الفصل الحادي عشر

رسائل الصابي

أما نثر الصابي فهو في الأغلب موضوعي؛ لأنه في أكثر الأحيان يتكلم عن شئون خاصة بالدولة التي يخدمها، ويندر أن يتحدث عن نفسه، وهي مهمة دقيقة لا يوفق إلى أدائها على الوجه الأكمل إلا الكتاب الفحول، وأول ما يروعنا من نثر الصابي فناء روحه في البيئة الإسلامية التي يعيش فيها، فهو مع بعده عن الإسلام يتحدث بلغته، وتجري تعابيره وأخيلته وكأنما تستمد وحيها من القرآن، وهو في هذا الباب مسلم أكثر من المسلمين، وإنه ليصف الله — عز شأنه — فيقول: «لا تحده الصفات، ولا تحوزه الجهات، ولا تحصره قرارة مكان، ولا يغيره مرور زمان، ولا تتمثله العيون بنواظرها، ولا تتخيله القلوب بخواطرها، فاطر السموات وما تظل، وخالق الأرض وما تقل، الذي دل بلطيف نعمته على جليل حكمته، وبين بجلي برهانه على خفي وجدانه، واستغنى بالقدرة عن الأعوان، واستعلى بالعزة عن الأقران، البعيد عن كل معادل ومضارع، الممتنع عن كل مطاول ومقارع، الدائم الذي لا يزول ولا يحول، العادل الذي لا يظلم ولا يجور، الكريم الذي لا يضن ولا يبخل، الحليم الذي لا يعجل ولا يجهل، ذلكم الله ربكم فادعوه مخلصين له الدين.»١

ولو أننا قارنا هذه العبارات بأمثالها مما تكلم به الشريف الرضي على لسان علي بن أبي طالب لرأينا الصابي يستقي من نفس المنبع الذي استقى منه الشريف، ويمكننا بهذه المناسبة أن نقرر أن كتاب ذلك العصر كانوا يميلون إلى الكلام عن ذات الله وصفاته وعن رسله وأنبيائه خصوصًا في المواطن التي يخاطبون فيها الجماهير، وفي ذلك دلالة على أن الروح الديني كان لا يزال حافظًا لبعض سحره الأول يوم كان يفعل ما يشاء بألباب الرجال.

وورود نثر الصابي في شئون إدارية ومشاكل يومية جعله غير صالح للبقاء، وكذلك نرى أكثر رسائله وعهوده مما تنبو عنه ميول القراء في العصر الحديث، فإن الكتابات التي تُعنَى بمشاكل اليوم الحاضر وتشغل بالمنازعات اليومية يكون حظها في الأغلب حظ مقالات الصحف التي تصف الأزمات الوقتية ثم لا تصلح بعد ذلك لأن تكون أثرًا فنيًّا، وإنما يقف نفعها على المشتغلين بالتاريخ، ورسائل الصابي كذلك لا تنفع في جملتها إلا من يهتمون بتاريخ ذلك العهد من عهود الدولة العباسية، وهي صريحة في أن الخلفاء كانوا لا يملكون شيئًا، وإنما يستبد بالأمر من يملك باسمه من الأمراء والوزراء، وأي أثر أدل على ضعف الخلفاء من هذه العبارة التي وردت على لسان الخليفة إلى أهل البصرة:
وأمير المؤمنين يعلمكم أن عز الدولة يده التي يبطش بها، وعدته التي يعول عليها، ويأمركم بالجهاد معه، والنصر له، والكون على كل مخالف عليه ومنازع له، وقد قرن أمير المؤمنين العهد في ذلك عليكم بعهد البيعة الحاصلة في أعناقكم، وجعلكم في أضيق حرج من التقصير أو التعذير أو المراقبة أو المخاتلة، وليس لكم صلاة ولا زكاة ولا عقد ولا مناكحة ولا معاملة إلا مع طاعته والإخلاص له سرًّا وجهرًا وقولًا وفعلًا، فاعلموا ذلك من رأي أمير المؤمنين، واعملوا عليه واعتمدوه وانتهوا إليه.٢

فإذا تركنا ما تنبئ عنه العهود التي كتبها الصابي على ألسنة الخلفاء من غلبة الديلم واستبدادهم بمصالح الدولة، وأقبلنا نتلمس الحقائق الباقية من آراء الصابي وجدناها قليلة، ورأينا شهرة الرجل قائمة على أنه كان آلة ماضية في يد من كتب لهم من الخلفاء والوزراء، والظاهر أن تأثيره من هذه الناحية كان قويًّا جدًّا، حتى استباح لنفسه أن يقول:

وقد علم السلطان أني أمينهُ
وكاتبه الكافي السديد الموفقُ
أؤازره فيما عرا وأمده
برأي يريه الشمس والليل أغسق
يجد بي نهج العلا وهو دارس
ويفتح بي باب الهدى وهو مغلق
فيمناي يمناه ولفظي لفظه
وعيني له عين بها الدهر يرمق
ولي فقر تضحى الملوك فقيرة
إليها لدى أحداثها حين تطرق
أرد بها رأس الجموح فينثني
وأجعلها سوط الحرون فيعنق
فإن حاولت لطفًا فماء مروق
وإن حاولت عنفا فنار تألق٣

وقد أشار الرضي في رثائه له إلى هذه الناحية من قوته فقال:

من للملوك يحز في أعدائها
بظبي من القول البليغ حداد
من للممالك لا يزال يلمها
بسداد أمر ضائع وسداد
من للجحافل يستزل رماحها
ويرد رعلتها٤ بغير جلاد
من للموارق يسترد قلوبها
بزلازل الإبراق والإرعاد٥
وفي الحق أننا لا نجد في رسائل الصابي ما يلفت النفس إليه إلا بضع الفقرات الوصفية التي تمثله لنا رجلًا فنانًا يحكم القول، ويجيد الوصف، وهذه الفقرات قليلة أيضًا، وهي غريقة في لجج إسهابه وتطويله هنا وهناك، فمن ذلك ما جاء في رسالته عن المعركة التي دارت في آمد آخر رمضان سنة ٣٦٢ بين المسلمين وبين الروم:
وتلوم أصحابنا بها — أي: بآمد — يريحون، والكفرة على مسافة يوم منهم مقيمون، مرة تقدم بهم الآجال، ومرة تحجم بهم الأوجال، ثم تدانى الفريقان، والتقت حلقتا البطان٦ … فثبت الطغاة اغترارًا بوفور عددهم، ومحاماة عن صاحبهم وعظيم كفرهم، وأخذ الأولياء منهم بالمخنق، وصدقوهم القتال في المعترك الضيق، فلما استعرت الملحمة، وعلت الغمغمة، ودارت رحى الحرب، واستحر الطعن والضرب، واشتجرت سمر الرماح، وتصافحت بيض الصفاح، تداعى الأولياء بشعار أمير المؤمنين المنصور، وتنادى الكفار بالويل والثبور، فنكصوا على أقدامهم مجدين في الهزيمة، واعتدوا الحشاشات لو سلمت لهم من أعظم الغنيمة، واستلحمتهم السيوف، واحتكمت فيهم الحتوف، وأخذ المسلمون منهم الثار، وعجل الله بأرواحهم إلى النار.٧
وقد تصفحنا رسائله غير مرة لنرى أثر الحكمة فيها فوجدناه ضئيلًا، ولم يستقر رأينا فيه إلا على فكرة واحدة؛ هي أنه كان خبيرًا بنفوس أهل عصره، وكان لذلك موفقًا في الوصول إلى مرضاة من يخدمهم من الرؤساء وإرهاب من يكتب في زجرهم من العصاة والثائرين، وكان يعرف ما يصح أن يسمى «سياسة القول»، يدل على ذلك قوله فيما يجب أن تكون عليه «لغة المنشورات الرسمية» فيما كتب عن المطيع لله إلى الوزير المهلبي سنة ٣٥١:
وإذا عرض من ذلك ما تعلمه الخاصة بوفور ألبابها، وتجهله العامة بقصور أذهانها، وكانت أوامره — يريد أمير المؤمنين — فيه خارجة إليك وإلى أمثالك من أعيان رجاله وأماثل عماله، والذين يكتفون بالإشارة، ويجترئون بيسير الإبانة والعبارة، لم يدع أن يبلغ من تخليص اللفظ وإيضاح المعنى إلى الحد الذي يلحق المتأخر بالمتقدم، ويجمع بين العالم والمتعلم، ولا سيما إذا كان ذلك مما يتعلق بعمالات الرعية، ومن لا يعرف إلى الظواهر الجليلة، دون البواطن الخفية، ولا يسهل عليه الانتقال من العادات المتكررة إلى الرسوم المتغيرة، ليكون القول المشروح لمن برز في المعرفة مذكرًا، ولمن تأخر فيها مبصرًا، ولأنه ليس في الحق أن تمنع هذه الطبقة من برد اليقين في صدورها، ولا أن يقتصر على اللمحة الدالة على مخاطبة جمهورها، حتى إذا استوت الأقدام بطوائف الناس في فهم ما أمروا به، وفقه ما دُعوا إليه، وصاروا فيه على كلمة سواء، لا يعترضهم شك الشاكين، ولا استرابة المستريبين، اطمأنت قلوبهم، وانشرحت صدورهم، وسقط الخلاف بينهم، واستمر الاتفاق فيهم، واستيقنوا أنهم مسوسون على استقامة في المنهاج، ومحروسون من جرائر الزيغ والاعوجاج، فكان الانقياد منهم وهم دارون عالمون، لا مقلدون مسلِّمون، وطائعون مختارون، لا مكرهون مجبرون.٨
على أن في الرسائل التي كتبها عن الخلفاء فقرات تنحو منحى الرسائل الإخوانية، وتجري فيها المعاني طلقة رقيقة كأنفاس العتاب، فقد كتب الطائع لله إلى عضد الدولة يقول:
أما بعد؛ فإنك من المنزلة العالية عند أمير المؤمنين بحيث يقتضيه تأهيله إياك لها، وإنافته بك إليها، ألا يصبر منك على حدوث قطيعة، ولا يغضي لك على اعتراض جفوة، ولكنه يوجب في الحقوق بينه وبينك، والأواصر الممتهدة عنده لك، أن يجم صفوة الحال عما يشوبها، وينفيها مما يعيبها، ويتأناك إلى أن تعود من ذاتك إلى ملازمة طبعك السليم، وسننك المستقيم، ويعتقد أنك منه كالعين الناظرة التي تصان عما يقذيها، واليد الباطشة التي تحفظ عما يدويها.٩

غير أني ألاحظ أن هذه الفقرة استغلال لقول ابن الرومي في العتاب:

لا أجازيك من غرورك إيا
ي غرورًا وقيت سوء الجزاء
بل أرى صدقك الحديث وما ذا
ك لبخل عليك بالإغضاء
أنت عيني وليس من حق عيني
غض أجفانها على الأقذاء
ومن المعاني الوجدانية قوله على لسان عز الدولة وقد نقلت ابنته المزوجة بعدة الدولة أبي تغلب إليه بالموصل:
قد توجه أبو النجم بدر الحرمى وهو الأمين على ما يلحظه، الوفي بما يحفظه، نحوك يا سيدي ومولاي — أدام الله عزك — بالوديعة، وإنما نقلت من وطن إلى سكن، ومن مغرس إلى معرس، ومن مأوى بر وانعطاف إلى مثوى كرامة وإلطاف، ومن منبت درّت لها نعماؤه، إلى منشأ يجود عليها سماؤه، وهي بضعة مني انفصلت إليك، وثمرة من جني قلبي حصلت لديك، وما بان عني من وصلتُ حبله بحبلك، وتخيرت له بارع فضلك، وبوأته المنزل الرحب من جميل خلائقك، وأسكنته الكنف الفسيح من كريم شيمك وطرائقك، ولا ضياع على ما تضمه أمانتك، ويشتمل عليه حفظك ورعايتك.١٠
وقد لاحظ مؤلف اليتيمة أن الصابي استمد روح هذا الخطاب مما كتبه جعفر بن محمد بن ثوابة عن المعتضد إلى ابن طولون في ذكر ابنته قطر الندى المنقولة إليه.١١

ومما لاحظناه على الفقرة السالفة وما لاحظه الثعالبي على الفقرة الأخيرة يظهر بوضوح أن الصابي كان يجتهد في استغلال ما ترك الأولون من بديع المنظوم والمنثور بطريقة ساخرة خفي بها على أكثر معاصريه ما أخذه من روائع الأدب القديم.

وبالرغم من المؤاخذات التي واجهنا بها نثر الصابي فإننا نعترف بأنه نجح في ناحيتين:
  • الأولى: ظهوره بمظهر التفوق في لغته الفنية الزاخرة متى وسعت ما وسعت من ضروب التعابير والأخيلة والصور في الموضوعات الكثيرة التي جرى فيها قلمه، فإننا لا نكاد نجده يكرر معنى أو يعيد لفظًا إلا في أحوال قليلة تغتفر لكاتب يحمل على القول ويساق إلى البيان، وكتابته مع ما فيها من التزام السجع سهلة مقبولة يقل فيه التكلف ويغلب عليها الطبع.
  • الثانية: سعة حيلته في التوفيق بين الخلفاء والأمراء والوزراء، فقد كان عصره عصر اضطراب وفوضى، وكان من العسير تحديد ما يصلح في التخاطب بين تلك القوى المختلفة التي كانت تتنازع الجاه والسلطان، وتعرف كيف تحاك الدسائس وتنصب الأشراك، وكان يزيد في حرج الصابي ودقة موقفه أنه كان مسئولًا عما يصدر من ديوان الرسائل، فكان لذلك الحرج وتلك المسئولية أثر قوي في رياضة نفسه وتوجيهها إلى حسن التدبير فيما تقضي به تكاليف منصبه الخطير، على أن ذلك الحزم لم يلازمه في جميع الظروف؛ فقد وقعت في إحدى رسائله لفظة عدها عضد الدولة تعريضًا به وأسرها في نفسه إلى أن ملك العراق فحبسه واستصفى أمواله،١٢ وقضى لذلك بقية أيامه في عسر دائم أنساه ما مر به من طيبات الحياة.

هوامش

(١) ص٨٢ من مختار رسائل الصابي. وانظر مثل هذه الفقرة في ص٤٣، ٤٤.
(٢) ص٢٠٨.
(٣) اليتيمة (١ / ٥٠).
(٤) الرعلة: الجيش الكثير.
(٥) ديوان الشريف الرضي (١ / ٢٩٦).
(٦) البطان: الحزام يجعل تحت بطن البعير، ويقال: التقت حلقتا البطان للأمر إذا اشتد.
(٧) ص٥٠.
(٨) ص٢٠٩، ٢١٠.
(٩) ص٢٠١.
(١٠) يتيمة (١ / ١٩١).
(١١) يتيمة (١ / ١٩١، ١٩٢).
(١٢) ياقوت (١ / ٣٢٧).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠