الفصل الثالث

النهضة والصين

بدأ شهر مارس بدونالد رامسفيلد. التقيت به بطريقة لقائي نفسها بمايك جاجر ومعمر القذافي؛ في أحلامي.

في حلمي، كنت في منزل والديَّ مرتديةً رداء الحمَّام، أملأ حوض الاستحمام بالماء، عندما قرع أحدهم الباب وقال لي إن رامسفيلد قد وصل لإجراء مقابلة. لم أكن أتوقَّع مجيئه وكنت واعيةً بأنني أرتدي رداء الحمَّام، ولكني اكتشفت أن هذه هي فرصتي الوحيدة لإجراء مقابلةٍ مع وزير الدفاع؛ لذلك هُرِعْتُ إلى غرفة نوم طفولتي، التي سُتجرى فيها المقابلة. دخل رامسفيلد الحجرة، وتلاه مسئول فيدرالي غامض يُدعى جيمس ويب وزمرة من المساعدين الصارمين. كان الجميع يرتدون حُللًا داكنة. لم يسألني أحد عن رداء الحمَّام. بعد سلسلةٍ من المقدمات الرسمية، شرعت في طرح سؤال.

فجأة، أصبح الوضع صاخبًا حقًّا لأننا لم نَعُدْ في غرفة نومي القديمة، ولكن في المساحة الواسعة المفتوحة لمبنى وصول خالي في أحد المطارات. كان مبنى الوصول مفتوحًا من الناحية التي تواجه مَدْرَج المطار بينما تدور محركات الطائرات النفاثة الصاخبة دون حركةٍ على بُعد عدة ياردات فقط من مكان جلوسنا. حاولت أن أرفع صوتي فوق الضوضاء، لكن رامسفيلد وَويب أطبقا شفاههما ولم ينبسا بكلمة. ولم يستطيعا سماع أي شيء. ثم أوقفَت الطائرات محركاتها وخيَّم الصمت علينا. كان صوتي عاليًا للغاية في هذه اللحظة وأنا أُكرِّر سؤالي: هل من الجيد أم السيئ بالنسبة إلى العمال الأمريكيين أن نشتريَ الكثير من الأشياء الصينية؟

قال ويب: «هذا ليس من قبيل الصدفة. إنه قرار اتخذناه نحن الأمريكيين.» فكتبتُ هذا. ثم دخل شخص غريب في ملابس داكنة واصطحب ويب بعيدًا، وبقيت أنا ورامسفيلد فحسب. وأشار إلى أن وقت رحيله قد حان أيضًا، فعرضتُ مرافقته حتى طائرته. عندما ابتعد رامسفيلد تفحَّصتُ مظهره ولاحظت أنه أكبر سنًّا بكثيرٍ مما يبدو عليه في التليفزيون. كما لاحظت أنه كان يبدو شرقَ أوسطيٍّ على نحوٍ غامض، وأنه صبغ شعره بلون أسود غير طبيعي. وقد تحوَّل إلى أنور السادات؛ الرئيس المصري الذي قُتل على يد الإرهابيين منذ سنوات.

عندما استيقظتُ في صباح اليوم التالي، كان أول شيءٍ فعلتُه هو كتابة ما قاله ويب. وبينما كنا نحتسي القهوة، أخبرت كيفن عن حُلمي، ناقلةً كلمات ويب بجدية مناسبة، فأغفل الحلقةُ الأضعفُ الهدفَ من الكلمات.

قال بابتسامةٍ متكلَّفة: «دونالد رامسفيلد؟ إنه لا يبدو من النوع المفضَّل لديك.»

كان ينبغي أن أعرف أنه لن يأخذ الأمر على محمل الجد.

بدأت لاحقًا في التحقُّق من هوية جيمس ويب. لخَّص ويب في الحُلم بدقةٍ علاقةَ بلادنا بالصين، وكنت أودُّ أن أنسب فضل ملاحظته الذكية إلى نفسي، ولكن هل هي حقًّا ملاحظتي، أم أنها تعود إليه؟ أعتقد حقًّا أن لي حق امتلاك أي شيءٍ يقوله أي شخص في أحد أحلامي، ولكن ماذا لو كنت قد قرأت تعليقات لجيمس ويب الحقيقي عن الصين في مقالة إخبارية ما، وطفت على السطح في حلم برامسفيلد؟

لم يكن من الصعب العثور على جيمس ويب الحقيقي؛ فقد كان يملك موقعه الخاص على شبكة الإنترنت. كان وزيرًا سابقًا للبحرية، وبطلًا في حرب فيتنام، ومؤلف وصلتْ كُتُبه إلى قوائم الكتب الأكثر بيعًا، على الرغم من أنني لم أقرأ أيًّا من كتبه. في حُلمي، كان شاحبًا، يعاني من سوء التغذية، غارقًا في سترته، منحنيًا تحت ثقل حقيبته. أما جيمس ويب الحقيقي فكان له رأس مليء بالشعر ونظرة قوية، وكأنه يمكن أن يسقطك إلى الأرض بضربةٍ واحدة من يده الغليظة. يقول الموقع الإلكتروني إنه ملاكم سابق، وهذا يتلاءم مع مظهره.

يُقدِّم جيمس ويب الحقيقي تعليقاتٍ كثيرةً عن الحرب بوجهٍ عام وحرب فيتنام على وجه الخصوص، ولكن بقدر ما أرى، فإنه لم ينبس ببنت شفة فيما يتعلق بإدمان الأمريكيين للواردات الصينية؛ فخلصت إلى أن تعليقه في حُلمي هو تعليقي، أو على الأقل أن جيمس ويب الذي رأيته في حُلمي هو شخصية من ابتكاري الخاص، والحالتان سواء.

في البداية، كنت راضية تمامًا عن ملخَّص ويب الواضح الرؤية — في الحلم — عن النزعة الوطنية نحو الأشياء الصينية. كيف صاغ الأمر؟ ليس من قبيل الصدفة، ولكنه قرار اتخذناه نحن الأمريكيين. وهي عبارة تبدو من النوع الذي يمكن أن تسمعه في برنامج حواري في صباح يوم الأحد. ولكن كلما فكرت في العبارة أكثر، أزعجتني وجهة نظر ويب في الحلم للعالم على نحو أكبر. نعم، كثير من الأمريكيين — الغالبية العظمى، على حد علمي — لا يستطيعون التوقُّف عن شراء ما تبيعه الصين، ولكن هل هو حقًّا قرار يتخذونه أم أنه استسلام عام غائم العينين لإغراءات اللعب وأجهزة التليفزيون الرخيصة؟

وما نوع الإجابة التي قدَّمها ويب لي على أي حال؟ فعندما سألته عما إذا كانت الواردات الصينية جيدةً بالنسبة إلى العمال في بلدنا، أجابني بعبارةٍ غير مرتبطة بالسؤال لإخراجي عن مساري. بدا ذكيًّا للغاية حين سمعتُه للمرة الأولى، ولكن كلما فكرت فيه استطعت أن أرى أنه ضعيف ويعاني سوء التغذية، فاشل عالق منذ شهور في المذكرات البيروقراطية التي أثقلت حقيبته. وهو لا يُعبِّر عن رأيي، لم يَعُدْ كذلك على أي حال. ربما يكون الجميع يقتاتون على المنتجات الصينية، ولكني هذا العام اتخذت قرارًا آخر، وسألتزم به، وليكنْ ما يكون.

لذا تَقبَّل ذلك يا جيمس ويب؛ جيمس ويب الذي رأيته في حلمي، هكذا هي الحال.

•••

بعد ١٦ عامًا من الزواج، تعتقدين أنكِ تعرفين زوجك. ثم تعلمين أن لديه أوجُهَ قصور، فتعلمين أنه مخادع، وكثير النسيان أيضًا، وأنه لا يتورَّع عن التستُّر والمداراة. على الأقل هذا ما علمتُه عن كيفن ذات سبتٍ ربيعيِّ الطقس.

بدأ الأمر ببراءةٍ تامة. كنت أقف خارج المنزل في الجزء الخلفي، أفتش في كيسٍ من أكياس متجر هوم ديبوت البلاستيكية وأراقب الأطفال في صندوق الرمل المخصص للعب. أسفرت رحلة كيفن لهوم ديبوت في وقت سابق من صباح ذلك اليوم عن كيسٍ من الأشياء المحبطة: خرطوم أمريكي، وفوهة خرطوم تايوانية، ومجموعة من فُرَش التلوين الرخيصة للأطفال. لاحظت أن الفرش تبدو تمامًا مثل الفرش الصينية القديمة التي رأيتها في المرآب منذ بضعة أيام، فالتقطتُ واحدة من الفرش الجديدة ورأيت أن جزءًا من بطاقتها التجارية ممزق؛ الجزء الذي يشير إلى مكان صناعتها. مددت يدي لأخرى، ولكن لم تكن بطاقتها ملصقة عليها، والحال نفسها في الفُرشة التالية. رفعت عيني محدقةً في اللون الأخضر الممتد بطول الفناء وتساءلت لماذا يُكلِّف شخصٌ ما نفسَه عناء إزالة ملصقات مجموعة من فُرَش التلوين الرخيصة.

حدث ذلك عندما ظهر كيفن على مرأى بصري حاملًا كيسًا مملوءًا بالسماد يزن ٢٠ رطلًا على كتفه، وكان فمه يرسم خطًّا مجعَّدًا من العزم الرجولي. كان يقفز في خطواته بالرغم من الوزن الذي يحمله. إنه يحب طقوس التسميد الربيعي. فتح الأكياس بطعنةٍ من المجرفة وكأنه يقتل عدوًّا بحربة. وأصدر الأوامر للأطفال بالابتعاد عن طريقه بينما يفرغ الأكياس ويوزع السماد طوال بقية اليوم، مستبدًّا بالفناء مثل جنرال في الجيش.

جذبت انتباهه ورفعت فرشاة في الهواء.

وقلت له بصوتٍ عالٍ: «هل صادف أن لاحظت مكان صنع هذه الفرش؟»

كان لكلماتي تأثير فوري على ركبتَي كيفن، اللتين انثنيَتَا. بعد ذلك عانت كتفاه من مشكلة، فارتخيَتَا وأوقعَتَا كيس السماد على العشب محدثًا صوتًا مكتومًا. بدأ جسده يهتز وانحنى واضعًا يديه على ركبتيه. واعتقدت للحظةٍ أنه مريض، ولكن بعد ذلك رفع وجهه، وفتح فمه، وابتسم ابتسامة عريضة.

ثم قال دون تفكير: «الصين» كان يضحك بشدةٍ حتى إنه لم يستطع التحدُّث، وحدقت أنا به من مكان وقوفي.

قال لي بعد بضع دقائق وهو يفرك عينيه بأصابعه: «كنت سأعترف. ولكني فكرت أنك ستجعلينني أعيدها.»

وقال إنه لم يفكر في منشأ الفُرَش إلا عندما كان خارجًا في موقف سيارات هوم ديبوت بينما كانت صوفي تبكي بشدةٍ في المقعد الخلفي للسيارة. عندها فحص الملصقات واكتشف أن الفُرَش صينية، فقرَّر أنه لن يصطحب طفلة سيئة المزاج مرةً أخرى إلى المتجر أبدًا من أجل إعادة الفُرَش التي تُكلِّف ٥٩ سنتًا لكلِّ منها؛ لذلك وقف بجانب السيارة وأزال الملصقات، واحدًا تلو الآخر، وصوفي تصرخ بصوتٍ يعلو تدريجيًّا.

«كنت آمل ألا تلاحظي.»

فرددت: «بالطبع كنت سألاحظ.»

كان الضحك قد انتهى، وبدا القلق عليه.

«ماذا يُفترض أن أفعل الآن؟ هل ستجعلينني أعود إلى المتجر؟»

قلت: «لن أجعلك تفعل أي شيء. سيكون عليك التعايش فحسب مع ضميرك. لا تَدَعْ ذلك يحدث مرةً أخرى.»

أومأ برأسه دونما اقتناع، ورفع كيس السماد مرةً أخرى على كتفه، وتوجَّه نحو الزهور، ثم بدأ يُصفِّر.

لا ألوم كيفن على مواجهته المستمرة بالمنتجات الصينية، فقد واجهتُ سيلًا من المفاجآت الصينية في الأيام الأخيرة: وجدت شوكولاتة صينية على شكل باربي تحتل ٩٠ بالمائة من رف الصيدلية. واكتشفت أن منشورًا تسويقيًّا لشركة جيه كرو يبيع فساتين زفاف صينية. وكل بيض عيد الفصح البلاستيكي والأرانب المحشوَّة في ممر هدايا العيد في محل البقالة يحمل ملصق «صنع في الصين». أعلم ذلك لأنني تحقَّقت منها جميعًا.

مع ذلك، ضَحِكُ كيفن المحيط بفُرَش التلوين الصينية مثيرٌ للقلق لأن الشعور بالذنب ربما يكون أفضل سلاحٍ لديَّ في محاولة إبقائه ملتزمًا لبقية العام؛ فالتذمُّر المستمر لن ينجح بالتأكيد. وإذا ضغطتُ عليه بقوة شديدة، فسوف يقاوم كيفن بقوة أكبر. إنني لا أجرؤ على إفساد مقاطعة شخصٍ ما للصين، ولكن كيفن قد يفعل. في الواقع، لقد فعل ذلك للتو؛ فإذا بالغت في أفعالي فلن تنتهيَ المشكلة، وستزداد عمليات شراء المنتجات الصينية غير المشروعة. على الناحية الأخرى، إذا تساهلتُ معه كثيرًا، ولم توجد أي عواقب لسوء سلوكه، فربما يُغوَى بغِشِّي مرةً أخرى. كنت أتمنى لو أنه كان يخاف قليلًا مني، لكنني لست متأكدةً من كيفية تحقيق هذا حتى بعد الوصول إلى هذه المرحلة، بعد مرور ١٦ عامًا على زواجنا. قرَّرت أن أبدأ فحص الملصقات الموجودة على مشترياته سرًّا، بالطريقة نفسها التي تتفحَّص بها بعض الزوجات ياقات أزواجهن بحثًا عن أحمر شفاه.

•••

قلت لكيفن: «قل لي إنك تختلق هذا. قل لي إن هذه مجرد مزحة سيئة.»

رد كيفن: «لماذا؟ أنا لا أشعر بالحرج. أنا واسع الحيلة.»

قلت: «أنت تبدو سخيفًا.»

فقال: «أنا أبدو رائعًا.»

بعد ظهر يومٍ حارٍّ في منتصف مارس، عاد كيفن إلى البيت من العمل مختلفًا. ما تغيَّر كان وجهَه، الذي حشر عليه بالقوة نظارة شمسية للأطفال. ليست نظارة شمسية للأطفال فحسب؛ إنما نظارة شمسية لفتاة صغيرة. كان لونها ورديًّا صارخًا وأسود، وكانت كلمة «براتز» Bratz محفورةً فوق إحدى العدستين، في إشارة إلى الدمى ذات الابتسامات المتكلَّفة المصنوعة في الصين وبرنامج الأطفال المبني عليها. لا بد أن رأس كيفن كان يقتله ألمًا جرَّاء ضغط إطار النظارة على صُدْغَيه، ولكنه مال إلى العصيان عندما اقترحتُ أن يخلع النظارة فورًا ويرميَها في سلة المهملات. أسوأ ما في الأمر ليس النظارة؛ إنما إخباره لي أين وجدها: في سلة المفقودات في مدرسة الأطفال التمهيدية، إلى جانب ورقة تسجيل الدخول الخاصة بالآباء.

فسألته: «إذنْ سرقتها؟»

فقال: «لقد كنت أراقبها. لقد كانت في هذا المكان لعدة أشهر، ربما لعام. إنها ليست نظارة شمسية ضائعة. إنها لا تخصُّ أحدًا.»

بدأ سقوط كيفن في الجرائم الصغيرة بفقدان نظارته الشمسية الإيطالية الأسبوعَ الماضي. شعر باكتئابٍ لعدة أيام بعد أن اكتشف أنها مفقودة. كان يمتلكها لمدة عَشْر سنوات، وكان يَدَّعي أنها تجعله يبدو مثل توم كروز في فيلم «توب جَن». كان يعلم أن الاستعاضة عنها بأي شيءٍ غير النظارات الشمسية الصينية سيكلفه كثيرًا على الأرجح، وكنا نعاني نقصًا في المال في الآونة الأخيرة. وتهلَّلتْ أساريره في الأيام القليلة الماضية بعد أن بدأ صديق في العمل تقديم نصيحة فلسفية عن مأزقه. صديق كيفن أخبره أن الناس لا يفقدون نظاراتهم الشمسية، بل يضعونها في حقيبةٍ مجازية للأشياء الضائعة تمتد في جميع أنحاء العالم. لم يفقد كيفن نظارته الشمسية الإيطالية، ولكنه ببساطةٍ تبرَّع بها للحقيبة، كما يقول صديقه. سوف تظهر نظارة أخرى — نظارة تبرَّع بها شخص آخر — قريبًا. وأصرَّ صديقه أنه عندما يحدث ذلك، يجب ألا يتردد كيفن في أخذها.

أكَّد صديقه له قائلًا: «أحد طلابك سيترك نظارة شمسية في صفك. هذه ستكون نظارتك الشمسية التالية.»

والنتيجة النهائية لهذا التفكير المشبوه هي البشاعة التي تقف أمامي في ظهيرة هذا اليوم في المطبخ؛ رجل يبلغ من العمر ٤٦ عامًا يرتدي نظارة شمسية تُناسب رأس طفل رضيع.

قلت: «دعني أَرَها.»

راودَتِ الشكوكُ الرجلَ من وراء النظارة.

سألني كيفن قائلًا: «لن تكسريها، أليس كذلك؟»

فأعطاني إياها على مضضٍ ونظرت نظرة سريعة داخل الإطار. إنها صينية، كما كنت أظن، لكن كيفن يعرف القواعد، فالهدايا والنُّفايات والأشياء المستعمَلة المقدّمة من الآخرين الصينية الصنع لا بأس بها، فأعطيته إياها مرةً أخرى.

ثم قلت: «آمل ألا ترتديَها علنًا. على الأقل يمكنك أن تفعل ذلك من أجلي.»

ردَّ كيفن: «بالطبع سألبسها في العلن. ليس لديَّ أي نظارة شمسية أخرى. في هذه اللحظة هذه هي نظارتي الشمسية.» وذكَّرني أنه بِناءً على أوامر الطبيب فإنه يرتدي النظارة الشمسية كلما كان في الخارج لأنه يعاني من ورمٍ في عينه، نتيجة قضاء وقت طويل في الشمس في طفولته.

قال بينما يدفع النظارة للخلف فوق أنفه: «إنني فعلًا «بحاجة» إلى نظارة شمسية.»

وبعد يومين كنا في المطبخ وكان موضوع المحادثة مرةً أخرى هو النظارةَ الشمسية.

قلت له: «قل لي إنك لم تتعارك مع كارولين حول تلك النظارة الغبية.»

قال كيفن: «لم يكن عراكًا. إنما كان جدالًا. وعلى أي حال، لقد ربحتُ.»

فصحت في وجهه معترضة:

«بالطبع، ربحتَ؛ فكارولين تبلغ من العمر أربع سنوات.»

كارولين إحدى زميلات ابننا ويس في المدرسة التمهيدية، وهي شقراء عنيدة تمتلك حوالي مليون شريط في شعرها ومثلها من الآراء. واليوم عندما انضمَّ كيفن إلى ويس في الكافيتريا لتناول الغداء، كان الرأي الذي شاركتْه كارولين مع جميع الجالسين إلى المنضدة أن والد ويس هو سارق النظارة الشمسية. كان كيفن وضع النظارة الشمسية الوردية والسوداء في جيب قميصه بينما ينحني على صحن قطع الدجاج وكوكتيل الفواكه، والسبب في ذلك كما قال لي لاحقًا «تحسُّبًا من أن يتعرَّف عليها شخص ما» إلا أن كارولين كان لها عينا نسر.

صاحت بصوتٍ عالٍ: «هذه هي نظارة كاثرين الضخمة.»

قال كيفن: «لا، إنها ليست نظارتها.»

قالت: «كلا، إنها نظارتها.»

فرد متكررًا: «لا، إنها ليست كذلك.»

فأشارت بإصبعها نحوه من الجهة المقابلة على المنضدة قائلة: «يجب ألا تسرق يا سيد كيفن.»

فقال كاذبًا: «أنا لم أسرق.»

فردت: «كلا، فعلت. لقد سرقت نظارة كاثرين الضخمة الشمسية.»

«لم أفعل.»

«بل فعلت.»

فقاطعتُ كيفن رافعة يدي في وجهه: «توقف. لا أستطيع تحمُّل سماع المزيد عن هذا.»

بدا كيفن كما لو أنه يستطيع تحمُّل المزيد من هذا. أكثر بكثير، فكان يبدو سعيدًا للغاية بنفسه. ثم فكرت في شيءٍ ما وبدأ رأسي يدور. كنت مضطرةً إلى الميل نحو الطاولة من أجل الاستناد عليها. لقد تذكَّرت للتو كاثرين الضخمة. كانت ضخمة الحجم؛ لذا غادرت المدرسة التمهيدية في العام الماضي للذهاب إلى روضة الأطفال، وهذا يفسر لماذا قبعت النظارة الشمسية الوردية والسوداء في سلة المفقودات ولم يطالب بها أحد لعدة أشهر.

إذنْ كانت كارولين مُحِقَّة؛ والد ويس سرق بالفعل نظارة كاثرين الضخمة الشمسية.

•••

لا يوجد مكان يُسمَّى «صين ما وراء المحيطات» و«صين عبر المحيطات»؛ فقد بحثت عن هذين المصطلحين في كتاب «حقائق العالم» الذي تُصدِره وكالة المخابرات المركزية، فقط للتأكُّد، لكنهما وهميتان مثل الساحر أوز. ومع ذلك، وجد كيفن عشراتٍ من النظارات الشمسية الرخيصة في محل البقالة تزعم ملصقاتُها أنها مصنوعة في هذين المكانين على وجه التحديد.

وقال لي: «أدركت أنها كانت مجرد أسماء خيالية للصين. لا يمكنهم خداعي.»

أشعر بالفخر بكيفن لأنه قاوم النظارات الشمسية؛ حيث كان بإمكانه القول إن شراء شيءٍ من صين ما وراء المحيطات أو صين عبر المحيطات لا يتعارض من الناحية الفنية مع مقاطعة الصين. كانت قوة إرادته مثيرةً للدهشة؛ لأنه كان في أَمَسِّ الحاجة إلى نظارة شمسية مرةً أخرى بعد التنازل عن النظارة الوردية السوداء غير الشرعية؛ فقد تدمَّرت ذاتيًّا، بعد يوم واحد من عراكه مع كارولين؛ إذ انكسرت النظارة الشمسية لأنها لم تكن ملائمة للرأس الضخم للرجل البالغ الذي كان يرتديها. أمسكت لساني عندما وضع كيفن القطع المكسورة بازدراء على طاولة المطبخ.

ثم سألني: «هل أنتِ سعيدة الآن؟»

فرددت في نفسي، نعم، سعيدة للغاية.

وجدت حلًّا قصير الأجل لمعضلة نظارات كيفن في صندوق في العِلِّيَّة: نظارة جليد كان قد اشتراها قبل سنواتٍ عندما كنا نضع خططًا لنصبح متسلقي جبال. لم تتخطَّ طموحات تسلق الجبال لدينا قط شراء نظارات الجليد وأحذية التسلق القوية، ولكن النظارة اكتشاف مفيد الآن، تحت سماء مارس البيضاء التي تلسع مثل الحامض في العين غير المحمية. تتكوَّن نظارة الجليد من عدستين مستديرتين ضخمتين لونهما أسود غير شفاف وغمامتين جلديتين على الجانبين. عندما ارتداها كيفن، كان يشبه حصان جر العربات القديمة الطراز. وابتهج عندما أدرك أنه يجذب إليه أنظارًا فزعة عندما يرتديها وهو يركض حول البحيرة في منطقتنا.

«يظنني الناس أعمى؛ لذا تدهشهم رؤيتي وأنا أجري. وعندما أعرف أنهم ينظرون إليَّ، أسرع في الجري.»

مع ذلك، لم تكن نظارة الجليد بديلًا مثاليًّا للنظارة الإيطالية المفقودة؛ فهي ثقيلة للغاية حتى إنها سبَّبتْ ألمًا في رأس كيفن بعد ٢٠ دقيقة. كما أن الغمامتين الجلديتين تعوقان رؤيته المحيطية؛ ما يُسبِّب الخطر عند قيادة السيارة؛ إذ يجب عليه أن يلتف برأسه لفة كبيرة من جانبٍ إلى آخر للتأكُّد من أنه لا يغير حارته المرورية أمام شاحنة كبيرة أو يقطع الطريق على شخصٍ ما. لم تكن لدى كيفن مشكلة في أن يُشبه الحصان، ولكن لا يمكن الالتفاف حول حقيقة أن هذه النظارة مخصصة للسير في المناطق الجليدية، وليس في ضواحي المدن.

لذلك قمت بواجبي كزوجة، وعمدت إلى إنقاذ عينَي كيفن. قُدتُ سيارتي إلى المركز التجاري للبحث في رفوف الإكسسوارات، وهي الرحلة التي تحوَّلت إلى مناسبة أخرى للأفكار المزعجة عن سيطرة الصين على العالم، أو على الأقل على المركز التجاري. تفحَّصت أكثر من ٦٠ نظارة شمسية، ولكنها جميعًا كانت صينية. وعندما عُدتُ إلى المنزل، وجدت كثيرًا من النظارات الشمسية الأمريكية والإيطالية المتاحة للبيع عبر الإنترنت، لكني أجفلت من الأسعار، التي بدا أنها تبدأ من ١٥٠ دولارًا. عندما اشترينا النظارة الشمسية الإيطالية لكيفن كنا صغارًا وطائشين، وليس لدينا أحد نقلق عليه سوى أنفسنا. لسنا أكثر ذكاءً الآن، ولكن الرسائل المزعجة من الدائنين تنسلُّ من فتحة البريد كل يوم؛ مما يوهن طموحاتنا في العيش حياةً رغدة. ليس الأمر أننا لم نَعُدْ نطمح لارتداء نظارات شمسية إيطالية، ولكن ما يمكننا تحمُّل تكلفته هو النظارات الصينية. رأيت أن وجهة نظر صديق كيفن في العمل ربما ليست سيئةً في النهاية، وأنه ربما ينبغي أن ينتظر كيفن ظهور نظارة أخرى من حقيبة الأشياء الضائعة العالمية حتى يتمكَّن من مساعدة نفسه، دون تكلفة.

سكرتيرة قسم كيفن أنقذته؛ ففي صباح أحد الأيام دلف إلى مكتبه في الجامعة ووجد نظارتين شمسيتين قابعتين على مكتبه.

قال تحسبًا لتفكيري في الاعتراض: «إنهما صينيتان، ولكنهما هدية. اشترتهما السكرتيرة بدولار للواحدة من متجر يبيع كل شيءٍ بدولار واحد بعد أن سئمت من الاستماع إلى تذمُّري.»

إنني ممتنة أنها قررت إنفاق دولارين؛ ففي أحد الأيام لم أتمكَّن من العثور على نظارتي الشمسية الإيطالية، التي كانت باهظة الثمن مثل نظارة كيفن. وبحثت في حقيبتي والسيارة ثم في حقيبتي مرةً أخرى، ولكنها ضاعت، على ما يبدو إلى الأبد. وجدت النظارة الإضافية بثمن دولار واحد التي اشترتها سكرتيرة قسم كيفن على طاولة المطبخ، وارتديتها على وجهي. وتفحَّصت انعكاس صورتي على نافذة المطبخ. كانت العدسات كبيرةً على نحوٍ غير أنيقٍ والإطار مخلخلًا؛ فتكاد النظارة تسقط عن وجهي إذا قمت بأدنى حركة برأسي، فخلعتها ووضعتها من جديد على الطاولة. قرَّرت أنْ أسير مغمِضةً نصف عينَيَّ خلال فصل الربيع، وآمل أن تجلب لي تلك الحقيبة العالمية للنظارات الشمسية المفقودة نظارة لطيفة كبديل، قريبًا.

•••

انسلَّ شيء صيني إلى المنزل في إحدى ليالي أواخر مارس. كان على الأقل يبدو وكأنه شيء من الصين. كنت جالسةً على حافة حوض الاستحمام أُجفِّف شعر صوفي، عندما لاحظت خصلة داكنة أعلى رأسها، ففركتها بالمنشفة؛ مما تسبَّب في موجةٍ من الاعتراض. ثم ألقيت نظرةً أخرى.

كانت في فروة رأسها الوردية شعرة سوداء تحيط بها خصلات بلاتينية اللون. فركتُ الشعرة السوداء مرةً أخرى، فقط للتأكُّد من أنها متعلقة حقًّا في رأسها. ثم ناديت كيفن ليَحضُر على عجل ويُلقيَ نظرة على الطفلة، التي اعترضت على هذا التدقيق في رأسها. جاء كيفن على مَهَل، غير مُبالٍ.

قلت مكررة: «أترى هذا؟ أترى هذا؟» بينما أتصارع مع الطفلة التي تتلوَّى.

فضيَّق عينيه وأومأ برأسه. ظهر ويس عند الباب فلوَّح كيفن له ليأتي، ثم أفسح المجال أمامه للحصول على رؤيةٍ أوضح.

فقال لويس: «إن الصين تنبت في رأس أختك.»

حدَّقنا جميعًا في فروة رأس صوفي لعدة ثوانٍ. ثم اكتفى رجلا الأسرة وخرجا من الحمَّام. لا يمكنني التعافي من الصدمة بهذه السرعة. تركت صوفي تذهب عارية حتى أتمكَّن من الجلوس على حافة حوض الاستحمام لبُرهة. لقد كنت أبذل جهدي لإخراج الصين من المنزل ولكن ها هي الصين، على ما يبدو وجدت طريقًا للدخول مرةً أخرى، مُذكرةً إياي بامتلاكها بضع قطرات من الدم الذي يجري في عروقي، وفي عروق صوفي أيضًا. بدا أن الصين تقول لي: «يمكنك حظري من أكياس التسوق البلاستيكية، ولكن لي الحق في الوجود هنا. لا يمكنك التخلُّص مني بهذه السهولة.»

لم يسبق لي أن آمنت بالعلامات أو الأشباح أو النذر، لكني أتساءل الآن إن كان ينبغي إعادة النظر في موقفي بشأن هذه الأمور أم لا.

في صباح اليوم التالي، هاتفت أخي الأكبر، وهو عالِم أحياء. سألته هل يعتقد أن الشعرة السوداء صينية من الناحية الوراثية أكثر من شعرات الطفلة الأخرى. سمعته يأخذ نفسًا عميقًا.

ثم قال متنهدًا: «جميع شعراتها لها الشفرة الوراثية نفسها، بصرف النظر عن لونها؛ فاللون لا علاقة له بالأمر.»

«إذن، ما الذي جعلها تُنبت هذه الشعرة السوداء من لا شيء؟»

رد قائلًا: «يمكن أن تكون شعرة متحوِّلة جينيًّا، ولكن ربما لا يكون لهذا أي علاقة بسَلَفٍ صيني. ربما هذا ما هي عليه؛ شعرة متحوِّلة جينيًّا.»

كان يتحدَّث بثقة، ولكنني لست متأكدةً من أنه على حق. وذكَّرت نفسي أنه عالِم أحياء «بحرية»، ذو اهتمامٍ خاص بالشِّعاب المرجانية البحرية، والشَّعر خارج مجال تخصُّصه. كما أنني لست متأكدةً أيضًا من أنني أحببت طريقة إطلاقه كلمة «متحوِّلة» في مناقشة أمر ابنة أخته. وقد أصابني التشتُّت بسبب معضلةٍ أكبر تتعلق بشعرة صوفي الصينية؛ لأن هذا هو ما حدَّدته، رغم رأي أخي المخالف لذلك. كنت بحاجةٍ لأقرر ما إذا كنت سأقتلعها أم لا، فإذا ما تركتها حيث هي فربما تسقط أثناء مشاجرةٍ مع طفل آخر في الملعب ولن يعتقد أحد أنها كانت متصلةً برأس صوفي في أي وقت.

مع ذلك، كانت رؤية الشعر الأسود ينمو وسط خصلات صوفي الشاحبة من الأشياء التي تتوقَّع عادةً أن تجدها فقط في كتابٍ طِبي أو كتاب «جينيس للأرقام القياسية العالمية». وإزالتها من بيئتها الطبيعية يبدو أمرًا مؤسفًا. قررت اتخاذ مسار آخر وأنا أُشكِّل رأيًا عن نتْفها؛ سوف أجمع شهودًا.

قالت جارتي بعد أن اصطحبتُ صوفي إلى منزلها وأريتُها رأس الطفلة: «هذا مذهل. بالتأكيد يجب عليك اقتلاعها.»

وقالت أخت زوجي التي كانت محطَّتَنا التالية: «لم أرَ قط شيئًا مثل هذا. يجب عليكِ تركها.»

قالت والدتي بعد وصولها من كاليفورنيا لزيارتنا: «لا أستطيع أن أرى أي شيء.» كانت تجلس على الأريكة واضعةً صوفي في حِجرها ومباعدةً بين شعيراتها بإصبعها، وكانت عيناها متضخِّمتين بسبب النَّظَّارة. «أعتقد أنكِ تختلقين الأمر.»

جعلتْني أمي أتسرَّع في قراري؛ فقررت نتْفها. وبعد سحبةٍ سريعة، وضعتُ الشعرة في كيسٍ بلاستيكي وحشرتُها في رفِّ كُتُبٍ في مكتبي. إنه شعور مروِّع وسخيف، وبالتأكيد لست معتادةً على القيام بهذا الأمر، ولكني قلت لنفسي إنه من نوع الأشياء التي تُفعَل مرةً واحدةً في الحياة ومن الغرائب العلمية، فضلًا عن كونه أمرًا من سخرية القدر في ضوء مقاطعتنا. بدا السيد تشانج دائمًا جزءًا غامضًا من التاريخ القديم، ولكن ها هو بشحمه ولحمه — إذا جاز التعبير — يُنبت نفسه من فروة رأس صوفي بهتاف فرحٍ أخير. لن نرى أي شيءٍ من هذا القبيل مرةً أخرى.

بعد بضعة أيام، وجدتُ شعرة صينية أخرى في شعر صوفي، سوداء وواضحة كالأولى؛ فقرَّرت ترْكها وشأنها. لقد حصلتُ على دليلي. هذه المرة، يمكن للسيد تشانج أن يحظى بمُتعته.

•••

ثَمَّةَ فوائد للعيش دون المنتجات الصينية؛ فقد مرَّت أسابيع دون الشعور بعذاب الخطو على لعبةٍ صينية ذات حوافَّ صُلبة بِقَدَمِي عارية، وهو الإحساس الذي كنتُ أشعر به عادةً مرةً واحدة على الأقل في الأسبوع وأنا أمشي بسرعةٍ عبر غرفة المعيشة. ثَمَّةَ فوضى أقل في المنزل؛ حيث إنه بعد أن جمعتُ اللعب القديمة والملابس ووضعتها في سلة التبرعات لم أُعبِّئ المكان مرةً أخرى بالبضائع الصينية الجديدة. وشعرت بالقوة عندما اكتشفت أنني لست مقيَّدة تمامًا عن شراء المنتجات من أجل التمتُّع بعيد الفصح؛ فاشتريت بيضًا مكسيكيًّا مليئًا بقصاصات النثار ويأتي في صندوقٍ مغطًّى بعباراتٍ مشجِّعة مثل «قل لا للمخدرات»، و«قل نعم للتعليم». كان لدينا لعبة مطاردة بيض عيد الفصح ببيض مكسيكي وبعض من البيض البلاستيكي الصيني المتبقي من العام السابق. كان عيد الفصح — أول عطلة دون منتجاتٍ صينية في هذا العام — ناجحًا.

مع ذلك، واجهتُ مشكلةً جديدة تتعلق بالمقاطعة؛ إذ لم أكن أستطيع الرؤية في الليل عندما كنت أعمل في مكتبي؛ فقد انطفأ مصباح مكتبي القديم، وبسبب نقص المصابيح في منزلنا، لم يكن لديَّ مصباح بديل لنقله من غرفةٍ أخرى ليأخذ مكانه؛ لذا ظَلِلْتُ جالسةً في الظلام في الليل بينما أسعى جاهدةً للوفاء بموعد نهائي وأعتمد على وهج شاشة الكمبيوتر في تسليط الضوء على أوراقي. جرَّبتُ سلسلة من الحلول، منها التركيز المكثَّف بعيني وإسناد مصباح يدوي إلى بعض الكتب بحيث يُلقي شعاعه على دفتري، ولكن هذه الحلول غير مُرضية على الإطلاق. أحتاج إلى مصباح، والمصابيح مصنوعة في الصين، أو هكذا عرَفتُ بعد بضع جولاتٍ كئيبة في المتاجر المحلية في وقت ما بعد الظهيرة.

ثم حدثت معجزة صغيرة وأنا أُقلِّب بِكَسَلٍ صفحات منشور تسويقي في صباح أحد الأيام؛ إذ لمحتُ مصباحًا لطيف المظهر ذا سعرٍ معقول. كان وصفه يفتقد الكلمة الواشية «مستورد»، التي تعلمت أنها كلمة المنشور التسويقي المرادفة لعبارة «صنع في الصين»، فطلبتُ رقم خدمة العملاء وسألتُ عن بلد منشأ المصباح.

أخبرني مندوب خدمة العملاء: «الولايات المتحدة الأمريكية.»

كادت سماعة الهاتف تقع من يدي.

ثم قلت: «سوف أشتريه.»

المصباح عادةً ليس سببًا للاحتفال، ولكني قفزت من كرسي مكتبي وتوجهت مسرعةً إلى الباب الأمامي بعد بضعة أيام عندما دخلتْ شاحنة بُنِّيَّة تابعة لهيئة البريد الأمريكية إلى مكان إيقاف السيارات أمام منزلنا. وفي الداخل، مزقت الصندوق لفتحه ونثرت حبوب الستيروفوم في جميع أنحاء أرضية غرفة المعيشة. ولكن الشيء التالي الذي رأيته أوقفني فجأة. كان يوجد داخل الجزء العلوي من الصندوق كيس بلاستيكي شفاف يحتوي على قطعة رقيقة من المعدن المنحني. وعلى الجانب الخارجي من الكيس، كان مكتوبًا بحروف سوداء كبيرة عبارة «صنع في الصين». أُحْبِطت قليلًا. بل أُحبِطت جدًّا.

جثمت للتحقُّق من الجانب الخارجي للصندوق. كان مكتوبًا «صنع في الولايات المتحدة الأمريكية». حسنًا، ليس تمامًا، على ما أعتقد. وبقلبٍ مُثقَل زحفت في أرجاء أرضية غرفة المعيشة لجمع قطع الستيروفوم حتى أستطيع أن أعيد تغليف الصندوق. وكتبت على قسيمة الارتجاع أنني أعيد المصباح لأنه لا يُطابِق الوصف؛ إذ إنه وُصِف بأنه أمريكي. ثم دفعت الصندوق بجانب الباب الأمامي حتى أستطيع أن أعيد إرساله في وقت لاحق من هذا الأسبوع، فلست أملك القوة لإعادته في هذه اللحظة.

مرت بضعة أيام. وبقي الصندوق في مكانه بجوار الباب. وأصبح مكانًا مناسبًا لرمي البريد غير المفتوح وسُترات الأطفال. كنت أقول لنفسي إنني ليس لديَّ وقت لإعادته، ولكن الحقيقة هي أنني كنت أتساءل إن كان ينبغي إبقاء هذا الشيء. ربما كان استخدام الأجزاء الصينية هو السبيل الوحيد أمام الشركة التي صنعت المصباح — أو معظم المصباح على أي حال — لتستطيع تقليل التكاليف والاستمرار في العمل. ربما من دون قليل من العناصر الصينية هنا وهناك ستُفلس الشركة تمامًا، أو تنتقل إلى الصين وتقيم مشاريعها التجارية هناك، مثلما يفعل الآخرون جميعًا.

«احتفظي به!» قالها كيفن الذي كان يستمع بنفاد صبرٍ إلى حديثي.

لا يمكنه التأثير على قراري، لكنني أعرف مَن يستطيع. بحثت عن رقم هاتف صانع المصباح في لوس أنجلوس، وطلبته لأشرح مأزقي. تشكَّك الرجل في الشركة التي صَنَّعَت المصباح في البداية، لكنه بعد ذلك تحمَّس وأعطاني درسًا سريعًا في المصابيح، فقال لي إنه كان يوجد مئات من صُنَّاع المصابيح الأمريكيين منذ عقد أو نحو ذلك، منهم ٤٠ أو أكثر في جنوب كاليفورنيا وحدها. واليوم، لا يمكنه ذكر سوى أربعة أو خمسة في البلد بأكمله، هذا وَفْقَ قوله.

وأضاف: «يرجع السبب إلى الصين بنسبة ١٠٠ بالمائة تقريبًا.»

وبقيتْ شركتُه لأن أسرة كانت تملكها — وليس مساهمين منتظرين للأرباح — ولأنها متخصصة في المصابيح الكبيرة التي لا يمكن نقلها بسهولةٍ في حاويات البضائع. وقدَّم لي تقرير حالة عن شركات المصابيح المتبقية في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن شركة راقية في ميامي «أُكِلَت حِصَّتُها السوقية عن طريق الصينيين» الذين يُعَدون ماهرين في النُّسَخ المقلدة الرخيصة. وسألتُه عن الجزء الصيني في صندوق مصباحي، فأخبرني بأن ذلك يرجع إلى العدد الكبير من المصانع التي أُغلِقَت؛ إذ لم تعودي قادرةً على الحصول على مكوناتٍ أمريكية الصنع. وأشار أنه على سبيل المثال لم تَعُد مفاتيح الإضاءة تُصنَّع في الولايات المتحدة على الإطلاق.

وأضاف: «عند مرحلةٍ معينة ستُضطرين لابتياع القطع من الخارج.»

أنهينا المكالمة، وجلست أفكِّر في المصابيح. ربما ما سأقوله ليس كشفًا بالغ الأهمية، ولكن من الغريب التفكير في أنه لم يَعُد يوجد مصباح أمريكي الصُّنع، على الأقل ليس بالمعنى الدقيق للكلمة. ربما كان المصباح القابع في الصندوق بجوار الباب على الأرجح مصباحًا أمريكيًّا إلى أقصى درجة ممكنة في الوقت الراهن، ولكنه — كما هي حال ابنتي صوفي — منتج مختلط؛ حيث تسهم الصين بأجزاء أساسية فيه. وشعرت بالشعور الحزين نفسه عندما أدركت أن أحذية التنس الأمريكية أصبحت من الماضي. شعرت بشيءٍ ينسلُّ من بين يديَّ، لكنني لست متأكدة من ماهيته.

احتفظتُ بالمصباح. وقرَّرت أن عبارة «صنع في الولايات المتحدة الأمريكية» على الصندوق الخارجي تتفوَّق على عبارة «صنع في الصين» الموجودة في الداخل. وهو ليس قرارًا مُرضيًا تمامًا. كنت أتمنى لو كان لديَّ كتاب لقواعد المقاطعة أسترشد به؛ لأن إحدى مشكلات وضع القواعد ارتجالًا أثناء خوض المقاطعة تتمثَّل في أنك لا تتأكد أبدًا مما إذا كنت تتخذ القرار بسبب ملاءمته للموقف أم بسبب قناعاتك. وفي كلتا الحالتين، لا يوجد وقت لأُسهب في التفكير عن المصباح؛ فكيفن يُهدِّد بالتمرُّد بعد فقدان النظارة الشمسية البديلة التي أحضرتْها سكرتيرته. وقدَّم إعلانًا يُنذِر بالخطر؛ فأشار إلى أنه يريد شراء حوض سباحة قابل للنفخ يوضع في الفناء الخلفي للأطفال. إنه لم يقل فحسب إنه «يريد» شراء حوض سباحة لهم، ولكنه «سيشتري» حوض سباحة لهم، وهي عبارة لا تُحمَد عقباها إذا كنت تعلم — مثلي — مِن أين تأتي أحواض السباحة القابلة للنفخ هذه الأيام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠