الفصل الخامس عشر

بديع الزمان

ولد أبو الفضل أحمد بن الحسين في همذان نحو سنة ٣٥٧، درس اللغة والأدب وتعمق فيهما تعمقًا ظهر أثره في نثره وشعره، وكان في صباه جميلًا فتانًا خفيف الروح، وكان لجماله وحلاوة لسانه أثر كبير في النصر الذي أحرزه في حياته الأدبية، فقد انتقل إلى نيسابور سنة ٣٨٢، وكانت يومئذ موطنًا لأبي بكر الخوارزمي أعلم أهل عصره باللغة والأدب، وأقربهم مكانة من الملوك والأمراء، فبدا بديع الزمان أن يناظره علنًا عند بعض الأمراء، فقبل الخوارزمي بعد تردد، ثم دارت المناقشة يومًا أو بعض يوم في موضوعات أدبية مختلفة، فاستطاع بديع الزمان بسرعة بديهته ونضارة صباه أن يجذب إليه أنظار الحاضرين، فغُلب الخوارزمي وظهرت عليه دلائل الضعف، وسرى في الأقطار الإسلامية يومئذ أن بديع الزمان أجمل منه شعرًا وأحلى نثرًا، وأقوى حجة، ثم مرض الخوارزمي حزنًا ومات قبل أن ينقضي الحول سنة ٣٨٣.

وبموت الخوارزمي خلا الجو لبديع الزمان عند الملوك والأمراء والوزراء، وصار يتنقل في الحواضر الإسلامية بالشرق إلى أن استقر في هراة، وصاهر أحد علمائها الأعلام، وحسنت حاله، وأقبلت عليه الهدايا، ولكن المنية عاجلته وهو في سن الأربعين سنة ٣٩٨، وقد استيقظ في قبره بعد الدفن فظل يصرخ ويطلب الغوث، ولكن الناس لم ينتبهوا إليه إلا بعد مدة ففتحوا قبره فوجدوه مضطجعًا وقد أمسك لحيته بيده ومزق كفنه، ولكنه مات من الرعب والفزع حين يئس من النجاة.

اهتم كتاب التراجم بحياة بديع الزمان، وأجمل ما قرأناه في ترجمته قول الثعالبي في يتيمة الدهر: «بديع الزمان، ومعجزة همذان، ونادرة الفلك، وبكر عطارد، وفرد الدهر، وغرة العصر، ومن لم يلق نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، ومن لم يدرك قرينه في ظرف النثر وملحه، وغرد النظم ونكته، ومن لم ير ولم يرو أن أحدًا بلغ ما بلغه من لب الأدب وسره، وجاء بمثل إعجازه وسحره، فإنه كان صاحب عجائب، وبدائع وغرائب؛ فمنها أنه كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتًا فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها، لا يخرم حرفًا ولا يخل معنى، وينظر في الأربعة والخمسة أوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرةً واحدة خفيفة ثم يهدّ بها عن ظهر قلبه هدًّا ويسردها سردًا …

وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة، والجواب عنها فيها، وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبدئ بآخر سطر منه ثم هلم جرًّا إلى الأول ويخرجه كأحسن شيء وأملحه،١ ويوشح القصيدة الفريدة من قوله بالرسالة الشريفة من إنشائه فيقرأ من النظم والنثر، ويعطي القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الرشيقة، ويقترح عليه كل عويص وعسير من النظم والنقر فيرتجله في أسرع من الطرف، على ريق لا يبلعه، ونفس لا يقطعه، وكلامه كله عفو الساعة، وفيض البديهة، ومسافرة القلم، ومسابقة اليد، وجمرات الحدة، وثمرات المدة، ومجاراة الخاطر للناظر، ومباراة الطبع للسمع، وكان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغريبة بالأبيات العربية فيجمع فيها بين الإبداع والإسراع، إلى عجائب كثيرة لا تحصى ولطائف تطول أن تستقصى، وكان مع هذا كله مقبول الصورة، خفيف الروح، حسن العشرة، ناصع الظرف، عظيم الخلق، شريف النفس، كريم العهد، خالص الود حلو الصداقة، مر العداوة.
وفارق همذان سنة ٣٨٠ وهو مقتبل الشبيبة، غض الحداثة، وقد درس على أبي الحسين بن فارس وأخذ عنه جميع ما عنده، واستنفد علمه، واستنزف بحره، وورد حضرة الصاحب فتزود من ثمارها، وحسن آثارها، ثم قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية والتعيش في أكنافهم، والاقتباس من أنوارهم، واختص بأبي سعد محمد بن منصور ونفقت بضائعه لديه، وتوفر حظه من عادته المعروفة في إسداء المعروف والإفضال على الأفاضل، ولما استقرت عزيمته على قصد نيسابور أعانه على حركته، وأزاح علله في سفرته، فوافاها في سنة ٣٨٢ ونش بها بزَّه، وأظهر طرزه وأملى أربعمائة مقامة٢ نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية وغيرها، وضمنها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين؛ من لفظ أنيق قريب المأخذ، بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام، وجِدٍّ يروق فيملك القلوب، وهزل يشوق فيسحر العقول.

ثم شجر بينه وبين أبي بكر الخوارزمي ما كان سببًا لهبوب ريح الهمذاني وعلو أمره، وقرب نجحه، وبعد صيته، إذ لم يكن في الحسبان والحساب أن أحدًا من الأدباء والكتاب والشعراء ينبري لمباراته، ويجترئ على مجاراته، فلما تصدى الهمذاني لمساجلته وتعرض للتحكك به وجرت بينهما مكاتبات ومباهلات، ومناظرات ومناضلات وأفضى السنان إلى العنان، وقرع النبع بالنبع، وغلَّب هذا قوم وذاك آخرون، وجرى من الترجيح بينهما ما يجري بين الخصمين المتحاكمين، والقرنين المتصاولين، طار الهمذامي في الآفاق، وارتفع مقداره عند الملوك والرؤساء، وظهرت أمارات الإقبال على أموره، وأدر أخلاف الرزق وأركبه أكناف العز.

وأجاب الخوارزمي داعي ربه فخلا الجو للهمذاني وتصرفت به أحوال جميلة، وأسفار كثيرة، ولم يبقَ في بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلا دخلها، وجنى ثمرتها، واستفاد خيرها وميرها، ولا ملك ولا أمير ولا وزير ولا رئيس إلا استمطر منه بنوء، وسرى معه في ضوء، ففاز برغائب النعم، وحصل على غرائب القسم، وألقى عصاه بهراة واتخذها دار قراره، ومجمع أسبابه … وخار الله له في مصاهرة أبي الحسين بن محمد الخشنامي … فانتظمت أحوال أبي الفضل بصهره، وتعرفت القوة في عينه، والقوة في ظهره، واقتنى بمعونته ومشورته ضياعًا فاخرة وعاش عيشة راضية، وحين بلغ أشده وأربى على أربعين سنة ناداه الله فلباه، وفارق دنياه في سنة ٣٩٨، فقامت عليه نوادب الأدب، وانثلم حد القلم … إلخ.»٣
وقد نقلنا كلام الثعالبي على طوله؛ لأنه يعطي صورة من طرائق كُتاب القرن الرابع في كتابة التراجم، ولأن الثعالبي كان من معاصري البديع، ولأنه أعطانا فوائد تاريخية على قلة ما يفعل ذلك، فقد عرفنا أن البديع أنشأ المقامات في نيسابور بعد أن حل بها سنة ٣٨٢، وعرفنا أنه ناظر الخوارزمي في ذلك الحين، وهذا يعيِّن أن الخوارزمي مات سنة ٣٨٣ لا سنة ٣٩٣ كما توهم بعض من نقل عنهم ابن خلكان.٤

وتاريخ إنشاء المقامات الذي نص عليه الثعالبي ظاهر الصحة؛ لأن البديع يذكر تواريخ سبقت ذلك؛ كقوله في المقامات القزوينية: «غزوت الثغر بقزوين سنة خمس وسبعين.»

أما المناظرة التي أشار إليها الثعالبي والتي استفاض ذكرها في كتب الأدب فقد حررها بديع الزمان بقلمه، وهي وثيقة أدبية تمثل زهوه وأخلاقه، وتبين تهافت الناس إذ ذاك على شهود المناظرات، وكانت من الفنون الظاهرة في القرن الرابع، ومن أشهر من اهتم بتدوين مناظرات ذلك العهد أبو حيان التوحيدي، غير أن التوحيدي كان يهتم بتدوين المناظرات الفلسفية والفقهية.

ابتدأ بديع الزمان فحدثنا أن تقييد تلك المناظرة كان مما اقترح عليه، وأنه سيسوق صدر حديثه مع الخوارزمي إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجُرُز. ثم قال بعد كلام في الثناء على من وجه إليه الحديث:

نعود للقصة نسوقها، وأولها أنا وطئنا خراسان فما اخترنا إلا نيسابور دارًا، وإلا جوار السادة جوارًا، لا جرم أن حططنا بها الرحل، ومددنا عليها الطنب، وقديمًا كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوقه، ونخبره على المغيب فنتعشقه، ونقدر أنا لو وطئنا أرضه ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة عن القشرة، وفي المودة عن الجلدة، فقد كانت لحمة الأدب جمعتنا، وكلمة الغربة نظمتنا، وقد قال شاعر العرب غير مدافع:

أجارتنا إنا غريبان هاهنا
وكل غريب للغريب نسيبُ
فأخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وقد كان اتفق علينا في الطريق من العرب اتفاقًا لم يوجبه استحقاق، من بزة بزوها، وفضة فضوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور براحة أنقى من الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار، وزي أوحش من طلعة المعلم٥ بل اطلاعة الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره، وهذا بعد رقعة كتبناها، وأحوال أنس نظمناها، فلما أخذنا لحظ عينه سقانا الدردي من أول دنه، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنه، من طرف نظر بشطره وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره، لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، وقاربناه إذ جانب، وواصلناه إذ جاذب، وشربناه على كدورته، ولبسناه على خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمد وداده، ونسلس قياده، ونستميل فؤاده، ونقيم منآده.

وخلاصة ما سلف أن بديع الزمان بعد أن أعانه محمد بن منصور وأزاح علله في سفرته إلى نيسابور خرج عليه اللصوص في الطريق — وهو يسميهم «العرب» — فسلبوا ما كان معه من فضة وذهب، ودخل نيسابور على أسوأ حال، وفكر عند وصوله في الاتصال بأبي بكر الخوارزمي، ولكن الخوارزمي لم يكرم زيارته، وظن بديع الزمان أن تلك الجفوة لم تكن إلا لأنه ورد في زي غث، ولباس رث.

أما المراسلات التي سبقت المناظرة فهي خطاب من البديع وجواب من الخوارزمي. ولننظر كيف بدأ البديع يغرس بذور الشحناء:

الأستاذ أبو بكر — والله يطيل بقاءه! — أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلة، في أطمار الغربة، فأعمل في رتبته أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أنواع المضايقة؛ من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام، عن التمام، ومضغ الكلام، وتكلف لرد السلام، وقد قبلت تربيته صعرًا، واحتملته وزرًا، واحتضنته نكرًا، وتأبطته شرًّا، ولم آله عذرًا، فإن المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال، أتقزز صف النعال، فلو صدقته العتاب وناقشته الحساب، لقلت: إن بوادينا ثاغية صباح، وراغبة رواح، وناسًا يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف.

وفيهم مقامات حسان وجوههم
وأنديةٌ ينتابها القول والفعلُ

ولو طوحت بأبي بكر — أيده الله — طوائح الغربة لوجد مغني البشر قريبًا، ومحط الرحل رحيبًا، ووجه المضيف خصيبًا، ووجه الأستاذ أبي بكر — أيده الله — في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفقٌ إن شاء الله تعالى.

فأجاب الخوارزمي:

وصلت رقعة سيدي ومولاي ورئيسي أطال الله بقاءه إلى آخر السكباج، وعرفت ما تضمنه من خشن خطابه، ومؤلم عتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجر الذي لا يخلو منه من مسه عسر، ونبا به دهر، والحمد لله الذي جعلني موضع أنسه، ومظنة مشتكى ما في نفسه! أما ما شكاه سيدي ورئيسي من مضايقتي إياه في القيام فقد وفيته حقه — أيده الله — سلامًا وقيامًا، على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبو البركات العلوي — أدام الله عزه — وما كنت لأرفع أحدًا على من جده الرسول، وأمه البتول، شاهداه التوراة والإنجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبرائيل وميكائيل. فأما القوم الذين صدر سيدي عنهم فكما وصف حسن عشرة، وسداد طريقة، وكمال تفصيل وجملة، ولقد حاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد:

فإن كنت قد فارقت نجدًا وأهله
فما عهد نجدٍ عندنا بذميم

والله يعلم نيتي للإخوان كافة، ولسيدي من خاصة، فإن أعانني الدهر على ما في نفسي بلغت إليه ما في الفكرة، وجاوزت مسافة القدر، وإن طلع عليَّ طريق عشرتي بالمعارضة، وسوء المؤاخذة، صرفت عناني عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار:

فما النفس إلا نطفة بقرارةٍ
إذا لم تكدر كان صفوًا معينها

وبعد فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتبًا، واقترفنا ذنبًا، فأما أن يسلفنا العربدة فنحن نصونه عن ذلك ونصون أنفسنا عن احتماله، ولست أسومه أن يقول: استغفر لنا إنا كنا خاطئين، ولكني أسأله أن يقول: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.

وبهذين الخطابين بدأت البغضاء، وانقطع بديع الزمان عن زيارة الخوارزمي «ومضى على ذلك الأسبوع، ودبت الأيام، ودرجت الليالي، وتطاولت المدة» ومشى الواشون بالسوء، ودعا ناس إلى مناظرة تقوم بين الرجلين، فتردد الخوارزمي وهش بديع الزمان، ثم ركب الخوارزمي في جمع من أصحابه وتلامذته، وبعد لحظات ابتدأ النضال، ولنترك البديع يصف ذلك الموقف المشهود.

صورة المناظرة٦

«… فتركناه على غلوائه، حتى إذا نفض ما في رأسه، وفرغ جعبة وسواسه، عطفنا عليه فقلنا: يا عافاك الله! دعوناك وغرضنا غير المهارشة، واستزرناك وقصدنا غير المناوشة، فلتهدأ ضلوعك، وليفرخ روعك، وما اجتمعنا إلا لخير فلتسكن سورتك، ولتلن فورتك، ولا ترقص لغير طرب، ولا تحم لغير سبب! وإنما ذكرناك لتملأ المجلس فوائد، وتذكر أبياتًا شوارد، وأمثالًا فرائد، ونباحثك فتسعد بما عندك، وتسألنا فنسر بما عندنا، ويقف كل واحد منا موقفه من صاحبه، وقديمًا كنت أسمع بحديثك فيعجبني الالتقاء بك، والاجتماع معك، والآن إذ سهل الله ذلك فهلم إلى الأدب ننفق يومنا عليه، وإلى الجدل نتجاذب طرفيه، فاسمع خيرًا وأسمعنا مثله، ولتبدأ بالفن الذي ملكت به زمانك، وفُقت به أقرانك، وملكت به عنانك، وأخذت منه مكانك، فطار به اسمك بعد وقوعه، وارتفع له ذكرك عقب خضوعه، وأفحمت به الرجال حتى أذعن العالم، وقلد الجاهل … فجارنا بفرسك، وجُدْ لنا بنفسك.

فقال: وما هو؟

فقلت: الحفظ إن شئت، والنظم إن أردت، والنثر إن اخترت، والبديهة إن نشطت، فهذه أبوابك التي أنت فيها ابن دعواك، تملأ منها فاك.

فأفحم عن الحفظ رأسًا، ولم يجل في النثر قدحًا. وقال أبادهك.

فقلت: أنت وذاك!

فمال إلى السيد أبي الحسين يسأله بيتًا ليجيز. فقلت: يا هذا أنا أكفيك، ثم تناولت جزءًا فيه أشعاره وقلت لمن حضر: هذا شعر أبي بكر الذي كد به طبعه، وأسهر له جفنه، وأجال فيه فكره، وأنفق عليه عمره، واستنزف فيه يومه، ودونه في صحيفة مآثره، وجعله ترجمان محاسنه، وعبر به عن باطنه، وأخذ مكانه وهو ثلاثون بيتًا، وسأقرن كل بيت بوفقه، وأنظم كل معنى إلى لفقه، بحيث أطيب أغراضه، ولا أعيد ألفاظه، وشريطتي أن لا أقطع النفس، فإن تهيأ لواحد، أو أمكن لناقد ممن حضر يريد النظر أن يميز قوله من قولي، ويحكم على البيت أنه له أو لي، أو يرجح ما نظمه بنار الروية، على ما أمليته على لسان النفس فله يد السبق، أو يكون غيرها فإعفاء عن هذه المقاومة، ويتنحى لنا عن أرض المماثلة، ويخلي الطريق لمن يبنى المنار به.

فقال أبو بكر: ما الذي يؤمننا من أن تكون نظمت من قبل ما تريد إنشاءه الآن؟

فقلت: اقترح لكل بيت قافية لا أسوقه إلا إليها، ولا أقف بها إلا عليها، ومثال ذلك أن نقول: (حشر) فأقول بيتًا آخره (حشر)، ثم (عشر) فأنظم بيتًا قافيته (عشر) ثم هلم جرًّا إلى حيث يتضح الحق، ويفتضح الزرق،٧ وتستقر الحجة، وتستقل الشبهة، وتنطرد فيعرف الحالي من العاطل، ويفرق بين الحق والباطل.

فأبى أبو بكر أن يشاركنا في هذا العنان، ومال إلى السيد أبي الحسين يسأله بيتًا ليجيز فتبعنا رأيه فيما رآه، ولم نرض إلا رضاه، وأعمل كل منا لسانه وفمه، وأخذ دواته وقلمه، فأجزنا البيت الذي قاله، وكلما أجزناه إجازة جارى القلم فيها الطبع، وبارى اللسان بها السمع، وسارق الخاطر بها الناظر، وسابق الجنان بها البنان، إذ قلنا:

هذا الأديب على تعسف فتكهِ
وبروكه عند القريض ببركه٨
متسرع في كل ما يعتادهُ
من نظمه متباطئ عن تركهِ
والشعر أبعد مذهبًا ومصاعدًا
من أن يكون مطيعه في فكه
والنظم بحرٌ والخواطر معبرٌ
فانظر إلى بحر القريض وفُلكه
فمتى توانى في القريض مقصِّر
عرضت أذن الامتحان بعركه
هذا الشريف على تقدم بيته
في المكرمات ورفعه في سمكه
قد رام مني أن أقارن مثله
وأنا القرين السوء إن لم أنكه٩
وإذا نظمت قصمت ظهر مناظري
وحطمت جارحة القرين بدكه
ودبغت منه أديمه وتركته
نهج الأديم بدبغه وبدلكه
أصغو إلى الشعر الذي نظمته
كالدر رصِّع في مجرة سلكه
فمتى عجزت عن القريض بديهة
فدمي الحرام له إراقةُ سفكه

وقال أبو بكر أبياتًا جهدنا به أن يخرجها من الغلاف، ويبرزها من اللحاف، فلم يفعل دون أن طواها وجعل يعركها ويفركها، فقلت: إن البيت لقائله، كالولد لناجله، فما لك تعق ابنك وتضيعه؟ أبرزها للعيون، وخلصها من الظنون، فكره أبو بكر — أيده الله — أن تكون الهرة أعقل منه؛ لأنها تحدث فتغطي، فلم يستجرئ أن يظهر ثم مسح جبينه وبسط يمينه للبديهة نفسًا دون أن يكتب. فقلنا: أنت وذاك. واقترح علينا أن نقول على وزن قول أبي الطيب المتنبي حيث يقول:

أرقٌ على أرق ومثلي يأرقُ
وجوى يزيد وعبرةٌ تترقرقُ

وابتدر أبو بكر — أيده الله — إلى الإجازة ولم يزل إلى الغايات سباقًا فقال:

وإذا ابتدهت بديهة يا سيدي
فأراك عند بديهتي تتقلقُ
وإذا قرضت الشعر في ميدانه
لا شك أنك يا أخي تتشقق
إني إذا قلت البديهة قلتها
عجلا وطبعك عند طبعي يرتق
ما لي أراك ولست مثلي عندها
متموهًا بالترهات تمخرق
إني أجيز على البديهة مثل ما
تريانه وإذا نطقت أصدق
لو كنت من صخر أصم لهاله
مني البديهة واغتدى يتفلق
أو كنت ليثًا في البديهة خادرًا
لرئيت يا مسكين مني تفرق
وبديهة قد قلتها متنفسًا
فعل الذي قد قلت يا ذا الأخرق

ثم وقف يعتذز ويقول: إن هذا كما يجيء لا كما يجب. فقلت: قبل الله عذرك، لكني أراك بين قواف مكروهة وقافات خشنة كل قاف كجبل قاف؛ منها تتقلق وتتشقق وتمخرق وتخرق وتطلق وتعلق وتبرق وتفرق وأحمق وأخرى إلى أشياء لا أكثر بها العدد، فخذ الآن جزاء عن قرضك، وأداء لفرضك، وقلت:

مهلًا أبا بكر فزندق أضيق
فاخرس فإن أخاك حي يرزق
دعني أعرك إذا سكت سلامةً
فالقول ينجد في ذويك ويعرق
ولفاتكٍ فتكاتُ سوء فيكُم
فدع الستور وراءها لا تخرق
وانظر لأشنع ما أقول وأدعي
أله إلى أعراضكم متسلَّق
يا أحمقًا وكفاك ذلك خزيةً
جربت نار معرتي هل تحرق

فلما أصابه حر الكلام، ومسه لفح هذا النظام، قطع علينا فقال: يا أحمقًا لا يجوز فإن أحمق لا ينصرف. فقلنا: يا هذا لا تقطع، فإن شعرك إن لم يكن عيبة عيب فليس بظرف ظرف، ولو شئنا لقطعنا عليك، ولوجد الطعن سبيلًا إليك، وأما أحمق فلا يزال يصفعك لتصفعه حتى ينصرف وتنصرف معه! وعرفناه أن للشاعر أن يرد ما لا ينصرف إلى الصرف كما أن له رأيه في القصر والحذف، وأنشدناه حاضر الوقت من أشعار العرب، فقال: يجوز للعرب ما لا يجوز لك. فلم يدر كيف يجيب عن هذا الموقف وهذه الموافقة، وكيف يسلم من هذه المصارفة، لكنا قلنا: أخبرنا عن بيتك الأول أمدحت أم قدحت، وزكيت أم جرحت؟ ففيه شيئان متفاوتان، ومعنفان متباينان، منها أنك بدأت فخاطبت بيا سيدي، والثانية أنك عطفت فقلت: تتقلق، وهما لا يركضان في حلبة ولا يخطان في خطة.

ثم قلت له: خذ وزنًا من الشعر حتى أسكت عليك فتستوفي من القول حظك، واسكت علينا حتى نستوفي حظنا، ثم إني أحفظ عليك أنفاسك وأوافقك عليها وأحفظ عليَّ أنفاسي ووافقني عليها، فإن عجزتُ عن اختلافها حفظتها لك، فسلني عنها بعد ذلك، وأحذنا بيت أبي الطيب المتنبي:

أهلا بدارٍ سباك أغيدها
أبعد ما بان عنك خردها

فقلت:

يا نعمة لا تزال تجحدها
ومنة لا تزال تكندها

فأخذ بمخنق البيت قبل تمامه، ومضيق الشعر قبل نظامه، فقال: ما معنى تكندها؟ فقلت: يا هذا، كند النعمة كفرها. فرفع يديه ورأسه وقال: معاذ الله بأن يكون كند بمعنى جحد، وإنما الكنود القليل الخير. فأقبلت الجماعة عليه يوسعونه بريًّا وفريًّا ويتلون له قول الله تعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وقلت له: أليس الشرط أملك؟ والعهد بيننا أن تسكت ونسكت حتى تتم ونتم، ثم نبحث ونفحص؛ فنبذ الأدب وراء ظهره وصار إلى السخف يكيلنا بصاعه ومُده، وينفض حُمة جهده وأفضى إلى السفه يغرف علينا غرفًا، ويستقي من جرفه جرفًا.

فقلت: يا هذا إن الأدب غير سوء الأدب وللمناظرة حضرنا لا للمنافرة، فإن نفضت من هذا السخف يدك وثنيت عن هذا السفه قصدك، وإلا تركت مكالمتك، ولو كان في باب الاستخفاف شيء أعظم من الاحتقار، وإنكار أبلغ من ترك الإنكار، لبلغته منك. فأخذ يمضي على غُلوائه، ويمعن في هرائه وهذائه، فاستندت إلى المسند، ووضعت اليد على اليد، وقلت: أستغفر الله من مقالتك ونفضتها قائمة معه. وسكت حتى عرف الناس، وأيقن الجلاس، أني أملك من نفسي ما لا يملكه، وأسلك من طريق الحلم ما لا يسلكه، ثم عطفت عليه، وقلت: يا أبا بكر، إن الحاضرين قد عجبوا من حلمي، وتعجبوا من فضلي، وبقي الآن أن يعلموا أن هذا السكوت ليس عن عيٍّ، وأن تكلفي للسفه أشد استمرارًا من طبعك، وغربي في السخف أمتن عودًا من نبعك، وسنقرع باب السخف معك، ونفترع من ظهر السفه مفزعك فتكلم الآن.

فقال لي: أنا قد كسبت بهذا العقل دية أهل همذان مع قلته، فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزارته؟ فقلت: أما قولك أهل همذان فما أولاني أن أجيب عنه، ولكن هذا الذي تتمدح به وتتبجح وتتشرف وتتصلف من أنك شحذت فأخذت، وسألت فحصلت واجتديت فاقتنيت، فهذا عندنا صفة ذم يا عافاك الله، ولأن يقال للرجل: يا فاعل، يا صانع أحب إليه من أن يقال: يا شحاذ ويا مكدي! وقد صدقت، أنت في هذه الحلبة أسبق، وفي هذه الحرفة أعرق، ولعمرك أنت أشحذ، وفي الكدية أنفذ، وأنا قريب العهد بهذه الصنعة، حديث الورد لهذه الشِّرعة، مرمل اليد في هذه الرقعة. فأما مالك فعندنا يهودي يماثلك في مذهبه، ويزيدك بذهبه، ومع ذلك لا يطرفني إلا بعين الرهبة، ولا يمد إليَّ إلا يد الرغبة، ولو كان الغنى حظًّا لأخطأه مثل هذا العقل، ولو كان المال غنمًا لما أدرك بهذا السعي.

ولكن عرّفني هل كنت فيما سلف من زمانك، ونبت من أسنانك، إلا هاربًا بذمائك، مضرجًا بدمائك، مرتهنًا بقولك بين وجنة موشومة، وجوارح مهشومة، ودار مهدومة، وخدود ملطومة، ومتى صفت مشارعك، وأخصبت مرابعك، إلا في هذه الأيام القذرة؟ وستعرف غدك من بعد، وتنكر أمسك، وتعلم قدرك في غد، وتعرف نفسك. وما أضيع وقتًا أنطقته بذكرك، ولسانًا دنسته باسمك! وملت إلى القوال فقلت: أسمعنا خيرًا فدُفع القوال وغنى أبياتًا منها:

وشبهنا بنفسج عارضيه
بقايا اللطم في الخد الرقيق

فقال أبو بكر: أحسن ما في الأمر أني أحفظ هذه القصيدة وهو لا يعرفها، فقلت: يا عافاك الله، أعرفها وإن أنشدتكها ساءك مسموعها، ولم يسرك مصنوعها، فقال: أنشد! فقلت: أنشد، ولكن روايتي تخالف هذه الرواية وأنشدت:

وشبهنا بنفسج عارضيه
بقايا الوشم في الوجه الصفيق

فأتته السكتة، وأضجرته النكتة، وانطفأت تلك الوقدة، وانحلت تلك العقدة. وأطرق مليًّا وقال: والله لأضربنك وإن ضُربت، ولأشتمنك وإن شُتمت، ولتعلمن نبأه بعد حين، ولتعلمن أينا الضارب وأينا المضروب! فقلت: يا أبا بكر مهلًا فإنك بين ثلاثة فصول لم تتخطها من عمرك، وثلاث أحوال لم تتعدها في أمرك، وأنت في جميع الثلاثة ظالم في وعيدك، متعد في تهديدك؛ لأنك كهل وأنت شاعر، وكنت شابًّا وأنت مقامر، وكنت صبيًّا وأنت مؤاجر، فنطاق القدرة في الفصول الثلاثة ضيقٌ عن هذا الوعيد، لكنا نصفعك الآن وتضربنا فيما بعد، فقد قيل: اليوم قصف، وغدًا خسف، وقيل: اليوم خمر، وغدًا أمر! فقال أبو بكر: والله لو دخلت الجنة، واتخذت السندس والإستبرق جُنة، لصفعت! فقلت: والله لو أن قفاك غدا في درجة في خرج في برج لأخذك من النعال ما قدُم وما حدث، وشملك من الصفع ما طاب وخبث، وأنشدت قول ابن الرومي:

إن كان شيخًا سفيهًا
يفوق كل سفيه
فقد أصاب شبيهًا
له وفوق الشبيه

ثم لما آبت نفس العقل وزال السكر الغيظ تمثلت بقول القائل:

وأنزلني طول النوى غربة
إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله
أحامقه حتى يقال سجية
ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

ودُفع القوال فبدأ بأبيات، ولحن بأصوات، وجعل النعاس يثني الرءوس، ويمنع الجلوس، فقمنا عن الليل وهو بحره مائل الذقن إلى ما وُطِّئ من مضجع، ومُهِّد من مهجع، ولم يكن النوم ملء الجفون، ولا شغل العيون، حتى أقبل وفد الصباح، وحيعل المؤذن بالفلاح، وندب إلى النهوض بالمفروض، فأجبنا، فلما قضينا الفرض، فارقنا الأرض، فأوى إلى أم مثواه وأويت إلى الحجرة، وظني أن هذا الفاضل يأكل يده ندمًا، ويبكي على ما جرى دمعًا ودمًا، فإنه إذا سمع بحديث همذان قال: الهاء هم، والميم موت، والذال ذل، والألف آفة، والنون ندامة، وأنه إذا نام هاله منا طيف، وإذا انتبه راعه منا سيف، وأخذ الناس يترامزون بما جرى ويتغامزون، وراب هذا الفاضل غمزاتهم مثل ما راب المريض تغامز العواد فجل يحلف للناس بالعتق، وتحرير الرق، والمكتوب في الرق، إنه أخذ قصب السبق، وإنه ينطق عن الحق، والناس أكياس لا يقنعهم عن المدعي يمين دون شاهدين! وسعوا بيننا بالصلح يحكمون قواعده ومقاعده، وعرفنا له فضل السن فقصدناه معتذرين إليه، فأومأ إيماءة مهيضة، واهتز اهتزازة مغيضة، وأشار إشارة مريضة، بكف سحبها على الهواء سحبًا، وبسطها في الجو بسطًا، وعلمنا أن للمقمور أن يستخف ويستهين، وللمقامر أن يحتمل ويلين، فقلنا: إن بعد الكدر صفوًا، كما أن عقب المطر صحوًا، فهل لك في أخلاق في العشرة نستأنفها، وطرق في الخلطة نسلكها، فإن ثمرة الخلاف ما قد بلوتها؟

فقال: ظهر الوفاق لفظًا كما ذكرت، والجميل أجمل كما علمت، وسنشترك في هذا العنان، وعرض علينا الإقامة عنده سحابة ذلك اليوم، فاعتللنا بالصوم، فلم يقبل العذر وألح. فقلت: أنت وذاك فطعمنا عنده، وأخذنا دندانُ مزده، وخرجنا والنية على الجميل موفورة، وبقعة الود معمورة، وصرنا لا نتعلل إلا بمدحه، ولا نتنقل إلا بذكره، ولا نعتد إلا بوده، لا بل ملأنا البلد شكرًا، والأسماع نشرًا، وبتنا نحن في الحال في أعذبها شرعة، ومن الثقة في أطيبها جرعة، ومن الظنون في أملحها فرعة، ومن المودة في أعزها بقعة، وأوسعها رقعة، حتى طرأ علينا رسولان متحملان لمقالته، مؤديان لرسالته، ذاكران أن أبا بكر يقول: قد تواترت الأخبار، وتظاهرت الآثار، في أنك قهرت وأني قُهرت ولا شك أن ذلك التواتر عنك صدرت أوائله، والخبر إذا تواتر به النقل، قبله العقل، ولا بد أن نجتمع في مجلس بعض الرؤساء فنتناظر بمشهد الخاصة والعامة، فإنك متى لم تفعل ذلك لم آمن عليك تلامذتي أو تقر بعجزك وقصورك عن بلوغك أمدي وما أبدي.

فعجبت كل العجب مما سمعت، وأجبته فقلت: أما قولك: قد تواتر الخبر بأنك قُهرت وأن ذلك عن جهتي صدر ومن لساني سمع فبالله ما أتمدح بقهرك، ولا أتبجح بقسرك، وإن لنفسك عندك لشأنًا إن ظننتني أقف هذا الموقف، أنا إن شاء الله تعالى أبعد مرتقى همة ومصعد نفس، أسأل الله سترًا يمتد، ووجهًا لا يسود! فأما التواتر من الناس والتظاهر على أني قهرتك، فلو قدرت على الناس لخِطتُ أفواهم، ولقبضت شفاههم، فما الحيلة وهل إلى ذلك سبيل فأتوسل، أم ذريعة فأتوصل؟ ثم هذا التواتر، ثمرة ذلك التناظر، مع ذلك التساتر، فإن كان قد ساءك فأحرى أن يسوءك عند مجتمع الناس ومحتفل أولي الفضل، ولأن يترك الأمر مختلفًا فيه خيرٌ لك من أن يتفق عليه، وإن أحببت أن تطير هذا الواقع وتهيج هذا الساكن فرأيك موفق، فأما هذا الوعيد فقد عرضته على جوانحي أجمع وجوارحي كلها فلم تنشد إلا بيت القائل:

وعيدٌ تخرج الآرام منهُ
وتكره نية الغنم الذئابُ

فكم تتكوكب تلامذتك ويتعسكرون، ويتجيش أصاحبك ويتجمعون، ولست أراك إلا بين اثنتين؛ إحداهما تروح إلى أنثى وتعدو إلى طفل، والأخرى تجيب دعوة المضطر إذا دعاك بمسلفات. فإن كان الله قد قضى أن القتل بأخس السلاح، فلا مفر من القدر المتاح، رزقنا الله عقلًا به نعيش! ونعوذ بالله من رأي بنا يطيش! وقلنا من بعد: إن رسالتك هذه وردت موردًا لم نحتسبه، ووصلت موقفًا لم نرتقبه، فلذلك خرج الجواب عن البصل ثومًا، وعن البخل لومًا، فلما ورد الجواب عليه وسع من الغيظ فوق ملئه، وحمل من الحقد فوق عبئه، وقال: قد بلغ السيل الزبا، وعلت الوهاد الربا في أمرك، وستُرى في يومك، وتُعرف في قومك!

ثم مضت على ذلك أيام ونحن منتظرون لفاضل ينشط لهذا الفصل، وينظر بيننا بالعدل، فاتفقت الآراء على أن يعقد هذا المجلس في دار الشيخ أبي القاسم الوزير، واستدعيت فسرحت الطرف من ذلك السيد في عالَم أُفرغ في عالِم، وملك في درع ملك، ورجل نظم إلى التنبل تبذلًا، وإلى الترفع تواضعًا، ونطق فودت الأعضاء لو أنها أسمع مصغية، واستمع فتمنت الجوارح لو أنها ألسن ناطقة، فقلت: الحمد لله أن عقد هذا المجلس في دار من يفرق بين من يُحق ومن يزرِق،١٠ وكنت أول من حضر وانتظرت مليًّا حضور من ينظر وقدوم من يناظر، وطلع الإمام أبو الطيب وأخذ من المجلس موضعه، والإمام أبو الطيب بنفسه أمة ووحده عالم.

ثم حضر السيد أبو الحسين وهو ابن الرسالة والإمامة، وعامر أرض الوحي والمحتبى بفناء النبوة، والضارب في الأدب بعرقه، وفي النطق بحذقه، وفي الإنصاف بحسن خلقه، فجثم إلى المجلس قدم سيفه وجعل يضرب عن هذا الفاضل بسيفين لأمر كان قد موَّه عليه، وحديث كان شبِّه لديه، وفطنت لذلك فقلت: أيها السيد، أنا إذا سار غيري في التشيع برجلين، طرت بجناحين، وإذا متّ سواي في موالاة أهل البيت بلمحة دالة توسلت بُغرة لائحة، فإن كنت أبلغت غير الواجب فلا يحملنك على ترك الواجب، ثم إن لي في آل الرسول قصائد قد نظمت حاشيتي البر والبحر، وركبت الأفواه، ووردت المياه، وسارت في البلاد، ولم تسر بزاد، وطارت في الآفاق، ولم تسر على ساق، ولكني أتسوق بها لديكم ولا أتنفق بها عليكم، وللآخرة قلتها لا للحاضرة، وللدين ادخرتها لا للدنيا. فقال: أنشدني بعضها فقلت:

يا لمة ضرب الزما
ن على مُعرَّسها خيامه
لله درك من خُزا
مى روضة عادت ثغامه
لرزية قامت بها
للدين أشراط القيامه
لمضرج بدم النبو
ة ضارب بيد الإمامه
متقسم بظبا السيو
ف مجرّع منها حمامه
مُنِع الورود وماؤه
منه على طرف الثمامه
نصب ابن هند رأسه
فوق الورى نصب العلامه
ومقبل كان النبي
بلثمه يشفي غرامه
قرع ابن هند بالقضيب
عذابه فرط استضامه
وشدا بنغمته عليه
وصب بالفضلات جامه
والدين أبلج ساطع
والعدل ذو خال وشامه
يا ويح من ولى الكتا
ب قفاه والدنيا أمامه
ليضرسن يد الندا
مة حين لا تغني الندامه
وليدركن على الغرا
مة سوء عاقبة الغرامه
وحمى أباح بنو أمية
من طوائلهم حرامه
حتى اشتقوا من يوم بد
رٍ واستبدوا بالزعامه
لعنوا أمير المؤمنين
بمثل إعلان الإقامه
لِمَ لا تخرِّي يا سما
ء ولم تصبي يا غمامه
لِمَ لا تزولي يا جبا
ل ولم تشولي يا نعامه
يا لعنةً صارت على
أعناقهم طوق الحمامه
إن العمامة لم تكن
للئيم ما تحت العمامه
من سبط هند وابنها
دون البتول ولا كرامه
يا عين جودي للبقيع
وزرّعي بدم رغامه
جودي بمذخور الدموع
وأرسلي بدَدًا نظامه
جودي بمكنون الدموع
أجد بما جاد ابن مامه

فلما أنشدت ما أنشدت، وسردت ما سردت، وكشفت له الحال فيما اعتقدت، انحلت له العقدة وصار سلمًا يوسعنا حلمًا، وحضر بعد ذلك الشيخ أبو عمر البسطامي وناهيك من حاكم يفصل، وناظر يعدل، يسمع فيفهم، ويقول فيعلم. ثم حضر ذلك القاضي أبو نصر والأدب أدنى فضائله، وأيسر فواضله، والعدل شيمة من شيمه، والصدق مقتضى هممه، وحضر بعده الشيخ أبو سعيد محمد بن أرمك — أيده الله — وهو الرجل الذي يحميه لألاؤه ولوذعيته من أن يذال بمن أو ممن الرجل، وهو الفاضل الذي يحطب في حبل الكتابة ما شاء، ويركض في حلبة العلم ما أراد، وحضر بعده أبو القاسم بن حبيب وله في الأدب عينه وفراره، وفي العلم شعلته وناره، وحضر بعده الفقيه أبو الهيثم ورائد الفضل يقدمه، وقائد العقل يخدمه، وحضر بعده الشيخ أبو نصر بن المرزبان والفضل منه بدأ وإليه يعود، وحضر بعده أصحاب الإمام أبي الطيب الأستاذ أيده الله، «وما منهم إلا أغر نجيبُ.»

وحضر بعدهم أصحاب الأستاذ الفاضل أبي الحسن الماسرجسي، «وكلٌّ إذا عدَّ الرجال مقدَّمُ.»

وحضر بعدهم أصحاب الأستاذ أبي عمر البسطامي وهم في الفضل كأسنان المشط، ومنه بأعلى مناط العقد، وحضر بعدهم الشيخ أبو سعيد الهمذاني وله في الفضل قدحه المعلى وفي الأدب حفظه الأعلى، وحضر بعد الجماعة أصحاب الأسبلة المسبلة، والأسوكة المرسلة، رجال يلعن بعضهم بعضًا، فصاروا إلى قلب المجلس وصدره حتى رد كيدهم في نحرهم، وأقيموا بالنعال إلى صف النعال، فقلت لمن حضر: من هؤلاء؟ فقالوا: أصحاب الخوارزمي، فلما أخذ المجلس زخرفه ممن حضر، وانتُظر أبو بكر فتأخر، اقترحوا عليَّ قوافي أثبتوها واقتراحات كانوا بيتوها، فما ظنك بالحلفاء أدنيت لها النار من لفظ إلى المعنى نسقته، وبيت إلى القافية سقته، على ريق لم أبلعه، ونفس لم أقطعه، وصار الحاضرون بين إعجاب بما أوردت، وتعجب مما أنشدت. وقال أحدهم بل أوحدهم وهو الإمام أبو الطيب: لن نؤمن لك حتى نقترح القوافي ونعيِّن المعاني وننص على بحر، فإن قلت حينئذ على الروي الذي أسومه، وذكرت المعنى الذي أرومه، فأنت حي القلب كما عهدناك، منشرح الصدر كما شاهدناك، شجاع الطبع كما وجدناك، وشهدنا أنك قد أحسنت، وأن لا فتى إلا أنت.

فما خرجت من عهدة هذا التكليف حتى ارتفعت الأصوات بالهيللة من جانب والحوقلة من آخر، وتعجبوا إذ أرتهم الأيام ما لم ترهم الأحلام، وجادهم العيان بما يخل به السماع، وأنجزهم الفهم ما أخلفهم الوهم، ثم التفت فوجدت الأعناق تلتفت وما شعرت إلا بهذا الفاضل وقد طلع في شملته وهبَّ بجملته، بأوداج ما يسعها الزران، وعينين في رأسه تزران، ومشى إلى فوق أعناق الناس وجعل يدس نفسه بين الصدور يريد الصدر وقد أخذ المجلس أهله، فقلت: يا أبا بكر تزحزح عن الصدر قليلًا إلى مقابلة أخيك. فقال: لست برب الدار، فتأمر على الزوار! فقلت: يا — عافاك الله — حضرت لتناظرني، والمناظرة اشتقت؛ إما من النظر أو من النظير، فإن كان اشتقاقها من النظر فمن حسن النظر أن يكون مقعدنا واحدًا حتى يتبين الفاضل من المفضول، ثم يتطاول السابق ويتقاصر المسبوق، فقضت الجماعة بما قضيت، وغص هذا الفاضل من تلك الحكمة، وانحط عن تلك العظمة، وقابلني بوجهه، فقلت: أراك أيها الفاضل حريصًا على اللقاء، سريعًا إلى الهجاء، «ولو زبنتك الحرب لم تترمرم.»

ففي أي علم تريد أن تناظر؟ فأومأ إلى النحو، فقلت: يا هذا إن اليوم قد متع، والنهار قد ارتفع، والظهر قد أزف، ولئن قرعنا باب النحو أضعنا اليوم فيه، فبماذا يخرج الناس، فعلا هتاف الناس أيهما رد الجواب هناك ما يدري المجيب، فإن شئت أن أناظرك في النحو فسلم الآن لي ما كنت تدعيه من سرعة في البديهة وجودة في الروية، وقدرة على الحفظ ونفاذ في الترسل، ثم أنا أجاريك في هذا، فقال: لا أسلم ذلك ولا أناظر في غير هذا، وارتفعت المضاجة واستمرت الملاحاة حتى بلغ الأستاذ الفاضل أبو عمر إليه فقال: أيها الأستاذ أنت أديب خراسان، وشيخ هذه الديار، وبهذه الأبواب التي قد عدها هذا الشاب، كنا نعتقد لك السبق والحذق، وتثاقلك عن مجاراته فيها مما يتهم ويوهم، واضطره إلى منازلة أو نزول عنها ومقارة فيها أو إقرار بها. فقال: سلمت الحفظ، فأنشدت قول القائل:

ومستلئم كشفت بالرمح ذيله
أقمت بعضب ذي شقاشق ميله
فجعت به في ملتقى الحي خيله
تركت عتاق الطير تحجل حوله

وقلت: يا أبا بكر خفف الله عنا في الحفظ فقد كفيتنا مئونة الامتحان، ولم نضع وقتًا من الزمان، فلو تفضلت وسلمت البديهة أيضًا مع الترسل حتى نفرغ للنحو الذي أنت عليه أكبر، واللغة التي أنت بها أعرف، والعروض الذي أنت عليه أجرأ، والأمثال التي لك فيها السبق والقدم، والأشعار التي أنت فيها تقدم، فقال: ما كنت لأسلم الترسل ولا سلمت الحفظ، فقلت: الراجع في شيئه كالراجع في قيئه، لكنا نقيلك عن ذلك السماح فهات أنشدنا خمسين بيتًا من قبلك مرتين حتى أنشدك عشرين بيتًا من قبلي عشرين مرة، فعلم أن دون ذلك خرط القتاد تهاب شوكتها اليد فسلمه ثانيًا، كما سلمه باديًا، وصرنا إلى البديهة، فقال أحد الحاضرين هاتوا على شعر أبي الشيص في قوله:

أبقى الزمان به ندوب عضاض
ورمى سواد قرونه ببياض

فأخذ أبو بكر يخضد، ويحصد، مقدِّرًا أنََّا نغفل عن أنفاسه، أو نوليه جانب وسواسه ولم يعلم أنا نحفظ عليه الكلم ثم نوافقه عليها، فقال:

يا قاضيًا ما مثله من قاض
أنا بالذي تقضي علينا راض
فلقد لبست ضفية ملمومة
من نسج ذاك البارق الفضفاض
لا تغضبن إذا نظمت تنفسًا
إن الغضا في مثل ذاك تغاض
فلقد بليت بشاعر مقتادر
ولقد بليت بناب ذئب غاض
ولقد قرضت الشعر فاسمع واستمع
لنشيد شعر طائعًا وقراض
فلأغلبن بديهة ببديهتي
ولأرمين سواده ببياض

فقلت: يا أبا بكر ما معنى قولك: ضفية ملمومة؟ وما الذي أردت بالبارق الفضفاض؟ فأنكر أن يكون له قافية، فوافقه على ذلك أهل المجلس، وقالوا: قد قلت! ثم قلت: فما معنى قولك: ذئب غاض؟ فقال: هو الذي يأكل الغضا، فقلت: استنوق الجمل يا أبا بكر وانقلبت القوس ركوة وصار الذئب جملًا يأكل الغضا، فما معنى قولك: إن الغضا في مثل ذاك تغاض، فإن الغضا لا أعرفه بمعنى الإغضاء؟ فقال: لم أقل الغضا، فقلت: ما قلت؟ فأنكر البيت جملة، فقلت: يا ويحك ما أغناك عن بيت تهرب منه وهو يتبعك، وتتبرأ منه وهو يلحق بك، فقال لي: ما معنى قراض، فلم أسمعه مصدرًا من قرضت الشعر قرضًا، ولكن هلا قلت: وسقت الحشو إلى القافية كما سقته؟ فقال: هذه طريقة لم تسلكها العرب فلا أسلكها.

ثم دخل الرئيس أبو جعفر والقاضي أبو بكر الحربي والشيخ أبو زكريا الحيري وطبقة من الأفاضل مع عدة من الأراذل فيهم أبو رشيدة، فقلت: ما أحوج هذه الجماعة إلى واحد يصرف عنهم عين الكمال!١١ وأخذ الرئيس مكانه من الصدر والدست وله في الفضل قَدم قِدم، وفي الأدب هم وهمم، وفي العلم قديم وحديث، فتم المجلس وظهر الحق بنظره، وقال: قد ادعيت عليه أبياتًا أنكرها، فدعوني من البديهة على النفس واكتبوا ما تقولون وقولوا على هذه، فقلت:
برز الربيع لنا برونق مائه
فانظر لروعة أرضه وسمائه
فالترب بين ممسك ومعنبر
من نوره بل مائه وروائه
والماء بين مصندل ومكفََّر
في حسن كدرته ولون صفائه
والطير مثل المحصنات صوادح
مثل المغني شاديًا بغنائه
والورد ليس بممسك رياه إذ
يهدي لنا نفحاته من مائه
زمن الربيع جلبت أزكى متجر
وجلوت للرائين خير جلائه
فكأنه هذا الرئيس إذا بدا
في خلقه وصفائه وعطائه
يحمي أعز محجَّر وندى أغر
محجل في خلقه ووفائه
يعشو إليه المختوى والمجتدى
والمجتوى هو هارب بذمائه
ما البحر في تزخاره والغيث في
إمطاره والجو في أنوائه
بأجل منه مواهبًا ورغائبًا
لا زال هذا المجد حلف فنائه
والسادة الباقون سادة عصرهم
متمدحون بمدحه وثنائه

فقال أبو بكر: تسعة أبيات قد غابت عن حفظنا، لكنه جمع فيها بين إقواء وإكفاء، وإبطاء، فرددنا عليه بعد ذلك عشرين ردًّا ونقدنا عليه فيها كذا نقدًا، ثم قلت لمن حضر من وزير ورئيس وفقيه وأديب: أرأيتم لو أن رجلًا حلف بالطلاق الثلاث لا أنشد شعرًا قط، ثم أنشد هذه الأبيات فقط هل كنتم تطلقون امرأته عليه؟ فقالت الجماعة: لا يقع بهذا طلاق! ثم قلت: انقد عليَّ فيما نظمت، واحكم كما حكمت. فأخذ الأبيات وقال: لا يقال نظرت لكذا وإنما يقال: نظرت إليه، فكفتني الجماعة إجابته، ثم قال: شبهت الطير بالمحصنات وأي شبه بينهما؟ فقلت: يا رقيع، إذا جاء الربيع كانت شوادي الأطيار تحت ورق الأشجار، فيكن كأنهن المخدرات تحت الأستار. ثم قال لي: لِمَ قلت: مثل المحصنات، مثل المغني؟ فقلت: هن في الخدر كالمحصنات وكالمغني في ترجيع الأصوات. ثم قال: لِمَ قلت: زمن الربيع جلبت أزكى متجر؟ هلا قلت: أريح متجر؟ فقلت: ليس الربيع بتاجر يجلب البضائع المربحة.

ثم قال: ما معنى قولك: الغيث في إمطاره، والغيث هو المطر نفسه، فكيف يكون له مطر؟ فقلت: لا سقى الله الغيث أديبًا لا يعرف الغيث! وقلت له: إن الغيث هو المطر وهو السحاب كما أن السماء هو المطر وهو السحاب. وقال الجماعة: قد علمنا أي الرجلين أشعر، وأي الخصمين أقدر، وأي البديهتين أسرع، وأي الرويتين أصنع. فقال أبو بكر: فاسقوني على الظفر. فقالوا كفاك ما سقاك!

ثم ملنا إلى الترسل، فقلت: اقترح على غاية ما في طوقك، ونهاية ما في وسعك، واختر ما تبلغه بذرعك حتى أقترح عليك أربعمائة صنف في الترسل، فإن سرت فيها برجلين ولم أطر بجناحين، بل إن أحسنت القيام بواحد من هذه الأصناف ولم تخلف كل الإخلاف فلك يد السبق وقصبه، ومثال ذلك أن أقول لك: اكتب كتابًا يقرأ منه جوابه هل يمكنك أن تكتب؟ أو أقول لك: اكتب كتابًا على المعنى الذي أقترح لك، وأنظم شعرًا في المعنى الذي أقترح وأفرغ منهما فراغًا واحدًا، هل كنت تمد له ساعدًا؟ أو أقول لك: اكتب كتابًا في المعنى الذي أقول وأنص عليه، وأنشد من القصائد ما أريده من غير تثاقل ولا تغافل حتى إذا كتبت ذلك قرئ من آخره إلى أوله وانتظمت معانيه إذا قرئ من أسفله، هل كنت تفوق لهذا الغرض سهمًا، أو تجيل قدحًا، أو تصيب نجحًا؟ أو قلت لك: اكتب كتابًا في المعنى الذي يقترح ولا يوجد فيه حرف منفصل من راء يتقدم الكلمة أو دال يتفصل عن الكلمة بديهة ولا يجم فيها قلمك، هل كنت تفعل؟

أو قلت لك: اكتب كتابًا خاليًا من الألف واللام تصب معانيه على قالب ألفاظه، ولا تخرجه عن جهة أغراضه، هل كنت تقف من ذلك موقفًا ممدوحًا أو يبعثك ربك مقامًا محمودًا؟ أو قلت لك: اكتب كتابًا يخلو من الحروف والعواطل هل كنت تحظى منه بطائل، أو تبل لهاتك بناطل، أو قلت لك: اكتب كتابًا أوائل سطوره كلها ميم وآخرها جيم، هل على المعنى الذي يقترح، هل كنت تغلو في قوسه غلوة، أو تخطو في أرضه خطوة؟ أو أقول لك: اكتب كتابًا إذا قرئ معرجًا وسرد معوجًا كان شعرًا، هل كنت تقطع في ذلك شعرًا؟ بلى والله تصيب ولكن من بدنك، وتقطع ولكن من ذقنك! أو أقول لك: اكتب كتابًا إذا فسر على وجه كان مدحًا، وإذا فسر على وجه كان قدحًا، هل كنت تخرج من هذه العهدة؟ أو قلت لك: اكتب كتابًا إذا كتبته تكون قد حفظته من دون أن لحظته، هل كنت تثق من نفسك به إلا ما لو أطاولك بعده، بل است البائن أعلم؟

فقال أبو بكر: هذه الأبواب شعبذة، فقلت: وهذه القول طرمذة! فما الذي تحسن أنت من الكتابة وفنونها، حتى أباحثك على مكنونها، وأكاثرك بمخزونها، وأشبر فيها قلمك، وأسبر فيها لسانك وفمك، فقال: الكتابة التي يتعاطاها أهل الزمان المتعارفة بين الناس، فقلت: أليس لا تحسن من الكتابة إلا هذه الطريقة الساذجة، وهذا النوع الواحد المتداول لكل قلم، المتناول بكل يد وفم، ولا تحسن هذه الشعبذة؟ فقال: نعم، فقلت: هات الآن حتى أطاولك بهذا الحبل وأناضلك بهذا النبل، ثم تقاس ألفاظي وألفاظك، ويعارض إنشائي بإنشائك. واقترح كتاب يكتب في النقود وفسادها، والتجارات ووقوفها، والبضاعات وانقطاعها، والأسعار وغلائها.

فكتب أبو بكر بما نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرهم والدينار ثمن الدنيا والآخرة، بهما يتوصل إلى جنات النعيم، ويخلد في نار الجحيم، قال الله تبارك وتعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ. وقد بلغنا من فساد النقود ما أكبرناه أشد الإكبار، وأنكرناه أعظم الإنكار، لما نراه من الصلاح للعباد، وننويه من الخير للبلاد، وتعرفنا في ذلك ما يربح الناس في الزرع والضرع، ويعود إليه أمر الضر والنفع.

إلى كلمات لم تعلق بحفظنا.

فقلت: إن الإكبار والإنكار، والعباد والبلاد، وجنات النعيم ونار الجحيم، والزرع والضرع أسجاع قد نبتت في المعد، ولم تزل في اليد، وقد كتبت وكتبت، ولا أطالبك بمثل ما أنشأت فاقرأ ولك اليد، وناولته الرقعة فبقي وبقيت الجماعة، وبهت وبهتت الكافة وقالوا لي: اقرأه، فجعلت أقرؤه منكوسًا، وأسرده معكوسًا، والعيون تزرق وتحار وكانت نسخة ما أنشأناه:

بسم الله الرحمن الرحيم

الله شاء إن المحاضر، صدور بها وتملأ المنابر، ظهور لها وتفرع الدفاتر، وجوه بها وتمشق المحابر، بطون لها ترشق، آثارًا كانت فيه آمالنا مقتضى على أياديه، في تأييده الله أدام الأمير جرى فإذا المسلمين ظهور عن الثقل، هذا ويرفع الدين، أهل عن الكل، هذا يحط أن في إليه نتضرع ونحن واقفة، والتجارات زائفة، والنقود صيارفة، أجمع الناس صار فقد كريمًا نظرًا لينظر شيمه، مصاب وانتجعنا كرمه، بارقة وشمنا هممه على آمالنا رقاب وعقلنا أموالنا، وجوه له وكشفنا آمالنا وفود إليه بعثنا فقد نظره بجميل يتداركنا أن، ونعماءه تأييده وأدام بقاءه الله أطال الجليل الأمير رأى إن وصلى الله على محمد وآله الأخيار.١٢

فلما فرغت من قراءتها انقطع ظهر أحد الخصمين، وقال الناس: قد عرفنا الترسل أيضًا فملنا إلى اللغة، فقلت: يا أبا بكر هذه اللغة التي هددتنا بها وحدثتنا عنها، وهذي كتبها وتلك مؤلفاتها فخذ غريب المصنف إن شئت، وإصلاح المنطق إن أردت، وألفاظ ابن السكيت إن نشطت، ومجمل اللغة إن اخترت فهو ألف ورقة، وأدب الكاتب إن أردت. واقترح عليَّ أي باب شئت من هذه الكتب حتى أجعله لك نقدًا، وأسرده عليك سردًا، فقال: اقرأ من غريب المصنف رجل ماس، خفيف على مثال مال وما أمساه! فاندفعت في الباب حتى قرأته فلم أتردد فيه، وأتيت على الباب الذي يليه ثم قلت: اقترح غيره، فقالوا: كفى ذلك، فقلت له: اقرأ الآن باب المصادر من أخبار فصيح الكلام ولا أطالبك بسواه، ولا أسألك عما عداه، فوقف حماره، وخمدت ناره، وقال الناس: اللغة مسلمة لك أيضًا، فهاتوا غيره، فقلت: يا أبا بكر هات العروض فهو أحد أبواب الأدب وسردت منه خمسة أبحر بألقابها وأبياتها وعللها وزحافها، فقلت: هات الآن فاسرده كما سردته، فلما برد ضجر الناس وقاموا من المجلس يفدونني بالأمهات والأب، ويشيعونه باللعن والسب، وقام أبو بكر فغشي عليه وقمت إليه فقلت:

يعز عليَّ في الميدان أني
قتلت مناسبي جلدًا وقهرًا
ولكن رمت شيئًا لم يرمهُ
سواك فلم أطق يا ليث صبرًا

وقبلت عينيه ومسحت وجهه وقلت: أشهد أن الغلبة له، فهلا يا أبا بكر جئتنا من باب الخلطة وفي باب العشرة؟ وتفرق الناس وحسبنا الطعام مع أفاضل ذلك المقام، ولما حلقنا على الخوان، كرعت في الجفان، وأسرعت إلى الرغفان، وأمعنت في الألوان، وجعل هذا الفاضل يتناول الطعام بأطراف الأظفار، فلا يأكل إلا قضمًا، ولا ينال إلا شمًّا، وهو مع ذلك ينطق عن كبد حري، ويفيض عن نفس ملأى، فقلت: يا أبا بكر بقيت لك مُنة وفيك مسكة:

يا قوم إني أرى الأموات قد نشروا
والأرض تلفظ موتاكم إذا قبروا

فأخبرني يا أبا بكر لم غُشِّي عليك؟ فقال: لحمى الطبع وحمى الفرو، فقلت: أين أنت من السجع، هلا قلت: حمي الطبع وحمي الصفع! وقال السيد أبو القاسم: أيها الأستاذ أنت مع الجد والهزل تغلبه، فقلت: لا تظلموه ولا تطعموه طعامًا يصير في بطنه مغصًا، وفي عينه رمصًا، وفي جلده برصًا، وفي حلقه غصصًا! فقال أبو بكر: هذه أسجاع كنت حفظتها فقل كما أقوله: يصير في عينك قذى، وفي حلقك أذى، وفي صدرك شجى! فقلت: يا أبا بكر على الألف تريد؟ خذ الآن: بفيك البرا، وعلى هامك الثرى، ولا أطعمك اﻟﺨ … إلا من ورا كما ترى، فقالوا: أيها الأستاذ السكوت أولى بك، ومالوا إليَّ وقالوا: ملكت فأسجع!

فأبى أبو بكر أن يبقي لنفسه حمة لم ينفضها، أو يدخر علينا كلمة لم يعرضها، فقال: والله لأتركنك بين الميمات، فقلت: ما معنى الميمات؟ فقال: بين مهزوم ومهذوم ومهشوم ومغموم ومحموم ومرجوم، فقلت: وأتركك بين الميمات أيضًا بين الهيام والصدام والجذام والحمام والزكام والسام والبرسام والهام والسقام، وبين السينات فقد علمتنا طريقة بين منحوس منخوس منكوس متعوس محسوس معروس، وبين الخاءات فقد فتحت علينا بابًا بين مطبوخ مشدوخ منسوخ ممسوخ مفسوخ، وبين الباءات فقد علمتني الطعن وكنت ناسيًا بين مغلوب ومسلوب ومرعوب ومصلوب ومركوب ومنكوب ومنهوب ومغضوب، وإن شئنا كلنا بهذا الصاع، وطاولنا بهذا الذراع، وعرضنا عليك من هذا المتاع، وكاثرناك بهذه الأنواع، ثم خرجت واحتجر، فقد كان اجتمع الناس وغلث الكروش، ولما خرجت لم يلقوني إلا بالشفاه تقبيلًا، وبالأفواه تبجيلًا، وانتظروا خروجه إلى أن غابت الشمس ولم يظهر أبو بكر حتى حضره الليل بجنوده وخلع الظلام عليه فروته.

فهذا ما علقناه عن المجلس وأديناه، والسيد — أطال الله بقاءه — يقف عليه إن شاء الله.

هوامش

(١) انظر: شاهد هذا فيما سنعرض له من نص المناظرة.
(٢) راجع: ما حققناه من عدد المقامات في الجزء الأول.
(٣) اليتيمة (٤ / ١٦٧–١٦٩).
(٤) انظر: وفيات الأعيان (١ / ٣٥٦).
(٥) يريد أن طلعة المعلم توحش الطفل؛ لأنها تنقله من اللعب إلى الدرس، ومعاذ الله أن تكون «طلعة المعلم وحشة» في جيمع الأحوال!
(٦) أثبتنا هذا الشاهد على طوله لطرافته ولدلالته على عقلية فريق من كتاب ذلك العهد، ولنبين كيف استطاعت اللغة المثقلة بالزخرف والسجع أن تؤدي نوعًا من القصص في تدوين المناظرات. وقد أسقطنا جزءًا من صورة هذه الوثيقة الأدبية فرارًا من التطويل، وللقارئ أن يرجع إلى رسائل بديع الزمان ص٢٨–٨٣.
(٧) الزرق: جمع أزرق ويراد به الأعمى. وفي القرآن وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا أي: عميًا.
(٨) البرك، بفتح فسكون: الصدر.
(٩) من النكاية؛ وهي الإهانة.
(١٠) من زرق الطائر: إذا أخرج ما في أمعائه.
(١١) تهكم يذكر بقول الشاعر:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى
عيب يوقيه من العين
(١٢) هذا الخطاب في ظاهره مغلق، ولكنه يقرأ من عكسه بسهولة فيقال: «إذا رأى الأمير — أطال الله بقاءه، وأدام تأييده ونعماءه — أن يتداركنا بجميل نظره، فقد بعثنا إليه وفود آمالنا، وكشفنا له وجوه أحوالنا، وعلقنا رقاب آمالنا على هممه، وشمنا بارقة كرمه، وانتجعنا مصاب شيمه، لينظر نظرًا كريمًا، فقد صار الناس أجمع صيارفة، والنقود زائفة، والتجارات واقفة، ونحن نتضرع إليه أن يحط هذا الكل عن أهل الدين، ويرفع هذا الثقل عن ظهور المسلمين. فإذا جرى الأمير — أدام الله تأييده — في أياديه على مقتضى آمالنا فيه، كانت آثارًا تشرق لها بطون المحابر، وتمشق وجوه الدفاتر، وتفرع لها ظهور المنابر، وتملأ بها صدور المحاضر إن شاء الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠