الفصل الثامن

الإنسان والحيوان أمام محكمة الجن

تلك رسالة كتبها جنديٌّ مجهول من رجال الفكر والبيان الذين كتبوا رسائل إخوان الصفاء، وكاتبنا هذا رجل متفوق في علم الحيوان، ورسالته عن محاكمة الإنسان أمام محكمة الجن لبطشه بالحيوان تجري مجرى القصص الطريف، ولكن هذا القصص يدور حول محور واحد وهو شرح طبائع الطير والحيوان، ولذلك نرى الكاتب يبدئ ويعيد في الكلام عن خواص الكائنات الحية التي استبدَّ بها الإنسان، وينطلق فيسرد طبائعها جنسًا جنسًا، ثم يمضي فيُنطقها بما أُودعت غرائزها من ضروب الأسرار، ولا يزال يمعن في الدرس والبحث حتى يمكِّن القارئ من معارف جمة طريفة تشوق العقل والخيال.

وكاتب هذه الرسالة متأثر بكتاب كليلة ودمنة، وآية ذلك أنه اختار كليلة رئيسًا لوفد السباع،١ ووصفه بأنه «كليلة أخو دمنة» وهنا أخطأ الكاتب خطأ فنيًّا؛ فإن الخرافة تحدثنا أن كليلة مات حزنًا على دمنة بعد أن أودع دمنة السجن زمنًا رهن المحاكمة جزاء بما كسبت يداه من الدس لشتربة الذي راح فريسة لدسائسه ومكايده. وكان ذلك قبل الإسلام بآماد طوال، على حين وقعت محاكمة الإنسان أمام الجن بعد أن ظهر الإسلام وخضع الجن لتعاليم القرآن.
وقصة الخصومة بين الإنسان والحيوان تتلخص في أن بني آدم كانوا في بداية الحياة قلقين خائفين مستوحشين من كثرة السباع والوحوش في الأرض، وكانوا يأوون في رءوس الجبال والتلال، وفي المغارات والكهوف، وكانوا يأكلون من ثمر الأشجار وبقول الأرض وحَب النبات، ويستترون بأوراق الشجر من الحر والبرد، ثم تحضروا فبنوا المدن والقرى والحصون، ثم سخَّروا من الأنعام البقر والغنم والجمال، ومن البهائم الخيل والبغال والحمير، وقيدوها وألجموها وصرفوها في مآربهم من الركوب والحمل والدراس، وأتبعوها في استخدامها، وكلفوها أكثر من طاقتها، ومنعوها من التصرف في مآربها بعد ما كانت مُخلَّاة في البراري والآجام والغياض تذهب وتجيء حيث أرادت في طلب مراعيها ومشاربها ومصالحها، ونفرت منهم بقيتها من حمر الوحوش والغزلان والسباع والطيور بعدما كانت مطمئنة في أوطانها وأماكنها، وهربت من ديار بني آدم إلى البراري البعيدة، والآجام والدِّحال٢ ورءوس الجبال، وشمر بنو آدم في طلبها بأنواع من الحيل والقنص والشباك والفخاخ، واعتقد بنو آدم أنها عبيد لهم هربت وخلعت الطاعة وعصت، ومضى الأمر على ذلك إلى أن ظهر الإسلام وخضع له فريق من بني الجان.
واتفق أن ولي أمر المسلمين من الجن ملك يقال له: «بيراست الحكيم»، ولقبه «شاه مردان»، وكانت دار مملكته مردان في جزيرة يقال لها: «صاغون»٣ في وسط البحر الأخضر مما يلي خط الاستواء، وهي جزيرة طيبة الهواء والتربة، فيها أنهار عذبة، وعيون جارية، وهي كثيرة الريف والمرافق وفنون الأشجار وألوان الثمار والرياض والأنهار والرياحين والأنوار، وحدث أن طرحت العاصفة في وقت من الزمان مركبًا من سفن البحر إلى ساحل تلك الجزيرة، وكان في المركب قوم من التجار والصناع وأهل العلم وأغنياء الناس، فخرجوا إلى تلك الجزيرة وفتنوا بما فيها من الفواكه والبقول والرياحين، وصادفوا ما فيها من البهائم والأنعام والطيور والسباع والوحوش والهوام والحشرات في ألفة لا يشوبها تنافر ولا شقاق، واستطاب القوم المقام في تلك الجزيرة وبنوا هنالك وسكنوا، ثم أخذوا يعترضون لما فيها من البهائم والأنعام ليسخروها فيركبوا ويحملوا عليها أثقالهم على المنوال الذي كانوا يفعلون في بلدانهم، فنفرت منهم وهربت، وشمروا في طلبها لاعتقادهم أنها عبيدٌ خرجت عن طاعتهم.
فلما رأت تلك البهائم رغبتهم في استعبادها جمعت زعماءها وخطباءها وذهبت إلى بيراست الحكيم ملك الجن وشكت إليه من جور بني آدم، فبعث ملك الجن رسولًا إلى أولئك القوم ودعاهم إلى حضرته، فذهبت طائفة من أهل ذلك المركب إلى هناك، وكانوا نحوًا من سبعين رجلًا من بلدان شتي، وبذلك تبدأ قصة التحكيم.٤

وأول ما ينبغي ملاحظته في هذه المحاكمة هو روح الفكاهة الذي يظهر من فصل إلى فصل، ومن أمثلة ذلك أن زعيم الإنس استدل على حقهم في تسخير الحيوان بهذه الآيات: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً، لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ.

فلما طلب ملك الجن من زعماء الحيوان أن يجيبوا على هذه الآيات قام البغل فقال: «ليس في شيء مما قرأ هذا الإنسي من آيات القرآن، أيها الملك، دلالة على ما زعم أنهم أرباب ونحن عبيد لهم، وإنما هي آيات تذكار بإنعام الله عليهم وإحسانه فقال: سَخَّرَهَا لَكُمْ كما قال: سخر الشمس والقمر والسحاب والرياح. أفترى أيها الملك أنها عبيد لهم وأنهم أربابها؟»٥

ومن ظريف الفكاهة أن الثعبان وقف يتحدث عن مصير الحشرات والهوامِّ في المحاكمة، فبدا له أن أكثرها صم بكم عميٌ، بلا يدين ولا رجلين ولا جناحين، ولا منقار ولا مخلب، ولا ريش على أبدانها، ولا شعر ولا وبر ولا صوف، وأن أكثرها عراة حفاة، ضعفاء فقراء مساكين، بلا حيلة ولا حول ولا قوة.

وهنا يحدثنا المؤلف أن الثعبان أدركته الرحمة والشفقة والرأفة ورق قلبه فدمعت عيناه من الحزن!

وفي الرسالة فقرات تدل على أن المؤلف مأخوذ بفلسفة اليونان، وانظر هذه الكلمة فهي تذكِّر بنظرية المثال التي شرحها أفلاطون:
ثم اعلم أيها الملك العادل أن هذه الصور والأشكال والهياكل والصفات التي تراها في عالم الأجسام وجواهر الأجرام هي مثالات وأشباه وأصباغ لتلك الصور التي في عالم الأرواح، غير أن تلك نورانية شفافة، وهذه ظلمانية كاسفة، ومناسبة هذه إلى تلك كنسبة التصاوير والنقوش التي على وجوه الألواح وسطوح الحيطان إلى هذه الصور والأشكال التي عليها هذه الحيونات من اللحم والدم والعظام والجلود، لأن تلك الصور التي في عالم الأرواح محركات وهذه متحركات، والتي دون هذه ساكنات صامتات ومحسوسات فانيات باليات، وتلك ناطقات معقولات وروحانيات غير مرئيات باقيات.٦
وفي الرسالة أوصاف حسية وعقلية لمختلف الشعوب، ويستطيع الباحث أن يستخرج منها ضروب الملابس والعادات إن بدا له أن يضع قصة تمثيلية تقع حوادثها في القرن الرابع، فالهندي لذلك العهد كان «طويل اللحية، موفور الشعر، متوشِّحًا بإزار أحمر على وسطه»،٧ والعبراني من أهل الشام كان «يرتدي برداء أصفر وبيده مدرجة ينظر فيها ويزمزم»،٨ والسرياني من آل المسيح كان «يلبس ثيابًا من الصوف وعلى وسطه منطقة من السيور»،٩ والقرشي كان «يلبس ثوبين: رداء وإزار، شبه المحرِم»،١٠ واليوناني «كانت على رأسه مشدة»،١١ ولم يعين المؤلف ثياب الفارسي وإن كان وصفه بحسن الهندام،١٢ وكذلك وصف مندوب العراق.١٣
أنطق المؤلف زعماء الوفود بمحامد أممهم، ثم أنطق صاحب العزيمة من وزراء الجن بمساوئ تلك الأمم، فمندوب الهند يفاخر بأن الله بعث في بلاده الأنبياء وجعل أكثر أهلها الحكماء، وخصهم بالسحر والعزائم والكهانة، فيقول الجني وهو يحاوره: «لو أتممت الخطبة وقلت: ثم بلينا بحرق الأجساد وعبادة الأصنام والقرود وكثرة أولاد الزنا واسوداد الوجوه!»١٤
والعبراني يفاخر بأن الله اصطفى إسرائيل ومن ذريته موسى بن عمران الذي فلق البحر وأغرق فرعون، وأن الله أنزل على بني إسرائيل المن والسلوى وجعلهم ملوكًا، وأعطاهم ما لم يعطِ أحدًا من العالمين، فيقاطعه الجني: «نسيت ولم تقل: وجعل منا القردة والخنازير وعبدة الطاغوت!»١٥
ويفاخر السرياني بأن الله اتخذ من العذراء البتول جسد الناسوت، وقرن به جوهر اللاهوت، وأيده بروح القدس، وأظهر على يده العجائب، وأحيا به آل إسرائيل من الموت الخطيئة.١٦

فيضيف الجني: «قل أيضًا: فما رعيناها حق رعايتها، وكفرنا وقلنا: ثالث ثلاثة، وعبدنا الصلبان، وأكلنا لحم الخنزير في القربان، وقلنا على الله الزور والبهتان.»

ويتكلم القرشي فيذكر أن الله خص أمته بخير الأديان، وأكرمها بتلاوة القرآن وصوم شهر رمضان، فيقول له الجني: «قل أيضًا: إنا رجعنا بعد وفاة نبينا مرتدين، وقتلنا الأئمة الخيرين، طلبًا للدنيا بالدين.»

وفي هذه الفقرة يعبر المؤلف عن نزعة دينية كان يناصرها إخوان الصفاء.

ويخطب مندوب العراق فيذكر أن الله خص قومه بأوسط البلاد مسكنًا وأطيبها هواءً، وأكثرها أنهارًا وأشجارًا وثمارًا، وأن الله فضلهم على كثير من خلقه؛ فمنهم نوح وإدريس وإبراهيم، ومنهم كان الملوك الذين سيطروا على العالم القديم. فيقول الجني: «ومن عندكم خرج الطوفان، ومنكم كان نمروذ الجبار، وبختنصر محرف التوراة وقاتل أولاد سليمان وآل إسرائيل.»١٧

ويتقدم مندوب اليونان فيفاخر بأن الله خص بلادهم بكثرة البقول، وخص قومه برجحان العقول ودقة التمييز، وجودة الفهم، وكثرة العلوم والصنائع والطب والهندسة والنجوم وعلم تركيب الأفلاك، ومعرفة منافع الحيوان والنبات والمعادن والحركات وآلات الرصد والطلسمات، وعلم الرياضيات والمنطقيات والطبيعيات والإلهيات.

وهنا ينهض الجني فيقول: «من أين لكم هذه العلوم والحكمة التي ذكرتها وافتخرت بها؟ لولا أنكم أخذتم بعضها من آل إسرائيل أيام بطليموس، وبعضها من أيام مسيطوس، فنقلتموها إلى بلادكم، ونسبتموها إلى أنفسكم.»١٨
وفي هذه النقطة يحاول المؤلف أن يثبت أن العلوم القديمة أخذها بعض الأمم عن بعض، وهو بهذا يدفع طغيان الثقافة اليونانية التي كان أشياعها يتمردون إذ ذاك في الأقطار الإسلامية، وإنه ليذكر أن ملك الجن نظر إلى اليوناني وسأله: ماذا تقول؟ وأن اليوناني أجاب: «صدق الحكيم فيما قال، فإذا أخذنا عنهم فإن علومنا وعلوم سائر الأمم بعضها من بعض، ولو لم يكن كذلك فمن أين للفرس علم النجوم وتركيب الأفلاك وآلات الرصد، لولا أنهم أخذوها من أهل الهند؟ ومن أين كان لبني إسرائيل علم الحيل والسحر والعزائم ونصب الطلسمات واستخراج المقادير، لولا أن سليمان — عليه السلام — أخذها من خزائن علوم سائر الأمم حينما غلب عليهم ونقلها إلى لغة العبرانيين وإلى بلاد الشام، وكانت مملكته في بلاد فلسطين؟»١٩
وقد أجاد المؤلف إنطاق زعماء الشعوب فوضع على لسان كل خطيب تعابير تعيِّن ما لقومه من الأذواق في العلوم والفنون، ومن أظرف ما جاء من ذلك قوله على لسان مندوب اليونان:

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كان قبل الهيولى ذات الصورة والأبعاد، الحمد لله الذي أفاض من جوده العقل الفعال، الحمد لله الذي أنتج من نوره العقل في جوهر النفس الكلية، الحمد لله الذي أظهر من قوة النفس عنصر الأكوان ذوات الهيولى والكيان، الحمد لله مركب الأفلاك والكواكب السيارات، والموكل بدورانها النفوس والأرواح والملائكة ذات الصور والأشباح.

وفي المحاورة فقرة تدل على أن العربية لم تسد سيادة تامة في أرض فارس حتى القرن الرابع، فقد جاء على لسان مندوب الفرس ما نصه: «ومنا من يقرأ القرآن ويلحنه ولا يعرف معناه، ويؤمن بمحمد ويصدقه وينصره.»٢٠
وعرض المؤلف لأمة يأجوج ومأجوج التي تحدث عنها القرآن، فذكر أنهما «أمتان صورتهما آدمية، ونفوسهما سبعية، لا تعرفان التدبير ولا السياسة ولا البيع ولا الشراء ولا الحرفة ولا الحرث ولا الزرع، بل الصيد من السباع والوحوش والسمك، والنهب والغارات بعضها على بعض».٢١

وهو شيء من التفصيل لما أجمله القرآن في سورة الكهف، وإن لم يحدد موقع هذه الأمة من التاريخ.

ومن فلسفة كاتب الرسالة أن الطبيعة يأكل بعضها بعضًا، ومن فساد شيء يكون صلاح شيء آخر، فحيوانات البحر تفزع من التنين وتهابه، وهو لا يفزع إلا من دابة صغيرة تلسعه، فإذا لسعته دب سمها في جسمه فمات واجتمعت عليه الحيوانات البحرية تأكله فيكون لها عيشًا رغدًا أيامًا، كما تأكل كبار السباع صغارها مدة من الزمان، وكذلك حكم الجوارح من الطير؛ فالعصافير والقنابير والخطاطيف تأكل الجراد والنمل والذباب، والبواشق والشواهين تصطاد العصافير والقنابير، وهكذا سيرة بني آدم؛ فإنهم يأكلون لحوم الجدي والحملان والغنم والبقر والطير، ثم إذا ماتوا أكلتهم في قبورهم الديدان والنمل والذباب!٢٢
وتحدث الكاتب عن النقل بالعربات، وحديثه هنا طريف؛ لأن العربة موجودة من قديم الأزمان، ولكنا نجد أثرها قليلًا في المدنية الإسلامية، بحيث يظن أن المسلمين الأولين لم ينتفعوا كثيرًا بهذه الأداة في حمل الأثقال، وقد وردت في كلام الكاتب كأنها أعجوبة، وفي ذلك دلالة على أنها كانت قليلة الاستعمال، فقد قرنها بالحيلة في الغوص إلى قاع البحار لاستخراج الدر والمرجان والصعود إلى رءوس الجبال لإنزال النسور والعقبان، فقال: «وهكذا بالحيلة يعملون العجلة من الخشب ويشدونها في صدور الثيران وأكتافها، ثم يحملون عليها الأحمال الثقال وينقلونها من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق، ويقطعون البراري والقفار والمفاوز.»٢٣

ويحدثنا الكاتب أن زعماء الحيوان اجتمعوا لينتخبوا رسولًا منهم يجادل زعماء الإنسان، ثم اختاروا أحد الحكماء من بنات آوى، فتلطف ابن أوى في الاعتذار وقال: «وكيف أصنع مع كثرة أعدائي هناك من أبناء جنسنا؟» فقال الأسد: «من هم؟» فقال: «الكلاب!» فسأل الأسد: كيف يصير الكلاب أعداء للسباع وأصدقاء لبني آدم؟ فقال ابن آوى: أليس قد استأمنت إلى بني آدم وصارت معينة لهم علينا معشر السباع؟ فيسأل الأسد عن علة ذلك فلا يعرفها أحد غير الذئب.

وهنا ينطلق المؤلف فيُنطق الذئب بالأسباب التي جمعت بين الإنسان والكلب فيقول:

إنما دعا الكلاب إلى مجاورة بني آدم ومداخلتهم مشاكلة الطباع ومجانسة الأخلاق، وما وجدت عندهم من المرغوبات واللذات، ومن المأكولات والمشروبات، وما في طباعها من الحرص والشره واللؤم والبخل، وما في جِبلتها من الأخلاق المذمومة الموجودة في بني آدم، مما السباع عنه بمعزل؛ وذلك أن الكلاب تأكل اللحمان ميتًا وجيفًا ومذبوحًا، قديدًا ومطبوخًا ومشويًّا، ومالحًا وطريًّا، وجيدًا ورديئًا، وثمارًا وبقولًا وخبزًا، ولبنًا وحليبًا، وحامضًا وجبنًا وسمنًا ودسمًا، ودبسًا وشيرجًا، وناطفًا وعسلًا، وسويقًا وكامخًا، وما شاكلها من أصناف مأكولات بني آدم التي أكثر السباع لا يأكلها ولا يعرفها.

ويضيف الخطيب إلى هذا التعليل الطريف للتشابه بين الكلاب والناس في التوافق والتوراد على مختلف الألوان من الطعام والشراب؛ أن الكلاب لا تترك أحدًا من السباع يدخل قرية أو مدينة؛ مخافة أن ينازعها في شيء مما هي فيه، حتى أنه ربما يدخل أحد من بنات آوى أو بنات أبي الحصين قرية بالليل ليسرق منها دجاجة أو ديكًا أو سنورًا، أو يجر جيفة مطروحة، أو كسرة مرمية، أو ثمرة متغيرة، فتحمل عليه الكلاب وتطرده وتخرجه من القرية.

ولا يكتفي الخطيب بذلك، بل يلح في فرض المشابهة بين الإنسان والكلب، فيذكر أن الكلب إذا رأى في يد أحد من بني آدم من الرجال والنساء والصبيان رغيفًا أوكسرة أو ثمرة أو لقمة؛ طمع فيها وتبعه، وأخذ يبصبص بذنبه، ويحرك رأسه، ويحد النظر إلى حدقته حتى يستحي أحدهم فيرمي بها إليه! وعندئذ يعدو إليها بسرعة، ويأخذها في عجلة، مخافة أن يسبقه إليها غيره، ويقول الخطيب — ولا تنسَ أنه الذئب: «وكل هذه الأخلاق المذمومة موجودة في الإنس والكلاب؛ فمجانسة الأخلاق ومشاكلة الطباع دعت الكلاب إلى أن فارقت أبناء جنسها من السباع، واستأنست إلى الإنس، وصارت معينتهم على أبناء جنسها من السباع.»٢٤

وعرض المؤلف لمسألة دقيقة ثار من حولها الجدل أزمانًا طوالًا، وهي خلق الجن، وأصل العدواة بينها وبين الإنس، فقد تخوف أحد زعماء الجن من عاقبة التدخل بين الإنسان والحيوان، فإن الإنس أمم قوية، ومن المحتمل أن يثوروا على الجن فتقوم بينهم حروب يخسر فيها الغالب والمغلوب.

وقد تأنق الكاتب في عرض أدوار الخصومة بين الإنس والجن والظروف التي كان يقع فيها صلح أو قتال. والذي تجب الإشارة إليه هنا أن إخوان الصفاء يعتقدون بما يسمى «القران»، وهو عندهم تحول حظوظ الأنواع من حال إلى حال؛ فقد خشي أحد خطباء الجن من أن تعجز البهائم عن مقاومة الإنس في الخطاب لقصورها عن الفصاحة والبيان، وأن يجد الإنس من ذرابة ألسنتهم وجودة عباراتهم ما يقضي بأن تظل البهائم أسيرة في أيديهم يسومونها سوء العذاب.

وكان جواب وزير الجن أن ذلك إن وقع فستكون النتيجة أن «تصير البهائم في الأسر والعبودية إلى أن ينقضي دور القِران، ويستأنف نشوء آخر، ويأتي الله بها بالفرج والخلاص، كما نجَّى آل إسرائيل من عذاب فرعون، وكما نجَّى آل داود من عذاب بختنصر، وكما نجَّى آل حمير من عذاب آل تُبَّع، وكما نجى آل ساسان من عذاب اليونان، وكما نجى آل عمران من عذاب أردشير».٢٥

و«القِران» هذا أمل جميل، ولو تأخر الزمن بالمؤلف لرجونا أن يقول: «وكما نجَّى أهل مصر من عدوان الإنجليز!»

ولم يقف المؤلف عند حدود درس الحيوان، ولكنه استطرد فشرح كثيرًا من الظواهر الاجتماعية، وتحدَّث عن الملوك والوزراء والعلماء والفقهاء، وأفاض في ذكر الأسباب التي قوَّضت العروش وحوَّلت الأعزة إلى أذلة صاغرين، ولم يشهد الكاتب لأحد من الملوك بالعدل إلا لملكين اثنين: ملك الجن وملك النحل.٢٦
ويطول القول لو مضينا ندرس ما عرض له الكاتب من المعضلات العلمية والفلسفية والاجتماعية، فليرجع القارئ إلى أصل الرسالة إن شاء.٢٧

وقد يسأل القارئ عن نتيجة المحاكمة التي فَصَّلَ أخبارها الكاتب في خمسين ومائة صفحة، وهو سؤال لا بد أن يخطر بالبال.

ونجيب: بأن المحاكمة لم تنته إلى شيء؛ لأن زعماء الحيوان فكروا في الوصول إلى الحرية عن طريق المفاوضات، ولو استمعوا لنصيحة الأسد حين صمم على أن يصدع القوة بالقوة، ويفلَّ الحديد بالحديد، لما احتاجوا إلى محكمة الجن في جزيرة صاغون!

وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.

هوامش

(١) (٢ / ٢٠٦).
(٢) الدحال: جمع دحل بالفتح ويضم، وهو نقب ضيق فمه، متسع أسفله حتى يمشي فيه.
(٣) هكذا أثبتها الكاتب، والفرنسيون ينطقونها سجون Saïgon، وسألت أحد الصينيين فأخبرني أنهم ينطقونها «سيكون».
(٤) راجع: (٢ / ١٧٣–١٧٦).
(٥) ص١٧٧.
(٦) ص٢٣٢.
(٧) ص٣٣٦.
(٨) ص٣٣٧.
(٩) ص٣٣٨.
(١٠) ص٣٣٩.
(١١) ص٣٤٠.
(١٢) ص٣٤٢.
(١٣) ص٣٣٤.
(١٤) ص٣٣٧.
(١٥) ص٣٣٨.
(١٦) ص٣٣٩.
(١٧) ص٣٣٦.
(١٨) ص٢٤٢.
(١٩) ص٢٤٢.
(٢٠) ص٢٤٤.
(٢١) راجع: ص٢٤٨.
(٢٢) راجع: ص٢٤٨.
(٢٣) ص٢٢١.
(٢٤) (٢ / ٢٠٧).
(٢٥) (٢ / ١٩٨).
(٢٦) وصف المؤلف ملك الجن بالحكمة والعدل، أما ملك النحل فوصفه بالإشفاق على رعيته والرحمة لهم والتحنن عليهم (ص٢٥٢)، ويحسن بالقارئ أن يرجع إلى ص٢٥٠، ٢٥١ ليرى كيف علل المؤلف كثرة الملوك عند الإنس، فقد نفذ إلى صميم الحياة عند مختلف الشعوب، وفهم كيف تختلف العقول والطباع والأهواء باختلاف الأقاليم.
(٢٧) لم يكن همنا أن نحلل الرسالة التي عرضنا لها في هذا الفصل تحليلًا وافيًا، وإنما قصدنا إلى إعطاء القارئ فكرة عن أسلوب الكاتب في عرض المسائل العلمية عن طريق القصص، وهو أسلوب له قيمة فنية، وله أثر في تشويق الجمهور إلى تعقب الدقائق في مثل علم الحيوان. ولْنشِرْ هنا إلى أن أسلوب هذه الرسالة خالٍ من التكلف وهو في جملته يمتاز بالوضوح والصفاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠