الفصل الثالث

أبو حفص بن برد

أبو حفص أحمد بن برد الأكبر كاتب أندلسي من أقطاب النثر الفني في القرن الرابع، توفي بسرقسطة سنة ٤١٨ كما في الذخيرة١ وإرشاد الأريب،٢ لا سنة ٤٢٨ كما وقع خطأ في كتاب الدكتور أحمد ضيف عن بلاغة العرب في الأندلس. وقد عاش ابن برد نحو ثمانين سنة، ولكن أخباره ضاعت فلم يعرف منها إلا القليل، مع أنه كان من أشهر الوزراء في الأيام العامرية.
ولم نجد على كثرة البحث ما يعين مذاهب ابن برد الأدبية، وقد اكتفى أكثر من عرضوا لترجمته بالعبارات الفضفاضة التي لا تحدد شيئًا؛ فذكر ياقوت أنه كان «كاتبًا بليغًا»،٣ وذكر ابن بسام أنه في زمانه «واسطة السلك، وقطب رحى الملك»، وأنه «برز على نظرائه وأشكاله»، وأنه «كتب عن عدة من الأمراء فأسمع الصم بيانًا، واستنزل العصم إبداعًا وإحسانًا.»٤ وذكر صاحب المطمح أنه «غذي بالأدب، وعلا إلى أسمى الرتب»، وأنه «بديع الإحساس، بليغ القلم واللسان»، وأنه «مليح الكتابة، فصيح الخطابة.»٥ وفخر حفيده ابن برد الأصغر بالانتساب إليه فقال:
من شاء خبري فأنا ابن برد
حد حسامي قطعة من حدي
وأرفع الناس بناءً جدي
مَن نظم الألفاظ نظم العقد
ونقد الكلام حق النقد
وكف بالأقلام أيدي الأسد٦

وهذه كلها صفات تدل على عظمة ابن برد في أنفس من قرءوا له، وكتبوا عنه، ولكنها لا تعين منحاه في مذاهب البيان.

وعذر من ترجموا لابن برد أن معظم رسائله كان ضاع، حتى إن مواطنه ابن بسام على قرب عهده به صرح بأنه لم يجد من رسائله إلا ما لا يكاد يعرب عن فضائله،٧ وربما كان ذلك هو السبب فيما وقع لبعض كتاب التراجم من الخلط بين آثار ابن برد الأكبر وابن برد الأصغر، فإنا نجد صاحب المطمح ينسب رسالة السيف والقلم إلى ابن برد الأكبر٨ وينسبها ياقوت٩ إلى ابن برد الأصغر، والأبيات الآتية:
لما بدا في لازور
دى الحرير وقد بهر
كبرت من فرط الجما
ل وقلت ما هذا بشر
فأجابني لا تنكرن
ثون السماء على القمر
نسبها صاحب المطمح إلى ابن برد الأكبر١٠ ونسبها ياقوت١١ إلى ابن برد الأصغر.
تولى ابن برد رياسة ديوان الإنشاء لمحمد بن عبد الرحمن المستكفي، وكتب كذلك لعدد من الأمراء، فكان لتوليه رياسة ديوان الإنشاء أثر قوي في حرصه على أدوات الكتابة، وكانت تلك الأدوات مما شغل كتاب القرن الثالث والرابع؛ فكتب فريق منهم كتبًا خاصة فيما يجب أن يراعيه الكاتب كما فعل ابن المدبر حين ألف «الرسالة العذراء»، وإنا لنجد ابن برد يكتب عن المظفر بن أبي عامر رقعة وجهها إلى القواد والكتاب فيقول:
ومن أعجب العجب ما يجترئ عليه بعض خدمتنا من نبذ عهودنا، ولا أحسب الذي غرهم بنا إلا ما وهب الله تعالى لنا مع القدرة من الحلم والكظم، وقد كانت سجية غالية، وخليقة لازمة، فرب شبع تحت مخيل النعماء، وكم غصص في شهي الغذاء، ومن شرق في نمير الماء … ونصب أعينكم عهد المنصور صدره التوبيخ باستكتاب الجهلة ممن قلت معرفته، واتضعت همته، ولم يبلغ أن يحكم الخط فيقوم حروفه، ويراعي المد فيجيد صنعته، ويميز الرق فيحسن اختياره، وعزم العزم النافذ، والحكم الصادع، بأن تكون صدور كتب الاعتراضات وعنوانها وتواريخها والأعداد في رءوس غصونها بخطوط أيدي القواد والعمال، من كان فيهم كاتبًا فليكتب بيده، ومن لم يكتب فبخط كاتب معروف بالخط عنه، وأن تكون تسمية طبقات الأجناد فيها قائمة الخطوط، بينة الحروف … على أنه إن ورد لأحد منهم بعد وصول العهد إليه كتاب اعتراض عمل في رق، أو خط فيه لحن، أو كتاب على بشر في عدد أو رسم ما لم يخف أو يقع في نشر الكتاب … فيعاجل بعقوبة العزل.١٢
ولم يكتف بذلك، بل مضى يقول:
وإن قومًا منهم عادوا لما نهوا عنه؛ فكتبوا الخط الرقيق في دني الرقوق، رقة من هممهم ودناءة في اختيارهم، وجهلًا بأن الخط جاه الكتاب، وسلك الكلام، به ينتظم منثوره وتفصل شذوره، ونبله من نبل صاحبه، وهجنته لاحقة بكاتبه، إلى ما اقترفوه من العصيان، وأقدموا عليه من خلاف السلطان، وأنا أعطي الله عهدًا لئن ارتفع إليَّ بعد بلوغ عهدي هذا أقصى حدود المملكة وانتهائه أبعد أقطار الطاعة كتاب على الصفات المذمومة؛ من رق أو مداد أو خط لأفين لصاحبه بما قدم إليه من الوعيد.١٣

وهذه الفقرات تمثل رأي الكاتب قبل أن تمثل رأي من كتبت باسمه، وهي مظهر من عناية ابن برد بأدوات الكتابة وأدب الكتاب.

وقد حفظت عن ابن برد رسائل تصور ما كان من النزاع بين العرب والبربر في الأندلس، ودراسة ما كان بين هذين العنصرين من الفتن والمنازعات باب من أهم أبواب التاريخ الأندلسي، ولها كذلك نفع في تحديد الاتجاهات الأدبية في تلك البلاد. والبربر يسمون «العبيد» أحيانًا في لغة ابن برد، ولا نستطيع أن نفترض غير ذلك؛ لأنا لا نعرف عصبة ناوأت العرب في الأندلس غير عصبة البربر، وقد كتب ابن برد على لسان سليمان بن الحكم عدة رسائل إلى من سماهم ابن بسام «جماعة العبيد» جاء في إحداها:

ولم تزل الأئمة مقبلة على مواليها مختصة لعبيدها تقدمهم في الثقة، وتقربهم بالمودة، وتعدهم لحوادث الأمور، وتقذف بهم في معضلات الخطوب، فيتولون من اجتهادهم لهم ما أوجب لهم منهم المحبة، حتى شرف القوم ونبلوا، وسما ذكرهم ونسبوا إلى مشهور أنسابهم، ومذكور بيوتاتهم … وقد أفضى الأمر إليكم معشر الموالي، وهذا اسمكم وقد رفع الله عنكم العبودية به، وأخرجكم عن رق الملك، وصيركم منا، وخلطكم بنا، وأفضى بأنسابكم إلينا، والولاء لحمة، ومولى القوم منهم، ملعون من انتمى لغير أبيه، أو ادعى غير مواليه، هذا حكم الإسلام، على لسانه عليه السلام.

وأما حكم الدنيا وسيرة أهل السداد والصلاح فيها فلا يجزئ أيضًا، إلا أن يكون ضلعكم معنا، وميلكم إلينا، وتعصبكم لنا، فنحن أحق الناس بكم، وأجدر أن نعمل عمل آبائنا في أمثالكم من مواليهم، وإن نقمتم حالًا فرقت الشمل، أو لقيتم أمرًا صدع الجمع، فتلك الفتنة التي يعق فيها الابن أباه، ويقتل لها المسلم أخاه … ولعلنا فيما ساءكم من تلك الهنات، ونالكم من الفجعات، أوجع قلوبًا، وأشد غموضًا، فسبحان من لو شاء لأطلعكم على غيبنا وعرفكم إشفاقنا عليكم، وكيف لا يكون ذلك كذلك، وما زلتم الشعار والدثار؛ لا يؤثر عليكم، ولا نثق إلا بكم، فإن يكن الشيطان قد نزغ بما نزغ به بين ابني آدم فمن بعدهما من ذريته فقد آن أن تثوب الحلوم، فتعود السيوف في أغمادها، والنبال في كنائنها، ونحن نعاهد الله أن لا نؤاخذ أحدًا بذنب، ولا نناله بعقوبة، ولا نطوي على إحنة، بل نعفو ونصفح.١٤
ونجد في رسالة أخرى حديثًا عن كتاب وجهه زعماء البربر إلى سليمان يصرحون فيه بأن خلافة الأمويين ما دامت إلا بطبقتهم، ولا عزت إلا بدعوتهم، ونجد ابن برد يمن عليهم باسم سليمان فيذكر أن طبقتهم لم تظفر إلا حديثًا، وأن عددهم لم يكثر إلا قريبًا، وأنه أدخلهم في الدين واستنقذهم من الضلالة، وأخرجهم من الكفر، ثم اصطنعهم ونوه بهم بالتصرف في الخدمة،١٥ إلى أن يقول:
وأقسمتم على أن من حبسناه من رؤسائكم كان أولى بالسياسة، فأنى لكم ذلك؟ وإنما أنتم مدبرون مسوسون، وأتباع مربوبون، وبناء التدبير نازح عنكم، والسياسة القويمة محجوبة دونكم، ومتى بلغكم عن عبد ثرب على مولاه فأفلح، أو سمعتم بجند شغب على مدبريه فأنجح، والله تعالى ودينه وخلائفه في غنى عمن عند عليه وحاده، وأنجز في الإسلام وشاقه، وخرج عن الجماعة، وشق عصا الإمامة، واستخف بحقوق الأئمة، ونازع الأمر أهله، ولولا أن أمير المؤمنين يعلم أن ملأكم لم يجتمع على هذا الكتاب، وأن أهل السداد منكم لم يرضوا هذا الخطاب، لكان في ذلك نظر يقيم الأود، ويعدل الميل … واعملوا أن السداد والحلم والكظم من أخلاقه، والرفق والأناة من شيمه، فاقبلوا أدبه، وانتفعوا بموعظته، فلو كشف لكم الغطاء، واجتلى عليكم الغيب، لعلمتم أن أمير المؤمنين لا ينام عن مصالحكم، ولا يني في منافعكم، ولا يسعى إلا فيما يرد ألفتكم، ويجمع كلمتكم.١٦
وهذا كله كلام طيب، ولكن أين دلالته على قوة ابن برد النفسية؟ إنه كلام كسائر ما يسطر كُتاب الدواوين، فليس فيه اتجاهات فلسفية ولا اجتماعية أكثر مما كان يكتب عادة على ألسنة الأمراء والسلاطين، وقد اتفق لابن برد أن يجهد نفسه في الكلام عن معنى الرعية فلم يزد على أن قال:
إن الرعية من السلطان بمكان الأشباح من الأرواح، وصلاحها وفسادها متصلان، ونماؤها ونقصانها منتظمان؛ إذ كانت الرعية عنصر المال، ومادة الجباية، وفيهما قوام الملك وعز السلطان، ورزق الأجناد التي بها يقاتل العدو، وينصر الدين، وتحمى الحرم.١٧

وهذا أيضًا كلام طيب ولكنه أقل مما سُبق إليه في مثل هذه الشئون.

وقد اقترن اسم ابن برد في تاريخ الأندلس بكتابة العهد؛ عهد الخليفة المؤيد بالله هشام بن الحكم الأموي، وكان لهذا العهد صدى في كتب المتقدمين؛ فتحدث عنه ابن بسام والمقري والقلقشندي وابن خلدون،١٨ وليس لهذا العهد قيمة إلا من الوجهة التاريخية لما فيه من الدلالة على صولة العامريين وضعف الخلفاء، ولكنه من الوجهة الأدبية والنفسية دليل على أن ابن برد كان من أتباع المذهب الغالب على أي حال، ألم يذكر على لسان هشام أنه «بعد اطراح الهوى والتحري للحق … وبعد أن قطع الأواصر، وأسخط الأقارب، لم يجد أحدًا أجدر أن يوليه عهده، ويفوض إليه الخلافة بعده، لفضل نفسه، وكرم خيمه، وشرف مرتبته، وعلو منصبه، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه ونقاوته، من المأمون الغيب، الناصح الجيب، أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور».

ولم يقف ابن برد عند هذا، بل استرسل فزعم أن ذلك القحطاني المتسلط هو الذي أشار إليه الحديث النبوي الذي يقول: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه»، فكان ابن برد على هذا من أنصار «التهريج» في الوضع والتأويل!

ومن أسوأ ما وقع لابن برد كتابه عن المظفر حين قتل وزيره عيسى بن سعيد،١٩ وهو كتاب فاجر جاءت فيه هذه الكلمات:

أيها الناس، من علم منكم حالة الخائن عيسى بن سعيد بالمشاهدة، ورأى النعمة عليه بالمحاضرة، فقد اكتفى بما شاهد، واجتزأ بما حضر، ومن غاب عنه ذلك من عوامكم لانتزاح منزل، أو لاتصال شغل، فليعلم أننا أخذناه من الحضيض الأوهد، وانتشلناه من شظف العيش الأنكد، فرفعنا خسيسته، وتممنا نقيصته، وخولناه صنوف الأموال، وصيرنا حاله فوق الأحوال، فلم يقم لله بحق، ولا قابل إحسانه بصدق، ولا عامل رعيتنا برفق، ولا تناول خدمتنا بحق، بل أعلن بالمعاصي، واستذل الأعزة وذوي المروءة، ونافرهم، وأنس بأضدادهم، ونبذ عهودنا، وخالف سبلنا، وكدر على الناس صفونا، حتى إذا ملكه الأشر، وتمادى به البطر، وعلت به الأمور، وغره بالله الغرور، حاول شق عصا الأمة، وهد ركن الخلافة والأمانة، بما احتجن من حرام المال، واستمال من طغام الرجال، فحجته نعمنا عنده، وخصمته عوارفنا لديه، وكشف لنا سر نيته حتى صرعه بغيه، وأسلمه غدره، وأخذه الله بما اجترم، وأوبقه بما اكتسب، فأعجلناه عن تدبيره، وصار إلى نار الله وسعيره.

وإنما وصفنا هذا الكتاب بالفجور؛ لأن ذلك الوزير أُخذ للقتل من مجلس شرابه وكان فيه أبو حفص بن برد، ولو صدقنا ابن بسام لكان ذلك الوزير من صرعى النمائم والوشايات.

وخلاصة ما سلف أن ابن برد كان قوة أدبية، وكان من كبار الكتاب في دولة العامريين، ولكن أدبه ضاع في الدفاع عن الحق حينًا، والزلف إلى الباطل أحيانًا، وكان لا يعرف ما يأتي وما يدع؛ لأن ظروف السياسة لعهده لم تكن تمكن كاتبًا ولا شاعرًا من أن يكون أدبه صدى لخالص النية وطاهر الوجدان، وكان ابن برد كاتبًا وزيرًا؛ والكتابة والوزارة وسيلتان من وسائل الظلم والبغي عند من تغويهم منافع العيش، وتضلهم أباطيل هذه الدنيا الغرور.

وهذا الجانب النفعي هو الذي عرفناه أو عرفنا رسومه من ابن برد؛ لأن من ترجموا له لم يجدوا — فيما يظهر — غير بقايا من رسائله الرسمية، أما اللون الجميل من أدب الكتاب الذي يتحدث عن الإخوانيات وعن أنفس الكاتبين في صدق وإخلاص فلم تبق منه بقية شافية؛ لأن الأدب السياسي كان طغى على ما سواه من ألوان الأدب في تلك الأيام، ولأن الشعر كان استبد أو كاد بالحديث عن سرائر النفوس، ودقائق الأحاسيس، وما كان الناس ينتظرون أن يحدثهم النثر إلا عما يصدر عن الخلفاء والأمراء والوزراء من رقاع الإغراء والوعيد، وكذلك استذل الكتاب حينًا لأهواء المسيطرين، فلم يكن أدبهم صورة لنفوسهم وقلوبهم وأذواقهم، وإنما كان في الأغلب صدى لجلجلة الاستبداد والطغيان، وآفة الأدب أن يكون صدى لغير ما يجيش في صدور الكرام من نوازع الصدق واليقين.

هوامش

(١) (١ / ٤٩).
(٢) (٢ / ١٠٦).
(٣) (٢ / ١٠٦).
(٤) (١ / ٤٩).
(٥) انظر: نفح الطيب (٢ / ٣٦٧).
(٦) الذخيرة (١ / ٢٥٧).
(٧) الذخيرة (١ / ٤٩).
(٨) راجع: نفح الطيب (٢ / ٣٦٧).
(٩) (٢ / ١٠٦).
(١٠) نفح الطيب: (٢ / ٣٦٨).
(١١) (٢ / ١٠٦).
(١٢) الذخيرة (١ / ٤٩).
(١٣) ص٥٠.
(١٤) الذخيرة (١ / ٥٠–٥٣).
(١٥) راجع: ص٥٣.
(١٦) (١ / ٥٣).
(١٧) ص٥٤.
(١٨) يكفي أن تراجع نفح الطيب (١ / ٢٨٧، ٢٨٨).
(١٩) راجع: الذخيرة (١ / ٥٥–٥٩).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠