الفصل الثاني

أبو علي بن مسكويه

لم أصل إلى التثبت من لقب الكاتب المفكر أحمد بن محمد بن يعقوب، فهو تارة «مسكويه» وتارة «ابن مسكويه»، وقد حدث ياقوت أنه «كان مجوسيًّا وأسلم» فظن صديقنا الأستاذ الزركلي صاحب «الأعلام» أن هذا صحيح، فأثبت كذلك أنه كان مجوسيًّا وأسلم، وهذا غير معقول، فإن الرجل «اسمه أحمد بن محمد»، والأرجح عندي أن عبارة ياقوت سقطت منها كلمة، وأن الأصل «وكان جده مجوسيًّا وأسلم» وقد يكون هذا الترجيح هو الصواب.

اتصل ابن مسكويه في شبابه بابن العميد واختص به، ثم ساعده زمانه فاختص بأعلام بني بويه، وتولى مكتبة عضد الدولة فلقب بالخازن، وكانت دار الكتب في ذلك العهد تسمى «الخزانة»، وظل متصلًا بأولئك الملوك إلى أخريات عمره، يدلنا على ذلك قوله يهنئ عميد الملك باتفاق الأضحى والمهرجان في يوم واحد:

قل للعميد عميد الملك والأدب
أسعد بعيديك عيد الفرس والعرب
هذا بشير بشرب ابن الغمام ضحى
وذا بشير علينا بابنة العنب
خلائقٌ خيرت في كل صالحة
فلو دعاها لغير الخير لم تجب
أعدت شرخ شباب لست أذكره
بعدًا، ورُد عليَّ العمر من كثب
فطاب لي هرمي والموت يلحظني
لحظ المريب ولولا أنت لم يطب
فإن تمرس بي خصم تعصب لي
وإن أساء إليَّ الدهر أحسن بي
وقد بلغت إلى أقصى مدى عمري
وكلّ غربي واستأنست بالنوب
إذا تملأت من غيظ على زمني
وجدتني نافخًا في جذوة اللهب
شغل ابن مسكويه مدة طويلة بالكيمياء، ولكنه لم يكن فيها من الموفقين، وكان إخفاقه مثارًا لسخرية أبي حيان التوحيدي، فقد غمزه في كتاب الإمتاع ووصفه بأنه «فقير بين أغنياء، وغني بين أنبياء.»١ واتهمه بالجهل وقلة المحصول، وأنطق بعض محادثيه بهذه الجملة: «يا عجبًا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل، ورأى ما عنده وهذا حظه! ثم أجاب: قد كان هذا! ولكنه كان مشغولًا بطلب الكيمياء مع أبي الطيب الكيميائي الرازي مملوك الهمة في طلبه، والحرص على إصابته، مفتونًا بكتب أبي زكريا وجابر بن حيان، ومع هذا كله إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه. هذا مع تقطيع الوقت في الحاجات الضرورية والشهوية، والعمر قصير، والساعات طائرة، والحركات دائمة، والفرص بروق تأتلق، والأوطار في عرضها تجتمع وتفترق، والنفوس عن فوائتها تذوب وتحترق، ولقد قطن العامري الري خمس سنين ودرس وأملى وصنف وروى فما أخذ عنه مسكويه كلمة واحدة، ولا وَعَى مسألة، حتى كأنه بينه وبينه سد، ولقد تجرع على هذا الصاب والعلقم، ومضغ لقمة حنظل الندامة في نفسه، وسمع بأذنه قوارع الملامة من أصدقائه، حين لم ينفع ذلك كله، وبعد هذا فهو ذكي، حسن الشعر، نقي اللفظ.
وقد أولع التوحيدي بمهاجمة ابن مسكويه ورماه بمدح الجود باللسان وإيثار الشح بالفعل، وادعاء الحكمة والتكلف في الخلق. ولننظر كيف يقول في كتاب الوزيرين:
جرى بيني وبين أبي علي مسكويه شيء، قال لي مرة: أما ترى إلى خطأ صاحبنا — وهو يعني ابن العميد — في إعطائه فلانًا ألف دينار ضربة واحدة؟ لقد أضاع هذا المال الخطير فيمن لا يستحق. فقلت بعدما أطال الحديث وتقطع بالأسف: أيها الشيخ! أسألك عن شيء واحد، فاصدق فإنه لا مَدَبَّ للكذب بيني وبينك: لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء وبأضعافه وأضعاف أضعافه أكنت تخيله في نفسك مخطئًا ومبذرًا ومفسدًا أو جاهلًا بحق المال؟ أو كنت تقول: ما أحسن ما فعل، وليته أربى عليه! فإن كان الذي تسمع على حقيقة فاعلم أن الذي يرد ورد مقالك إنما هو الحسد أو شيء آخر من جنسه، وأنت تدعي الحكمة، وتتكلف في الأخلاق، وتزيف الزائف وتختار منها المختار، فافطن لأمرك واطلع على سرك وشرك.٢
ونحن نفهم سر هذ التحامل من جانب التوحيدي، فقد كان شديد الحقد على المجدودين من أهل زمانه، وخاصة من اتصلوا بالملوك والرؤساء، ولنا أن نضيف إلى ذلك نجاح ابن مسكويه في حياته العملية، فقد كان الرجل — فيما يظهر — متين الأخلاق، ومتانة الأخلاق قوة مرعبة يرعد لها الأدباء المساكين الذي ابتلوا بالطمع في هدايا الملوك والوزراء، وألفوا التزلف والتودد إلى أقطاب الجاه والمال، والأديب الذي يعتمد على نفسه وعلى خلقه وعلى كفايته الذاتية يعيش في الأغلب غريبًا بين معاصريه من الأدباء، فليس عجيبًا أن يتحامل أديب متشرد آفاق كالتوحيدي على أديب موفق مطمئن العيش كابن مكسويه، ولو شئنا لأضفنا أيضًا نزعة ابن مسكويه الفلسفية فهي كذلك من أسباب حقد التوحيدي عليه، فقد كان التوحيدي واسع الثقافة إلى حد مدهش، وكان يطمح في التفرد بالسمعة العلمية والأدبية والفلسفية بين رجال ذلك الجيل، ولهذا نراه حين يستر تحامله على ابن مسكويه لا يجد غير هذا الثناء الهزيل إذ يقول:
وبعد هذا فهو ذكي، حسن الشعر، نقي اللفظ.٣

ومن دلائل النعمة التي ظفر بها ابن مسكويه في حياته أن نراه ممدحًا يتملقه لئام الشعراء والكتاب، فقد كتب إليه بديع الزمان الهمذاني رسالة عتاب تكلف فيها الود والإخلاص، وكان بديع الزمان وقاح الوجه سليط اللسان، لا يعترف لأحد بفضل، ولا تصدر عنه كلمة الإنصاف إلا مدفوعة برغبة أو رهبة، ويود لو أمكنته المقادير من طمس معالم النباهة والصيت فيما يمر به من مختلف البلاد، حتى لا يذكر بالعلم والنبل إنسان سواه، وتكاد رسائله وقصائده تقصر على بث ما كان يعتلج في صدره من حزازات وعداوات وأضغان وأحقاد، وقد اتصل بابن مسكويه حينًا، ثم سعى بينهما الواشون فكدروا ما كان ينتظره البديع من طيب الصلات، فكتب إلى صاحبه الرسالة الآتية:

ويا عز إن واشٍ وشى بي عندكم
فلا تمهليه أن تقولي له مهلًا
كما لو وشى واش بعزة عندنا
لقلنا تزحزح لا قريبًا ولا أهلًا

بلغني — أطال الله بقاء الشيخ — أن قيضة كلب وافته بأحاديث لم يعرها الحق نوره، ولا الصدق ظهوره، وأن الشيخ أذن لها على حجاب أذنه، وفسح لها فناء ظنه، ومعاذ الله أن أقولها، وأستجيز معقولها، بلى كان بيني وبينه عتاب لا ينزع كنفه، ولا يجذب أنفه، وحديث لا يتعدى النفس وضميرها، ولا تعرفه الشفة وسميرها، وعربدة كعربدة أهل الفضل لا تتجاوز الدلال والإدلال، ووحشة يكشفها عتاب لحظة، كغناء جحظة، فسبحان من ربى هذا الأمر حتى صار أمرًا، وتأبط شرًّا، وأوحش حرًّا، وأوجب عذرًا، بل سبحان من جعلني في حيز العذر أشيم بارقته، وأستخيل صاعقته، أنا المساء إليه، والمجني عليه والمستخف به.

لكن من بلي من الأعداء كما بليت، ورمي من الحسدة بما رميت، ووقف من الوجد والوحدة حيث وقفت، واجتمع عليه من المكار ما وصفت، اعتذر مظلومًا، وأحسن ملومًا، وضحك مشتومًا، ولو علم الشيخ عدد أبناء الحدد، وأولاد العدد، بهذا البلد، ممن ليس له همة إلا في شكاية أو حكاية أو سعاية أو نكاية؛ لضن بعشرة غريب إذا بدر، وبعيد إذا حضر، ولصان مجلسه عمن لا يصونه عما رقي إليه، فهبني قلت ما حكي له، أليس الشاتم من أسمع؟ أليس الجاني من أبلغ؟ فقد بلغ من كيد هؤلاء القوم أنهم صادفوا من الأستاذ نفسًا لا تستفز، وجبلًا لا يهز، وشُوا إليه بما أرَّثوا به نارهم، ورد عليَّ ما قالوه فما لبثت أن قلت:

فإن يك حربٌ بين قومي وقومها
فإني لها في كل نائبة سلمُ

فليعلم الشيخ الفاضل أن في كبد الأعداء مني جمرة، وأن أولاد الزنا عندنا كثرة، وقصاراهم نار يشبونها، أو عقرب يدببونها، أو مكيدة يطلبونها، ولولا أن العذر إقرار بما قيل وأكره أن أستقيل، بسطت في الاعتذار شاذروانًا، ودخلت في الاستقالة ميدانًا، لكنه أمر لم أضع أوله فلا أتدارك آخره.

وقد ختم بديع الزمان رسالته بهذه الأبيات:

مولاي إن عدت ولم ترض لي
أن أشرب البارد لم أشرب
امتط خدي وانتعل ناظري
وصد كفي حمة العقرب
بالله ما أنطق عن كاذب
فيك ولا أبرق عن خلب
فالصفو بعد الكدر المفترى
كالصحو بعد المطر الصيب
إن أجتن الغلظة من سيدي
فالشوك عند الثمر الطيب٤
ثم انتظر من ابن مسكويه أن يعتذر عن إعراضه عنه، فأجابه بما نصه بعد الديباجة:
أما البلاغات التي أومأ إليها فوالله ما أذنت لها ولا أذنت فيها، وما أذهبني عن هذه الطريقة وما أبعدني عنها! وقد نزه الله لساني عن الفحشاء، وسمعي عن الإصغاء، وما يتخذ العدو بينهما مجالًا.٥

ومثل هذا الجواب يشعر بأن موقف بديع الزمان من صاحبه كان موقف التابع من المتبوع، والمصادر لا تعيننا على تحديد ما كان بينهما من ألوان الصلات، وإن كانت عبارة ياقوت صريحة في أنه كان بينهما قبل هذا العتب وداد.

شغف ابن مسكويه شغفًا بالغًا بالفلسفة اليونانية، واطلع على أكثر ما عرف العرب من مؤلفات اليونان، ويرى القارئ في آثاره ظلالًا كثيرة لآراء سقراط وجالينوس وأرسططاليس، ويظهر أن الفلسفة اليونانية وصلت إلى أعماق نفسه في وضوح وجلاء، فاقتفى مناهج اليونان في عرض الآراء ونقد مظاهر الحياة العقلية والسياسية والاجتماعية، وكذلك لم يقف في دراسة الأخلاق عند الحدود الدينية التي كان يكتفي بها الصوفية والناسكون والزاهدون، بل ساير العقل وصاحبه وأنس به واطمأن إليه، ثم اتخذه أساسًا للأخلاق، فصار العقل عنده نظيرًا للوحي في عرف المتبتلين، وما زال يدور حول المعقولات في نظام السلوك حتى صار الخلق المعقول أحب إليه وأقرب إلى نفسه من الخلق المنقول، فهو لا يفعل الخير لأنه أمر به، ولا يجتنب الشر لأنه نُهي عنه، وإنما يفعل ما يفعل ويترك ما يترك وفقًا لما اطمأن إليه عقله وأمر به وجدانه في حدود النفع والمنطق والذوق.

وإلى القارئ وصيته — أو دستوره إن شاء — في نظام السلوك:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما عاهد عليه أحمد بن محمد ربه، وهو يومئذ آمن في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه، لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن؛ ولا يريد بها مراءاة مخلوق ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرة؛ عاهده على أن يجاهد نفسه ويتفقد أمره، فيعف ويشجع ويحكم، وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله الشره على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته، وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة ولا غضب في غير موضعه، وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة، ليصلح أولًا نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها التي هي العدالة، وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها؛ وهي خمسة عشر بابًا:

إيثار الحق على الباطل في الاعتقادات، والصدق على الكذب في الأقوال، والخير على الشر في الأفعال، وكثرة الجهاد الدائم لأجل الحرب الدائم بين المرء وبين نفسه، والتمسك بالشريعة ولزوم وظائفها، وحفظ المواعيد التي ينجزها، وأول ذلك ما بينه وبين الله عز وجل، وقلة الثقة بالناس وبترك الاسترسال، ومحبة الجميل لأنه جميل لا لغير ذلك، والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل، وحفظ الحال التي تحصل في شيء شيء حتى تصير ملكة ولا تفسد بالاسترسال، والإقدام على كل ما كان صوابًا، والإشفاق على الزمان الذي هو العمل ليستعمل في المهم دون غيره، وترك الخوف من الموت والفقر لعمل ما ينبغي، وترك التواني، وترك الاكتراث لأقوال أهل الشر والحسد لئلا يشتغل بمقابلتهم، وترك الانفعال لهم، وحسن احتمال الغنى والفقر والكرامة والهوان، وذكر المرض وقت الصحة، والهم وقت السرور، والرضا عند الغضب ليقل الطغي والبغي، وقوة الأمل وحسن الرجاء، والثقة بالله عز وجل وصرف البال إليه.٦

هوامش

(١) معجم الأدباء (٢ / ٨٩).
(٢) مرت هذه الكلمة في الفصل السابق.
(٣) ياقوت (٢ / ٩٠).
(٤) ياقوت (٢ / ٩٢، ٩٣).
(٥) ص٩٣.
(٦) معجم الأدباء (٢ / ٩٥، ٩٦).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠