تمهيد

الصين؛ بلد يبلغ عدد سكانه أكثر من ١٫٣ مليار شخص، وهو الأكبر في العالم من حيث عدد السكان. لم يَعُد اقتصاد الصين الآن معزولًا عن بقية العالم. في الواقع، عندما يُسأل الأمريكيون مِن أين تأتي البضاعة التي نشتريها؟ فإن معظمهم لا يفكرون في المكسيك، ولا كوريا، ولا الهند، إنما يفكرون في الصين.

مع نمو الاقتصاد الصيني، دخل في منافسةٍ مباشرةٍ مع شركات التصنيع الأمريكية. وبفضل انخفاض الأجور والمساعدات الحكومية، استولت القوة الماحقة للتصنيع الصيني على أسواق السلع التي كانت تُصنَع سابقًا في الولايات المتحدة، وفي البلدان الأخرى أيضًا.

لقد خَلق الاقتصاد الصيني الجامح حالةً من عدم اليقين والخوف، بل خَلق حالةً من الغضب بشأن المنافسة غير العادلة. وأصبح أيضًا قضيةً سياسيةً كبرى نظرًا لانتقال وظائف قطاع التصنيع التي كانت تهيمن عليها الطبقة الوسطى إلى الخارج.

إن صورة الصين كماردٍ اقتصاديٍّ في الشرق الأقصى راسخةٌ بثبات، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنَّ الواقع يُطابق التصوُّر السائد. إذن، هل الصين حقًّا تلك القوة الاقتصادية الساحقة التي نتصوَّرها؟ والأهم من ذلك، هل يمكننا حقًّا العيشُ من دون المنتجات الصينية؟ هذا هو السؤال الذي طرحتْه سارة بونجورني في هذا الكتاب.

إذن، ما حقيقة الصين؟ إن البيانات الاقتصادية ليست واضحةً كما تجعلنا الصحافة نعتقد؛ فقد بدأت الحكومة الصينية في أوائل ثمانينيات القرن العشرين التوقُّف عن السيطرة مركزيًّا على اقتصادها، وسرَّعت ذلك في تسعينيات القرن نفسه. بدأت الصين تفتح أسواقها، وأدَّى تدفُّق الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد إلى موجة نموٍّ هائلة في الاقتصاد. وبحلول نهاية عام ٢٠٠٦، كانت الصين تمتلك واحدًا من أكبر خمسة اقتصاداتٍ في العالم، ووَفْق أحد المقاييس — الذي يُسمَّى تعادل القوة الشرائية — كانت تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة.

نحن في الولايات المتحدة نعتقد أن كل شيءٍ تصنعه الصين يُرسَل فورًا إلى هنا. في الواقع، ليس الأمر على هذا النحو؛ إذ شحنت الصين ما يُقدر ﺑ ٢٩٠ مليار دولار من جميع أنواع السلع إلى الولايات المتحدة في عام ٢٠٠٦، ويصل أكثر من ١١ بالمائة من إنتاج الصين إلى الولايات المتحدة، ومع ذلك لا يُباع سوى حوالي ربع مجموع الصادرات الصينية في أمريكا. إلا أن هذه نسبة كبيرة للغاية؛ مما يجعل المستهلك الأمريكي مستهلكًا مهمًّا لقوة الاقتصاد الصيني.

ربما لا تُشكل البضائع الصينية كل ما نشتريه، لكنها بالتأكيد تُشكل جزءًا كبيرًا من مشترياتنا؛ فنحن نستورد البضائع من جميع أنحاء العالم بقيمة أكثر من ٢٫٢ تريليون دولار. ويأتي نحو ١٥ بالمائة من الصين، وهذه ليست كميةً صغيرة. ومع ذلك، بالمقارنة مع حجم الاقتصاد الأمريكي، فإنها كذلك. كان إجمالي الناتج المحلي الأمريكي في عام ٢٠٠٦ أكثر من ١٣٫٢ تريليون دولار، وتجاوز الإنفاق الاستهلاكي ٩٫٢ تريليونات دولار.

يبدو إذنْ أننا ينبغي أن نكون قادرين على عيش حياةٍ مُيسرةٍ دون الحاجة إلى شراء المنتجات الصينية. ولكن ربما لا يكون الأمر كذلك، خاصةً للأسر المنخفضة أو المتوسطة الدخل؛ فرغم أن البيانات تُشير في ظاهرها إلى أن الصين مهمةٌ ولكن ليست حيوية، فإن هذا يكون بالمقارنة بجميع السلع والخدمات التي نحصل عليها من بقية العالم. أما بالنسبة إلى الشخص الأمريكي العادي الذي يبحث عن ملابس وسلع مصنعة رخيصة الثمن، فإن الأمر مختلف تمامًا؛ فالعديد من السلع التي نشتريها بالفعل في هذا البلد يحمل مُلصَق «صُنِعَ في الصين».

وهذا يصل بنا إلى السؤال التالي: هل نستطيع العيش لمدة عامٍ كاملٍ دون شراء أي شيءٍ صيني؟ على الأرجح نعم، ولكن سيكون عليك التدقيق بشدة، ومع ذلك ربما تفشل حينها؛ فالعديد من السلع يحتوي على مكوناتٍ مصنوعةٍ في الصين ولكنها مُجمَّعة في مكانٍ آخر. لا تهتم معظم الشركات المصنِّعة بمكان إنتاج العناصر المكوِّنة من البداية؛ فهي تهتم فقط بأنها رخيصة وتُناسب احتياجاتها. المنافسة هي المتحكم الأول، وأولئك الذين لديهم أدنى تكاليف يسيطرون.

يدور هذا الكتاب في الأساس حول واقع العولمة؛ فهو لا يدور حقًّا حول الصين وإنما يروي قصةً عن الكيفية التي تَغيَّر بها العالم، والأهم من ذلك، إلى أين يتجه الاقتصاد العالمي. يتحسَّن مستوى معيشة الجميع تقريبًا من خلال قدرتهم على شراء منتجاتٍ أقل تكلفةً بصرف النظر عن مكان صُنعها. تذهب أموالنا إلى أماكن أبعد كثيرًا. ويمكن للشركات استخدام الموارد الزائدة التي وفَّرها استخدام المنتج الأقل تكلفةً لإنتاج المزيد بتكلفةٍ أقل أيضًا.

مع هذا، بالنسبة إلى العاملين في تلك الصناعات والشركات التي لم تَعُد قادرةً على المنافسة، فإنهم فقدوا وظائفهم. هل هم على استعدادٍ لشراء عددٍ أقل من السلع بأسعارٍ أعلى من أجل الحفاظ على وظائفهم؟ الجواب نعم. ولكن بالنسبة إلى بقيتنا، لا نريد أن ندفع أكثر ونُعبِّر عن قرارنا هذا بشكلٍ ملموسٍ من خلال السلع التي نُنفق عليها أموالنا، فنحن نشتري المنتجات الأرخص بصرف النظر عن مكان إنتاجها. وفي الوقت الراهن على الأقل، كثير من تلك البضائع يأتي من الصين.

لذا، ربما يكون العيش دون منتجاتٍ أجنبيةٍ خيارًا، ولكنه ليس خيارًا واقعيًّا للغاية. في خمسينيات القرن العشرين، كان شعار «صنع في اليابان» هو الذي يُقلق شركات التصنيع لدينا، والآن أصبح شعار «صنع في الصين»، وفي المستقبل يمكن أن يكون «صنع في مكان آخر».

جويل إل ناروف
رئيس شركة ناروف إكونوميك أدفايزرز إنك
ورئيس الخبراء الاقتصاديين ببنك التجارة

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠