الفصل الأول

أبو حيان التوحيدي

لست أعدو الحق إذا قلت: إن الأدب العالي لا يقع إلا متأثرًا بعاطفتين اثنتين: الحب أو الحقد، ولن تجد في تاريخ الآداب العربية كاتبًا مجيدًا أو شاعرًا بليغًا أو خطيبًا منطقيًّا خلت نفسه من رقة الحب، أو قسوة البغض، فالسر في عبقرية البحتري مثلًا يرجع إلى قوة شغفه بمعالم الجمال، كما أن السر في عبقرية ابن الرومي يرجع إلى تطيره وحقده على من عرف ومن لم يعرف من سعداء الناس، وكذلك يعود السر في تفوق عبد الحميد بن يحيى إلى مروءته ونبل نفسه وعطفه على فقراء الكتاب، كما يعود الفضل في فصاحة الحجاج إلى ما كان يضطرم في صدره من نيران الحقد والضغينة والبغض والموجدة على الثائرين من أهل العراق.

وأبو حيان التوحيدي الذي نريد أن نفيض في الحديث عنه رجل خلقته البأساء، وأنشأه الحقد على الموهوبين من أهل العلم والأدب والجاه، ولن تجده في صميم أدبه إلا رعدًا يزمجر كلما مر بباله خاطر الغنى والفقر، والنعيم والبؤس، والنباهة والخمول.

لا تسأل متى ولد، ولا أين ولد، فذلك رجل نشأ في بيئة خاملة لم تكن تطمع في مجد حتى تقيد تاريخ ميلاد، ويكفي أن تعرف أنه فارسي الأصل، وأنهم ترددوا بين نسبته إلى واسط أو نيسابور أو شيراز، وأنه عاش في القرن الرابع وشهد صدر القرن الخامس، فقد نص في كتاب الصداقة والصديق على أنه كتبه في سنة ٤٠٠ للهجرة. وجاء في تاريخ شيراز أنه توفي سنة ٤١٤١ وفي هذا ما يرجح أنه من أهل شيراز، وليس بغريب أن يكون هذا حظ التوحيدي في تحديد مولده وتاريخ ميلاده فقد اختلف الناس في مولد الشيخ محمد عبده في مصر مع أنه نشأ في عصر مغمور بأسباب الدقة والنظام.

ولهذا الغموض في حياة التوحيدي قيمة في فهم جده العاثر، وحظه المنكود، فلو كان رجلًا مجدودًا في دنياه لتلفت الناس إليه واهتموا بنسبه وعرفوا مسقط رأسه، لكنهم عرفوه شقيًّا محرومًا فانصرفوا عنه وأغفلوا أمره، حتى عجب ياقوت من أن لم ير أحدًا عُني به من كتاب السير والتراجم على كثرة من اهتموا بهم من العلماء والكتاب والشعراء.

قلت: إن نبوغ أبي حيان التوحيدي يرجع إلى حقده وثورته على الحياة والأحياء، فلأذكر أن تلك الثورة شبت في مفتاح حياته ومستهل صباه حين سمع بأخبار ابن العميد والصاحب بن عباد وما كان يجري بين أيديهما من أسباب الرزق والرغد والطمأنينة، فقصد ابن العميد واستظل بفنائه حينًا، ثم تحول إلى ظلال ابن عباد، ولكنه لم يجد من فيض هذين الجدولين ما ينقع غلته، ويطفئ صداه، هنالك انفجر بركان غضبه وتحول إلى أتون متسعر يرمي باللهب الماحق والشواظ المبيد، وقد حدثنا في كتابه «مثالب الوزيرين»٢ أنه لما قدم على الصاحب قدم إليه نجاح بن سلمة ناظر خزانة كتبه ثلاثين مجلدة من رسائله وقال: يقول لك مولانا: انسخ هذا فإنه قد طلب منه بخراسان، فارتاع التوحيدي وخاف على بصره من نسخ تلك الرسائل الطوال، ثم تضجر وتبرم وأشار إلى أنه توجه من العراق إلى باب الصاحب ليتخلص من شؤم حرفة الوراقة التي لم تكن كاسدة ببغداد، فوصل إلى الصاحب فحقد عليه وكان رجلًا لا يقبل أن يعصى له أمر أو يراجع في قول، ثم كانت أيام التوحيدي عنده أيام إهمال ونسيان، فرحل عنه وأصلاه نيران الفحش والسباب ولننظر كيف يقول:

ما ذنبي — أكرمك الله — إذا سألت عنه مشايخ الوقت، وأعلام العصر، فوصفوه بما جمعت لك في هذا المكان، على أني قد سترت كثيرًا من مخازيه؛ إما هربًا من الإطالة، أو صيانة للقلم عن رسم الفواحش، وبث الفضائح، وذكر ما يسمج مسموعه، ويكره التحدث به؛ سوى ما فاتني من حديثه، فإني فارقته سنة ٣٧٠.

وما ذنبي إن ذكرت عنه ما جرعنيه من مرارة الخيبة بعد الأمل، وحملني عليه من الإخفاق بعد الطبع، مع الخدمة الطويلة والوعد المتصل، والظن الحسن، حتى كأني خصصت بخساسته وحدي، أو وجب أن أعامل بها دون غيري.٣

وقد ختم التوحيدي كتابه مثالب الوزيرين بكلمة تدل على أنه كان يفهم أن الأدب باب من أبواب الرزق وسبيل من سبل الغنى؛ إذ صرح بأنه يحسد الذي يقول:

أعد خمسين حولًا ما علي يدٌ
لأجنبي ولا فضلٌ لذي رحم
الحمد لله شكرًا قد قنعت فلا
أشكو لئيمًا ولا أطري أخا كرم

ثم صرح بأنه كان يتمنى أن يكون ذلك الرجل، ولكن العجز في رأيه غالب؛ لأنه مبذور في الطينة، ثم استحسن قول الآخر:

ضيق العذر في الضراعة أنا
لو قنعنا بقسمنا لكفانا
ما لنا نعبد الأنام إذا كا
ن إلى الله فقرنا وغنانا
ثم دعا بما دعا به بعض النساك:
اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسترزق أهل رزقك ونسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من دونهم ولي الإعطاء، وبيدك خزائن الأرض والسماء.٤

وهذا نص في أنه كان مشغولًا برزقه، وأنه كان لذلك معنيًّا بحمد الكرماء، وذم البخلاء، دفعًا للفقر وطلبًا للمال، فدرجت نفسه على الحرص والطمع، وألف الحقد على الأغنياء الباخلين، وكان مثله مثل المتنبي الذي تفجر شعره بالحقد على العالم والثورة على الوجود؛ لأنه لم يجد من يناصره في طلب الغنى والجاه والملك، ومن هنا قلَّت في شعر المتنبي عواطف الحب والإخاء والوفاء؛ لأن مطامعه المادية حولته إلى رجل لا يدرك غير معاني الأثرة والشح والضغن والجحود.

وما زال التوحيدي يقدم إلى نفسه وقود الغيظ والحفيظة حتى غلبه طبعه الجامح في أخريات عمره، فقدم كتبه طعمة للنار، حتى لا يكون بينه وبين العالم وشيجة من علم أو أدب أو دين، ثم كتب في ذلك رسالة مطولة تفيض بالألم اللاذع والحزن الوجيع، وقد حدثنا في تلك الرسالة بما يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه كان يتخذ العلم وسيلة إلى الغنى والجاه؛ إذ قال في وصف الغرض من كتبه:

على أني جمعت أكثرها للناس، ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله.

وفي تلك الرسالة فقرات مرة موجعة تثير العطف على ذلك الرجل الذي شقي كل الشقاء بما رزق من رقة الحس، ودقة الفهم، وقوة الإدراك. ولقد صور بلواه بالناس أصدق تصوير حين قال:

فإن قلت: ولم تسمهم بسوء الظن، وتقرع جماعتهم بهذا العيب؟

فجواني لك: أن عِياني منهم في الحياة هو الذي حقق ظني بهم بعد الممات. وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة، فما صح لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، ولقد اضطررت بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم، وأحوال الزمان بادية لعينك، بارزة بين مسائك وصباحك، وليس ما قلت بخافٍ عليك مع معرفتك وفطنتك، وشدة تتبعك وتفرغك، وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلته وأتيته بما قدمته ووصفته، وبما أمسكته عنه وطويته؛ إما هربًا من التطويل، وإما خوفًا من القال والقيل.

وهذه الكلمة تعطينا صورة واضحة من النزاع الدائم الموصول الذي كانت تثور محرجاته بلا انقطاع بين التوحيدي وبين معاصريه، فذلك رجل يعرف ما هو الضمير، وما هي متانة الخلق، وما معنى الكرامة، وما مدلول الإباء، ولكن أحداث دهره قهرته على المشي فوق تلك الأشواك؛ أشواك الملق والمداهنة والرياء، فمشى مجروح القلب، مقتول النفس، مطعون الوجدان، وكان اقترافه لمخزيات الضعة والهوان والصغار مما يضرم في نفسه ثورة الحقد على الرؤساء المسعودين الذين لا ينال فيض ما لديهم بغير أسباب الخسة والدناءة والإسفاف.

وفي تلك المعركة الدامية التي خرج منها التوحيدي وهو بين الكتاب أهجى وأفحش من ابن الرومي بين الشعراء، لا نجد بدًّا من الحكم عليه بأنه كان رجلًا ظاهر الطمع والجشع والحرص، قَبِلَ في جمع المال عن طريق الأدب أن يبيع دينه ومروءته، وأن يقترف ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم، في حين أنه كان يستطيع أن يدوس بقدميه ما يملك أصحاب التيجان، ويقبل بنفس حازمة غنية على استدرار إحدى الصناعات ليعيش، ثم يلقي العالم إن شاء بمثل قول أبي هلال:

جلوسي في سوق أبيع وأشتري
دليل على أن الأنام قرود
ولا خير في قوم يذل كرامهم
ويعظم فيهم نذلهم ويسود
ولكنه أخذ يلوم الناس ويؤاخذهم بما لا يؤاخذ به نفسه، ولا يتورع هو عن الوقوع فيه، ودليل ذلك ما حكاه في كتاب مثالب الوزيرين إذ قال:
جرى بيني وبين ابن مسكويه شيء؛ قال لي مرة: أما ترى إلى خطأ صاحبنا — يعني: ابن العميد — في إعطائه فلانًا ألف دينار ضربة واحدة؟ لقد أضاع هذا المال الخطير فيمن لا يستحق. فقلت بعد ما أطال الحديث وتقطع بالأسف: أيها الشيخ! إني أسألك عن شيء واحد فاصدق فإنه لا مَدَبَّ للكذب بيني وبينك، لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء وبأضعافه وأضعاف أضعافه، أكنت تخيله في نفسك مخطئًا ومبذرًا ومفسدًا أو جاهلًا بحق المال؟ أو كنت تقول: ما أحسن ما فعل! وليته أربى عليه! فإن كان الذي تسمع على حقيقته فاعلم أن الذي يرد ورد مقالك إنما هو الحسد، أو شيء آخر من جنسه وأنت تدعي الحكمة وتتكلف في الأخلاق، وتزيف الزائف وتختار منها المختار، فافطن لأمرك، واطلع على سرك وشرك.٥

ولو أنه حاسب نفسه بمثل ما حاسب به ابن مسكويه لرأى ثورته على أهل زمانه تأخذ وقودها من قلب حاسد حقود، وهو مع هذا يدعي الحكمة ويتكلف الأخلاق.

ويظهر مع الأسف أن الإنسان يبالغ في درس الغرائز ونقد الطباع، فاذا وصل إلى نفسه خلا درسه من القوة وخلا نقده من العمق، وأسبغ على خصاله وشمائله أثواب الرضا والإعجاب.

هذا الذي قدمناه عن التوحيدي جعل لنا منه شخصيتين مختلفتين بعض الاختلاف؛ الشخصية الأولى شخصية الأديب الذي يحدثنا عن نفسه وعن أشجانه وعن عتبه على الناس وتبرمه بالحياة، والشخصية الثانية شخصية الباحث الذي ينقل الصور المختلفة لما يفهم معاصروه من ضروب العلوم والآداب والفنون، وهذه الشخصية الثانية شخصية الباحث تقدمه إلينا رجلًا فهم النزعات الفلسفية والأخلاقية والأدبية، ثم صورها لنا تصويرًا يقرب من الإتقان في كتاب المقابسات.

وكتاب المقابسات هذا كتاب عظيم، طبع أولًا بالهند، ثم طبع أخيرًا في مصر طبعًا متقنًا معنيًّا به من بعض الوجوه، وكتاب المقابسات لا ينفع المبتدئين إلا قليلًا، ولكنه نافع كل النفع لمن وقفوا على معضلات الفلسفة الإسلامية، ولعل أهم ما فيه أنه يعطينا صورة من الكتابة الفلسفية لعهده، وإن كنا نرى في ذلك بعض البعد عن الصواب؛ لأنه يحاكي الجاحظ في أسلوبه الفلسفي الأدبي فيترك السجع ويقبل على الازدواج، غير أنه على كل حال لون في الكتابة الفلسفية التي تقبلها الناس في ذلك الحين.

وأدق ما يلاحظ على كتاب المقابسات أنه يطلعنا على ناحية خطيرة من عقلية الباحثين في ذلك العهد، فهم يعرفون كيف تثار المشاكل وكيف تبذر بذور الخلاف، فإذا حاولوا الإجابة والتعليل ظهروا ضعفاء عاجزين، وهذه ظاهرة تجدها حيث تتصفح كتاب المقابسات، ولعل السبب في ذلك أنهم كانوا يعانون أزمة عقلية خطرة لم يتح لهم التغلب عليها، وكان من أثرها أن كثر الشك والارتياب والإلحاد بين طبقات المفكرين.

ومن طريف ما أثاره أبو حيان التوحيدي في إحدى المقابسات ما أنطق به أبا إسحاق النصيبي إذ قال:
ما أعجب أمر أهل الجنة! قيل: وكيف؟ قال: لأنهم يبقون أبدًا هناك، لا عمل لهم إلا الأكل والشرب والنكاح؟ أما تضيق صدورهم! أما يكلون؟ أما يَربئون بأنفسهم عن هذه الحال الخسيسة التي هي مشاكلة الحالة البهيمية؟ أما يأنفون؟ أما يضجرون؟٦

وفي الجواب على هذا السؤال الخطير أطال أبو حيان إطالة مملة لا تقنع ولا تفيد؛ لأنه افترض أن نعيم الجنة بالعقل لا بالحس، وأن العقل لا يعتريه الملل، ولا تصيبه الكلفة، ولا يمسه اللغوب، وعلى ذلك بقي الاعتراض حيث وقع؛ لأن القرآن أعطى اللذات الحسية شأنًا غير قليل، وجعلها من الغايات التي يسمو إليها المؤمنون.

أما الشخصية الأولى شخصية الأديب فهي الجانب الأقوى من نفسية التوحيدي، وتتمثل هذه الشخصية الرائعة في رسائله الوجدانية، وفي استطراداته الممتعة التي جرى بها قلمه في كتاب الصداقة والصديق، والجانب الوجداني من التوحيدي تكون ونشأ في هجير الفاقة والبؤس ومعاناة الأيام، ولا تراه يجيد إلا حيث يتحدث عن نكد دنياه وسواد لياليه، وإنك لترثي له وتبكي لشكواه حين تراه يطالعك بأمثال الكلمة الآتية:
وسمعت الخوارزمي أبا بكر محمد بن العباس الشاعر البليغ يقول: «اللهم نفق سوق الوفاء فقد كسدت، وأصلح قلوب الناس فقد فسدت، ولا تمتني حتى يبور الجهل، كما بار العقل، ويموت النقص كما مات العلم.» وأقول: «اللهم اسمع واستجب، فقد برح الخفاء، وغلب الجفاء، وطال الانتظار، ووقع اليأس، ومرض الأمل، وأشفى الرجاء.٧ والخوارزمي هذا الذي يعجب به التوحيدي ويتحدث عنه ويتأسى به رجل عانى في دهره مرارة الجور والحيف، ورأى الناس يقدمون عليه بديع الزمان وهو لدن العود غض الإهاب، فلا عجب أن يردد «التوحيدي» شكاته وأنينه، وهو الذي رأى كيف تقدم عليه الأقدار أمثال ابن عباد.

ولنقل هنا كلمة عن كتاب الصداقة والصديق فإليه يرجع الفضل في تصوير الجانب الوجداني من التوحيدي — رحمه الله: ابتدأ هذا الكتاب بزفرة وانتهى بزفرة، ابتدا بكلمته التي نقلناها آنفًا عن الخوارزمي، وانتهى بقوله في الاعتذار عن طول تلك الرسالة: «فاقبل — حاطك الله — هذا القدر الذي قد بدأته وأعدته، ونشرته وطويته، على أنك لو علمت في أي وقت ارتفعت هذه الرسالة، وعلى أي حال تمت، لتعجبت، وما كان يقل في عينك منها يكثر في نفسك، وما يصغر منها بنقدك يكبر بعقلك، والله أسأل خاتمة مقرونة بغنيمة، وعاقبة مفضية إلى كرامة، فقد بلغت شمس رأس الحائط، والله أستعين على كل ما هم النفس، ووزع الفكر، وأدنى من الوسواس.»

وكتاب الصداقة والصديق كتب في أدق وقت من حياة التوحيدي، كتب حين بلغت شمسه رأس الحائط كما قال، كتب بعد كتابه مثالب الوزيرين بمدة قد تكون طويلة، فهو أنضج ثمرة من أدب التوحيدي، وليس يهمنا في هذا المقام ما اشتمل عليه من الفقرات الجميلة والمقطوعات البديعة، والأخبار الطريفة، وإنما يهمنا بنوع خاص ما مر فيه من الصور الفنية الرائعة التي جرى بها قلمه البليغ، فقد ترك لنا ذلك الرجل الفحل طائفة من النماذج العالية في صور الخواطر والأفكار والتأملات، ومشى بنا في أودية من الخيال ضاحكة الأزهار خفاقة النسمات.

والصور التي يقدمها التوحيدي تمر غالبًا على أنها أحاديث، فهو يصور خواطر الناس وآراءهم في فهم الحياة تصويرًا عجيبًا يفصح عن قدرته أتم إفصاح، وهو يظهر في ثنايا كلامه غني اللغة قوي الخيال، يحيط بالمعنى من جميع أقطاره إحاطة باللغة لا يند منها شيء، ولننظر كيف يقول في تشعب أنفاس الناس في الحب والبغض:
وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة؛ لأنه لا يخلو أحد من جار أو معامل أو حميم أو صاحب أو رفيق أو سكن أو حبيب أو صديق أو أليف أو قريب أو ولي أو خليط، كما لا يخلو أيضًا من عدو أو كاشح أو مداج أو مكاشف أو حاسد، أو شامت، أو منافق أو مؤذٍ أو منافذ أو معاند أو مزل أو مضل أو مغل.٨
ومثل هذه الفقرة يدل على بصر ذلك الرجل باللغة وقدرته على تصوير ما يشاء من المعاني النفسية والوجدانية التي تعجز أكثر الكتاب، وقد أعطانا التوحيدي عدة صور في الصداقة والحب، ومن ذلك قوله في التفرقة بين الصداقة والعلاقة:
الصداقة أذهب في مسالك العقل، وأدخل في باب المروءة، وأبعد من نوازي الشهوة، وأنزه عن آثار الطبيعة، وأشبه بذوي الشيب والكهولة، وأرمى إلى حدود الرشاد، وآخذ بأهداب السداد، وأبعد من عوارض الغرارة والحداثة، فأما العلاقة فهي من قبيل العشق والمحبة والكلف والشغف والتتيم والتهيم والهوى والصبابة والتدانف والتشاجي، وهذه كلها أمراض أو كالأمراض، بشركة النفس الضعيفة والطبيعة القوية، وليس للعقل فيها ظل ولا شخص، ولهذا تسرع هذه الأغراض إلى الشباب من الذكران والإناث وتنال منهم وتملكهم، وتحول بينهم وبين أنوار العقول وآداب النفوس وفضائل الأخلاق، ولهذا وأشبابه يحتاجون إلى الزواجر والمواعظ ليفيئوا إلى ما فقدوه من اعتدال المزاج والطريق الوسط.٩
ونقل في موضع آخر أنه سمع ابن مانويه القمي يروي عن جعفر بن محمد أنه قال:
مناغاة الصديق أعبث بالروح وأندى على الفؤاد من مغازلة المعشوق؛ لأنك تفزع بحديث المعشوق إلى الصديق، ولا تفزع بحديث الصديق إلى المعشوق.١٠

وقد علل التوحيدي ميل الرجل إلى أهله وأحبابه، فذكر أنه يحن إلى والده للتعزز به؛ لأن الوالد عضد وركن يعاذ به، ويؤوى إليه، وينزع إلى الوالدة لشفقتها ودعائها الذي لا يعرج إلى الله مثله، ويشتاق إلى أخته للصيانة لها والتروح إليها، وإلى ابن عمه للانتصار به، ولابنة عمه؛ لأنها لحم على وضم، ويصبو إلى عشيقة؛ لأن ذاك شيء يجده بالفطرة والارتياح الذي قلما يخلو منه كريم له في الهوى عرق نابض، وفي المجون جواد راكض.

ثم قال: أما الصديق فوجدي به فوق شوقي إلى كل من نعته لك؛ لأني أباثه بما أجل أبي عنه، وأجبأ من أمي فيه، وأطويه عن أختي خجلًا منها، وأداجي ابن عمي عليه خوفًا من حسد يفقأ ما بيني وبينه. فأما العشيقة فقصاري معها أن أشوب لها صدقًا بكذب، وغلظة بلين لأفوز منها بحظ من نظر، ونصيب من زيادة، وتحفة من حديث، وكل هؤلاء مع شرف موقعهم مني وانتسابهم إليَّ دون الصديق الذي حريمي له مباح، وسارحي عنده مراح، أرى الدنيا بعينيه إذا رنوت، وأجد فائتي عنده إذا دنوت، إذا عززت له ذل لي، وإذا ذللت له عز بي، وإذا تلاحظنا تساقينا كأس المودة، وإذا تصامتنا تناجينا بلسان الثقة، لا يتوارى عني إلا حافظًا للغيب، ولا يتراءى لي إلا ساترًا للعيب.١١

وقد عرض التوحيدي للصداقة والحب والعشق في آخر كتاب المقابسات بتفصيل وافٍ، فليرجع إليه من شاء.

ولم أجد فيما قرأت من كتب الأدب صورة فنية تمثل اتحاد القلوب والنفوس كالصورة التي قدمها إلينا التوحيدي حين قال:

قلت لأبي سليمان محمد بن ظاهر السجستاني: إني أرى بينك وبين ابن سيار القاضي ممازجة نفسية، وصداقة عقلية، ومساعدة طبيعية، ومواتاة خلقية، فمن أين هذا؟ وكيف هو؟ فقال: يا بني، اختلطت ثقتي به بثقته بي فاستفدنا طمأنينة وسكونًا لا يرثان على الدهر، ولا يحولان بالقهر، ومع ذلك فبيننا بالطالع ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة ومظاهرة غريبة، حتى أنَّا نلتقي كثيرًا في الإرادات، والشهوات، والطلبات، وربما تزاورنا فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا من قبل فأجدها شبيهة بأمور حدثت لي في ذلك الأوان حتى كأنها قسائم بيني وبينه، أو كأني هو فيها أو هو أنا، وربما حدثته برؤيا فيحدثني بأختها فتراها في ذلك الوقت أو قبله بقليل أو بعده بقليل.

وقال بعد كلام: «فقلت: هل تجد عليه في شيء، أو يجد عليك في شيء؟ فقال: وجدي به في الأول قد حجبني عن موجدتي عليه في الثاني، على أنه يكتفي مني فيما خالف هواي باللمحة الضئيلة، وأكتفي أنا أيضًا منه في مثل ذلك بالإشارة القليلة، وربما تعاتبنا على حال تعرض على طريق الكناية عن غيرنا كأننا نتحدث عن قوم آخرين، ويكون لنا في ذلك مقنع، وإليه مفزع، وقلما نجمع إلا ويحدثني عني بأسرار ما سافرت عن ضميري إلى شفتي، ولا ندت عن صدري إلى لفظي، وذاك للصفاء الذي نتساهمه، والوفاء الذي نتقاسمه، والباطن الذي نتفق عليه، والظاهر الذي نرجع إليه، والأصل الذي رسوخنا فيه، والفرغ الذي تشبثنا به، والله ما يسرني بصداقة حمر النعم. وإذا كنت أعشق الحياة لأني بها أحيا، كذلك أعشق كل ما وصل الحياة بالحياة وجنى لي ثمرتها، وجلب إليَّ روحها، وخلط بي طيبها وحلاوتها.»١٢

والقارئ الذي ألف تذوق العبارات البليغة في غنى عن تحليل مثل هذا الحديث الشائق الخلاب، وما عسانا نجد في الإفصاح عن جمال التعبير في مثل قوله: «وقلما نجتمع إلا ويحدثني عني بأسرار ما سافرت عن ضميري إلى شفتي، ولا ندت عن صدري إلى لفظي.»

هيهات هيهات، فتلك لمحات من سحر البيان لا يوفق إليها إلا الملهمون.

وينبغي أن نشير إلى أن التوحيدي كان من أنصار إخوان الصفاء، ولكنه كان يتستر اتقاء لسخط الجمهور، وكانت طريقته في تأييدهم أن ينطق الأشخاص بعبارات مريبة، كقوله: «الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء، والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية فقط، وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلًا، وبين مدبر المرض ومدبر الصحيح فرق ظاهر وأثر مكشوف؛ لأن غاية تدبير المريض أن ينتقل به إلى الصحة — هذا إذا كان الدواء ناجعًا والطبع قابلًا والطبيب ناصحًا — وغاية تدبير الصحيح أن يحفظ الصحة، وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل وفرغه له وعرضه لاقتنائها، وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى، وقد صار مستحقًّا للحياة الإلهية، والحياة الإلهية هي الخلود والديمومة.»١٣
وبهذه المناسبة نذكر أن رسائل إخوان الصفاء ظهرت في القرن الرابع، وهي من أهم المصادر للفلسفة الإسلامية، ولا تعرف أسماء مؤلفيها بالضبط، ولكن يرجح أن التوحيدي كان بينهم، أما لغتها فليست من النثر الفني الذي كلف به مشاهير الكتاب في ذلك العصر، ولكنها لغة وسط بين لغة الكتابة ولغة التأليف؛ لأن كُتابها أرادوا أن يفهموا الجماهير ما يرمون إليه من الأغراض السياسية والدينية، وذلك لا يتم في مثل لغة الصابي وابن العميد، فلم يكن لهم بد من أن يتخيروا تلك اللغة الخالصة من شوائب البديع؛ كالسجع والتورية والجناس، ولكن غلبت عليهم النزعة العامية في بعض الأحيان.١٤

هوامش

(١) حدثنا بذلك المسيو ماسينيون وهو يناقش الرسالة في السوربون، ولم نستطع مع الأسف أن نجد نسخة في مصر من ذلك الكتاب.
(٢) ياقوت (٥ / ٣٩٦).
(٣) ياقوت (٥ / ٣٩٦).
(٤) ياقوت (٥ / ٤٠٤، ٤٠٥).
(٥) ياقوت (٥ / ٤٠٦).
(٦) راجع: ص١٩٤ من المقابسات.
(٧) ص١ من الصداقة والصديق.
(٨) الصداقة والصديق ص٧٣.
(٩) ص٤٠.
(١٠) ص٧٩.
(١١) ص٦٢.
(١٢) ص٣، ٤ من الصداقة والصديق.
(١٣) ص١٥ مقدمة المقابسات.
(١٤) كانت رسائل إخوان الصفا خليقة بأن تدرس درسًا مفصلًا في هذا الكتاب، ولكنا رأينا الباحثين أطالوا فيها القول قديمًا وحديثًا، ورأينا من ناحية ثانية أن النثر الفني فيها قليل، على أننا لم نغفلها جملة، بل كتبنا فصلًا عن بعض اتجاهاتها الفلسفية في باب (الأخبار والأقاصيص). راجع: «الإنسان والحيوان أمام محكمة الجن» في الجزء الأول، وراجع كذلك الشواهد التي أثبتناها هناك في فصل (السجع والازدواج).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠