الفصل السادس

حكايات ابن الأنباري

ابن الأنباري هو أبو بكر محمد بن القاسم المتوفى سنة ٣٢٨ ببغداد، كان من أعلم الناس باللغة والشعر وعلوم القرآن، والذين ترجموا له ذكروا أنه كان صدوقا ثقة،١ ومن شعره:
إذا زِيدَ شرًّا زاد صبرًا كأنما
هو المسك ما بين الصلابة والفِهرِ
لأن فتيت المسك يزداد طيبهُ
على السحق والحر اصطبارًا على الضر

وأنا لا أتهمه بالاختراع، ولكنه روى أحاديث قصيرة تلوح عليها علامات الصنع، من ذلك ما رواه أنه مات رجل كان يعول اثني عشر ألف إنسان، فلما حمل على النعش صرَّ على أعناق الرجال، فقال رجل في الجنازة:

وليس صرير النعش ما تسمعونه
ولكنه أعناق قوم تَقصَّفُ
وليس فتيق المسك ما تجدونه
ولكنه ذاك الثناء المخلَّفُ

وعبارة: «مات رجل كان يعول اثني عشر ألف إنسان» صريحة في خلق هذه الحادثة للإشادة بنبل الأخلاق العربية.

وقد روى عن أبيه قصة طريفة فقال: كان بمكة رجل سفيه يجمع بين الرجال والنساء، فشكا ذلك أهل مكة إلى الوالي، فغرَّبه إلى عرفات فاتخذها منزلًا، ودخل مكة مستترًا، فلقي خرفاءه من الرجال والنساء فقال: ما يمنعكم؟ قالوا: وأين بك وأنت بعرفات؟ فقال: حمار بدرهمين وقد صرتم إلى الأمن والنزهة! قالوا: نشهد إنك صادق، وكانوا يأتونه، وكثر ذلك حتى أفسد على أهل مكة أحداثهم وسفهاءهم وحواشيهم، فعادوا بالشكاية إلى أمير مكة فأرسل إليه فأتى به، فقال: أيْ عدوَّ الله! طردتك من حرم الله فصرت إلى المشعر الأعظم تفسد فيه وتجمع الفساق، فقال: أصلح الله الأمير، يكذبون عليَّ ويحسدونني! قالوا: بينا وبينه واحدة، قال: ما هي؟ قالوا: تجمع حمير المكارين وترسلها بعرفات، فإن لم تقصد إلى بيته لما تعرف من إتيان الخراب والسفهاء إياه فالقول ما قال. فقال الوالي: إن في هذا لدليلًا. وأمر بحمير فجمعت ثم أرسلت فقصدت نحو منزله فأتاه بذلك أمناؤه، فقال: ما بعد هذا شيء، جردوه، فلما نظر إلى السياط قال: لا بد من ضربي أصلح الله الأمير؟ قال: لا بد منه! قال: اضرب، فوالله ما في هذا شيء أشد علينا من أن تسخر منا أهل العراق فيقولون: أهل مكة يجيزون شهادة الحمير! فضحك الأمير، وقال: والله لا أضربك اليوم، وأمر بتخلية سبيله.٢

ولنقيد أن ما يرويه ابن الانباري لا صنعة فيه، فهو يجري في لغة مقبولة لا يلتزم فيها السجع ولا الازدواج، ويمكن الاطمئنان إلى أنه كان يتحدث عن أخبار كانت معروفة في عصره بشيء يسير من الترتيب لم يصل قط إلى مثل هذا ما صنعه ابن دريد.

وفي مجموعة «التحفة البهية والطرفة الشهية» المطبوعة في الآستانة سنة ١٣٠٢ﻫ ما نصه: ومن غرائب هذا الأسلوب وعجائبه ما أورده محمد بن القاسم الأنباري — رحمه الله — قال:

إن سوارًا صاحب رحبة سوار وهو من المشهورين قال: انصرفت يومًا من دار الخليفة المهدي، فلما دخلت منزلي دعوت بالطعام فلم تقبله نفسي، فأمرت به فرُفع، ثم دعوت جارية أحدثها وأشتغل بها فلم تطب نفسي، فدخل وقت القائلة فلم يأخذني النوم، فنهضت وأمرت ببغلة لي فأسرجت وأحضرت فركبتها، فلما خرجت استقبلني وكيل لي ومعه مال، فقلت: ما هذا؟ فقال: ألفا درهم جئت بها من مستغلك الجديد. قلت: أمسكها معك واتبعني.

فأطلقت رأس البغلة حتى عبرت الجسر، ثم مضيت في شارع الرقيق حتى انتهيت إلى الصحراء، ثم رجعت إلى باب الأنبار وانتهيت إلى باب دار نظيف عليه شجرة وعلى الباب خادم فعطشت فقلت للخادم: أعندك ماء تسقينيه؟ قال: نعم، ثم دخل وأحضر قلة نظيفة طيبة الرائحة عليها منديل فناولني فشربت، وحضر وقت العصر فدخلت مسجدًا على الباب فصليت فيه، فلما قضيت صلاتي إذا أنا بأعمى يتلمس، فقلت: ما تريد يا هذا؟ قال: إياك أريد. قلت: فما حاجتك؟ فجاء حتى جلس إلى جانبي وقال: شممت منك رائحة طيبة، فظننت أنك من أهل النعيم، فأردت أن أحدثك بشيء. فقلت: قل. قال: ألا ترى إلى باب هذا القصر؟ قلت: نعم. قال: هذا قصر كان لأبي فباعه وخرج إلى خراسان، وخرجت معه فزالت عنا النعم التي كنا فيها وعميت، فقدمت هذه المدينة، فأتيت صاحب هذه الدار لأسأله شيئًا يصلني به فأتوصل إلى سوار؛ فإنه كان صديقًا لأبي. فقُلْتُ: ومن أبوك؟ قال: فلان بن فلان. فعرفته، وإذا هو كان أصدق الناس إليَّ، فقلت له: يا هذا، إن الله — تبارك وتعالى — قد أتاك بسوَّار ومنعه من الطعام والنوم والقرار حتى جاء به فأقعده بين يديك. ثم دعوت الوكيل فأخذت الدراهم منه فدفعتها إليه، وقلت: إذا كان غد فسر إلى منزلي.

ثم مضيت وقلت: ما أحدَّث أمير المؤمنين بشيء أظرف من هذا. فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي، فلما دخلت إليه حدثته بما جرى لي فأعجبه ذلك، وأمر لي بألف دينار فأُحضرتْ فقال: ادفعها إلى الأعمى. فنهضت، فقال: اجلس. فجلست، فقال: أعليك دين؟ قلت: نعم. قال: كم دينك؟ قلت: خمسون ألفًا. فحدثني ساعة، وقال: امضِ إلى منزلك. فمضيت إلى منزلي، فإذا بخادم معه خمسون ألفًا وقال: يقول لك أمير المؤمنين: اقضِ بها دينك. قال: فقبضت ذلك منه، فلما كان من الغد أبطأ عليَّ الأعمى وأتاني رسول المهدي يدعوني فجئته، فقال: قد فكرت البارحة في أمرك. قلت: يُقضَى دينه ثم يحتاج إلى القرض أيضًا، وقد أمرت لك بخمسين ألفًا أخرى. قال: فقبضتها وانصرفت، فجاءني الأعمى فدفعت إليه الألف دينار، وقلت له: قد زرق الله تعالى بكرمه وكافأ على إحسان أبيك وكافأني على إسداء المعروف إليك. ثم أعطيته شيئًا آخر فأخذه وانصرف.

وهذه القصة أطول من سابقتيها، وهي خالية من الشعر الذي حُلِّيت به الأولى، والفكاهة التي بنيت عليها الثانية، وتتضمن الدعوة إلى البر والمعروف بما اشتملت عليه من حسن الجزاء.

وهذا النمط من القَصص الأخلاقي كان كثير الذيوع في القرن الثاني والثالث والرابع، ومن أشهر مَن كتب فيه أبو جعفر أحمد بن يوسف أحد كتاب الدولة الطولونية، وسنعود إليه في بحث خاص.

وتلك القصص المتفرقة في كتب الأدب منسوبةً إلى ابن الأنباري تدل على أنه كان مغرمًا بتصوير الشخصيات عن طريق القصص الأخلاقي والوصفي والفكاهي، وهو منحى طريف كنا نود لو ظفرنا بما يميزه من الشواهد الوافية، ولكن في ذلك القليل المبعثر هنا وهناك ما يكفي للاطمئان إلى أن ابن الأنباري كانت له يد فيما نسب إلى الخلفاء والوزراء والقضاة والأعراب من طرائف القصص وروائع الأحاديث.٣

هوامش

(١) وفيات الأعيان (٢ / ٣١٩)، بغية الوعاة ص٩١.
(٢) (٢ / ٣١١) أمالي.
(٣) ص١٩٦، ١٩٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠