الفصل الرابع

ابن نباتة الخطيب

اشتهر بابن نباتة في الأدب العربي ثلاثة رجال؛ أولهم: عبد الرحيم بن محمد بن نباتة الخطيب الذي ولد في ميافارقين بديار بكر سنة ٣٣٥ ودفن بها سنة ٣٧٤، والثاني: محمد بن محمد بن نباتة المصري الشاعر، وصاحب «سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون» وهو من ذرية ابن نباتة الخطيب كما أشار إليه في آخر إجازته الصلاح الصفدي، وهي مذكورة في خزانة الأدب (٦٨٦–٧٦٨)،١ والثالث: عبد العزيز بن نباتة السعدي أحد الشعراء المجيدين الذين مدحوا سيف الدولة ابن حمدان.
وابن نباتة الخطيب الذي نحن بصدده رجل موفق رزق ما لم يرزق أحد من الشهرة العريضة بين الخطباء الواعظين، وقد ذكر ابن خلكان أن الإجماع وقع على أن خطبه ما عمل مثلها، وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته.٢ وقد اهتم النقاد بتعقب خطبه ومناقشتها، فعرض له ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة،٣ وعرض له ابن الأثير صاحب المثل السائر في عدة مواطن في كتابه،٤ واهتم بشرح ديوانه جماعة من المشاهير؛ منهم عبد الله العكبري (٥٣٨–٦١٦)، وعبد اللطيف بن يوسف البغدادي (٥٥٧–٦٢٩)، وعثمان بن يوسف القليوبي المتوفى سنة ٦٤٤.

ويظهر مما كتب عنه أن الرجل كان قد فَنِيَ في الوعظ فناء تامًّا، وكان مشغوفًا بما يطمئنه على مصيره ومصير عمله، فكان لذلك يتمنى لو يرى الرسول في المنام، وقد صحت له هذه الأمنية، نقل ابن خلكان عن تاج الدين الكندي بإسناده المتصل إلى الخطيب ابن نباتة أنه قال: لما عملت خطبة المنام وخطبت بها يوم الجمعة رأيت ليلة السبت في منامي كأني بظاهر ميافارقين عند الجبانة، فقلت: ما هذا الجمع؟ فقال لي قائل: هذا النبي ومعه أصحابه، فقصدت إليه لأسلم عليه، فلما دنوت منه التفت فرآني فقال: مرحبًا يا خطيب الخطباء! كيف تقول — وأومأ إلى القبور؟ قلت: لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقال لقالوا، قد شربوا من الموت كأسًا مرة، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرة، وآلى عليهم الدهر ألية برة، أن لا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرة، كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدلوا في الأحياء مرة! أسكتهم والله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجددهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله خلقًا جديدًا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودًا، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا — وأومأت عند قولي: تكونون شهداء على الناس إلى الصحابة، وبقولي: شهيدًا إلى الرسول — يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا.

فقال لي: أحسنت، ادن، فدنوت منه فأخذ وجهي وقبله وتفل في فمي وقال: وفقك الله!

ومثل هذه الرؤيا يدل على منحى ابن نباتة وفهمه لواجبات الخطيب، ورؤيا الرسول لا تدل على شيء أكثر من شغل الرائي واتجاهاته الفكرية، فالرسول حين تراءى له في نومه لم يحدثه إلا بما يجب هو أن يتحدث به، وكان ابن نباتة مغرمًا بالكلام على الموت والمعاد، وكذلك وجه الرسول اهتمامه في المنام إلى سؤاله عن مصير أهل القبور، وملحقات الرؤيا تعطينا صورة من عقلية الواعظين، ولا تزال تلك الصورة موجودة إلى اليوم، فاجتذاب الرسول لوجه الخطيب وتقبيله إياه ثم تفله في فمه، وبقاء الخطيب بعد هذا المنام ثلاثة أيام لا يطعم طعامًا ولا يشتهيه مع غلبة ريح المسك على فيه، وموته بعد ذلك المنام بقليل؛ كل هذا من الصور العقلية التي تردد كل يوم بين طبقات الواعظين من الخطباء.

ويظهر أن صيت ابن نباتة وسمعته دفعت من بعده إلى تلمس أخباره عن طريق المنام، فقد قال ابن خلكان: رأيت في بعض المجاميع، قال الوزير أبو القاسم بن المغربي: رأيت الخطيب ابن نباتة في المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ دفع لي ورقة فيها سطران بالأحمر وهما:

قد كان أمنٌ لك من قبل ذا
واليوم أضحى لك أمنان
والصفح لا يحسن عن محسن
وإنما يحسن عن جاني

وهذا المنام الأخير فيه صور غريبة، فالله — عز شأنه — دفع إلى ابن نباتة ورقة، ولكن أي ورقة؟ هي صحيفة مكتوبة بالمداد الأحمر، وفيها بيتان من الشعر. فالرائي صور له وهمه أن المداد الأحمر أدل على القبول، وأن البراءة حين ترد شعرًا تكون أدل على العناية، وهذه الرؤيا تشبه ما قرأته — ولا أذكر أين — أن رجلًا رأى أبا نواس بعد موته، فقال له: ما فعل الله بك؟ فأجاب غفر لي بقولي:

تكثّر ما استطعت من الخطايا
فإنك واجدٌ ربًّا غفورًا
وقد أشرت في كتاب الأخلاق عند الغزالي إلى المنامات التي رآها أنصار الغزالي وخصومه بعد موته، ثم قلت في التعقيب عليها: «وأنا لا أتخذ من هذه الأحلام دليلًا على أن الغزالي من أصحاب الكرامات، كما نوه بذلك مترجموه، كلا! وإنما أتخذها دليلًا على ما وصلت إليه منزلة الرجل في قلوب المسلمين، فإن لما يراه المرء في منامه صلة قوية بما يلهج به في يقظته، وهؤلاء الذين جلدوا في منامهم لا يبعد أن يكونوا استشعروا خوف الغزالي وهم أيقاظ، وعلى الأخص إذا لاحظنا ما شاع بين المسلمين في تلك العصور الخوالي من سلطة الأولياء، وتصرفهم المطلق في عالم الأحياء.»٥

هذا الجو الذي أحاط بابن نباتة، جو التقى والصلاح والزهد، أثر في خطبه أبلغ تأثير، فأفاض في ذكر الموت والبعث والحشر والميزان، وأطال فيما سيلقى المحسنون من الثواب، وما سيعاني المسيئون من العقاب، وهناك جو آخر أثر في خطبه وأعطاها صبغة قوية رهيبة، ذلك الجو هو اتصاله بسيف الدولة ابن حمدان، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، فلهذا أكثر الخطيب من خطب الجهاد ليحض الناس عليه ويحثهم على نصرة سيف الدولة.

ولكن ما هي قيمة ابن نباتة الذي حدثنا صاحب المثل السائر٦ أن خطبه كانت منشورة بين أيدي الناس يغرمون به ويكبون عليها، وأنها كانت في أنفسهم تساوي مقامات الحريري؟

من الوجهة الفنية يعد ابن نباتة من أعرف الناس بصياغة الكلام، وهو يراعي فنون البديع مراعاة تامة، وسجعه حسن مقبول، وربما كان السجع أقرب فنون البديع إلى لغة الخطباء؛ فهو أسرع تأثيرًا في الجماهير التي لا تفطن إلا إلى الظواهر البراقة من حيلة البلاغة والبيان، وربما كان في اختيار الواعظين للسجع اتصال للتقاليد القديمة التي عرفت عن الكهان، والكهان هؤلاء كانوا رجالًا يؤدون في البيئات الجاهلية ما يؤديه الخطباء الواعظون في البيئات الإسلامية، والجمهور واحد أمام الفريفين؛ فهو دائمًا عامة الناس الذين يجدون فيما تحتوي السجعات من الألحان والأنغام والأوزان مثيرًا لما لا يدركون من النزعات الإنسانية الكامنة التي يهيجها النغم والإيقاع.

وابن نباتة يجمع بين السجع والموازنة، وذلك مما يهتم به الحريصون على التفوق في الصناعة اللفظية، ولنضرب المثل بقوله:
حتى إذا استحكمت فيه طماعية التخليد، واستولت عليهم رفاهية التمهيد.٧
وهو في هذه الكلمة قابل بين «طماعية» و«رفاهية»، وبين «التخليد» و«التمهيد» … وقوله:
ولكن صال عليهم القضاء فأطرقوا، وطال بهم العفاء فأخلقوا.٨

فقد قابل بين «صال» و«طال»، وبين «القضاء» و«العفاء»، وبين «أطرقوا» و«أخلقوا».

وكذلك قوله: «فهلم عباد الله إلى محاسبة النفوس، قبل مواثبة النحوس، ومقارنة الرموس، ومعاينة اليوم العبوس، يوم غض الرءوس، وفض الطروس.»٩

والموازنة في هذه الفقرات ظاهرة لا تحتاج إلى تعيين.

ومما يجيده ابن نباتة تضمين آي القرآن، وإنه ليحكم ذلك إحكامًا تامًّا حتى تقع الآية في سياق الكلام موقعًا لطيفًا لا ينتبه له القارئ إلا إذا كان من الحفاظ، وقد اختار له ابن الأثير العبارات الآتية:

فيأيها الغفلة المطرقون، أما أنتم بهذا الحديث مصدقون، فما لكم منه لا تشفقون، فوَرَبِّ السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون.

وقوله في ذكر يوم القيامة:

هناك يقع الحساب على ما أحصاه الله كتابًا، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابًا، يوم يقوم الروح والملائكة صفًّا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابًا.» وقوله أيضًا: «هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب ومن حق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.

وهذه التضمينات كثيرة جدًّا في خطبه، وشهد لها ابن الأثير بأنها من محاسن ما يجني في هذا النوع.١٠
وبجانب السجع والموازنة والتضمين يوجد فن آخر لابن نباتة هو الكلف بالخيال، والخيال إذا ورد في أمثال تعابيره المثقلة بالزخرف والصنعة والتجويد يقع من أنفس الجماهير موقع السحر؛ لأن رواد المساجد والمعابد يقبلون عليها غالبًا بنفوس صافية سريعة التأثر والقبول، ومن نماذج التخيل البارع قوله يتحدث عن الله — عز شأنه — وهو يباهي الملائكة بأفواج الحجاج في عرفات:
يحنون إليَّ حنين الطير إلى أوكارها، ويفدون عليَّ من فجاج الأرض وأقطارها، أنضاء على الأنضاء، خواضًا لجج الرمضاء.١١

وأنا يعجبني الخيال في قوله: «أنضاء على الأنضاء»، يريد الحجاج الذين أنضاهم التقى والخوف على المطايا التي أنضاها السير والسرى. وقوله: «خواضًا لجج الرمضاء» فيه أيضًا خيال جميل، وإن كنت لا أستجيد إضافة اللجج إلى الرمضاء؛ لأن أيام الحج لا تكون دائمًا في القيظ الشديد.

وقد يسمو به التخيل إلى بعض الصور الطريفة كقوله في بعض خطب الجهاد:
قد دخلت علينا الفتنة من كل باب، وأطمعتنا الدنيا إطماع السراب، نتهارش على حكامها تهارش الكلاب، ونلبس فيها جلود الضأن على قلوب الذئاب، ننظر إلى المعروف نظر الخزر الغضاب، ونسكن إلى المنكر سكون الباني بالخود الكعاب، وقد أظلنا من العدو سحائب ممتدة الأطناب، ودبت في ديارنا منه عقارب الخراب.١٢
وقوله في خطبة أخرى: «إن للجنة بابًا حدوده تطهير الأعمال، وتشييده إنفاق الأموال، وساحته زحف الرجال إلى الرجال، وطريقه غمغمة الأبطال، ومفتاحه الثبات في معترك القتال، ومدخله من مشرعة الصوارم والنبال.»١٣

أما من الوجهة العقلية فابن نباتة يقف دائمًا في حدود الأفكار السطحية، فيبدئ ويعيد في ذكر الموت والمعاد، ويتكلم على فضائل المواسم والشهور؛ فيستقبل أول السنة ويبين فضل يوم عاشوراء، ثم يخطب في فضل رجب، ثم يودعه ليستقبل شعبان، ثم يودع شعبان ليستقبل رمضان، وهكذا دواليك من الشئون التي تهم العوام. وأهم خطبه من الوجهة المعنوية خطب الجهاد، ولكنها أيضًا خطب يملؤها الصخب ويقل فيها الروح الملتهب والرأي السديد، وهي دائمًا دون خطب علي بن أبي طالب التي كان يحفظها ابن نباتة ويتأثرها في جميع مواقفه الخطابية.

ومن الصعب أن نجد في خطب الجهاد فقرة تستحق الخلود، أو تدل على عمق في الفكر أو سمو في الخيال، وإن كنا نرضى عن مثل قوله: «فقدموا مجاهدة القلوب، قبل مشاهدة الحروب، ومغالبة الأهواء، قبل محاربة الأعداء.»١٤ وقوله: «واستشعروا السكينة إذا كشفت الحرب نقابها، وأطار الإقدام عقابها، وأحرَّ اللطام ضرابها، وأمر الحمام شرابها، ونزلتم للجهاد منزلًا قد أشرعت إليه الجنة أبوابها، وطالعت الحور الحسان منه أحبابها، وقيل: هذه عروس دار الآمال فكونوا الآن خطابها، وصرخ الشيطان بطغام أعوانه، وأرعد وأبرق بأضاليل بهتانه، وهول باحتشاد عبدة صلبانه، وضمن لهم ما هو مخفر في ضمانه، وجاء الحق وبطل النفاق، وانسدت بجيش العدو الجهات والآفاق، فأخمدوا هنالك بصواعق العزمات رهجه، وأبطلوا بصوادق الحملات حججه، وأضربوا ببيض الصفاح ثبجه، وأركبوا ببذل الأرواح لججه، وأنهبوا بالموت الصراح مهجه.»١٥

ومهما يكن من شيء فقد استطاع ابن نباتة أن يملك ألباب الجماهير بخطبه، وعرف كيف تساس العامة وكيف تغرس في صدورها بذور التقى والإباء، واستطاع أن يؤدي الأغراض المرجوة من مثله في تعابير فصيحة لو أنها رزقت من العمق ما رزقته من السلاسة لكانت مثلًا في براعة الإنشاء، وعذر الرجل أنه كان يخاطب طوائف من الناس العمق في مخاطبتها عي، والتدلي في إفهامها إفصاح، ولكل مقام مقال.

هوامش

(١) ص١٨ مقدمة ديوان ابن نباتة لطاهر الجزائري، ومقدمة ديوان ابن نباتة للبشتكي.
(٢) (١ / ٥٠٧).
(٣) (١ / ١٤٢).
(٤) ص١١٨، ١٦٣، ٤٦٠.
(٥) الأخلاق عن الغزالي ص٤٧٣، ط١.
(٦) ص١١٨.
(٧) ص٦٠ من ديوان الخطب النباتية.
(٨) ص٦١.
(٩) ص٦٢.
(١٠) ص٤٦٠ من المثل الثائر.
(١١) ص١٢٧.
(١٢) ص١٨٠ من ديوان الخطب النباتية.
(١٣) ص١٨٤.
(١٤) ص١٨٣.
(١٥) ص٢٠٩، ٢١٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠