الفصل الثاني

الحذاء الصيني

بدأت اليوم بسؤال أخرق:

«ماذا يحدث هنا بحقِّ السماء؟»

إنها السابعة صباحًا من أحد أيام الإثنين وأنا جاثية أمام الأريكة محاوِلةً حشر قدم ابني ويس في حذائه الرياضي بينما يشاهد «كليفورد الكلب الأحمر الكبير» بمظهر الموتى الأحياء مفتوحي الفم قليلًا. كنا متأخِّرين بسبب سلسلةٍ متوقَّعةٍ من الأحداث، بما في ذلك حاجتي إلى مطاردة الطفلة عبر العديد من الغرف قبل أن أتمكَّن من إمساكها وإلباسها جوربًا طويلًا وفستانًا. لم أُكلِّف نفسي عناء إلباسها حذاءها؛ لأنني أعرف أنها سوف تخلعه في السيارة أثناء الرحلة إلى المدرسة. كان إدخال قدمَيْ ويس في حذائه الرياضي هو عقبتي الأخيرةَ قبل الاندفاع نحو الباب.

كان سؤالي أحمق لأنني أعرف بالضبط ما يحدث. لا يوجد لغز هنا. لقد نَمَتْ قدم ويس وكبرتْ للغاية على حذائه.

انتهيت من إقحام قدمه في حذائه وحاولت تحديد نهاية أصابع قدميه بإبهامي. كان يوجد حوالي نصف بوصة من المساحة الخالية عندما تحقَّقت في المرة الأخيرة، التي يبدو أنها منذ بضعة أسابيع فقط. وحتى في يومِ أَمْسِ لم يكن لديَّ أي مشكلة في إلباسه حذاءه. مع ذلك، هذا الصباح لم يكن هناك أكثر من مجرد ثُمُنِ بوصة فارغ بين إصبع قدمه الكبيرة ونهاية حذائه، حتى عندما يكون جالسًا. واستنتجتُ أنه بحلول وقت الغداء، وبعد تناول وجبة خفيفة وثلاث ساعات أخرى من النمو، سوف تضغط أصابع قدميه على طرف حذائه الذي ألبستُه إياه بالقوة. ثم تبدأ حينها عملية تشوُّه القدم.

اضطربتْ أمعائي خوفًا. لم أكن أتوقَّع حدوث هذا، ليس قريبًا على أي حال. اعتقدت أن يوم الانتقام بإحكام قبضة الصين على أقدام أطفال أمريكا ما زالت على بُعد أشهر. تنهَّدت وأقحمت قدم ويس الأخرى بالقوة في فردة الحذاء المتبقية. ليس لديَّ أي خيار آخر؛ فخزانة أحذيته تُختزَل بالكامل في هذا الزوج الواحد من أحذية التنس الصينية البيضاء.

طرحت سؤالًا أحمق آخر وأنا أربط رباط الحذاء.

«متى حدث هذا؟»

كان ويس سارحًا في وهج التليفزيون الأزرق ولم يَرُد. دخل كيفن قادمًا من المطبخ حاملًا فنجانًا من القهوة وجلس على الأريكة بين الأطفال.

قلت بصوتٍ حاد: «حذاء ويس أصبح صغيرًا جدًّا.»

أومأ كيفن موافقًا وصرَّح بما هو بديهي.

فقال: «حذاء جديد.» ثم التفتَ إلى التليفزيون.

تمنَّيتُ لو رأيت لمحةً من شعورٍ بالذعر من جانب كيفن، ولكن كوني لم أرَها ليس أمرًا مُستغرَبًا؛ فالعجز عن الشعور بالذعر أحد صفات كيفن الجميلة؛ فهو يَثبُت مكانه أمام تهديدات الكلاب. وذات مرةٍ حاصره ثلاثةٌ من قُطَّاع الطرق في مركز تسوُّق مهجور وحاولوا سرقة ساعته، فتحدَّث إليهم بلامبالاةٍ مخبرًا إياهم أنها لا تساوي الكثير، وهو موقف دفاعي ميزته أنه حقيقي. ثم هناك تلك المرة التي هاجمنا فيها كبش الجبال الصخرية الذي ظهر من العدم بينما كنا نتنزَّه مشيًا على الأقدام وحيدَيْن في جبال روكي. قفز الكبش من بين الأشجار مباشرةً نحونا، ثم توقَّف على بُعد بضع أقدام. راحت عيناه الصفراوان تُقيِّمان كيفن، الذي أمسك بعصًا غليظةٍ من الأرض واتخذ وضعية كونج فو، ممسكًا العصا بكلتا يديه مع ثني ركبتيه. وفجأة، ظهرتْ مجموعة من راكبي الدرجات النارية في المناطق الجبلية على الدرب الممتد أسفلنا، ففَزِع الكبش وانسحب منسلًّا مرةً أخرى نحو غطاء الأشجار.

لا أدَّعي أنني شخص بالغ الشجاعة — ففي حين واجه كيفن الكبش كنت أحاول دون جدوى تسلُّق شجرة صنوبر — وأعترف أن الشجاعة سمة رائعة. ولكني أؤكِّد أيضًا أنه توجد مواقف يكون الذعر فيها ردَّ فعل مقبولًا، مثل هذا الموقف، هنا في غرفة معيشتنا، عندما اكتشفتُ أن قدم ويس على وشك أن تتحوَّل إلى قطعة من اللحم ليست ملائمةً إلا لقضاء حياة مترهلة على الأريكة مع مشاهدة التليفزيون وطلب كوبٍ من الشوكولاتة باللبن من حينٍ لآخر. وأقول إن الذعر ردُّ فعل في محله لأن علاج هذا التطوُّر المروِّع الذي حدث في ذلك الصباح هو حذاء رياضي جديد. وصادف أنني أعلم — على النقيض من كيفن الهادئ — أنه في العصر الحالي، أحذية الأطفال الرياضية دائمًا تقريبًا، وربما دائمًا بالمطلق، تأتي من الصين.

أصدرتُ إعلانًا متسرعًا:

«سوف أجد لِويس حذاءً رياضيًّا جديدًا؛ حذاءً رياضيًّا جديدًا غير صيني. وسوف أجده «اليوم».»

•••

كان وقت ما بعد الظهيرة من ذلك اليوم سيئًا. توقَّفتُ عن العمل عند الظهر وتوجَّهت إلى مركز التسوُّق المتواضع الذي اشترينا منه كثيرًا من أحذية الأطفال، وجميعها أحذية صينية.

وقفتُ بعصبيةٍ عند سلسلة متاجر أحذية الأطفال، وقسم الأحذية في اثنين من المتاجر الهادئة على نحوٍ مخيف، ومتجر أحذيةٍ يبيع بالخصم حيث تصل صفوف الأحذية التي تباع بسعر ٩ دولارات تقريبًا إلى السقف. ألقيت نظراتٍ على البطاقات داخل ما لا يقل عن ٥٠ زوجًا من أحذية الأولاد الصينية، بما في ذلك الأحذية التي تحمل رسوماتٍ تُصوِّر شخصيات فيلم شريك، وأحذية رياضية ذات أضواء وامضة في النعل من شأنها أن تجعل ويس يرقص فرحًا. يوجد مفاجأة في هذا المزيج، زوج من أحذية التنس مصنوع في إندونيسيا، ولكن ليس هناك واحد بمقاس ويس. استسلمتُ في بقية هذا اليوم عندما أدركتُ أني أرى نُسَخًا مختلفة من الأحذية الصينية نفسها في كل مكانٍ أذهب إليه.

توجَّهت إلى السيارة مكتئبةً وحائرةً بشأن محاولاتي التالية. شعرت أن خطواتي غير منتظمة على نحوٍ غريب بينما كان حذائي ينقر فوق الأرضية المصقولة للممر الرئيسي الكبير في المركز التجاري. كنت متوترةً وقلقة، ليس على قدم ويس وحسب، ولكن أيضًا حيال المشكلات الكبرى التي تتضمَّن الأحذية؛ فبدا لي أنه من الخطير تسليم قطاع الأحذية في البلاد إلى الصين، على الرغم من أنني لا أستطيع أن أُحدِّد بالضبط سبب حدوث هذا. بالتأكيد لم يبدُ زملائي المتسوقون قلقين، فقد راقبتهم سرًّا بينما أتوجَّه مسرعةً نحو المخرج؛ فبدَوْا راضِينَ مثل أبقارٍ ترعى في العشب. كان معظمهم يحمل أكياسًا بلاستيكية مليئة بالبضائع؛ التي كان الكثير منها صينيًّا بلا شك. لم يبدُ أنهم قلقون بشأن استحواذ الصين على قطاع صناعة الأحذية في البلاد، أو أي قطاعٍ آخر، أو ربما حتى على العالم.

أثناء عودتي إلى المنزل مررتُ بمركز تسوُّق صغير راقٍ كنت قد اشتريت منه حذاءً لِويس قبل سنوات. أوضحَتِ المرأة التي كانت تُدير المكان من لحظة رؤيتها لنا أن لديها شكوكًا أن بمقدورنا شراء الأحذية الألمانية والفرنسية ذات الأسعار المرتفعة إلى حد السفه في متجرها. انتهى بِيَ الأمر بإنفاق ٦٥ دولارًا مقابل حذاء طفل لإثبات أن تلك المرأة لن تنتصر عليَّ، وهذا بالضبط هو ما فَعَلْتُه. بعد ذلك بوقتٍ طويل، عندما فكرت في النظر في البطاقة الملصقة داخل الحذاء، اكتشفت أنه كان مصنوعًا في إندونيسيا. كان ألمانيًّا بالاسم فقط. بعد تلك الحادثة، أسقطتُ من اعتباري أحذية الأطفال؛ ومن ثَمَّ لم يرتدوا سوى الأحذية الصينية.

كانت ذكرى زيارتي لمتجر الأحذية الفاخرة ذاك هي الجانب المشرق الوحيد خلال ذلك الوقت من بعد الظهيرة. وأنا أمرُّ به، ألقيت نظرةً سريعة من نافذة السيارة ورأيت المتجر مظلمًا، متوقفًا عن العمل، وقد اختفت علامته المبهجة للأبد. كانت والدتي تُخبرني أن التهلُّل لمصائب الآخرين ليس أمرًا لطيفًا، وهي نفسها لا تنغمس أبدًا في هذه المتعة الخاصة، ولكني أحيانًا لا أستطيع أن أمنع نفسي. تخيَّلت صورة ثلاثية الأبعاد للمرأة بجانبي في السيارة، وقلت لها: «نلتِ ما تستحقين!»

•••

اكتشفتُ تمردًا متزايدًا حول لعب الأطفال الصينية بعد بضع ليالٍ، بعد العشاء. دخلت غرفة المعيشة ووجدت ويس يجلس بائسًا على الأريكة، عاقدًا ذراعيه وماطًّا شفتيه. وكان يتوق إلى الشجار. ربما بدأتْ قدماه تؤلمانِه، أو الأسوأ أنه شرع في تكوير أصابع قدمَيه.

سمعت كيفن يقول لِويس: «سيكون عليك محادثة والدتك عن ذلك.» لم أُحبَّ وقع ذلك. جلست على مسند الأريكة ومرَّرْتُ أصابعي بين شعر ويس.

وسألته: «ما الخطب؟»

هز رأسه مُبعِدَه عن أصابعي والتفتَ محدقًا في وجهي.

ثم قال: «أريد البدء في شراء الأشياء الصينية. أريد لعبة «طبيب أسنان التمساح» (أليجيتور دينتيست)، لكن أبي يقول إنها صينية، ولا يمكنني الحصول عليها.»

تتضمَّن لعبة طبيب أسنان التمساح الضغط باستمرارٍ على أسنان تمساحٍ بلاستيكي، سنٍّ واحدة في كل مرة، حتى يغلق فمه فجأة. والفكرة هي إخراج أصابعك من الفم قبل أن تقضمها الأسنان. إن مَن يلعبها مرةً يُدمِن لعبها؛ فقد لعبتُ اثنتي عشْرةَ جولةً منها بنفسي قبل أسابيع في منزل أحد الأصدقاء. وتحقَّقت من الجانب السفلي للتمساح، من أجل الاحتمالية الضعيفة بأن تكون من مكانٍ غير الصين. لكنها كانت صينية.

لمحت بطرف عيني كيفن يراقبني. وشعرت بالتحدِّي في نظرته. إنه يتوق لرؤية كيف سأتعامل مع هذا، أو ربما لا أتعامل معه. التفتُّ للنظر في عينَيْ ويس، اللتين تورَّمتا وانتفختا منذ العشاء.

ثم أخبرته: «هذا العام يمكننا شراء أشياء ألمانية وأشياء أمريكية وأشياء يابانية، وأشياء من أماكن أخرى من جميع أنحاء العالم، ولكن لا يمكننا شراء أشياء صينية. وبما أن لعبة طبيب أسنان التمساح صينية، فلن يمكننا الحصول عليها هذا العام. يمكننا الحصول عليها في العام المقبل، إذا كنت تُحسِن التصرُّف.»

فرد متسائلًا: «متى يحل العام المقبل؟»

قلت: «بعد وقتٍ طويلٍ من الآن.»

«ولكن ماذا نفعل الآن؟»

قلت «ننتظر»، ثم أضفت: «ونلعب باللعب التي لدينا بالفعل. لم يمرَّ على الكريسماس سوى ستة أسابيع فحسب، وخزانة ألعابك ممتلئة عن آخرها.»

أشرت إلى منجم ألعاب الليجو والسيارات والحيوانات البلاستيكية الحادة المبعثَرة على أرضية غرفة المعيشة. التفتَ ويس لرؤية المنظر، ثم نظر مرةً أخرى إليَّ كما لو أنه لم يرَ شيئًا. لم يُعجِبه جوابي ولكنه لم يجد ما يقوله.

كان هذا سهلًا، على ما أعتقد. كان سهلًا للغاية. وفي لمحةٍ من الوضوح عرَفتُ السبب. كان الوقت مبكرًا للغاية بالنسبة إلى ويس أيضًا، فلم يكن قد وضع برنامجه للتمرد المضاد المؤيِّد للصين بالكامل. سألته مُغيِّرةً للموضوع:

«هل تريد أن تذهب إلى حديقة الحيوان غدًا؟»

فابتسم وهز رأسه موافقًا. إن كيفن ما يزال يراقبني. كنت على شفا الهاوية، ولكني تفاديت حرب الألعاب لبعض الوقت.

•••

ذهبنا إلى حديقة الحيوان يوم السبت ثم إلى السيرك يوم الأحد.

قال ويس مشيرًا إلى مجموعةٍ من العِصِيِّ المضيئة والقُبعات والقمصان المزخرفة: «انظري إليها يا أمي.» كانت عيناه تحملان نظرةً حالمة. «سيف.»

بقيت خمس دقائق حتى وقت العرض، وكان علينا أن نعثر على القسم المنشود. لقد اشتريت تذكرتين للسيرك حتى أستطيع أنا وَويس مشاهدة مشهد الفِيَلة والمهرِّجين وسيارة جيب تسير فوق رجلٍ قويٍّ اسمه هرقل، لكن الأدوات الصينية التافهة انتزعت اهتمام ويس حتى قبل أن ننجح في الوصول إلى الساحة للبحث عن مقعدَينا. تزاحمت معنا مجموعة من الأطفال الشرسين الذين يتناولون كمياتٍ مفرطةً من السكريات، ويحمل أكثرهم هدايا تذكارية متوهجة طنَّانة وأقماعًا وردية مجعَّدة من حلوى غَزْل البنات. أشار صوت قادم من نظام الاتصال الداخلي للحشد بدخول الساحة والجلوس في أماكنهم لكي يبدأ العرض.

سألني ويس: «من فضلك، هل يمكنني الحصول عليه يا أمي؟» وشدَّ ذراعي بيدٍ واحدة، وأشار إلى الجزء الخلفي من مكان بيع الهدايا التذكارية باليد الأخرى. «هل رأيتِه؟ إنه سيف. سيف حقيقي. من فضلك، من فضلك، من فضلك، من فضلك؟»

تتبَّعت إصبع ويس حتى رأيت سيفًا أخضر زاهيًا في غمدٍ بلاستيكي. ثَمَّةَ ورقة مكتوبة بخط اليد ملصقة على الرف تقول ١٥ دولارًا.

لا تفهموني خطأً. إنني متعاطفة مع مشاعر الصبي تجاه السيف، خاصةً السيف الذي يأتي في غمدٍ خاصٍّ به. وخصوصًا عندما يكون الصبي المليء بالتوق مرتديًا حذاءً صغيرًا للغاية. ولكني لن أدفع ١٥ دولارًا مقابل قطعة واهية من البلاستيك الأخضر، ولست بحاجةٍ لرفع السيف عن الرف والتحقُّق منه تحت ضوء مصابيح الفلورسنت لكي أعرف مصدره؛ فأنا لست طفلةً ساذجة؛ فهذا السيف يكاد ينطق بأنه صيني. مع ذلك، أنا الشخص الذي ينزعج من الأشياء المصنوعة في الصين، وليس ويس. ويس لم يوافق قطُّ على دعم المقاطعة. إنه لا يعرف أصلًا ما المقاطعة. ولا حتى يعرف ما الصين.

أحتاج إلى التفكير بسرعة. جثمتُ إلى مستوى عينَي ويس من أجل التفاوض معه.

«لا أستطيع أن أشتريَ لك السيف لأنني هذا العام لا أشتري الأشياء الصينية. ولكن إذا كنت تريده حقًّا، فسوف أشتريه ويمكنك أن تدفع لي ثمنه عندما نصل إلى المنزل، من مال عيد ميلادك؛ وبهذه الطريقة ستكون أنت مَن اشتريتَه، وليس أنا.»

عبس ويس. لم يكن متأكدًا من أنه يحب سير الحديث، خصوصًا عندما أضفت أن حصَّالته ستكون فارغةً بعد صفقتنا.

أخبرته قائلة: «لديك ستة عشر دولارًا في حصالتك، وثمن السيف خمسة عشر بالإضافة إلى الضرائب، وهذا يعني أنك ستظل بلا أموال حتى عيد ميلادك القادم، على الأقل.»

شاهدت ويس يضعف تحت وابل الحقائق المالية القاسية الفاترة. ثم فكّرت في قدميه المسكينتين المحشورتين في حذاء التنس، وقرَّرتُ أنه ربما ليس من العدل أن أضع مثل هذا القرار الكبير على كاهل هذا الفتى الصغير؛ لذلك جمَّلت الصفقة. في الواقع، جعلتُها لا تُقاوَم. قلت له إنني سوف أشتري له لعبة من مكانٍ آخر، أي لعبة من أي مكانٍ غير الصين، إذا تخلى عن السيف الصيني.

ثم أضفت: «وحينها يمكنك الاحتفاظ بمالك.»

ابتهج وجهه؛ فهو أيضًا ليس طفلًا غِرًّا. ألقى نظرة سريعة أخرى على السيف، ولكن كان باستطاعتي أن أراه ينسلُّ من قبضته. كان يفكر بالفعل في شيءٍ آخر، فأمسكت يده وأسرعنا الخُطَى نحو الساحة، بالضبط في الوقت الذي خفتت فيه الأنوار وبدأ عزف الموسيقى.

•••

في اليوم التالي، ناداني صوت طفلةٍ باسمي وأنا أتمشَّى عبْر حَيِّنَا بعد العشاء. بحثت عن مصدره فرأيت ابنة جيراننا البالغة من العمر ١٢ عامًا تُلوِّح لي من فوق سياج فناء منزلها.

قالت لي عندما اقتربتُ مسافةً أستطيع السماع منها: «ذهب والدي إلى وول مارت اليوم.» تحدثتْ بأنفاسٍ مسموعة ولهجةٍ تآمرية وبسعادةٍ غامرة بالوشاية بالكبار. «هل تعرفين ماذا فعل هناك؟ اشترى حذاءً لآيك.»

توقفت عن الحديث لبرهة مُحدِثَة تأثيرًا تشويقيًّا.

ثم أسرَّت إليَّ بصوت هامس لكنه مسموع: «من الصين.»

ظهر والدها من وسط الظلام قائلًا مرحبًا، في الوقت الذي سمع فيه آخر ما قالته لي. وبدا عليه الخجل، واعتذر قبل أن تُتاح لي فرصة لأقول له إنه لا حاجة به للاعتذار، لا لي ولا لأي شخصٍ آخر.

ثم قال: «لا أشعر بالرضا عن ذلك. ولكنها الحقيقة.»

لدى جارنا رهن عقاري وثلاثة أطفال. إنه رجل قوي ذو ماضٍ عصيب، وأستاذ رسم يرسم صورًا جميلة للطيور. وعلى غرار كيفن، يستمتع بالمحادثة التي نتفق فيها جميعًا على أن الأمة تتجه مباشرةً نحو وقتٍ عصيب، ويزيد سرعة ذلك إدمان الشراء من وول مارت على المستوى الوطني. كان قد منحني موافقته مشجعًا عندما سمع عن مقاطعة الصين، ثم أخبرني أنه سيتخلى عن وول مارت طوال هذا العام. والآن يعترف لي بكل شيءٍ عن استسلامه للنداءات المغرية من «الأسعار المنخفضة» لأنه لم يستطع تحمُّل شراء حذاء الجري البالغ ثمنه ٧٠ دولارًا الذي وجده في متجر الأدوات الرياضية المَحلِّي في نهاية الشارع.

«لم أستطع أن أفعل ذلك وحسب، ليس لطفل يبلغ من العمر ثماني سنوات؛ لذلك قدت سيارتي حتى وول مارت واشتريت حذاءً من هناك، والآن أشعر بالسوء.»

كان قانطًا، كما لو أنه ارتكب فعلًا رهيبًا. لم أستطع أن أفكر في شيءٍ أقوله؛ لذا وقفت هناك، على أمل أن تنشقَّ الأرض وتبلعني، أو أن أستطيع التفكير على الأقل في شيءٍ مضحكٍ أقوله لكسر التوتر.

واستطرد قائلًا: «اعتقدت فقط أنه يجب أن تعرفي.» ثم التفَّ متقهقرًا عائدًا نحو المنزل.

نظرتْ إليه ابنته، بانتصار. وقفتُ هناك لبضع لحظاتٍ في الشفق، وشعرت بالذُّعر من فكرة أنني الآن أصبحت مثل كاهن الاعتراف بالنسبة إلى جاري. لاحقًا في تلك الليلة، طرأ على ذهني أنه كان بإمكاني أن أعترف بذنبي. كان ينبغي أن أناديَه في الظلام وأخبرَه أني أُشوِّه القدمين الغضَّتين لابني البكر بحذاءٍ أصغر من قدمه؛ لذا مَن أكون أنا لأطلق أحكامًا على متسوِّقي وول مارت؟

•••

استغرق إيجاد حذاءٍ لِويس أسبوعين لكنني وجدته في النهاية. كان للحذاء مظهر فضائي؛ فقد حَلَّت الأحزمة وشريط الفيلكرو اللاصق محل الأربطة، وكان مصنوعًا في إيطاليا. ووصل السعر بعد مصاريف الشحن ٦٨ دولارًا، وهو ما يعادل دخل عائلة في أفغانستان في شهر. وهنا تكمن المشكلة.

إني عرضة للإصابة بنوبات التخشُّب الموتي الاستهلاكي؛ فبرنامجٌ تليفزيونيٌّ عن أفريقيا مُسبِّب للاكتئاب، أو قصةٌ في صحيفة عن الأطفال الذين يموتون جوعًا؛ يمكنهما إيقاف إنفاقي الطائش لأسابيع. تَفكَّرْ في تأثير خريطة ناشونال جيوجرافيك لأفغانستان؛ الخريطة مغطاة بنقاط وخطوط مموَّجة، مثل أي خريطة أخرى، وتشمل مربعاتٍ صغيرةً تحتوي على تفاصيل عن شعب أفغانستان وجيرانها. أول مرة ألقيت فيها نظرة على الخريطة قضيت الجزء الأكبر من تلك الساعة في قراءة وإعادة قراءة هذه المعلومات في تلك المربعات. كانت مجموعة مركَّزة من البؤس البشري الذي ظل عالقًا في رأسي منذ ذلك الحين، ويظهر في معظم الأوقات غير المناسبة.

أستطيع أن أخبرك، على سبيل المثال، أن متوسط عمر الأفغاني يصل إلى ٤٦ عامًا، في حين أن الطاجاكستانيين في الشمال يبلغ متوسط عمرهم ٦٤ عامًا. وفقط ٣ من كل ١٠ أفغانيين يستطيعون القراءة، مقارنةً بمحبي القراءة في طاجاكستان؛ حيث ٩٨ بالمائة من الناس يعرفون القراءة والكتابة. ولكن أرقام الفقر هي التي تُوقِفني حقًّا. يبلغ متوسط دخل الفرد في طاجاكستان ١١٠٠ دولار في السنة، أما في أفغانستان، فإن متوسط دخل المواطن العادي يبلغ ٨٠٠ دولار فقط. وقد اكتسبتُ عادةً غريبة؛ عندما أواجه شيئًا مثيرًا للاهتمام في منشور تسويقي أو واجهة متجر، أُجري مقارنة سريعة لسعره مع نصيب الفرد من الدخل في أفغانستان. سروال من الجينز بقيمة ٦٠ دولارًا؟ ما يقرب من راتب شهري في أفغانستان. ولحاف بمبلغ ١٥٠ دولارًا؟ راتب شهرين. وماذا عن الشطيرة التي طلبتها للتوِّ لوجبة الغداء؟ أُفضِّل عدم التفكير في ذلك. تُعَدُّ عادتي رائعة بالنسبة إلى مهاراتي الحسابية ولكنها تصيبني بالشلل في المركز التجاري. أجد أنني أفقد شهيتي لإشباع الوحش المادي الشرس القابع في داخلي.

وبطبيعة الحال، ألوم أمي.

شرحت لإحدى صديقاتي ذات ليلة بينما كنا نتناول مشروبًا: «ذلك لأنها تتحمَّس دائمًا للفقراء. وهذا جعلني ضعيفة أمام المربعات الصغيرة الموجودة على الخريطة. أشعر بأنني مُدلَّلة للغاية ومنغمسة في الملذات، حتى إنني لا أستطيع أن أحمل نفسي على شراء لحاف. إننا حقًّا في حاجة إلى لحاف؛ فغرفة النوم تبدو مروِّعة.»

تفحصَّتْني صديقتي بموضوعية تجدر بطبيبة من فوق كأس النبيذ. عرَفتُ من عينيها ما تفكر فيه: أنني أفقد عقلي، وأن هذا لا يمكن أن يكون صحيًّا.

تساءلَت: «هل أنتِ بخير؟»

فأخبرتها قائلةً: «إنها حالة مؤقتة. سأتعافى منها.»

دائمًا ما أفعل: أبتعد عن تلك الأرقام الكئيبة وأعود إلى أيام نزواتي واندفاعي. ربما أستغرق شهرين من أجل شراء لحاف بمائة دولار أو ١٢ بالمائة من الدخل السنوي في أفغانستان، ولكن في نهاية المطاف أعود مرةً أخرى لكوني مستهلكةً أمريكية عادية.

لذا ليس مفاجئًا حقًّا أن أفكر في أفغانستان مرةً أخرى في ظهيرة هذا اليوم، وأنا أجلس في مكتبي وأحدق في الصورة اللامعة للحذاء الرياضي الإيطالي الذي يمكنه إنقاذ قدمَيْ ويس الغاليتين؛ فأنا لست متحمسة لإطالة أمد معاناة الأسبوعين الماضيين. لقد زرت مواقع إلكترونية لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأرسلت رسائل بريد إلكترونية لغرباء تجاهلَني معظمهم، واتصلت هاتفيًّا بمحلات أحذية من مونتانا حتى بنسلفانيا. اكتشفت أن بعض شركات صناعة الأحذية الأمريكية الشهيرة لم تَعُدْ حقًّا أمريكية، على الأقل إذا كنت تبحث عن مكان صنع أحذيتها، وجميعها في معظم الأوقات تقريبًا تصنعها في الصين. جلست في بعض الأيام أمام الكمبيوتر لفترةٍ طويلة حتى تخدَّر أسفل ظهري. بل دارت محادثة نزقة بيني وبين أحد صانعي الأحذية في مين عندما اتصلت بمَقرِّه للسؤال عن مكان تصنيع أحذيته.

زمجرت امرأة في قسم التسويق سائلة: «لماذا تريدين أن تعرفي ذلك؟ ولماذا تسألينني؟»

قلت لها: «حوَّلَني عامل الهاتف لك.»

فقالت: «إنها مصنوعة في الصين، ولكني لا أعرف لماذا أنتِ بحاجة إلى معرفة ذلك.» ثم أغلقت الخط فجأة.

أنتِ مذنبة، مذنبة، مذنبة.

هذا لا يعني أنني لم أستطع العثور على أي أحذية أطفال مصنوعة خارج الصين، لكنها لم تكن من النوع المناسب قط. وجدت حذاءً جلديًّا أسود لأفراد الفرق الموسيقية الجوالة حائزًا على براءة اختراع مصنوع في ميسوري، ولكن ويس صغير للغاية بالنسبة إلى أفراد فرقة موسيقية جوالة. ووجدت صنادل فتيات مصنوعة في تكساس، ولكن ويس ليس فتاة. ووجدت قباقيب خشبية مصنوعة في السويد، ولكن سيقتلني كيفن إذا وضعت قدمَيْ ويس فيه. كان ما أحتاجه هو حذاءَ تنس عاديًّا قديمَ الطراز من مكانٍ غير الصين، ولكني علمت أني وضعت نُصْبَ عينيَّ ما كان بمنزلة جائزة مستحيلة. وتضمَّن مسعاي تبادلًا لرسائل البريد الإلكتروني مع صاحب محل لبيع الأحذية في أيوا جاء رده وكأنه تأبين لصناعة ميتة، فقال لي إنه لا أحد تقريبًا يصنع أحذية رياضية للأطفال في الولايات المتحدة منذ ستينيات القرن العشرين، وإنهم جميعًا انتقلوا للصين منذ ذلك الحين.

كان كيفن يُخبرني يوميًّا: «أنتِ تبالغين في هذا قليلًا.» ولكن شبح قدم ويس المعوَجَّة دفعني للاستمرار.

يمكنني أن أضع حدًّا لعملية البحث في وقتٍ بعد الظهيرة من هذا اليوم، بمكالمة هاتفية سريعة لرقم خدمة العملاء الموجود في الجزء السفلي من صفحة المنشور التسويقي. ومع ذلك، جلست في مكتبي، ألتقط سماعة الهاتف، ثم أضعها مرةً أخرى. عبست في وجه الصفحة وحاولت السيطرة على أعصابي، منزعجةً من والدتي وناشونال جيوجرافيك لتذكيري بعيشتي المُرَغَّدَة.

التقطتُ شيئًا بطرف عيني. كانت سيدة جادة من حَيِّنَا خارجة للتمشية في منتصف النهار. قمت من مقعدي مندفعة، وانطلقت نحو الباب الأمامي ونزلت على الدَّرَج، وناديتها عند البوابة الأمامية، فاقتربت مني بحذر. أخبرتها أني بحاجة إلى تقييمها الصريح لفكرة إنفاقي ٦٨ دولارًا على حذاء إيطالي لويس.

سألتها: «هل تجدين أن هذا مضيعة للمال مثيرة للاشمئزاز؟ تذكَّري أنه يبلغ من العمر أربع سنوات وأنه صبي.»

كان الأمر كما لو أنها تنتظر طوال اليوم شخصًا يسألها هذا السؤال بالذات.

أشاحت بيدها في رفض قائلة: «هذا لا شيء.» ثم حكت لي عن صديقة لها تنفق مئات الدولارات كل شهر على كريمات البشرة؛ كي لا تُصاب بالتجاعيد نتيجة التدخين. أسكرتْني هذه المعلومات اللذيذة على الفور، ونسيت كل شيءٍ عن الحذاء.

قلت على نحوٍ واضح: «هل تعتقدين أنها يمكن أن تتوقف عن «التدخين» فحسب؟»

قالت: «حسنًا، نعم، ربما تعتقدين ذلك. لكنها لن تتخلى عن التدخين وتريد أن تكون جميلة.»

خرج حديثنا عن مساره. حاولت استخلاص المزيد من التفاصيل عن صديقتها، ولكن رأيت أن حماسي غير اللائق حيال هذا الموضوع جعل السيدة تندم على عدم تحفُّظها. لم أمانع قطع الحديث عند هذه المرحلة؛ فقد أصبح لديَّ ما أحتاجه. ودَّعتها وصعدت درجات السلم الأمامية، مدعومة بشعورٍ من الفضيلة المفاجئة.

وعند العودة إلى الداخل، رفعت سماعة الهاتف وطلبت الحذاء. ترددتُ مرةً واحدة فقط خلال هذه الصفقة، عندما قررت أن أطلب حذاءً أكبر بمقاس واحد على الأقل من مقاس قدم ويس؛ فلم أرغب في تكرار قصة الحذاء الطويلة في أي وقتٍ قريب. وبهذه الطريقة سيبدو أنه أقل تكلفة؛ لأنه سوف يرتديه لضعف الفترة، وأستطيع أن أشعر بأني نصف مذنبة.

•••

كانت الشاحنة في حالة سيئة، فقد علا الصدأ طلاءها الأبيض حول مكان العجلة، وكانت نوافذها مرقَّعة بملصقاتٍ باهتة. قرأت الملصق الموضوع على مُمتصِّ الصدمات في نهايتها المهترئة وأنا أبطئ سرعتي للوقوف في مكانٍ بجانبها في موقف السيارات الزلق الخاص بصيدلية حَيِّنَا. كانت عبارته هي «قاطعوا فرنسا.»

لن توافق والدتي على فكرتي الأولى، وهي أن صاحب هذه الشاحنة لم يكن يشتري كثيرًا من خمر بورجوندي وجبنة بري حتى قبل أن تعارض فرنسا حربنا في العراق. بحثتُ حولي عن السائق الذي تَصوَّرته كرجل ضخم أحمر الوجه ويعاني ألمًا في معدته. ربما كان في الداخل يشتري مضاداتٍ للحموضة. كان مجرد تخمين، ولكنه ليس تخمينًا لطيفًا، ولكني أتصوَّر أنَّ أقرب تعامل له مع الفرنسيين هو طلب البطاطس المقلية الفرنسية في مطعم ماكدونالدز. أقصد «بطاطس الحرية»؛ الاسم الذي أُطلِق على البطاطس المقلية الفرنسية بعد رفضها الحرب الأمريكية على العراق.

جعلني ملصق مُمتصِّ الصدمات أنخرط في التفكير. عندما وصلت إلى المنزل جلست أمام الكمبيوتر لإجراء بحثٍ على الإنترنت عن «المقاطعة» و«الصين» لأرى ما سأحصل عليه. حصلت على نتائج كثيرة. ثَمَّةَ مواقع تُشجِّع على استقلال التبت ومواقع تنادي بحرية ممارسي برنامج فالون جونج ومواقع عديدة مخصصة للمخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان وحملات «اشترِ المنتجات الأمريكية». وتُعَدُّ المواقع مزيجًا من النقد اللاذع والتحفُّظ. والموقع الذي يُقدِّم ملصقات «قاطعوا الصين» مجانية يبدو معتمِدًا بإفراطٍ على كلمة «الرعاع» للتعبير عن رفضه للمسئولين الصينيين، في حين يحذر موقع آخر من أن الصين قد أطلقت على كل مدينة في الولايات المتحدة اسمًا صينيًّا، مقترحًا أن نقل مقرِّ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني من بكين إلى نيويورك ليس سوى مسألة وقت. وعلى موقع آخر، تصف امرأة محاولاتها المضنية لتحديد الشركات التي تستخدم عمالة من السجون الصينية في عملياتها التصنيعية لكي تستطيع تجنُّب شراء منتجاتها. وكتبت أن الناس يُسيئون فهمها إذا افترضوا أنها تقاطع الصين؛ فهي تقاطع الصين السيئة فحسب.

بعد ذلك أدخلت كلمتَي «مقاطعة» و«فرنسا». وهنا وجدت المادة الخام للكراهية. إن مجموعة مقاطعي الصين ودودون بالمقارنة بمهاجمي فرنسا. كان هناك مدير لأحد المواقع ذات الأسماء الفاحشة يقود التعبيرات المتدفقة والحروف الكبيرة وعلامات التعجُّب. ويعتنق استخدام هذه الأمور الثلاثة مع عدم وجود ضبط للنفس؛ الأمر الذي من شأنه أن يزعج والدتي؛ فكتب على صفحة تُصوِّر العم سام مستخدمًا إصبع يده الوسطى لتوضيح رأيه في فرنسا، كتب يقول: «الخيانة تُغضبني!» رحتُ أتنقَّل عبر صفحاتٍ من أفكاره الدنسة، كان معظمها يشير إلى استنكار قوي للسيد شيراك وأمثاله، وعلى ما يبدو، كان أمثاله هم الشعب الفرنسي. «إلى الحمقى الفرنسيين الرائعين وشيراك: اذهبوا إلى الجحيم!» ووجدت عددًا قليلًا من المواقع التي تبيع ملصقات «قاطعوا فرنسا»، وموقعًا يُقدِّم قائمة بالشركات الفرنسية، أو التي ربما تكون فرنسية، أو التي على الأقل لديها مقر في فرنسا، وتحث الزوار على تجنُّبها، تحسُّبًا لأي شيء.

أكَّد بحثي شيئًا كنت أعرفه سابقًا عن نفسي. أنا لست شخصًا ممن يعتلون المنابر، ولست شخصًا ممن يضعون الملصقات على مُمتصِّ الصدمات. الملصق الوحيد على مُمتصِّ الصدمات في سيارتنا التويوتا هو ملصق يشير إلى عضويتنا المنتهية الصلاحية في حديقة الحيوان. كما أنني لست شخصًا ممن يناصرون المقاطعات، على الأقل ليس إذا كانت المشاركة تستلزم استخدام ملصقات مُمتصِّ الصدمات، أو علامات التعجُّب، أو إساءة استعمال الحروف الكبيرة للمشاركة في المقاطعة؛ فهي جميعًا تجيب عن سؤالٍ لم يُطرح من الأساس: ما الذي أفعله بالضبط؟

•••

حلمت بحلمي الأول عن المقاطعة. كنت في منطقةٍ بعيدة في عطلة نهاية الأسبوع في بلدةٍ جبلية يغلب على طابعها القِدَم. كان شخص ما يتزوَّج وذهبت لشراء شيءٍ أرتديه في حفل الزفاف، فتجوَّلت في متجرٍ زاهٍ مليء بالملابس الصيفية الحديثة. لم يكن هناك إلا أنا والبائعة، التي كانت امرأة شابة لافتة للنظر ذات رأسٍ مليءٍ بالشعر المجعَّد الداكن وتتحدَّث بلُكْنة مميَّزة خفيفة. كانت مرِحةً وغريبة، وسرعان ما جعلتْني أقيس جميع أنواع الأشياء. كان من الواضح أنني في مزاجٍ ملائم للشراء. جمعت كومة كبيرة من الثياب؛ أشياء فاتحة شفافة ربما لا أستطيع ارتداءها في هذا العمر وربما تُظهر جزءًا كبيرًا من كتفيَّ وساقيَّ، ولكني لم أستطع مقاومة رغبتي في قياسها رغم رفض عقلي لها. وعندما بدأت الفتاة تحسب مشترياتي، كانت هناك كومة كبيرة من الملابس على المنضدة.

حينها أدركت أنني لم أفحص أي بطاقة لمعرفة مكان صُنْع الثياب؛ فمددت يدي لإحداها ونظرت داخل الياقة. ورأيت ما كنت أخشى أن أراه، عبارة «صنع في الصين». مددت يدي وأمسكت ثوبًا آخر، ورأيت الشيء نفسه. سَرَتْ في جسدي قُشَعريرة خوف. فات أوان التراجُع عن المعاملة؛ فهذا ليس عادلًا بالنسبة إلى الفتاة التي قضت نصف الساعة الماضية في خدمتي. ماذا أقول لها؟ إنني لا أستطيع شراء الثياب لأنها مصنوعة في الصين؟ لا أستطيع قولها. ولن أقولها. ولكنني لا أستطيع كسر المقاطعة أيضًا. كانت تقترب من قاع كومة الملابس، غير مدركة أنني على وشك الخروج من المحل وعدم العودة إليه مطلقًا، إذا تمكنتُ فقط من تحريك ساقيَّ، أو ارتجال كذبة هائلة وإخبارها بأنني تركت بطاقة الائتمان الخاصة بي في السيارة، وسأعود على الفور؛ الادِّعاء الذي سيبدو خادعًا وكاذبًا حتى لو كان لديَّ الجرأة لمحاولة القيام به.

أيقظني شيء ما عند هذه اللحظة، وهكذا خرجت من المأزق. رقدت في الظلام واستمعت إلى دقات قلبي القوية حتى عدت إلى النوم.

أشار حُلمي إلى ازدواجيتي حيال مقاطعة الصين، ولكن الحقيقة هي أننا كنا سعداء الحظ في الآونة الأخيرة؛ إذ كان يمكن اعتبار شراء السلع غير الصينية حظًّا سعيدًا. وجدت جوارب ليتوانية للطفلة. وقدَّم ويس لأصدقائه في المدرسة بطاقات أمريكية الصنع في عيد الحب. واشتريت لكيفن شواية مصنوعة في بلاتاين بإلينوي للاحتفال بهذه المناسبة، وقدَّم هو لي نسخة من كتاب «شركة الصين»، وهو كتاب مطبوع في الولايات المتحدة ومليء بإحصاءات مذهلة عن الصين السريعة النهوض (تجمدتُ من الذهول بسبب الغلاف الخلفي، الذي يقول إن الصين تبني مدينة بحجم مدينة هيوستن كل شهر). اشترى كيفن حذاءً من ذات الطراز العسكري إسرائيليَّ الصنع من متجر أحذية في ولاية أيوا يبيع أحذية غير جلدية. وحصل ويس على لعبة «فرس النهر الجائع» الأمريكية الصنع مقابل تضحيته بالسيف الصيني في السيرك، كما أَحبَّ حذاءه الرياضي الإيطالي الكبير للغاية. ولم نتمكَّن من العثور على دميةٍ غير صينية لصوفي، التي بدأت في إطعام حبوب الإفطار تشيريوس لدميتها الدب، لكن أحضر كيفن في إحدى الليالي للمنزل دراجة ألمانية ثلاثية العجلات يمكنها أن تنعطف بزاوية ضيقة. لن أقول إننا بدأنا نغتَرُّ، لكننا بدأنا ندرك أن الصين ربما لا تحكم عالمنا رغم كل شيء؛ لذلك ربما تخليت قليلًا عن حذري، وربما فسَّر هذا سبب الحدث المؤسف الذي وقع في آخر هذا الشهر.

ذات مساء، وأنا أُحمِّم صوفي في الطابق العلوي، ناداني كيفن للنزول. كان واقفًا عند أول الدَّرَج حاملًا علبة صفيح صغيرة، وكان يبدو تمامًا مثل قطٍّ ابتلع فأرًا لتوِّه. كان معجبًا بنفسه كثيرًا. شعرت أن هذا لن ينتهيَ على نحوٍ جيد بالنسبة إليَّ.

فقال بصوتٍ عالٍ: «يجب أن تكوني أكثر حذرًا حيال ما تشترين.»

ضيَّقت عينيَّ، وسألت بقليلٍ من الغضب:

«ماذا يُفترض أن يعنيَ كلامك؟»

فوجَّه العلبة نحوي وقال:

«اليوسفي. هل تساءلتِ من قبلُ عن مصدره؟»

هكذا إذن، بعد مُضِيِّ أقل من شهرين فحسب على تجربتنا أخطأتُ المسار وخرجتُ عن الجسر وسقطت في مياه النهر المظلمة. لقد أوقعتْني علبة من الفاكهة الصينية للأطفال في الفخ. «اليوسفي.» هذا واضح جدًّا. كنت أشتري بضع علب في الأسبوع على مدار سنوات. من كان يعلم أن السيطرة على العالم ربما تعلن عن نفسها بعلبةٍ من مشروب الفاكهة المُحلَّى؟ مَن كان يعرف أنني كان يتعيَّن أن أظل منتبهةً في ممر المعلبات في المتجر؟

لعنت نفسي، وعدت مسرعةً إلى الحمَّام لجلب الطفلة المنقوعة في الماء وعقدت العزم على بذل مزيدٍ من الجهد. وعقدت العزم على شيءٍ آخر: أن أوقع انتقامي على الحلقة الأضعف، في الوقت الذي أختاره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠