الفصل السابع

أبو القاسم الآمدي

لم يصل إلينا من أخبار الحسن بن بشر الآمدي شيء كثير، وكل ما نعرفه أنه ولد بالبصرة — ولا ندري متى — وأنه انتقل إلى بغداد فتلقى النحو واللغة عن الأخفش والزجاج وابن دريد وابن السراج، وأنه عاد إلى البصرة فكتب لأبي الحسن أحمد وأبي أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى، وكتب بعدهما للقاضي أبي جعفر بن عبد الواحد، ثم لأخيه أبي الحسن محمد بن عبد الواحد، ثم لزم بيته بالبصرة إلى أن مات نحو سنة ٣٧١ﻫ.١
وليس فيما قرأناه من أخباره ما يعين مذهبه في الحياة، ونستطيع فقط أن نتخذ من مؤلفاته دليلًا على أن حياته العقلية قصرت — أو كادت — على اللغة والنقد، يؤيد ذلك مجموعة كتبه التي أشار إليها ياقوت؛ ومنها: كتاب المختلف والمؤتلف في أسماء الشعراء، وكتاب نثر المنظوم، وكتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري، وكتاب في أن الشاعرين لا تتفق خواطرهما، وكتاب ما في عيار الشعر لابن طباطبا من الخطأ، وكتاب فرق بين الخاص والمشترك من معاني الشعر، وكتاب تفضيل شعر امرئ القيس على الجاهليين، وكتاب تبيين غلط قدامة بن جعفر في كتاب نقد الشعر، وكتاب معاني شعر البحتري، وكتاب الرد على ابن عمار فيما خطَّأ فيه أبا تمام، وكتاب فعلت وأفعلت.٢

وهذه المجموعة تعين اتجاهات ذهنه في حياته الأدبية؛ فهو من النقاد المولعين بدرس الشعر ونقد ما كتب عنه، وهو بنوع خاص مغرم بدرس البحتري وأبي تمام، وتعقب ما كتبه رجال القرن الثالث عن الشعر والشعراء، ولو بقيت مؤلفاته لاستطعنا أن نصل إلى شيء كثير من المعارف الأدبية التي كان يملكها رجال القرن الثالث والرابع، ولأمكننا أن نعرف إلى أي حد كان أولئك القوم يعرفون من الدقاق الفنية التي تسبق إلى أذهان الشعراء فتتفق أو تختلف وفقًا لاختلاف الأحوال أو توافق المشاعر والأذواق.

وهناك شواهد تدل على أنه في حياته الاجتماعية كان حريصًا على تتبع أحوال معاصريه، وربط ما يسمع من أخبارهم بما نقل إليه من أخبار السالفين، وتقييد ما عرف عن أهل عصره من النوادر والفكاهات.

وكان فوق ذلك كثير الشعر، حسن الطبع، جيد الصنعة، مشتهرًا بالتشبيهات — كما قال ياقوت — ولكن شعره ضاع وما بقي منه يدل على أنه كان جيد المعاني في أسلوب ينقصه الرواء، من ذلك قوله:

يا واحدًا بان في الزمان
ممن يجاريه أو يداني
دعني من نائل جزيل
يعجز عن شكره لساني
فلست والله مستميحًا
ولا أخا طامعًا تراني
وهب إذا كنت لي وهوبًا
من بعض أخلاقك الحسان

وقوله في عالم تمتام:

لا تنظرن إلى تتعتعه إذا
رام الكلام ولفظه المعتاص
وانظر إلى الحكم التي يأتي بها
تشفيك عند تطلق وخلاص
فالدر ليس يناله غواصه
حتى تقطع أنفس الغواص

ومن الشعر الفكاهي قوله في أحد القضاة:

رأيت قلنسوة تستغيث
من فوق رأسي تنادي خذوني
وقد قلقت فهي طورًا تميـ
ـل من عن يسار ومن عن يمين
فطورًا تراها فويق القفا
وطورًا تراها فويق الجبين
فقلت لها أي شيء دهاك
فردت بقول كئيب حزين
دهاني أن لست في قالبي
وأخشى من الناس أن يبصروني
وأن يعبثوا بمزاح معي
وإن فعلوا ذلك بي قطعوني
فقلت لها مر من تعرفين
من المنكرين لهذي الشئون
ومن كان يشهق إما رآك
ويخرج من جوفه كالرنين
ومن كان يصفع في الله لا
يمل ويشتد في غير لين
ويسلح ملأك كيل التمام
إما على صحة أو جنون
ففارقها ذلك الانزعاج
وعادت إلى حالها في السكون

وأهم ما بقي من آثار الآمدي هو كتابه «الموازنة بين أبي تمام والبحتري» وهو كتاب يضعه في الصف الأول ويقدمه على كثير من الناقدين.

وأسلوبه في ذلك الكتاب من أدق الأساليب وأصفاها وأبعدها من اللغو والفضول، وآراؤه في نقد الشعر آراء جيدة سديدة نعجب لها اليوم أشد العجب وبيننا وبينه عشرة قرون.

وأمتن ما يصل بيننا وبين ذلك الرجل — على بعد العهد — معرفته لنفسية الأدعياء؛ أدعياء الأدب والبيان، فهو يقرر أن الناس يعتقدون أن الشعر منفرد من بين سائر الأشياء بجواز العلم به لكل أحد والحكم عليه لكل ناظر؛ لأن الذي يعرف منهم من الذهب والفضة والرقيق والخيل والسلاح والثياب والطيب أكثر مما يعرف من الشعر لا يتهم نفسه في المعرفة بالشعر تهمته إياها في المعرفة بتلك الأشياء؛ لأنه يرى الفرس فيعجبه ملاحة سبيبه، واستدارة كفله، وبريق شعره، وصحة قوائمه، وسلامة أعضائه، وبراءته من العيوب الظاهرة والباطنة، ولكنه لا يقدم على ابتياعه حتى يشاور في أمره أصحاب البصر به، ويرى السيف فيبهره منه جلاؤه، وصقاله وصفاء حديده، ولكنه لا يمضي في اختياره حتى يعتمد على من يعرف حسنه وطبعه وجوهره وفرنده ومضاءه، ويريد ابتياع ثوب الوشي فيروقه منه حسن طرزه، وكثرة صوره، وبديع نقوشه، واختلاط ألوانه، فلا يبادر إلى إعطاء ثمنه حتى يرجع إلى أهل العلم بجوهره وجودة رقعته وصحة نسجه وصحة إبريسمه، ولكنه لا يجري على هذه القاعدة في الشعر؛ لأنه ربما سمع القصيدة فأعجبه منها حسن وزنها أو دقة معانيها، أو ما اشتملت عليه من مواعظ وآداب وحكم وأمثال، فيتعجل بالحكم لها سواها قبل أن يرجع إلى من هو أعلم منه بالشعر واستواء نظمه ووضع ألفاظه في مواضعها، وغير ذلك من الأنظار الدقيقة التي لا يدركها إلا أرباب الصناعة.٣
ومن الدقائق الغربية أن نرى الآمدي منذ عشرة قرون يفهم أن هناك حاسة فنية يرجع إليها الناقد حين يعوزه الإفصاح عما يدركه من أسرار البيان؛ فهو يحدثنا أنه كما قد يكون الفرسان سليمين من كل عيب موجود فيهما سائر علامات العتق والجودة والنجابة، ويكون أحدهما أفضل من الآخر بفرق لا يعلمه إلا أهل الخبرة والدراية الطويلة، وتكون الجاريتان بارعتين في الجمال سليمتين من كل عيب فيفرق بينهما العالم بأمر الرقيق حتى يجعل في الثمن بينهما فضلًا كبيرًا بدون أن يقدر على عبارة توضح وجه ذلك الفرق، وإنما يعرفه بطبعه وكثرة دربته وطول ملابسته، فكذلك الشعر قد يتقارب البيتان الجيدان النادران فيعلم أهل العلم بصناعة الشعر أيهما أجود إن كان معناهما واحدًا، وأيهما أجود في معناه إن كان معناهما مختلفًا.٤

وهذه النظرية البعيدة في تقدير الحاسة الفنية لم تكن مما انفرد به الآمدي، فقد سُبق إليها ولكنه استغلها أحسن استغلال، وأجمل ما جاء في هذا الباب ما حكاه إسحاق الموصلي: «قال لي المعتصم: أخبرني عن معرفة النغم وبيِّنها لي، فقلت: إن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة.»

قال: «وسألني محمد الأمين عن شعرين متقاربين، وقال: اختر أحدهما فاخترت. فقال: من أين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان؟ فقلت: لو تفاوتا لأمكنني التبيين، ولكنهما تقاربا ففاضلت بينهما بشيء تشهد به الطبيعة ولا يعبر عنه اللسان.»

وقيل لخلف الأحمر: إنك لا تزال ترد الشيء من الشعر وتقول هو رديء والناس يستحسنونه.

فقال: «إذا قال لك الصيرفي: إن هذا الدرهم زائف فليس بنافعك قول غيره: إنه جيد.»

ولكن كيف السبيل إلى كسب الذوق الأدبي أو الحاسة الفنية؟

هنا يجيب الآمدي بأن ذلك لا يكون إلا بكثرة النظر في الشعر، والارتياض فيه، وطول الملابسة له والانقطاع له، والانكباب عليه، والجد فيه، والحرص على معرفة أسراره وغوامضه.

والآمدي مع هذا يقرر بأنه ليس في مقدور كل إنسان أن يصل إلى كسب الذوق الأدبي بطول الممارسة؛ لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله وما في طاقته تعلمه، وليس كل طبع قابلًا لفهم أسرار الأدب والبيان، ومن هنا يصح له أن يقول:

واعلم أيها السائل المتعنت أن هذا الذي تسائله ليس في وسعه أن يجعلك في العلم بالصناعة كنفسه، ولا يجد سبيلًا إلى قذف ذلك في نفسك ولا في نفس ولده ومن أخص الناس به، ولا أن يأتيك بعد ذلك بعلة قاطعة ولا حجة باهرة، على أن العلم الذي لا يستقر في الذهن إلا بالروية والمشاهدة وطول الملابسة لا يمكن أن ينتقل إلى ذهن آخر بمجرد القول والصفة، إلا إذا استطاع صاحب البصر بالسيوف أن يصف لك عشرة آلاف سيف مختلفات الأجناس والجواهر؛ بحيث يجعلك شاهدًا لها كلها في لحظة واحدة، عالمًا بكل علة، محيطًا بكل حجة.

وبعد فلعل الذي غرك في دعواك المعرفة بالشعر والقدرة على الحكم فيه أن عندك خزانة كتب تشتمل على عدة من دواوين الشعر تتصفحها أحيانًا وتحفظ منها القصيدة أو القصائد، وفاتك أنك لم تغتر هذا الاغترار فيما يتعلق بثياب بدنك، وأثاث بيتك، وطرق نفقتك؛ لأنا لا نراك تبتاع وشيًا ولا آلة، ولا تصرف دينارًا بدرهم ولا درهمًا بدينار، حتى ترجع إلى من يعرف ذلك دونك فتستعين به على حاجتك مخافة أن تفجع في مالك، فكان خليقًا بك أن تسلم أمر الشعر إلى أهله مخافة أن تفجع في عقلك، ومصيبة الغبن في العقل أكبر من مصيبة الغبن في المال.٥

والآمدي يؤثر الشعر المطبوع على الشعر المصنوع، ويعيب على الشعراء طلب الإغراق والإبداع والميل إلى وحشي المعاني والألفاظ، وإن كان ذلك مما يروى ويستجاد للأعراب «لأن الأعرابي لا يقول إلا على قريحته، ولا يعتصم إلا بخاطره، ولا يستقي إلا من قلبه، وأما المتأخر الذي يطبع في قوالب ويحذو على أمثلة ويتعلم الشعر تعليمًا ويأخذه تلقنًا فمن شأنه أن يتجنب المذموم، ولا يتبع من تقدمه إلا فيما استحسن منهم واستجيد لهم واختير من كلامهم … فإن الشاعر قد يعاب أشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره، وبالإبداع جميع فنونه؛ لأن مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجة سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة التعمل، ولكل شيء حد إذا تجاوزه المتجاوز سمي مفرطًا، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه، وأعاد إلى الفساد صحته، وإلى القبح حسنه وبهاءه».

وخلاصة هذا الرأي أن الأعراب يغفر لهم ما لا يغفر للشعراء المثقفين؛ لأنهم محتذون على غير مثال، وهذا أحلى في النفوس، وأشهى إلى الأسماع، وأحق بالاستجادة مما يورده المحتذون على مثال.

وهذه مسألة فيها نظر؛ لأن أكثر ما روي عن الأعراب دخلته الصنعة إذ كانت جمهرته من صنع الرواة، ونحن نفهم أن الأعراب يخطئون ويصيبون، وهم حين يخطئون قد يكونون خاضعين لفطرة هي أجدى على اللغة وأنفع من جهود المثقفين في الصقل والتجميل.

فإننا نرى للأعراب حرية في الحذف والإيصال لا نجد لها ظلًّا عند الشعراء الحضريين، وتلك الحرية والإيصال هي أخص سمات اللغات الحية، وفي اللغة الفرنسية لذلك ألف شاهد وألف دليل.

وظاهر من النصوص المختلفة في كتاب الموازنة أن الآمدي يريد بالذات مسألة التعمل والتكلف والإغراب بإيثار وحشي المعاني والألفاظ، فهذا يقبل من الأعراب؛ لأنه من وحي الفطرة، ويرفض من شعراء الأمصار؛ لأنه نتيجة التكلف، ومعنى هذا أنه كان هناك رأي يدعو إلى تهذيب اللغة وتصفيتها وتخليصها من عنجهية الأعراب. وقد يستخلص من هذا أيضًا أنهم كانوا يفهمون أن عيش الحضارة مما يوحي التأنق والتخير في المعاني والألفاظ والتعابير، فالشاعر الحضري لا يقبل منه التوعر؛ لأنه خروج على فطرته، وقد يقبل من البدوي؛ لأنه يجري فيه على سجيته، فكأن الفطرة هي الميزان. وهذا كما يرى القارئ من أدق الأحكام.

وقد يكون لهذا الاتجاه دخل في أعمار الألفاظ، فبعضها عمر طويلًا؛ لأنه وافق هوى في أنفس الحضريين، وبعضها هجر فمات لقلة الاستعمال، ومن هذه الناحية فضل الآمدي البحتري على أبي تمام؛ لأن البحتري كان يتعمد حذف الغريب والوحشي من شعره ليقربه من فهم من يمتدحه، إلا أن يأتيه طبعه باللفظة بعد اللفظة في موضعها من غير طلب لها، وكان من أمره في ذلك أنه كان يكنى أبا عبادة، فلما دخل العراق تكنى أبا الحسن ليزيل العنجهية والأعرابية ويساوي في مذاهبه أهل الحاضرة، ويقرب بهذه الكنية إلى أهل النباهة والكتاب من الشيعة،٦ فهو بذلك بدوي تحضر فراج شعره في البدو والحضر، ولا كذلك أبو تمام فإنه حضري تشبه بأهل البدو فلم ينفق بالبادية ولا عند أكثر الحاضرة.
والآمدي لا يستبعد اللحن، بل يقرر أنه «لا يكاد يعرى منه أحد من الشعراء المحدثين، ولا يسلم منه شاعر من الشعراء الإسلاميين، وأنه قد جاء في أشعار المتقدمين ما لا يقوم العذر فيه إلا بالتأويلات البعيدة، وأن ما عيب على البحتري من مخالفة المقاييس والبعد عن الصواب قد جاء كثير مثله في أشعار القدماء، والأعراب الفصحاء.»٧

والواقع أن اللحن قديم، ومن الخطأ أن يظن أن العرب لم يلحنوا إلا حين اختلطوا بالأعاجم، ولكنه من الواجب أن يلاحظ أن لطبائع الشعراء والكتاب دخلًا فيما أثر عنهم من اللحن؛ لأن لبعض الأذهان طرائق خاصة في التعبير قد تعد انحرافًا عن الصواب، في حين أنها تفصح عن أغراض أصحابها أتم الإفصاح، ولو ترك الناس على فطرتهم لكان من طرائق تعبيرهم مادة صالحة لعلم النفس؛ لأن الأساليب الكتابية صور للاتجاهات العقلية، والوجدانية، والنفسية، وفي العقول كما في الأساليب وضوح وغموض وخطأ وصواب.

بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري

اخترع الآمدي مناظرة طريفة تمثل النزاع الذي قام بين أصحاب أبي تمام وأصحاب البحتري، وهي مناظرة طويلة يجدها القارئ في صدر كتاب «الموازنة بين الطائيين»، ورأينا أن نثبت طرفًا منها في هذا الفصل ليرى القارئ كيف لان النثر وعذب على قلم الآمدي وهو يصوغ هذا الحديث:٨
صاحب أبي تمام : كيف يجوز لقائل أن يقول: إن البحتري أشعر من أبي تمام، وعن أبي تمام أخذ، وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى، حتى قيل: الطائي الأكبر والطائي الأصغر.
صاحب البحتري : أما الصحبة له فما صحبه، ولا تتلمذ له، ولا روى ذلك أحد عنه ولا نقله، ولا أرى قط أنه محتاج إليه.

ودليل ذلك الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفها عند أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، وقد دخل عليه البحتري بقصيدته التي أولها:

أأفاق صب من هوى فأفيقا
… … … …

وأبو تمام حاضر فلما أنشدها علق أبو تمام منها أبياتًا كثيرة، فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف، فقال: أيها الأمير، ما ظننت أن أحدًا يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم! ثم اندفع ينشد ما حفظه حتى أتى على أبيات كثيرة من القصيدة، فبهت البحتري، ورأى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد، فحينئذ قال أبو تمام: «أيها الأمير، والله ما الشعر إلا له، وإنه أحسن فيه الإحسان كله.» وأقبل يقرظه، ويصف معانيه، ويذكر محاسنه، ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف له الجائزة. فمن كان يقول مثل هذه القصيدة التي هي من عين شعره، وفاخر كلامه، قبل أن يعرف أبا تمام، جدير به أن يستغني عن أن يصحبه، أو يتتلمذ له أو لغيره من الشعراء، على أنني لا أنكر أنه استعار بعض معاني أبي تمام لقرب البلدين وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعره، وليس ذلك بمقتض أن يكون أبو تمام أستاذ البحتري، ولا بمانع أن يكون البحتري أشعر من أبي تمام، فهذا كُثير قد أخذ من جميل واستقى من معانيه، فما رأينا أحدًا قال: إن جميلًا أشعر منه، بل هو عند أهل العلم بالشعر والرواية أشعر من جميل.

صاحب أبي تمام : إن البحتري نفسه يعترف أن أبا تمام أشعر منه، فقد سئل عنه وعن أبي تمام، فقال: «إن جيده خير من جيدي.» وجيد أبي تمام كثير.
صاحب البحتري : إن كان هذا الخبر صحيحًا فهو للبحتري لا عليه؛ لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام كثير الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوي الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر، وقد اجتمعنا نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علوًّا حسنًا، وينحط انحطاطا قبيحًا، وأن البحتري يعلو بتوسطه ولا يسقط، ومن لا يسقط ولا يسف أفضل ممن يسقط ويسف.
صاحب أبي تمام : إن أبا تمام انفرد بمذهب اخترعه وصار فيه أولًا وإمامًا متبوعًا، وشهر به حتى قيل: هذا مذهب أبي تمام وطريقة أبي تمام، وسلك الناس نهجه واقتفوا أثره، وهي فضيلة عري عن مثلها البحتري.
صاحب البحتري : ليس الأمر على ما وصفت، وليس أبو تمام صاحب هذا المذهب، ولا بأول فيه ولا سابق إليه، بل سلك فيه سبيل مسلم بن الوليد واحتذى حذوه وأفرط في ذلك وأسرف حتى زال عن النهج المعروف، والسنن المألوف، بل إن مسلمًا غير مبتدع له، ولكنه رأى هذه الأنواع التي وقع عليها اسم البديع متفرقة في أشعار المتقدمين، فقصدها وأكثر في شعره منها، ولكنه حرص على أن يضعها في مواضعها، ولم يسلم مع ذلك من الطعن عليه حتى قيل: إنه أول من أفسد الشعر، فجاء أبو تمام على أثره واستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من هذه الأصناف، فسلك طريقًا وعرًا، واستكره الألفاظ والمعاني استكراها؛ ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤها.

فقد سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه، وكل ما في المسألة أنه استكثر منه وأفرط، فكان إفراطه فيه من أعظم ذنوبه، وأكبر عيوبه، أما البحتري فإنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعروفة على كثرة ما جاء في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة، فكان انفراده بحسن العبارة في شعره، وحلاوة اللفظ وصحة المعنى والبعد عن التكلف والتعمل سببًا في إجماع الناس على استحسان شعره واستجادته وتداوله، ونفاق شعر الشاعر دليل على علو مكانته، واضطلاعه بما يلائم الأذواق ويلامس القلوب من أساليب الكلام ومناهجه.

صاحب أبي تمام : إنما أعرض عن شعر أبي تمام من لم يفهمه لدقة معانيه وقصور فهمه عنه، أما النقاد والعلماء فقد فهموه وعرفوا قدره، وإذا عرفت هذه الطبقة فضيلته لم يضره طعن من طعن بعدها عليه.
صاحب البحتري : لا يستطيع أحد أن ينكر منزلة ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى الشيباني ودعبل بن علي الخزاعي من الشعر، ومنزلتهم من العلم بكلام العلم، وقد علمتم مذهبهم في أبي تمام وازدراءهم بشعره، حتى قال دعبل: إن ثلث شعره محال، وثلثه مسروق، وثلثه صالح. وقال: ما جعل الله أبا تمام من الشعراء، بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه منه بالشعر. وقال ابن الأعرابي في شعر أبي تمام: إن كان هذا شعرًا فكلام العرب باطل! وهذا محمد بن يزيد المبرد ما علمناه دوَّن له كبير شيء.
صاحب أبي تمام : إن دعبلًا كان يشنأ٩ أبا تمام ويحسده على ما هو معروف ومشهور، فلا يقبل قول شاعر في شاعر، وأما ابن الأعرابي فكان شديد التعصب عليه لغرابة مذهبه، ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه، فكان إذا سئل عن شيء منها يأنف أن يقول: لا أدري، فيعدل إلى الطعن عليه، ولا مانع أن يكون جميع من تذكرونه على هذا القياس.
صاحب البحتري : لا عيب على ابن الأعرابي في طعنه على شاعر عدل في شعره عن مذاهب العرب إلى الاستعارات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ والإحالة، والعيب في ذلك يلحق أبا تمام إذ عدل عن المحجة إلى طريقة يجهلها ابن الأعرابي وأمثاله من المضطلعين بالسليقة العربية.
صاحب أبي تمام : إن العلم في شعر أبي تمام أظهر منه في شعر البحتري، والشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم.
صاحب البحتري : كان الخليل بن أحمد عالمًا شاعرًا، وكان الأصمعي شاعرًا عالمًا، وكان الكسائي كذلك، وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء، وما بلغ بهم العلم طبقة من كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء، وقد كان أبو تمام يعمل على أن يدل في شعره على علمه باللغة، وكلام العرب.

أما البحتري فلم يقصد هذا ولا اعتمده، ولا كان يعده فضيلة ولا يراه علمًا، بل كان يرى أنه شاعر لا بد له أن يقرب شعره من فهم سامعه، فلا يأتي بالغريب إلا أن يتفق له في اللفظة بعد اللفظة في موضعه من غير طلب له ولا حرص عليه، على أن هذا العلم الذي تؤثرون به أبا تمام لم ينفعه، فقد كان يلحن في شعره لحنًا يضيق العذر فيه ولا يجد المتأول له محرجًا منه إلا بالحيلة والتمحل الشديد.

صاحب أبي تمام : لسنا ننكر أن يكون صاحبنا قد وهم في بعض شعره، وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه، وغير غريب على فكر نتج من المحاسن ما نتج، وولد من البدائع ما ولد، أن يلحقه الكلال في الأوقات، والزلل في الأحيان، بل من الواجب لمن أحسن إحسانه أن يسامح في سهوه ويتجاوز له عن خطئه، وما رأينا أحدًا من شعراء الجاهلية سلم من الطعن ولا من أخذ الرواة عليه الغلط والعيب، وكذلك ما أخذته الرواة على المحدثين المتأخرين من الغلط والخطأ واللحن أشهر من أن يحتاج إلى أن نبرهنه أو ندل عليه، وما كان أحد من أولئك ولا هؤلاء مجهول الحق ولا مجحود الفضل، بل عفى إحسانهم على إساءتهم، وتجويدهم على تقصيرهم.
صاحب البحتري : أما أخذ السهو والغلط على من أخذ عليهم من المتقدمين والمتأخرين ففي البيت الواحد والبيتين والثلاثة، أما أبو تمام فلا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من عدة أبيات يكون فيها مفسدًا أو محيلًا أو عادلًا عن السنن، أو مستعيرًا استعارة قبيحة، أو مخطئًا للمعنى بطلب الطباق والتجنيس، أو مبهمًا بسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم ولا يوجد له مخرج.
صاحب أبي تمام : إنكم تنكرون على أبي تمام من الفضل ما يعترف به البحتري نفسه، فقد رثاه بعد موته رثاء اعترف فيه له بالسبق وفضله على شعراء عصره.
صاحب البحتري : لم لا يفعل البحتري ذلك وقد كان هو وأبو تمام صديقين متحابين وأخوين متصافيين يجمعهما الطلب والنسب والمكتسب، فليس بمنكر ولا غريب أن يشهد أحدهما لصاحبه بالفضل ويصفه بأحسن ما فيه، وينحله ما ليس فيه، على أن الميت خاصة يُعطى في تأبينه من التقريظ والوصف وجميل الذكر أضعاف ما كان يستحقه.
صاحب أبي تمام : كيفما كان الأمر لا تستطيعون أن تدفعوا ما أجمع عليه الرواة والعلماء أن جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله، وإذا كان جيده بهذه المكانة وكان من الممكن إغفال رديئه واطّراحه كأنه لم يقله فلا يبقى ريب في أنه أشعر شعراء عصره والبحتري واحد منهم.
صاحب البحتري : إنما صار جيد أبي تمام موصوفًا ومذكورًا لندرته ووقوعه في تضاعيف الرديء، فيكون له رونق وماء عند المقابلة بينه وبين ما يليه، وجيد البحتري كجيد أبي تمام إلا أنه يقع في جيد مثله أو متوسط فلا يفاجئ النفس منه ما يفاجئها من جيد صاحبه.

هوامش

(١) راجع: ترجمته في معجم الأدباء (٣  /  ٥٤–٦١).
(٢) ياقوت (٣ / ٥٨).
(٣) الموازنة ص٢٠٦.
(٤) الموازنة ص٢٠٧.
(٥) ص٢٠٧، ٢٠٨.
(٦) راجع: ص١٣.
(٧) ص١٤.
(٨) اكتفينا في إثبات هذه الصفحات بما أورده المرحوم مصطفى المنفلوطي في مختاراته، ومن أراد الشواهد فليرجع إليها في صدر كتاب الموازنة؛ فهي هناك أوفى وأمنع.
(٩) يشنأ: يبغض.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠