الفصل الثاني عشر

نهاية الطريق

كنت قد مصصت حلوى قصب السكر الخاصة بي وحوَّلتها إلى ما يُشبه الخنجر الهش المصنوع من السكر الأحمر والأبيض عندما فكرت أن أُلقيَ نظرة على أنقاض علبة الحلوى المبعثرة بجانبي على الأريكة.

كان قرارًا مرتجلًا. ولم أعرف لماذا فعلتُ ذلك. لا يوجد أي سبب منطقي للتفكير في أن هذه الحلوى قادمة من الصين. لم أكن حتى أفكر في المقاطعة. كنت أستمتع بمشاهدة الأطفال يُعلقون الحلوى على فروع شجرة الكريسماس المنخفضة وأتساءل هل كلبنا ريك — الذي يعشق الحلويات ولا تردعه الأغلفة البلاستيكية — سيخلعها عن الفروع في الأيام التالية. كانت لحظةً من اللحظات النادرة التي لا أفكر فيها في الصين؛ لذا ربما أنني لم أكن أتصرَّف إلا بحكم العادة عندما مددتُ يدي إلى العلبة الممزقة القابعة على بُعد بضع بوصات من يدي وأمسكتها وقلبتها.

لسعني النعناع في فمي عندما قرأت الملصق. جلست وحدقت في الكلمات. «صنع في الصين.» لا بد أنهم يمزحون معي.

كنت أعتقد أني أصبحت خبيرةً في المنتجات الصينية، أو على الأقل قريبة جدًّا من ذلك. لُعَب الأطفال الصينية، والأحذية الصينية، والأدوات الصينية، والمزيد من لُعَب الأطفال الصينية، والإلكترونيات الصينية، والأمتعة الصينية، والملابس الصينية المناسبة لجوينيث بالترو، ثم المزيد من اللُّعَب الصينية؛ كل هذه الأشياء كنت أتوقَّعها، لكن حلوى صينية من المتجر بسعر ٩٩ سنتًا للدستة؟ لم أكن أتوقَّع قط أن أراها، ليس هنا في غرفة معيشتنا، وليس الآن، في الأيام الأخيرة من المقاطعة.

اعتقدتُ أننا أصبحنا خبراء في تجنُّب البضائع الصينية. واعتقدت أننا تعلَّمنا بعض الأمور منذ يناير، وأننا يمكن أن نُدبِّر أمر مقاطعة مثالية ونحن نسير بسرعةٍ نحو خط النهاية. لكن علبة الحلوى الصينية توحي لي بخلاف ذلك. ما زلنا هواة، حتى في هذا الوقت المتأخر، جاهلين بالبضائع الصينية الكامنة في المتجر ومهملين في فحص البطاقات التجارية. توقفتُ عن التفكير. كنت قاسيةً للغاية على نفسي. كان ينبغي أن أقول إن الحلقة الأضعف لا يزال هاويًا. رغم كل شيء، كانت الحلوى فكرة كيفن. كان يعتقد أنها قد تعيد إحياء الشجرة الحزينة ذات الأضواء الصينية القديمة القابعة في ركن غرفة معيشتنا.

دعوته إلى المطبخ في الحال: «مهلًا، كِيف، هل يمكنني أن أُريَكَ شيئًا؟»

دلف كيفن إلى المطبخ واضعًا منشفة أطباقٍ على كتفه وكان قميصه مغبرًا بالدقيق من الأمام جرَّاء خبز رقائق البسكوت مع الأطفال. قطَّب جبينه أمام الصندوق الفارغ الذي لوَّحت به أمامه، ثم اجتاحته موجة من عدم التصديق عندما فهم ما أقصده. كان بالفعل شاحبًا جرَّاء عدم التعرُّض للشمس بما فيه الكفاية. وبدا في هذه اللحظة أكثر شحوبًا.

ثم قال: «لا، لا أصدق ذلك. أنتِ تمزحين بالتأكيد.»

نظرت إليه نظرة لئيمة، ثم قلت:

«أتمنى أن يكون الأمر كذلك.»

«حلويات؟ من الصين؟» قالها برسمية غريبة جعلتْه يبدو بريطانيًّا. «لم يكن لديَّ أي فكرة. لم أفكر حتى في إلقاء نظرةٍ على العلبة.»

فكرت في نفسي أن هذا واضح.

قلت له: «لا يمكنكَ أن تكون بالغ الحذر، خصوصًا عند اقتراب الأعياد.»

هزَّ رأسه وعاد إلى المطبخ، مغمغمًا بكلماتٍ لنفسه.

سمعته يسأل جدران الغرفة الأربعة: «مَن يظن أن حلويات الكريسماس تأتي من الصين؟»

ليس أنا، ولا الحلقة الأضعف أيضًا. لن يحدث أبدًا.

•••

عزوت فعلة كيفن الخرقاء مع الحلوى الصينية إلى سببٍ مثير للسخرية: إنها الثقة المفرطة في قدراته على مراوغة الصين. بالتأكيد، كان قد بدأ يشارك بحماسٍ في المقاطعة في الآونة الأخيرة، لكنَّ تصرفاته في هذا الصدد بدتْ تتسم بالغرور والاستهتار. إنه يستعرض بالمقاطعة. أعلم ما يحدث قبل السقوط — التفاخُر — ولكن كيفن نسي هذه القاعدة الأساسية في كل مرة كان يعود فيها إلى المنزل حاملًا المزيد من بضائع الكريسماس غير الصينية أمامي، مع ابتسامةٍ ماكرة على وجهه. كان كيفن أفضل مني في مقاطعة الصين، وكان يحرص على ألا أغفل عن هذه الحقيقة.

خذ مثلًا رحلته إلى متجر اللعب في وقت سابق من هذا اليوم. مع بقاء ٢٢ يومًا فقط للتسوُّق قبل الكريسماس، ذهب ليتجوَّل في متجر اللُّعَب نفسه الذي حالفه فيه الحظ قبل عيد ميلاد ويس. وبعد نصف ساعة، دخل من الباب حاملًا مجموعة بيسبول من تايلاند، ولعبة القرود الساقطة من رومانيا، ومجموعة من ملصقات السقف التي تتوهَّج في الظلام على شكل نجوم من أوروجواي، ومزيدًا من كتب ألغاز المتاهة من إسرائيل. وأيضًا كانت هناك مجموعة من السيوف الملوَّنة المصنوعة من الفوم، وقرص دائري صُلب يتمدَّد ويتحوَّل إلى منشفة مرسوم عليها ديناصور بعد نقعه في الماء من تايوان.

نفخ صدره مثل الديك وهو يُفرغ حقيبة التسوق على طاولة المطبخ حتى أتمكَّن من رؤية ما أحضره.

قلت: «لا أستطيع أن أصدق ذلك …» كنت أقول ذلك لنفسي أكثر مما كنت أقوله له. «كيف وجدت هذه الأشياء؟»

فقال لي: «الأمر بسيط للغاية. ينجح الأمر على نحوٍ أفضل عندما تسترخين وتتركين اللُّعَب غير الصينية تأتي إليك بنفسها. لا يمكنكِ الإفراط في بذل جهد. عليكِ أن تَدَعِي هذه الأمور تحدث من تلقاء نفسها.»

شعرت بقليلٍ من الغَيرة. حسنًا، بل كثير من الغيرة. أحضر كيفن كومة من اللعب غير الصينية التي تتضمَّن لُعَب أطفال كبيرة وملوَّنة قد يلعب الأطفال بها فعليًّا، على النقيض من صندوق الهدايا الألمانية الرزينة والحسنة الذوق الصغير الذي أحضرتُه. أنفقت ما يقرب من مائتي دولار على محتويات ذلك الصندوق الصغير. ألقيت نظرة على إيصال رحلة تسوُّق كيفن. في مقابل ٩٣ دولارًا أمَّن لويس هدايا الكريسماس، التي تضمَّنت لُعبًا كبيرة.

كان بإمكاني أن أَذكر لكيفن أن السيوف التايوانية المصنوعة من الفوم ليست مثل السيوف المضيئة الصينية التي تعمل بالبطاريات. السيوف المصنوعة من الفوم لا يمكن أن تؤذيَ أي شخص فعليًّا. أعتقد أن من الممكن افتراض أنه ما من أحد فقدَ عينه من قبلُ بسبب سيفٍ مصنوع من الفوم. ولست متأكدةً من أنه يمكن قول الشيء نفسه عن السيوف المضيئة البلاستيكية الصُّلبة الحقيقية. وأيضًا هذه السيوف الآمنة القابلة للثني المصنوعة من الفوم غير مدرَجة على قائمة أمنيات ويس لسانتا، وهو العامل الإضافي الذي يمكن أن يُقلل من جاذبيتها في عينَيْ ويس صبيحة الكريسماس. كما آثرت الصمت حيال واقعة إلقاء ويس نظرةً واحدةً على كتب ألغاز المتاهات الإسرائيلية التي تلقاها في عيد ميلاده، ثم إلقائها جانبًا، ومنذ ذلك الحين لم يمسَّها مرةً أخرى؛ مما يشير إلى أن كتب ألغاز المتاهات الجديدة أيضًا ربما تكون مُملة.

وإذا كنتُ سأفعل ذلك، يمكنني أيضًا أن أُخبِر كيفن أنه إذا كان يتوقع فرحة كبيرة من ويس حيال منشفة الديناصور المتمددة التايوانية، فربما عليه إعادة التفكير مرةً أخرى. تنص علبتها على أنها منشفة، ولكن أبعادها النهائية تشير إلى أنها ستكون أقرب إلى منشفة وجه بعد أن تتمدَّد لحجمها الكامل، وهي النقطة التي لن يغفل عنها ويس.

كما لم أرَ أي شيء في حقيبة كيفن يحمل رسمة بطل خارق، أو أي شيء ذي عجلات، أو أي شيء يعمل بوحدة تحكُّم عن بُعد. ولا يوجد أي علامة على سكوبي دو أو إنسان آلي ولا يوجد شيء واحد يُصدر ضوضاء، وخلُصتُ من ذلك إلى أنه مثلما ستخلو صبيحة كريسماس ويس من الأشياء الصينية، فإنها ستخلو أيضًا من أشياء كثيرة أخرى.

ترفَّعتُ عن الأمر، وتركت كيفن يستمتع بفرحته، واحتفظت بأفكاري لنفسي. وقلت لنفسي إنه عاجلًا أو آجلًا سوف تعيده المقاطعة إلى حجمه الطبيعي وسوف يتعلم بالتجرِبة المؤلمة — كما حدث معي — أن الصين تُهيمن على الكريسماس، على الرغم من امتلاكه لزوجٍ من السيوف التايوانية المصنوعة من الفوم وقليل من الحظ الحسن من إسرائيل وأوروجواي. حين يحين ذلك سيشعر كيفن بالتواضع، ولا محالة من أن هذا سيحدث.

أتت لحظة تواضُع كيفن في وقتٍ أقرب مما كان متوقَّعًا. أتت في تلك الليلة، بعد ساعات من عودته مبتهجًا من متجر الألعاب، عندما مددتُ يدي بذهولٍ لأشلاء صندوق الحلوى وكشفت حقيقة دخول الصين في صناعة حلوى الكريسماس.

أو كما يُسمِّيها كيفن، الحلويات.

•••

كانت هذه أولى اللحظات المُوهنة من بين عدة لحظات في الأسابيع التي سبقت الكريسماس.

كبداية، اكتشفنا أن تمثال الفارس البلاستيكي الذي جاء داخل الصندوق الذي كان يحتوي على لعبة الألغاز في عيد ميلاد ويس — والذي يُفترض أنه أمريكي — كان مصنوعًا في الصين. فات أوان إعادة اللغز؛ فقد بدأ ويس بالفعل يُضيِّع قطع اللغز، بما في ذلك القطعة التي حشرها في الصدع الموجود في بيت الدرج المؤدي إلى غرف النوم في الطابق العلوي. لم يستقبل الخبر في رضًا عندما شرحت له أن هذه القطعة ستبقى هناك إلى الأبد.

تجمدتْ شاشة التليفزيون وأنا كيفن في منتصف لغز جريمة قتل. ضغطنا على جهاز التحكم عن بُعد الخاص بمشغل أقراص دي في دي من زوايا مختلفة ولكن لم يفلح ذلك في إعادة تشغيل الفيلم. أجبرَنا هذا التوقُّف على ترك الفيلم متوقفًا عند مشهد الأرستقراطي الإنجليزي المُعلَّق من معصمَيه مسدود الفم والقاتل طليق؛ حيث أسرع كيفن إلى راديو شاك لمعرفة هل يمكنه الحصول على جهاز تحكُّم عن بُعد جديد أو إصلاح القديم. وبينما كان يقف في الطابور، رأى مجموعات كبيرة من مشغلات دي في دي جديدة صينية الصنع تباع بمبلغ ٢٩ دولارًا.

قال الرجل العامل في راديو شاك لكيفن: «ليس العطل في جهاز التحكم عن بُعد. أنت في حاجة إلى مشغل أقراص دي في دي جديد.»

غادر كيفن المتجر خاليَ الوفاض.

كانت نتائج هذا الأمر كارثيةً بالكاد؛ فبعد أن عاد كيفن إلى المنزل اكتشفنا أن مشغل أقراص دي في دي لا يزال يعمل، ولكن كل ما في الأمر أنه لا يستجيب لجهاز التحكم عن بُعد؛ وهذا يعني أننا يجب أن ننهض عن الأريكة من أجل الضغط على أزراره يدويًّا. وطوال بضعة أيام راح كيفن يُبدي ملاحظات تنضح بالمرارة حول مشغلات أقراص دي في دي الصينية التي تباع بسعر ٢٩ دولارًا فقال: «كأن الأجهزة كانت تستفزني.» ولكن اختفت المرارة التي كان يشعر بها، وبعد ذلك لم يذكر هذه المسألة مرةً أخرى.

دُعي ويس إلى حفلة عيد ميلاد أخرى. وعاد منها بلعبة من ليجو حصل عليها كهدية. أقيمت الحفلة في استوديو رسم حيث علَّمَت امرأةٌ الأطفالَ كيفية رسم صورة لشيءٍ يختاره صاحب عيد الميلاد. وعندما عاد ويس إلى المنزل أراني رسمه لوحش ذي أجنحةٍ وذيل أفعواني ينفث نيرانًا من فمه.

وقال: «إنه تنين صيني؛ فالتنانين تعيش في الصين.»

كان أفضل رسم رسمه ويس على الإطلاق. أَلصقتُ رسمة التنين على جدار المطبخ وحاولت تجاهل شعوري بأنه يراقبني من الخلف بينما أغسل الأطباق.

ظهر صندوق صابون من شركة تُدعى سوبس جن باي في هرسبورج بإلينوي («حيث يمكن العثور على صابون الأمس اليوم!») على درجات سُلَّم المنزل الأمامية في ظهيرة أحد الأيام. كان الصندوق مُرسَلًا إلى كيفن، الذي أخبرني بالفعل أن أتوقَّع وصوله وما كان يحتوي عليه: عشر قطع من صابون فيلز نفثا، كهدية لي في الكريسماس. الصابون مصنوع في الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكنه إزالة أي بقعة تقريبًا، وربما يكون سامًّا، وربما قابل للاشتعال، ويعيش إلى الأبد تقريبًا. اشترينا قطعةً واحدة من صابون فيلز نفثا منذ نحو ١٥ عامًا ورُميت القطعة الصغيرة التي تبقت منذ بضعة أشهر، عندما أصبحت صغيرة للغاية لدرجة لا يمكن إمساكها.

حدَّقت في ملصق سوبس جن باي على الصندوق، وحاولت السماح لحقيقة ما حدث بالظهور. زوجي — الرجل الذي جلب لي في السابق زهورًا وملابس داخلية إيطالية ومنامة فرنسية — اشترى للتو صابونًا سيعيش لمدة ١٥٠ عامًا، ربما يكون سامًّا، هدية لي في الكريسماس.

إنها ليست حتى مفاجأة.

•••

جذبَت انتباهي رسالة مُرسَلة إلى مُحرِّر في إحدى الصحف المحلية.

كان عنوانها: «انسَ الصين، وتذكر الكريسماس.» بدأ الكاتب بوصفٍ موجز لسوء تصرفات بعض المتسوِّقين في العيد، وبعد ذلك عاد إلى شكواه الرئيسية: الصين تستولي على الكريسماس.

كان بإمكاني أن أخبره بذلك.

كتب جيم إيه يقول: «اليوم ليس العمال الأمريكيون والمصانع الأمريكية هم مَن يستفيدون من موسم الكريسماس، إنما المستفيد هو عدونا، الصين «الحمراء» الشيوعية … بالنسبة إلى الصينيين، يمثل الكريسماس وقت الاحتفال بتراكم المزيد من الثروة الأمريكية في خزائنهم؛ فلأسبابٍ لا يمكن تفسيرها، منحنا الوصول الكامل والشامل للصين الشيوعية إلى أسواقنا الاستهلاكية … قبل بضعة أشهر فحسب، اشترت الصين شركة آي بي إم. وكانت تضع عينيها أيضًا على أونوكال ومايتاج. وما هذه إلا بداية غزو المشاريع التجارية الصينية الحمراء لأمريكا.»

بعد ذلك، انتحب جيم إيه قائلًا: «لقد عُهِد بسانتا كلوز إلى الصين.» وحثَّ القراء على تذكُّر الدلالة الدينية للعيد وأشار إلى أن فعل أشياء تخالف هذه الدلالة يعني مواجهة اللعنة الأبدية.

أثار خطاب جيم إيه أعصابي، من وجوه عدة؛ أولًا: أنفعل قليلًا عندما يبدأ شخص في ذكر اسم يسوع، واسع الغفران، بينما في الوقت نفسه يُلقي بكلمة «عدو». كانت أمي ستردُّ على هذه النقطة بحديث مسهب لكنها ليست هنا؛ لذلك انتقلت إلى سبب امتعاضي الثاني من الخطاب: تهمة الشيوعية.

الصين ليست ديمقراطية — بل أبعد ما يكون عن ذلك، وأنا أرى أن ذلك مؤسف — ولكن هل كان جيم إيه مضطرًّا حقًّا لوصف الصينيين ﺑ «الحمر»؟ ليس الأمر أنهم ليسوا شيوعيين حمرًا، ولكن وصفهم بالحمر تنابز يوحي بالتفاهة، وهو أمر لا يفرق كثيرًا عما يفعله الأطفال الأشقياء في فناء اللعب ولكنهم في نهاية المطاف ينضجون، أو على الأقل نأمل أن ينضجوا.

لا يقتصر الأمر على ذلك، فوصف «الحُمر» هذا وصف مندثر، مثل امرأة لا تزال تستخدم تسريحة الشعر العالية التي تُشبه خلية النحل بعد ٤٠ عامًا من اختفائها من عالم الموضة. وهذا يوحي بعدم استعداد جيم إيه لقَبول تغيُّر العالم، أو أنه كان من الأساس أبعد ما يكون عن الكمال. لقد حكم جيم إيه على نفسه بخيبة أمل لو أنه كان يتوقَّع أن يُحسِن المتسوقون — من أجل مستلزمات العيد — في أنحاء البلاد التصرُّف في مراكز التسوق المزدحمة، أو تذكُّر المعنى الحقيقي للكريسماس عندما يتلقَّوْن تلك المطالب التجارية الصرفة، كالتي عبَّر عنها طفل يبلغ من العمر خمس سنوات لم يُخفِ رغبته في امتلاك شاحنة ضخمة تعمل ﺑ «موت كاترول»، والتي أُذكِّرك يا جيم إيه أنها تأتي من الصين.

كما شعرت أيضًا أنه من إساءة الأدب أن أقول للغرباء إنهم سوف يذهبون إلى الجحيم إذا لم يكبحوا جماح إنفاقهم على البضائع الصينية سريعًا.

أزعجني شيء آخر عندما ألقيت نظرةً على الرسالة، شيء أكبر وأكثر إثارةً للقلق، وهو حقيقة أنني أفعل حاليًّا بالضبط ما يحثُّ جيم إيه — الغاضب المطلِق لتهمة الشيوعية والمطلِق للألقاب — الجميعَ على القيام به؛ سواءٌ أكانت نتيجة ذلك جيدة أم سيئة؛ وهو كف يدي عن البضائع الصينية خلال الأعياد.

بدا أننا، أنا وجيم إيه، لدينا قليل من القواسم المشتركة. لا أعتبر الصينيين أعدائي. ولم يسبق لي أن وصفت أحدًا بأنه «أحمر». لقد تربَّيت على أيدي اثنين من دعاة السلام في ولاية كاليفورنيا. وتربَّى جيم إيه في منطقة «الحزام الإنجيلي». إننا حتى نقاطع الصين لأسباب مختلفة: فبالنسبة إليه، الأمر شخصي؛ فالصين الحمراء تُسيء إلى شخص جيم إيه، بينما أُحب أن أقول لنفسي إن مقاطعتنا الأسرية تجرِبة موضوعية في العولمة. بالتأكيد، أعاني نوبات ذعر من أن «الصين تُحكِم قبضتها على العالم»، خاصةً في مَمرِّ الألعاب في المتجر، وخاصةً قبل الكريسماس، ولكن في جوهرها، مقاطعتنا ليست أمرًا شخصيًّا، لماذا؟ أحب أن أعتقد أنها «علمية» من الناحية التطبيقية. ومع ذلك، ففي مرحلة جنون الإنفاق على البضائع الصينية التي تصيب الناس قبل الكريسماس في أنحاء البلد، ربما أكون أقربَ مواطنٍ إلى النموذجية يمكن لجيم إيه أن يلتقيه.

لا أحب هذه العبارة الأخيرة.

في الآونة الأخيرة، كنت أتفكر فيما سألتْني عنه صديقتي منذ فترةٍ ليست بالطويلة: هل سنعود للتعامل مع الصين بعد انتهاء المقاطعة في ٣١ ديسمبر. دفعتْني رسالة جيم إيه في اتجاه إعادة التعامل مع الصين، ولو حتى نكايةً فيه، ولِكَي أُثبت لنفسي أنني لست مثله. هذا القرار سيأتي لاحقًا، بالتشاور مع الحلقة الأضعف، الذي أثق في أنه سيلوح للصين مرحبًا مرةً أخرى عبْر الباب الأمامي وكأنها صديق قديم.

في غضون ذلك، سأواصل فعل ما يُصرُّ جيم إيه أنه ينبغي على كل أمريكي فعله ولكن يبدو أنه ما من أحدٍ تقريبًا يفعله. سوف أتجنَّب هدايا الكريسماس الصينية كما لو أن نجاتي تعتمد على ذلك؛ وهي بالفعل تعتمد على ذلك من وجهة نظر جيم إيه.

•••

صرخ كيفن: «لا تنظري داخل الكيس. لقد أحضرتُ بعض الهدايا لكِ فيه.»

اندهشت للحظات؛ فالكيس الذي وضعه للتوِّ على طاولة المطبخ من متجر أوفيس ديبوت. لا بد أنه يوجد خطأ ما؛ فورق الطباعة يأتي من أوفيس ديبوت. وخراطيش الطابعة تأتي من أوفيس ديبوت. والأقلام تأتي من أوفيس ديبوت. وهدايا الكريسماس من كيفن لي لا تأتي في أكياس أوفيس ديبوت، أو على الأقل لم تأتِ من قبلُ فيها.

سألتُه: «هل تعني أنه يوجد كيس آخر من مكان آخر داخل كيس أوفيس ديبوت؟ كيس به عِطرٌ ما، أو قُرطَا أُذُن؟ أو كتاب؟ أو وشاح؟»

لم يكن كيفن منصتًا إليَّ. كان يُصفِّر بصوتٍ منخفض للغاية ويفرغ كيس أوفيس ديبوت.

ثم قال: «أحضرت دباسة صغيرة للأطفال من ألمانيا، وأقلام تلوين من إيطاليا، وأقلامًا بألوان مختلفة لا أعرف مِن أين ولكنها ليست من الصين، وشريطًا لاصقًا عليه علامة أوفيس ديبوت التجارية مصنوعًا على ما أعتقد في الولايات المتحدة الأمريكية.»

كان يُخرج كل عنصر وهو يتحدَّث:

«ويوجد بضعة أشياء لك، فيها شيء مصنوع في كندا، ولا يزال في السيارة شيء كبير. وهكذا يصبح لك ثلاثة أشياء.»

ثلاث هدايا كريسماس لي من أوفيس ديبوت؟ لا أستطيع أن أفكر في شيءٍ واحد حتى من أوفيس ديبوت أرغب فيه في الكريسماس، ما لم يكن أوفيس ديبوت غيَّر معروضاته وبدأ يبيع العطور والأقراط والأوشحة وكتبًا تتناول مواضيع أخرى غير إدارة شئون الموظفين.

مدَّ كيفن يده في الكيس وأخرج مبراة ألمانية الصنع.

وقال: «الدقة الهندسية.»

وأمسك مجموعة من أوراق الملاحظات اللاصقة ثم قال:

«مصنوعة هنا في الولايات المتحدة الأمريكية.»

كانت حالة كيفن المعنوية مرتفعة. لم يَحدثْ قط في تاريخ أوفيس ديبوت أن أسعدتْ منتجاتُهم أيَّ شخصٍ سعادةً أكبر من سعادة كيفن. أخذتُ الكومة المتزايدة من الأدوات المكتبية من على طاولة المطبخ بابتسامةٍ مصطنعة، في محاولةٍ لكتمان شعوري البائس بالخوف لئلا يبدوَ في عيني.

قال كيفن: «واحد من الأشياء التي أحضرتها لكِ لم يكن عليها أي معلومات عن مكان صُنْعها، ليس على العلبة أو على الشيء نفسه، ولكني أحضرته على أي حال.» ثم نظر إليَّ وأشار بإصبعه وأضاف: «لأنكِ لن تستطيعي إثبات العكس.»

كنت أشعر بالإحباط، ولكن العبارة الأخيرة رفعت من معنوياتي قليلًا.

وبقليل من الانزعاج سألت: «مَن قال لك إنه لا يمكن إثبات العكس؟»

رد كيفن: «العلم.» ثم بدأ بإعادة الأدوات المكتبية الخاصة بالكريسماس إلى الكيس.

فسألتُه: «هل أنت متأكد؟ أليس الأمر أنه لا يمكنك إثبات أنها من الصين ولكن بإمكانك «فقط» إثبات أنها ليست من الصين؟ أم أن بإمكانك أن تدحض أنها من الصين؟ أعتقد أن هذا هو ما في الأمر.»

يحب كيفن النقاش الحيوي. وعادةً يلتقم الطُّعم هنا. سيبدأ بتذكيري أنه حصل على درجة امتياز في الفلسفة في الكلية وبعد ذلك نتجادل حول طبيعة النظريات العلمية حتى نتفق على الاتصال بأخي الأكبر، عالم الأحياء البحرية، للسماح له بحل هذه المعضلة، ولكن كان كيفن حَسَن المزاج إلى حدٍّ كبير في هذا اليوم؛ فتجاهلني وضم الجزء العلوي من كيس أوفيس ديبوت لإغلاقه. ثم غمز بعينه لي.

وأضاف: «أما بقية ما في الكيس هنا فهو منطقة محظورة عليك، حتى صباح الكريسماس. سوف أُخبئ كل هذا في خزانتنا. عِدِيني أنكِ لن تختلسي النظر فيه. ولا تسترقي النظر في السيارة أيضًا حتى أستطيع إخراج الشيء المصنوع في كندا منها.»

هززتُ رأسي موافقة. لا أشعر بالتأكيد بأي إغراء حيال إلقاء نظرة خاطفة على كيس أوفيس ديبوت، أو السيارة.

شق كيفن طريقه عبْر الصالة وتركني مع أفكاري، أو فكرتي الوحيدة، وهي أنه لم يُقدِّم لي قط صابونًا أو أدواتٍ مكتبيةً كهدية في الكريسماس طوال سبعة عشر عامًا من الزواج. ثم تذكَّرت أنه كان من المفترض أن يشترك لي في دروس العزف على البيانو مرةً أخرى هذا العام، التي تُرجمت في العام الماضي إلى عدم وجود هدية كريسماس على الإطلاق. بدا عدم وجود هدية كريسماس على الإطلاق أفضل على الدوام، لا سيما إذا كان البديل هو صابونًا وأدواتٍ مكتبيةً كندية. كان كيفن دائمًا يُقدِّم هدايا رائعة، وكان لديه ذوق جيد على نحوٍ مثيرٍ للدهشة في الملابس والأدوات المنزلية بالنسبة إلى رجل قضى الجزء الأكبر من حياته مرتديًا السراويل القصيرة الممزَّقة والشباشب. لم يكن عليه خوض كل هذه المعاناة؛ لأن دروس العزف على البيانو سوف تُخرجه من ورطته دون اضطراره إلى مغادرة المنزل. ما الذي يمكن أن يكون قد حدث له؟

كان الجواب واضحًا حتى إنني أنَّبت نفسي على عدم رؤيته على الفور. ما حدث له هو مقاطعة الصين. لم يكن يفكر بطريقةٍ سليمة. إما هذا، وإما أنه يعتقد أن الصابون والأدوات المكتبية تُمثِّل هدايا جميلة في الكريسماس.

•••

أرسل أخي الأصغر رسالة بالبريد الإلكتروني من ولاية كاليفورنيا يسألني عما يجب أن يرسله للأطفال من أجل الكريسماس.

كتب فيها: «أخبريني بما تريدينه أنتِ وكيفن أيضًا.»

لم يقل فعليًّا: «اكتبي قائمة وأرسليها إليَّ، في الحال.» لكن رسالته كانت تعني هذا ضمنًا.

في الظاهر، ليس هذا طلبًا غير معقول، حتى لو جاء في ١٦ ديسمبر، والذي يُعَد وقتًا متأخرًا للبدء في التفكير في الهدايا إذا فكرتَ في الأمر. أراد أخي إحضار شيءٍ يريده الأطفال في الكريسماس، بدلًا من ترك الأمر للصدفة وخوض رحلة مذعورة إلى تويز «آر» أص. هذا عادل بما يكفي. أكثر من عادل حقًّا، بل لطيف ومراعٍ للآخرين. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا اهتاج عقلي عندما قرأت بريده الإلكتروني مرةً أخرى؟

سأخبركم السبب.

أُكرِّر أنه كان يوم ١٦ من ديسمبر. لم يبقَ سوى ما يزيد قليلًا عن أسبوع على الكريسماس؛ فأخي — الذي يتمتع بسمعةٍ مستَحقَّة في التسوق في اللحظة الأخيرة — يريد مني تزويده بقائمة مرتَّبة من البضائع المقبولة حتى يتمكَّن من تخصيص عشرين دقيقة من يوم عمله للتسوُّق عبر الإنترنت وينتهي من أمر العيد بحلول الساعة الخامسة عصرًا بتوقيت منطقة المحيط الهادئ. ويريد استخدام عقلي المشوَّش بالمقاطعة لمساعدته على القيام بذلك، «سريعًا». ولكن عقلي مستنفَد. لقد استنفدتُه في المحاولة الشاقة العصبية للمشاركة في أكبر انغماس استهلاكي في السنة دون مساعدةٍ من الصين.

كانت نتائج جهودي متفاوتة. أحضر كيفن سروالًا كمبوديًّا لي، وهو يُعَدُّ أكثر رومانسيةً قليلًا من الصابون والأدوات المكتبية التي سوف أتلقاها منه. وسيحصل كيفن من الأطفال على علبتين من الملابس الداخلية الباكستانية الرخيصة اشتريتُهما مقابل لا شيء تقريبًا في عرض تصفيةٍ في متجرٍ كبير متنوع الأقسام من الدرجة الثالثة. كانت أتعس تجرِبة شراء في ذكرياتي القريبة. كان عليَّ أن أختصر تسوُّقي للملابس الداخلية عندما بدأ مدمن مضطرب يتبعني عبر الممرات. وفي قسم ملابس الأولاد سمعتُ امرأةً ضخمة ذات وجه أحمر تقول لابنها الصغير إنها ستُلقيه خارج المتجر إذا فعل «ذلك» مرةً أخرى.

على المستوى الفعلي، أحضرتُ هدايا لجميع الأشخاص على قائمتنا: كُتُبًا لست متأكدةُ من أنهم سيحبونها، وقمصانًا، وأطعمة فاخرة؛ هذه الأنواع من الأشياء. لقد أنفقت بالتناوب الكثيرَ من المال على بعض الأشخاص (سوف تحصل والدتي على وشاحٍ حريري رائع من الهند) والقليلَ للغاية على أشخاصٍ آخرين (أخويَّ، اللذين سيحصلان على قميصين من بنجلاديش؛ كان القميصان يبدوان جيدَين في المتجر، لكن حين وصلت إلى البيت لم أرَهما سوى قطعتي قماش مهترئتين). لم أتمكن من التوصُّل إلى أي شيء من أجل والدي وانتهى بي الأمر بشراء بطاقة هدايا له، فأصبحتُ معرَّضة لاحتمال أن يستخدمها في شراء شيءٍ مصنوع في الصين.

كان تأثير المقاطعة ضارًّا بسلوكي في التسوق على نحوٍ خفي؛ فقد أضعت كثيرًا من الوقت والمال في محاولة شراء لُعَب أطفال غير صينية لصوفي وَويس حتى لم يَعُد لديَّ سوى أفكار قليلة وأموال شحيحة لأي شخصٍ آخر.

لم يمنعني أيٌّ من هذا من الإنفاق. منذ بضعة أيام طلبت مهد دمية أمريكيَّ الصنع لصوفي من المنشور التسويقي الفاخر نفسه الذي أرسل إليَّ الأشياء الألمانية الصغيرة في العلبة التي تُشبه علبة الحذاء. كان منطقي مثيرًا للسخرية: كنت قلقة من ألا تتلقى صوفي شيئًا كبير الحجم تحت شجرة الكريسماس. هذا النوع من التفكير أطاح بميزانيتنا لهدايا العيد التي كانت تبلغ ٦٨١ دولارًا. أعتقد أننا تخطينا هذا المبلغ بمائتي دولارٍ على الأقل، على الرغم من أني لم أمتلك الشجاعة للجلوس وحساب إجمالي الفواتير. شعرت بدوارٍ من التفكير في الأموال. لم أسمح لنفسي بتأمُّل فكرة «كلما زاد الشيء كان الأمر أفضل» الفاسدة التي نغرسها للأطفال. كنت أشعر بالتعب بدرجةٍ كافية فعليًّا.

كل هذه الأمور ليست خطأ أخي الأصغر؛ فقد كان غافلًا عن الضغوط التي تضعها مقاطعة الصين على عاتقي؛ حيث إنني أبقيت معظم الشكاوى لكيفن ووالدتي. كان أخي ضحيةً للمقاطعة بنحوٍ غير مباشر؛ فلم يكن يعرف أنها حولتْني إلى شخصٍ عصبي للغاية على استعدادٍ للهجوم على أول شخصٍ يطلب مني وضع قائمةٍ بلُعَبٍ للأطفال، وعلى الفور. ومع ذلك، كانت رسالته الإلكترونية مؤلمة. ألم يدرك ما كنت أصارعه؟ كيف يمكن أن يكون جاهلًا إلى هذا الحد؟ ألا يمكنه أن يدرك أن لديَّ مشكلاتي الخاصة بالكريسماس؟

لذا أعترف بأنني لم أكن منصفة. ولم أكن منصفةً عندما فعلتُ ما فعلتُه بعد ذلك. جلست أمام لوحة المفاتيح لبضع دقائق بعد وصول بريده الإلكتروني في صندوق الوارد وحدَّقت في الشاشة، ثم كتبت الرد.

بدأتُ بعبارةٍ ناقدة؛ قلت له لا داعيَ للقلق إزاء الهدايا لي ولكيفن في هذه المرحلة، قاصدةً أن الوقت قد تأخَّر على ذلك، ألا تظن ذلك؟ ثم أخبرته أن ويس سيُحب الحصول على شاحنةٍ ضخمة تعمل بجهاز تحكُّم عن بُعد. ودُمية على شكل طفلةٍ رضيعة ستكون مثاليةً لصوفي. وأضفت ملاحظة في النهاية طالبةً منه التأكد من أن الشاحنة والدمية ليستا مصنوعتين في الصين، وتمنيت له التوفيق. كانت هذه مناورة بارعة من النفاق والمعاملة القاسية أيضًا؛ حيث إن إعفاء الهدايا من المقاطعة يُخرج أخي من ورطته فيما يتعلق بلُعَب الأطفال الصينية؛ الأمر الذي لن يتذكره على الأرجح أثناء استعجاله المربك للتسوُّق في اللحظة الأخيرة.

لم يبقَ سوى تسعة أيام قبل الكريسماس. لقد طلبت للتو من أخي فِعل المستحيل: العثور على دمية وشاحنة مصنوعتين في مكانٍ آخر غير الصين، وبسرعة.

لست من النوع الذي يستمتع بتعذيب الآخرين، على الأقل ليس حتى وقتٍ قريب. لكن في بعض الأحيان عليك التلذُّذ بمتعتك حيثما تجدها.

•••

عندما رن الهاتف بعد بضع ليالٍ، شعرت بأن شيئًا مروعًا قد حدث والتقطت السماعة بسرعة.

قال كيفن: «إنها السيارة التويوتا»، ثم أضاف: «لقد سُرقت. أحتاج شخصًا ليُقِلَّني.»

صدمتْني سخرية القدر على الفور كطنٍّ من الطوب؛ ففي الأيام الأخيرة من مقاطعة الصين، سُرقت سيارتنا من موقفٍ للسيارات تابعٍ لمطعمٍ صيني.

بدا كيفن مذهولًا بعد أن أقله أخي الأكبر وأوصله عند باب منزلنا. جلسنا على الأريكة وروى ليَ الأحداث التي أدَّت إلى اختفاء السيارة بالتفصيل.

كانت أسرة أحد طلاب الدراسات العليا في قسم كيفن في الجامعة قد دعتْه لتناول العشاء في مطعمٍ صيني. أمضى كيفن نحو ساعةٍ ونصفٍ في المطعم يتناول الدجاج الحار ويشرب الماء المثلج، وعند خروجه كانت السيارة قد اختفت. وأمضى ساعةً أخرى يدور في أرجاء موقف السيارات في المركز التجاري، أولًا في عربةٍ مع حارس أمن المركز التجاري، ثم مع نائب المأمور، بحثًا عن السيارة مع وجود الاحتمال غير الوارد بأن يكون قد نسي المكان الذي أوقفها فيه وأنه كان يبحث في المكان الخاطئ فحسب.

قال: «اختفت وحسب.»

فسألتُه: «هل أنت متأكد أنك لم تنسَ أين وضعتها؟»

ردَّ كيفن: «نعم، إن لم أكن فقدتُ عقلي، وأعني فقدان عقلي تمامًا لأنني متأكد من المكان الذي أوقفتُها فيه. هذا مؤكَّد.»

قال إنه كان متأكدًا من آخر موقعٍ معروف للسيارة؛ لأنه عندما وصل إلى المطعم الصيني كانت كل الأماكن في مرآبه مشغولة؛ لذلك قاد السيارة عبر شارعٍ جانبي ليوقف السيارة في مرآب مطعمٍ للمأكولات البحرية في المجمع التجاري نفسه، حيث كانت توجد كثير من المساحات الخالية. خرج من السيارة ونظر حوله ليرى هل توجد لافتة تخبره أنه لا يمكنه إيقاف سيارته هناك، إلا إذا كان سيدخل مطعم المأكولات البحرية وإلا فستُقطَر سيارته. لم تكن هناك أي لافتة. بعد ذلك ابتعد بضع خطواتٍ عن السيارة قبل أن يلتفَّ ويعود أدراجه للتأكد من أنه أغلق الأبواب. كان قد أغلقها. ثم غادر، مودعًا السيارة عن غير قصدٍ للمرة الأخيرة.

بعد العشاء، مشى حتى موقف سيارات مطعم المأكولات البحرية. لا بد أن العمل نشِط في مطعم الأسماك؛ لأن هذه المرة لم يكن في مرآبه سوى مساحة واحدة فارغة؛ المساحة التي ركن فيها سيارتنا التويوتا. عاد مباشرةً إلى المكان. ثم دار في جميع أنحاء المرآب للتأكد من أنه لم يكن مخطئًا، ولكن لم يكن يرى السيارة في أي مكان. وكان متأكدًا من المكان الذي من المفترض أن توجَد فيه. وأعاد المشهد في ذهنه مرارًا وتكرارًا.

قال: «هذا هو المكان الذي تركتُها فيه، ولكن عندما عدت كانت قد اختفت؛ لذا، ما لم أكن فقدت عقلي، فإنها سُرقت.»

جلسْنا وأعدْنا رواية التفاصيل لدرجةٍ مملةٍ حتى منتصف الليل تقريبًا، وعندما فكرت أخيرًا أن أسأله عن عشائه تهللت أساريره.

قال: «كان لذيذًا. كما أن ورقة الحظ التي وجدتُها في قطعة البسكوت التي تناولتُها أخبرتْني أن حظي سيكون رائعًا.»

دسَّ يده في جيبه وأخرج قصاصةً من الورق لكي أقرأ حظه بنفسي. كان مكتوبًا في الورقة: «ستحظى بعديدٍ من الأيام المبهجة قريبًا.»

وتحت تلك العبارة كان يوجد سلسلة من أرقام الحظ: ١، ١٩، ٢٠، ٢٨، ٣٤، ثم — لسببٍ ما — ظهر العدد ٢٠ مرةً أخرى.

قلت: «مهلًا لحظة.».

أخذت ورقة حظ كيفن ونهضت ودخلت المطبخ للتحقُّق من التقويم المعلق على الجدار. إنه يوم ١٩ ديسمبر، يوم سعيد الحظ لكيفن، وفقًا لكعكة الحظ. هذا حدثٌ مهم. في الواقع هما حدثان مهمان؛ الأول: سُرقت سيارتنا للتوِّ للمرة الأولى على الإطلاق؛ ومن ثَمَّ انضممنا إلى صفوف الملايين من ضحايا جرائم السرقة العاديين. والثاني: أعتقد أننا كشفنا عن فضيحة تلقِّي وعود كاذبة من قطع بسكوت الحظ الصينية.

•••

مقاطعة الصين لم تمنع الاحتفال بالكريسماس. السيارة المسروقة لم تمنع الاحتفال بالكريسماس. لا شيء يوقف الاحتفال بالكريسماس. في اليوم التالي لضياع السيارة اتصلنا بشركة التأمين، وقدَّمنا بعض الأوراق، وعدنا لمهمة تجاوُز العيد دون بضائع صينية.

اعتقدتُ أن كيفن ربما تخلى عن فكرة خياطة حقائب نوم للطفلين بعد أن قرَّر بناء مكتبَين خشبيَّين لهما ليضُمَّا كافة الأدوات المكتبية التي اشتراها من أوفيس ديبوت. ولكن في يوم ٢١ ديسمبر، بعد ساعاتٍ من وضع اللمسات الأخيرة على المكتبين، طلب مني تجهيز آلة الخياطة على طاولة المطبخ حتى يتمكن من الشروع في العمل.

قال وظهره لي بينما كان يتوجَّه إلى الباب: «سأعود على الفور.» وذهب مسرعًا إلى متجر أدوات الأعمال الحرفية بسيارتنا الفولكس فاجن الباقية.

زوَّدت آلة الخياطة بخيطٍ ألماني قديم. عاد كيفن بعد عشرين دقيقة مع كيس بلاستيكي. كان يوجد في داخله قطعتان كبيرتان من الصوف الكوري، كان مرسومًا على إحداهما سكوبي دو وعلى الأخرى ويني الدبدوب. وقرَّر تجنُّب المخاطر التي يمكن أن تنتج عن محاولة خياطة السَّحَّاب والاعتماد بدلًا من ذلك على الشريط اللاصق (فيلكرو) الأمريكي الصُّنع الذي وجده في متجر أدوات الأعمال الحرفية.

كنت منبهرة؛ فمتجر أدوات الأعمال الحرفية هو مكاني المفضل، وليس مكان كيفن المفضل، وهو مكان شاسع يفيض بأشياء لا نهاية لها، وكلها تقريبًا مصنوعة في الصين، وليست مرتَّبة وفق أي ترتيبٍ معين، وفق ما أعرفه. لا أذكر ولو مرةً واحدة رؤية رجُل في قسم الأقمشة؛ حيث يمكن للبائعات السيدات أن يكنَّ فظاتٍ إذا لم تتحدث بوضوحٍ عن كمية القماش التي تحتاج أن يقطعْنها لك. يمكن أن يكون مكانًا مرعبًا، لا سيما إذا كنتَ لا تعرف كيفية الخياطة، وربما خصوصًا إذا كنتَ رجلًا لا يعرف كيفية الخياطة، بل ربما يكنَّ عُدوانيات إذا كنت لا تعرف كمية الصوف التي تحتاج إليها لصُنْع أكياس نوم؛ حيث إنك لا تحمل نموذجًا وترتجل.

سألت كيفن: «إذنْ كيف عرفت كمية الصوف التي ينبغي أن تطلبها؟»

نظر إليَّ كما لو كان سؤالًا سخيفًا.

ثم قال لي: «باعدت فحسب بين يَدَيَّ وقلت للسيدة: حوالي أربعة أضعاف هذا الحجم.» موضِّحًا بفتح ذراعيه.

عندما جلس كيفن أمام آلة الخياطة وجدت أنه من الصعب أخذه على محمل الجد. كان يرتدي قلنسوةً برتقالية قديمة كانت جدَّتُه صنعتْها له في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. وقبل حتى أن يبدأ الخياطة سألني: «هل للقماش وجه مناسب للخياطة وآخر لا؟»

بعدما انتهيت من مداراة ضحكي بالسعال، ساعدتُه على تطبيق قطعة الصوف التي تتخذ شكل سكوبي دو إلى طبقتين وأوضحت له طريقة وضْع الدبابيس بفاصل بضع بوصات بين أحدها والآخر على طول الحواف. ثم قدَّمت له تمهيدًا عن كيفية استخدام آلة الخياطة.

بدأت بالقول: «إنها مثل السيارة. الضغط على الدواسة يحدد زيادة السرعة أو إبطاءها، وعليك أن ترفع قدمك عنها عند الرغبة في التوقُّف؛ لا يوجد بها فرامل.»

فقال: «فهمت.»

«احترس لأصابعك، وتأكدْ من نزع الدبابيس قَبل أن تخيط فوقها حتى لا تكسر الإبرة.»

«حسنًا.»

تركتُه مع آلة الخياطة وتوجهت إلى المنضدة، حيث تظاهرت بإجراء حسابات دفتر الشيكات حتى أتمكَّن من مراقبته.

قال لنفسه: «سوف أبدأ الخياطة أولًا، ثم أتولى أمر شريط الفيلكرو اللاصق لاحقًا.»

ضغط كيفن على شفته مركزًا وضغط بحذرٍ شديدٍ على الدوَّاسة وبدأ الخياطة ببطء. لم أكن أعرف أن الآلة يمكنها الخياطة بهذا البطء. تَقدَّم على طول الحافة الأولى على نحوٍ منتظم، وقلت في نفسي إنه يعمل بطريقةٍ جيدة، إذا وضعنا في الاعتبار أنني كنت أتوقَّع كارثةً فورية ومباشرة. ولكن كيفن ليس حِرفيًّا صبورًا؛ إذ لم يكن قد أكمل بعدُ الحافة الأولى الطويلة من كيس النوم عندما رفع قدمه وأوقف الإبرة، وتطلَّع إليَّ. لا يزال يرتدي القلنسوة البرتقالية، التي انزلقتْ بزاوية أنيقة.

ثم سألني: «هل هناك حيلة ذكية للقيام بهذا؟ أريد الانتهاء من هذا الكيس وقد قضيت بالفعل خمس عشرة دقيقة في ذلك.»

أنهى كيفن معظم دروز كيس النوم الأول، وعندما رفعه أمامه لينظر إليه لم يَسعْني إلا ملاحظة أنه يبدو أشبه بشطيرة بوريتو صوفية كبيرة أكثر منه كيسَ نومٍ تقليديًّا، ولكن ذلك لن يُمثِّل فرقًا بالنسبة إلى الأطفال أو أي شخصٍ آخر.

قال كيفن وهو يتفقَّد عمله: «أرى أن عملية الخياطة هذه تتطلب مهارة. سوف أُنهي ذلك لاحقًا.»

•••

كنت أتوقَّع جدلًا صباح هذا اليوم، ربما نتيجة إفراطي قليلًا في السخرية أو أن كيفن أصبح شديد الحساسية حيال دروزه. كنت على استعدادٍ لخوض جدلٍ مُزعِج يتضمَّن كلماتٍ غاضبةً عن انعدام الدعم المتبادل. ولكن ما أثار دهشتي هو أن الصباح كان مرحًا.

ثم اتصلتُ والدتي، وبدأ الشجار؛ بدأ على الفور تقريبًا، بعد أن ذكر كيفن أنه يخيط أكياس نوم للأطفال، وسكت بعد ذلك. سمعت من الجانب الآخر للمطبخ شكوى صارخة مكتومة آتية من بعيدٍ من جانب والدتي. وشاهدتُ كيفن يُطبِق فكَّيه المربعين، وهي علامة مقلقة.

ثم قال: «لا يا لويس، لم تُقدِّمي لأسرتنا أكياس نوم. نعم، أنا متأكد.»

كان صوته ينمُّ عن الصبر ورباطة الجأش.

صَمتَ كيفن مرةً أخرى، وبدأتْ شفتاه في التشنُّج. وواصلتْ أمي حديثها. نظرتُ إلى كيفن ونطقتُ بهذه الكلمات: «ما الذي تتحدَّث عنه؟»

غطىَّ كيفن السماعة بيده وقال هامسًا:

«إنها تُصِرُّ على أنها أرسلت إلى الأسرة بأكملها أكياس نوم منذ سنوات، إضافةً إلى كيس النوم الذي أرسلتْه إلى ويس في عيد ميلاده. وتتهمني بأنني أخيط أكياسًا جديدة لأنها ترى أنني بالتأكيد أعتقد أن الأكياس التي أرسلتْها ليست جيدة بدرجةٍ كافية.»

ردَدْتُ على كيفن هامسة: «لم تُقدِّم لنا أكياس نوم قط؛ لا بد أنها نسيت.»

وضع الهاتف مرةً أخرى على أذنه، وظل صوته رابط الجأش، بل ربما كان — في رأيي — ورعًا تحت هذه الظروف.

قال في السماعة: «لا، لم تفعلي.»

وضع يديه على السماعة مرةً ثانية وقال لي اتهامها الأخير:

«تقول الآن إنني أتهمها بعدم إرسال أكياس نومٍ إلينا. وتضيف أنني أتهمها بإرسال أكياس نوم إلى إخوتك وليس لنا لإظهار أنها تُفضِّلهم علينا. وقد سألتْني للتوِّ عما إذا كنت أتهمها بأنها ظالمة.»

مدَّ ذراعه مبعدًا سماعة الهاتف عن أذنه بينما واصلتْ أمي تعنيفه. وقبل أن يعيد السماعة مرةً أخرى على أذنه، فعل كيفن شيئًا فعله الكثير من أزواج البنات — وربما معظمهم — في مرحلةٍ ما من حياتهم خلال حواراتهم مع حمواتهم، ولكن كانت هذه هي المرة الأولى لكيفن على حد علمي؛ التي قلَّب فيها عينيه في ملل.

عندما تحدَّث مرةً أخرى، تغيَّر صوته. كان تشوبه نبرة صرامة. كانت أمي تُسمِعه هراءً، وإذا كان ثَمَّةَ شيء في العالم لا يهتم به كيفن، فهو الهراء. لم تَقُلْ أمي أبدًا لكيفن هراءً من قبل، ولن يبدأ في تقبُّل الهراء منها في هذه الفترة المتأخرة.

قال لها: «هل تقولين إنه من الخطأ أن أخيط أكياس نومٍ لأسرتي؟ هل هذا هو ما تحاولين إخباري به؟»

ثم أبعد سماعة الهاتف مرةً أخرى عن أذنه وفعل شيئًا آخر لم يفعله أبدًا خلال محادثةٍ مع أمي؛ قطَّب جبينه. لم تكن أمي تراه، ولكن شيئًا ما أخبرني أنها بدأت تُدرِك ما يفعله. أعاد سماعة الهاتف مرةً أخرى على أذنه؛ فاستطعت أن أعرف أن والدتي تتراجع.

قال كيفن: «نستطيع مناقشة ذلك في وقتٍ آخر.» كانت عبارته في ذلك الوقت مقتضَبة ومهذَّبة.

وجاء مزيد من الاعتذارات البعيدة من طرف والدتي.

ردَّ عليها كيفن: «لا عليكِ، ينبغي أن أذهب الآن» ثم نظر إليَّ وأضاف: «ها هي هنا.»

أشرت بيدي رافضةً باهتياجٍ وقلت له: «لا تعطِني الهاتف.»

فقال: «بل أعتقد أن الوقت ليس مناسبًا. سوف أجعلها تتصل بكِ لاحقًا.»

أنهى كيفن المكالمة الهاتفية مع والدتي ثم نظر إليَّ بازدراء، كما لو كنتُ أنا الملومة على ذكرياتها الزائفة عن أكياس نوم أعطتْنا إياها في الماضي. نزع كيفن القلنسوة البرتقالية ورماها على المنضدة. لم ترهقه الخياطة، ولكن أمي هي التي فعلت.

ثم قال: «تدركين أنها لم تكن لتعلم أي شيءٍ بشأن هذا الأمر لو أننا طلبنا أكياس النوم من المنشور التسويقي.»

قلت: «أعلم، ولكنها كانت …»

تحشرجت الكلمات في حلقي، ولم ننطق بالكلمة الباقية: «صينية.»

•••

قضى كيفن يومين منقطعًا عن خياطة أكياس النوم. ثم في صباح ٢٣ ديسمبر، عاد إلى الجلوس مرةً أخرى في المطبخ أمام ماكينة الخياطة.

في هذا الصباح نَفِدَ حظ المبتدئين الذي كان يتمتع به كيفن؛ فبعد عشر دقائق من البدء كسر الإبرة بسبب طبقةٍ سميكة من الصوف؛ فاستقل السيارة الفولكس فاجن وتوجَّه إلى متجر أدوات خياطة عَرَفَ مكانه من دليل الهاتف. وعندما عاد إلى المنزل مرةً أخرى أشار إلى أن السيدة العجوز الصغيرة الحجم التي تدير المتجر استاءت عندما سألها هل الإبر التي يحتاجها مصنوعة في الصين.

فردَّت بازدراء: «ألمانيا.»

وأشار إلى أنه أثار اهتمامها عندما أخبرها بما يعمل على صنعه وأيضًا عندما سألها عن مجموعة دروس في الخياطة.

وبعد ساعتين، انتهى من أكياس النوم.

إذا وصفت أكياس النوم بأنها جميلة فسيكون ذلك تضليلًا وكذبًا؛ فقد كانت تحتوي على عشرات الخيوط البيضاء غير المقصوصة المتشابكة في الشريط اللاصق، وكانت خطوط الدروز متعرجة تعرُّجًا شديدًا، وثَمَّةَ حافة غير مَخيطَة على جانب أحد أكياس النوم تشير مُحذِّرة بحروف سوداء على خلفية بيضاء: «لا تستخدم القماش في صنع ملابس نوم للأطفال.»

هز كيفن كتفيه بلامبالاةٍ حين رأى التحذير، الذي لم نَرَه قبل هذه اللحظة.

ثم قال: «أعتقد أنهم يتحدَّثون عن المنامات. وهي لم تقل شيئًا عن أكياس النوم.»

•••

كنت مخطئةً حين قلت إننا شاهدنا الفأر الأخير في هذه السنة، فقد قابلنا الفأر الأخير الحقيقي — الذي كان مشابهًا للآخرين تمامًا — في ظهيرة اليوم السابق للكريسماس. كان من الصعب عدم رؤيته. جرى الفأر على ألواح أرضية حجرة المعيشة في منتصف اليوم ونحن جالسون على الأريكة نشاهد التليفزيون.

قاد كيفن السيارة في ظهيرة هذا اليوم إلى متجر الحيوانات الأليفة مصطحبًا الأطفال وسأل البائع إن كانوا يبيعون مصائد فئران أم لا.

ردَّ الشاب المنزعج: «هذا «متجر حيوانات أليفة» يا سيدي.» كان يعني أن متاجر الحيوانات الأليفة تعمل على المساعدة في بقاء الحيوانات — بما فيها الفئران — على «قيد الحياة».

توجَّه كيفن إلى متجر الأدوات المنزلية واشترى مصيدة فئران أمريكية تقليدية.

في هذه الليلة وضعنا كعكًا لسانتا وسمحنا للطفلين بأن يفتح كلٌّ منهما هدية واحدة؛ فاختارا الصندوقين اللذين أرسلهما خالُهما من كاليفورنيا: كان صندوق ويس يحوي شاحنة حمراء عملاقة تعمل بوحدة تحكُّم عن بُعد، أما صندوق صوفي فكان يحتوي على دُمية ذات شعر أشقر طويل يخلو وجهها من التعبيرات.

لم أهدر أي وقتٍ إضافي. حملت مواد التغليف من الأرض لكي أستطيع فحص قاع صندوقَي اللعبتين. كان مكتوبًا على كلٍّ منهما «صنع في الصين». كان هذا تحديًا كبيرًا لمناورتي الخادعة. لقد ردَّ أخي لي الضربة، بقوةٍ شديدة.

بعد أن أوى الطفلان إلى فراشيهما، أنهينا لفَّ الهدايا أمام التليفزيون. لم نكن هذه المرة نشاهد قُدَّاس العيد من الفاتيكان، وإنما كنا نشاهد أداءً كوراليًّا لطيفًا لترنيمات تقليدية. أعدَّ كيفن مصيدة الفئران الأمريكية تحت الحوض قبل الذهاب للنوم مباشرة، وظل ويس مستلقيًا في يقظةٍ منتظرًا سماع أصوات الأجراس والحوافر على السقف. ونادى علينا عدة مرات طلبًا للماء وللاطمئنان على أن عربة سانتا الجليدية لن تُحطِّم السقف وتسحقه وهو يحلم. ووضع الشاحنة الضخمة على الأرض بجوار سريره لكي يستطيع مدَّ يده إليها خلال الليل للتأكد من أنها لا تزال موجودة.

وفي الدور السفلي، استلقينا على السرير وانتظرنا سماع صوتٍ آخر؛ صوت فرقعة المصيدة تحت الحوض.

•••

نهض الطفلان من فراشَيهما ونزلا على السلم قبل بزوغ الخيط الأول من الفجر. انقضَّ ويس على كيس الكريسماس الشبكي الخاص به الذي كان مليئًا بالحلوى والأدوات المكتبية، مُمزِّقًا إياه. ثم أفرغ محتويات كيس صوفي على الأرض؛ فاستخرجتْ صوفي من الكومة كيسًا من حلوى الدببة المطاطية وقطعة حلوى على شكل مُلمِّع شفاه ووضعتْها على الأريكة. ثم توجَّه ويس نحو الشجرة.

تربَّيت على أيدي والدَين متحضرَين كانا يُصرَّان على فتح الهدايا بالتناوب في صباح الكريسماس، ولكني في هذا الصباح نحَّيتُ هذا التقليد جانبًا. لقد أنفقنا الكثير من المال على الكثير من الهدايا للطفلين؛ لذا بدا من المناسب أن أترك هذا الصباح يتحوَّل إلى معركة تمزيق أغلفة الهدايا دون محاولة فرض السيطرة.

راح ويس يُمزِّق أغلفة الصناديق الواحد تلو الآخر بفرحةٍ عارمة.

صاح قائلًا: «سيوف!» وذلك عندما فتح صندوق السيوف المصنوعة من الفوم التي أحضرها سانتا.

وبعد بضع دقائق كان يُطارد الكلب حاملًا منشارًا لعبة أحضرتْه والدتي. ألقيت نظرة على الصندوق، فوجدت أنه صينيٌّ بالطبع.

ارتمتْ صوفي على الأريكة مُخدَّرة من الإفراط في تناول حلوى الدببة المطاطية ووضع حوالي ٢٠ طبقة من حلوى مُلمِّع الشفاه على شفتيها. كانت ستسعد بهذين الشيئين فحسب كهديتين تحت الشجرة. ولم يكن لديها أي رغبة في فتح صناديق الهدايا؛ لذا انتهى الأمر بي بفتح معظم هداياها من أجلها. رمقتْني بنظرة عدم فهمٍ عندما رفعتُ أمامها الدُّمى الألمانية وملحقات منزل الدمية المصغرة، ولكنها ابتسمت عندما أريتُها ما أرسلتْه جدتها: دمية هانا ويجنز صينية. أما عربة الدمية الوردية المكشكشة القماش التي أرسلتْها لها أخت زوجي — وهي صينية الصنع أيضًا — فقد جعلتْها تنهض عن الأريكة لأول مرةٍ منذ ساعة.

انتهيت إلى أنه لا بأس في الحصول على أدوات مكتبية كهدية في الكريسماس. كان الشيء الكبير المصنوع في كندا كرسيًّا لمكتبي، والذي لم يكن رومانسيًّا ولكني كنت أحتاج إليه بشِدةٍ لأن كرسي الحديقة الخشبي الذي أستخدمه منذ سنواتٍ أصبح يُسبِّب ألمًا مبرحًا لظهري. واتضح أن الشيء الذي أحضره كيفن من أوفيس ديبوت والذي لا يوجد عليه ملصق يُبيِّن بلد المنشأ كان تقويمًا للمكتب. وهو أيضًا ليس هدية رومانسية، ولكنه عملي؛ حيث إنني في أغلب الأوقات لا أعرف في أي يومٍ من الأسبوع نكون، أو ما المفترض بي أن أفعله في هذا اليوم.

طار كيفن فرحًا بسرواله الكمبودي، وقال بابتهاج:

«هذا سروال جيد مثل سراويل عُمَّال النظافة.»

بحلول التاسعة صباحًا، كان الأمر قد انتهى. كانت غرفة المعيشة مليئةً ببواقي أوراق التغليف والصناديق الممزَّقة. ومرَّ الصباح وسط أجواء مكالمات العيد الهاتفية العاطفية. لم يأكل أيٌّ منا أي شيء سوى الحلوى.

لم أحظَ بفرصةٍ لجرد هدايا الكريسماس إلا في منتصف الظهيرة، عندما سقطتْ صوفي نائمةً في الطابق العلوي. على غرار العام الماضي، انتقيت أوراقًا من الأكوام لفحص الصناديق والبطاقات التجارية الملصقة ودوَّنت قائمة في مفكرتي بينما أقوم بعملية الفحص هذه. استغرق الأمر بضع دقائق، وكان عليَّ أن أتخذ بضعة قرارات، منها تحديد هل المعطف المصنوع في ماكاو الذي أرسلتْه لي أمي يُعد بضاعة صينية أم لا (وانتهيت إلى أنه صيني)، أو هل ينبغي أن أضع في القائمة أشياء صغيرة مثل مبراة الأقلام الرصاص وأوراق الملاحظات اللاصقة في الجرد النهائي (ولم أفعل).

جلست لتحليل نتائجي. جاءت نتيجة العد هذه السنة ١١ للصين مقابل ٤٢ لبقية العالم. كانت كل الأشياء «الصينية الصنع» هديةً من عائلتي، وكانت النسبة الأكبر البالغة ٦٠ بالمائة من والدتي وحدها. لم يفاجئني ذلك؛ فهي لم ترَ الهدف من المقاطعة قط، أو ربما أرادت أن تُوصل لي رسالة أخرى؛ وهي أنني لا يمكنني أن أُمليَ عليها ما تشتريه لحفيدَيها؛ كما لو كنت سأفعل ذلك. أو فعلتُه.

نهضتُ عن الأريكة وذهبتُ للبحث في مكتبي حتى وجدت قائمة العام الماضي. كانت نتيجة الجرد حينها هي ٢٥ منتجًا صينيًّا في مقابل ١٤ منتجًا من بقية أنحاء العالم.

لست متأكدةً مما ينبغي أن أفعله بهذه الأرقام. من الواضح أن حصيلتنا في هذا الكريسماس أقل في المنتجات الصينية بكثيرٍ عن العام الماضي، ولكن من الصعب رؤية العيد تكليلًا لجهود سنةٍ من العيش دون الصين بينما يلعب ويس بسيارته الوحشية في أنحاء غرفة المعيشة ويصدمها بأرجُل قطع الأثاث. كان من الألطف أن نُنهيَ العام نهايةً أنيقة بعدم وجود أي شيءٍ من الصين تحت شجرة الكريسماس، ولكن كما هو معتاد، هُزمتُ بسبب إعفاء الهدايا من قواعد المقاطعة. كان إبعاد الأشياء الصينية عن المنزل سيكون أسهل لولا أقاربي أو أصدقائي أو أطفالي أو حتى الحلقة الأضعف، رغم أنه وافق على المقاطعة بلطف. مرةً أخرى، ربما كنت أمتدح نفسي فحسب، ولم يكن إلقاء اللوم على العائلة متوافقًا مع روح العيد. وعلى أي حال، عليك التعامل مع الأمر الواقع.

على الجانب الآخر من الغرفة، جلس ويس وكيفن متربِّعَين على الأرض وسط دائرةٍ رسمها ضوء الشمس، وراحا يفحصان بعض صناديق الهدايا الفارغة على نحوٍ خيالي. كانا يتحدثان بصوتٍ خفيض؛ لذلك كنت مضطرةً للتركيز بشِدة لسماعهما.

قال كيفن حاملًا صندوق لعبة القرود الساقطة: «هذه اللعبة من رومانيا.»

بدا ويس مستغرقًا في التفكير، ثم قال:

«بالتأكيد يوجد الكثير من البلدان التي لم أزُرها.»

أمسك كيفن صندوق لعبة المنشار الذي أرسلتْه أمي وأضاف قائلًا:

«هذه اللعبة من الصين. جدتك تحب الأشياء الصينية، خاصةً لعبة المنشار.»

ضغط ويس شفتيه ثم قال: «لم أذهب من قبلُ إلى الصين، ولكني لا أريد الذهاب إليها.»

«لماذا لا تريد ذلك؟»

أجاب ويس: «لا يوجد ما يكفي من الطعام. قد أجوع هناك.»

ثم توقف لإعادة التفكير في الأمر وقال:

«ولكن لديهم الكثير من اللعب مثل شاحنتي الضخمة؛ لذا ربما نستطيع الذهاب إلى هناك وأخذ شطائر معنا.»

لم يذكر ويس أن السيوف المضيئة تأتي من الصين، أو حقيقة أن سانتا لم يحضر له واحدًا.

•••

بعد يومين من الكريسماس، بينما كنا نستقل الطائرة إلى سان دييجو لاحتلال منزل والدي بحجة زيارة العيد، لاحظت أن شيئًا ما يحدث للحلقة الأضعف. كان كيفن يُحدق من نافذة الطائرة إلى غرب تكساس البعيدة تحتنا ثم التفتَ إليَّ وقال: «علينا التفكير في الإبقاء على المقاطعة.»

فكرت في نفسي: «ماذا؟»

وقلت: «ماذا؟»

فتململ في مقعده واعتصر عينيه على نحوٍ ذي مغزًى.

«الأمر أنها جعلتْنا وحسب أكثر، كما تعلمين … لا أعلم.» ثم لوَّح بيديه في الهواء أمامه وأضاف: «أكثر عمقًا في التفكير.»

«أكثر عمقًا في التفكير؟»

قال: «في كيفية إنفاق الأموال.»

أشحت بوجهي بعيدًا عنه وتأملت ظهر الكرسي الموجود أمامي. هذه مفاجأة. أصبح كيفن خائفًا من العودة للطريقة التي اعتادت الأمور أن تسير وفقها. سيُحب جيم إيه — كاتب الخطابات المناهضة للصين إلى المحرِّر القاسي القلب — هذا الأمر.

نظرت إلى كيفن مرةً أخرى وقلت:

«كنتُ أعتقد أنك لا تطيق انتظار انتهاء هذه المقاطعة لكي تستطيع الذهاب إلى متجر هوم ديبوت لشراء بعض الخطاطيف المعدنية لتُعلق عليها أدواتك، ثم تشتري بعض الأدوات الصينية.»

فهز كتفيه في لامبالاة.

فاستطردتُ قائلة: «كنتُ مضطرة لمراقبتك مثل الصقر طوال الوقت لأنني كنت أعلم أنك ستميل بشِدة إلى خداعي. كنت أعتقد أنك تكره المقاطعة.»

«كنت أكرهها نوعًا ما.»

قطبت جبيني وقلت:

«ومع ذلك تريد الإبقاء عليها؟»

فهزَّ كتفيه في لامبالاة مرةً أخرى.

فسألتُه: «ماذا عن وعدنا بأن الطفلين يستطيعان اختيار أي ثلاث ألعاب يريدانها في رأس السنة، لما يتمتعان به من روحٍ طيبة؟ لا يمكننا التراجع عن ذلك.»

فقال: «أتعنين اختيار اللعب الصينية؟ هذه مناسبة خاصة لا تتعلق بما يحدث بعد ذلك.»

وفرك عينيه ثم أرسى يديه في حِجره، واستطرد قائلًا:

«حسنًا، دعينا لا نتخذ قرارًا الآن. أخبريني وحسب أنك ستفكرين في الأمر.»

•••

كنت أفكر في الأمر بالفعل. كنت أفكر فيه بين حين وآخر طوال الأيام الأربعة التالية، وظَلِلْتُ أفكر فيه في الساعة الثامنة عشية رأس العام الجديد وأنا جالسة بجوار كيفن على الأريكة في حجرة المعيشة، ولكن هذه المرة في حجرة المعيشة في منزل والدي.

كان السبب في استمرار تفكيري في الأمر هو أنني لا أستطيع اتخاذ قرارٍ بشأن ما ينبغي فعله بعد ذلك. كان تغيُّر رأي كيفن تطوُّرًا مفاجئًا. كنت أعتقد أنه يرى العام الماضي على الأغلب كتمرينٍ على الحمق وعرض واقعي لمدى ما يمكن أن يفعله ليسخر مني. عندما سمَّيته الحلقة الأضعف، لم أكن أمزح، ولكن اتضح أنه أفضل قدرةً على المقاطعة، وذو أخلاق رياضية أفضل مما كنتُ أتوقَّع.

لم أقصد أن أنبذ قرار كيفن، لكنني لم أتوقَّع أن يتخذ قرارًا كهذا. كنت أعتقد أن تجنُّب شراء المنتجات الصينية هو كل ما يمكن أن آمل أن يفعله. لم أتوقع قط أن تصبح المقاطعة مهمة بالنسبة إليه بمرور الوقت. كنت أشعر أنني أنهكته حتى آخر رمق عاطفي فيه، ولم يتبقَّ شيء لديه لأتجرأ وأطلب مزيدًا من مقاطعة الصين. لم أُوَفِّه حقه. لقد غفلت عن شيءٍ إزاء عامنا الماضي أعتقد أنك يمكن أن تصفه بالرومانسية؛ فمن أجلى، ومن أجل الحب، دعم كيفن فكرتي وتخلى عن الصين لمدة ١٢ شهرًا طويلًا.

ولكن هل مقاطعة الصين طوال الحياة هي ما أريده حقًّا؟ لست متأكدةً على الإطلاق من ذلك؛ فمن ناحية، كان من المُرْضي أن أعرف أن الصين لم تهيمن حقًّا على كوكب الأرض أو على حياتنا، ليس على نحوٍ تامٍّ على الأقل، على الرغم من أن هذا ما كان يبدو عليه الأمر في بعض الأحيان، ولا سيما في ممرات الألعاب والأجهزة الإلكترونية وفي متاجر الأحذية. بالطبع لم نَعُد بعيدين عن الخطر بعدُ؛ فلديَّ إحساس أن الصين ما زالت في بدايات بسط هيمنتها على العالم.

ومن ناحيةٍ أخرى، لدينا خلاط معطل ودرج مطبخ عالق، وتليفزيون تبهت صورته بسرعة، وجميعها مشكلات تتطلب حلولًا صينية. وما زلنا نغلي الماء في الصباح لتحضير القهوة لأننا ليس لدينا آلة لإعداد القهوة، وإذا لم نتخلَّ عن المقاطعة، فربما لن نحصل عليها أبدًا. كثير من الأشياء الصغيرة في الحياة يأتي من الصين: شموع أعياد الميلاد، والمسدسات المائية، والسيوف المضيئة. وهذه أشياء صغيرة تافهة لا يمكن على نحوٍ مناسب وصفها بأنها مهمة، ولكنني لست متأكدةً من أنني أودُّ عيش حياتي بأكملها من دونها. ثَمَّةَ موضوع مكافحة الحشرات الضارة أيضًا؛ فقد سحقنا فأرنا الأخير لهذا العام في ٢٦ ديسمبر. إنني مستعدة للعودة إلى طريقة الاصطياد والإطلاق من أجل القضاء على الفئران، ومن أجل ذلك نحتاج إلى مصيدة فئران رحيمة، وهذه المصائد تُصنَّع في الصين.

إضافةً إلى ذلك، فكرة تجنُّب المنتجات الصينية للأبد تبدو كأن الشخص يُكِنُّ ضغينة أبدية ضد ١٫٣ مليار شخص. لست متأكدةً من امتلاكي طاقةً تكفي ذلك.

أيضًا، دعنا نواجه الحقيقة: لقد اجتزنا هذا العام بالحظ على الأغلب. هل كانت لديَّ الشجاعة للعيش دون تليفزيون صيني جديد لو أن تليفزيوننا تعطل مبكرًا؟ هذا غير محتمل. وقد كانت المنتجات الصينية تشقُّ طريقها إلى منزلنا بانتظامٍ على الرغم من المقاطعة، وليس من خلال إعفاء الهدايا وحسب، ولكن أيضًا من خلال الْتِفافنا حول القواعد وكسرها. احتال كيفن فيما يخص فُرَش تلوين صينية وأشياء أخرى، ولكنني أتحمَّل اللوم على مُبرِّد بلاستيكي صيني واليوسفي الصيني ويقطينة ويس الكهربية، فضلًا عن مشترياتي من هونج كونج وماكاو.

مما لا شك فيه أن مزيدًا من الأشياء الصينية قد انسلت إلى منزلنا دون أن نعرف بشأنها، مثل الأزرار أو الأكياس البلاستيكية أو المكونات الموجودة في الأشياء التي تشير بطاقاتها التجارية إلى أنها مصنوعة في مكانٍ آخر. وربما يكون كيفن قد هرَّب بضعة أشياء لم أعلم بشأنها، وإن كنت أشك في ذلك؛ فالشعور بالذنب سيقتله.

مع ذلك، أشار كيفن إلى نقطةٍ مهمة؛ لقد جعلتْنا المقاطعة نتوقَّف ونفكر قبل أن نُلقيَ شيئًا آخر في عربة التسوُّق، أو على الأقل جعلتْنا نفعل ذلك حتى أصابني الذعر في الأسابيع التي سبقت الكريسماس. لقد جعلت تفكيرنا أعمق، وهذا لا يمكن أن يكون شيئًا سيئًا. ولا شك في أن المنزل كان أكثر نظافةً لأننا توقَّفنا عن مَلئِه بالأشياء الصغيرة التي لا نحتاجها ولكننا لم نستطع مقاومتها حتى جعلتْنا المقاطعة نقاومها.

قال كيفن بينما كنا ننتظر مع والدي أن تدقَّ الساعة معلنة منتصف الليل في تايمز سكوير: «من المحبط أن ننسى الأمر برُمَّته. يبدو من الحماقة أن نقضيَ عامًا في فعل شيءٍ ثم نستسلم كما لو أننا لم نَعِشْ هذا العام.»

ثم رمقني بنظرة استهجانٍ وسأل:

«هل تريدين حقًّا أن نعود ببساطةٍ إلى طريقة عيشنا القديمة؟ ألا يجعل هذا من هذه السنة وقتًا مُهدرًا؟»

رأيت أن الإجابة نعم، ثم لا. ليس لديَّ أي فكرة، ولكن ثَمَّةَ شيء واحد مؤكد؛ سوف أتوقَّف عن وصف كيفن بالحلقة الأضعف، حتى لو في عقلي فقط.

•••

استيقظ ويس ممتلئًا بالحماس في الساعات الأولى لبزوغ الفجر. كنا نحن الأربعة محشورين جميعًا في حجرة النوم التي كانت لي عندما كنت طفلة. كان الظلام دامسًا في الخارج، ولكن ويس كان يعلم ما سيأتي مع أول ضوءٍ لليوم الأول من العام الجديد.

صاح ويس وسط الظلام: «إنني سعيد لأنني سأكون قادرًا في الغد على الشراء من كينج كونج.»

أشار له كيفن بالسكوت خشية أن يوقظ والدي.

كينج كونج؟

همست لكيفن متسائلة: «ماذا يعرف عن كينج كونج؟»

فهمس مجيبًا: «إنه يعني هونج كونج.»

كان آخر ما فكرت به قبل أن أغطَّ في النوم هو التساؤل عن كيفية معرفة ويس أن هونج كونج كانت جزءًا من الصين في حين أنني أنا نفسي لم أعرف ذلك إلا مؤخرًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠