة لسان»؛ يعنون أن له لسانًا طويلًا؛ أي ثرثارًا. ومثل هذا التعبير ورد في بيت ماجن تقبح روايته في مثل هذا الكتاب.

وجملة القول أن كتاب أبي المطهر الأزدي سخيف، ولكنه مع سخفه ظريف، والمؤلف خليق بأن يوصف بما رواه لأحد الشعراء:

شيخٌ سخيفٌ ولكن
يأتي بسخفٍ مليحِ
وهناك قصيدة رائية لأبي دلف الخزرجي من شعراء القرن الرابع اسمها القصيدة الساسانية٣٢ وهي في الشعر كحكاية أبي القاسم في النثر كلتاهما تصف أخلاق الأوباش وتحكي ألفاظهم، ومراجعةُ هذين الأثرين مفيدةٌ لمن يعنيه أن يعرف ما أهملت المعاجم من ألفاظ الجماهير السوقية. وبكل مدينة أحياء ماجنة تتفرد بألفاظ وتعابير تمثل ما فيها من شواذ الأخلاق، وفي القاهرة اليوم ناس يسمون (أولاد البلد) لهم كنايات وإشارات لا يفهمها الخواص، كالذي يقع لأهل (Belleville) من أحياء باريس.

هوامش

(١) ص٨٧ (من حكاية أبي القاسم البغدادي).
(٢) ص٨٨.
(٣) ولنلاحظ أن شخصية أبي القاسم وشخصية أبي الفتح من الشخصيات الخرافية، وصدورها على طريق التكنية لون من التفخيم أو التلميح، والكنية ظاهرة عربية، ولا يشترط فيها أُبُوَّةٌ، فقد يكنى الصبي أحياناً وهو لم يستحق أن يكون أبًا، وربما ولد له فسمَّى ولده بغير ما كني به، وتكنية الصغير تفاؤله بالحياة وطول العمر والولد، وتكنية الكبير تعظيم له عن التسمية باسمه، وقد تجعل العرب للرجل الكنية والكنيتين والثلاث على مقدار جلالته في النفوس. (راجع: نقد النثر ص٤٢، ٤٣).
(٤) هو في البيان والتبيين (أبو دبوبة الزنجي) (١ / ٣٩).
(٥) في هذه العبارة ركاكة وغموض.
(٦) راجع: ص١٠٧، ١٠٨.
(٧) ص٢٤.
(٨) في الأصل (نحره) بالحاء المهملة.
(٩) الخلوق — بفتح الخاء: الطيب.
(١٠) في الأصل: (غلو) بالغين المعجمة.
(١١) مضيء وخفف للسجع.
(١٢) أمذر: أخبث، وبيضة مذرة: فاسدة.
(١٣) راجع: ص١١٣، ١١٥.
(١٤) الجعس: الرجيع.
(١٥) في رسائل الخوارزمي: «يزني.»
(١٦) في الأصل: «القرباء.»
(١٧) راجع: ص١٢٠.
(١٨) وقد ورد وصف الثقيل على هذا النحو أيضاً في نثر بديع الزمان. (انظر: المقامة الدينارية ص٧٩، ٨٠، طبع استامبول).
(١٩) الفتاء: طراءة السن، قال الشاعر:
إذا عاش الفتى سبعين عامًا
فقد ذهب البشاسة والفتاء
وفي الأصل: «الغناء»، وهو تحريف.
(٢٠) الأين: التعب.
(٢١) ص٧٦، ٧٧.
(٢٢) الجلنار: زهر الرمان، وهو فارسي معرب.
(٢٣) ص٦٥، ٦٦.
(٢٤) ص٨٥.
(٢٥) وجاء في ١٣٢ «نشاط الشراب يطوي على ما فيه من الخطأ»، (نشاط) تحريف، وصوابه: (بساط). و«متابعة الأبطال، تترك الشيوخ كالأطفال»، و(الأبطال) محرفة، والصواب (الأرطال). و«يأخذ من ثقلهم، ويضحك من عقلهم»، و(ثقلهم) محرفة، والصواب (نقلهم).
(٢٦) ص٧٨، ٧٩.
(٢٧) ص٧٥.
(٢٨) ص٧٦.
(٢٩) ص١١٩.
(٣٠) ص١٢٤.
(٣١) ص١٢٦.
(٣٢) تجد هذه القصيدة مشروحة في يتيمة الدهر (٣ / ١٧٦–١٩٢).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠