الفصل السادس

أمهات الاختراع

في رحلةٍ إلى متجر أدوات الأعمال الحرفية تعلمت أمرَين عن يوم عيد الاستقلال في الرابع من يوليو: أنه يبدأ في شهر فبراير، وأنه صيني مثل الكريسماس تمامًا.

توقَّفتُ محدقة كالبلهاء في صفوف البضائع الحمراء والبيضاء والزرقاء بمجرد أن وطئت قدمي مدخل المتجر، إنه عرض مذهل: دُمًى تُمثِّل عيد الاستقلال، وأضواء متدلية بثلاثة ألوان، وفناجين قهوة، وأوانٍ للزهور، وأكاليل زهور تُعلَّق على الأبواب، ومزهريات، وبرطمانات كعك، وتماثيل حيوانات سيراميكية، وشمعدانات، ومفارش للمائدة، وأعلام أمريكية تُرفرف على نحوٍ غير منتظم على الرفوف التي تصل إلى ارتفاع ١٢ قدمًا نحو السقف ذي البلاط الأبيض الذي يعلوني.

ما بعد ظهيرة هذا اليوم بالتحديد، يكون حب الوطن متاحًا بأسعار تصفية؛ فاللوحات المثبَّتة على الرفوف في مستوى العين تشير إلى تخفيضاتٍ على البضائع بنسبة ٥٠ بالمائة. وقفت منغمسةً في المشهد. وفي وقتٍ لاحق، وجدت مساعِدة المدير التي أخبرتْني — عندما سألتُها — بأن بضائع عيد الاستقلال تُعرَض على الرفوف بعد عيد الحب مباشرةً. كنت هنا قبل بضعة أسابيع ولكني لا أتذكَّر أي شيءٍ من هذا. لا أعرف كيف أمكنني أن أغفل عنها.

أوضحتْ مساعِدة المدير قائلة: «إننا نعرض بضائع عيد الاستقلال مع بضائع عيد الفصح. ثم بعد عيد الفصح تبقى فقط بضائع عيد الاستقلال.»

فسألتُها: «إلى متى؟»

فأجابتني: «حتى يحين وقت بضائع الكريسماس.»

«ومتى تظهر بضائع الكريسماس؟»

«في يوليو.»

«هل يتسوَّق الناس حقًّا بضائع عيد الاستقلال الموافق الرابع من يوليو في فبراير، وبضائع الكريسماس في يوليو؟ هل يشعرون حقًّا أنهم يريدون شراءها؟»

فقالت مبتسمة: «أوه، نعم؛ فعجلة المشتريات دائرة.»

توجَّهتُ مرةً أخرى إلى قسم عيد الاستقلال لإلقاء نظرةٍ فاحصة. كنت أتوقَّع تفشيًا للبضائع الصينية، وقد صدَقتْ توقُّعاتي على الأرجح، رغم وجود استثناءات؛ فكان يوجد حامل مناديل من الفلبين، وأقواس كبيرة الحجم وعِصِيٌّ بلاستيكية مضيئة من المكسيك، ومراسيم (أوراق رسم مفرغة) تايوانية تسمح لك بكتابة USA ببلورات السكر على قمة الكعكات الصغيرة المُقَولَبة المزينة بالكريمة. ووجدت منتجَين مصنوعَين في أمريكا: مجموعة أعلام مصنوعة من اللباد وممسحة أقدام ذات رسومات تُعبِّر عن عيد الاستقلال. ومع ذلك، فإن من الواضح من البداية أن الصين مسئولة عن زينة يوم مولد وطننا، وهو ما يُضفي حسًّا من المفارقة على هذه المناسبة. وثَمَّةَ جرس هواء موسيقي خشبي عليه عبارة «ليُقرعْ جرس الحرية» بخط يدوي، وعلى الرف نفسه وجدت مزهرية صينية عليها عبارة «نقف مُتَّحِدين»، ومجموعة مقوسة من اللمبات الصينية مشكِّلة عبارة «لِيُباركِ الله أمريكا». وثَمَّةَ مفارش مائدة صينية عليها العم سام، وتماثيل معدنية لملائكة الرابع من يوليو صينية المنشأ، التي لا شك أنها كانت في الأساس ملائكة كريسماس صينية حتى لُوِّنت على عجل بالطلاء الأحمر والأبيض والأزرق، في محاولة لتصريف المخزون غير المبيع المتراكم في مصنع بعيد.

اكتشفتُ المكان الذي يمكن منه شراء قطع المغناطيس المصنوعة على شكل شريطة التي تُثبَّت على ممتص صدمات السيارة والمكتوب عليها «ادعم قواتنا» و«لا تنسَ الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١». يمكنك أن تشتريَها من متجر أدوات الأعمال الحرفية، الذي يشتريها بدوره من الصين.

وكما كانت الحال مع تمثال السيد المسيح المصنوع من السيراميك في وول مارت، تساءلت هل كلَّف أي شخصٍ نفسه عناء ترجمة معنى الكلمات المكتوبة على هذا الشريط المغناطيسي للعمال الصينيين، أو فَسَّر لماذا قد يرغب شخص ما في النصف الآخر من العالم في شراء واحدةٍ منها وتثبيتها على ممتص صدمات سيارته.

وأنا أتجوَّل في الممرات، طرأتْ على ذهني فكرة أن لا أحد تقريبًا أعرفه يزين المنزل من أجل عيد الاستقلال، وإن دلَّ ذلك على شيءٍ فإنما يدل على أن الأشخاص الذين أعرفهم إما أنهم طبيعيون أو غير طبيعيين. لا أستطيع أن أتذكَّر آخر مرةٍ ذهبت فيها إلى حفلٍ كانت فيه رايات معلقة على سور المنزل. وأستطيع أن أقول عن اقتناعٍ إنه لم يسبق لي أن دخلت منزلًا يحتوي على تمثال ملاك معدني معروض احتفالًا بعيد الاستقلال. إن احتفالنا بالعطلة معتدل، وإن كان صاخبًا؛ فكيفن يحب الألعاب النارية في عيد الاستقلال، ولكني وضعت حدًّا لعروض الألعاب النارية منذ رُزقنا بالأطفال، ورُفض اقتراحي باستخدام الألعاب المُطلِقة للشرر كبديلٍ أكثر أمنًا. هذا العام سأكون أنا التي ترفض الألعاب المُطلِقة للشرر؛ إذ يمكنني المراهنة بمبلغ كبير على أنها مصنوعة في الصين. وبطبيعة الحال، يعتريني القلق من أن كيفن سيهتم فجأةً بالألعاب المُطلِقة للشرر نظرًا لأنها باتت محظورة.

حاولت أن أُظهِر سعادتي بالعيد؛ فاشتريت علبتين من العِصِيِّ المتوهِّجة المكسيكية الحمراء والزرقاء للأطفال وخرجت إلى الحر. وبينما أسير إلى السيارة، وضعت في ذهني أن أعود في يوليو لتفحُّص بضائع الكريسماس. كما غضبت من نفسي لنسيان شراء لوازم الرسم، وهو ما جاء بي إلى متجر أدوات الأعمال الحرفية في المقام الأول. كما غضبت من نفسي لشيءٍ آخر أيضًا؛ فقد نسيت أن أسأل مساعِدة المدير السؤال البديهي: إذا كانت بضائع الكريسماس توضع مباشرة بعد عيد الاستقلال، فمتى توضع بضائع الهالوين وعيد الشكر على الرفوف؟

•••

أشار رئيسي في العمل إلى أنني أخدع نفسي إذا ظننت أنني كنت أتجنَّب المنتجات الصينية، على الرغم مما تقوله ملصقات هذه المنتجات.

فقال: «إن المكونات الصينية في كل مكان. لا يمكنكِ تجنُّب تلك المكونات، بصرف النظر عن محاولاتك الحثيثة. هذا مستحيل.»

إنها فكرة كنت أتأملها لشهور، منذ أن احتفظت بالمصباح الأمريكي ذي الجزء الصيني. ذُكِّرْتُ هذا الأسبوع مرةً أخرى بصعوبة تجنُّب الصين عندما اشتريت قُرطَين من فنان محلي. كنت أشعر بسعادة بنفسي حتى وصلت إلى المنزل ولاحظت أن الصندوق المجاني الهدية الذي جاءا فيه كان مصنوعًا في الصين.

واصل رئيسي في العمل نقدَه قائلًا:

«أتعلمين ما تقومين به؟ أنتِ تؤخرين الاعتماد على الصين، ولستِ تهربين منه. كما أنكِ تخدعين نفسكِ أيضًا.»

هذا هو رئيسي اللطيف يتحدَّث. أما رئيسه — المتذمِّر على نحوٍ متواصل — فلم يتوقَّف عن حديثه عندما حاولت إيقافه بالإشارة إلى أنني أكتب سلسلة مقالات عن المقاطعة لمجلة الأعمال التجارية التي أعمل فيها.

فحرَّك كتفيه في استهجانٍ قائلًا: «لا أحد يعبأ بهذه الأمور إلا أنت. ويبدو هذا كأنه حيلة أخرى من حيلكِ لانتقاد وول مارت.»

أظن أن رئيسي اللطيف كان يقضي كثيرًا من الوقت مع رئيسه المتذمِّر؛ لأنهما بدوا متشابهين تشابهًا كبيرًا.

قال الرئيس اللطيف: «ربما يمكنكِ تدبُّر أمركِ لمدة عام دون منتجات صينية، ولكن عاجلًا أو آجلًا سوف تقعين تحت سيطرة الصين. هذا أمر لا يمكنكِ الهرب منه.»

تجهَّمت في وجهه وهو يَهُمُّ بالمغادرة.

وقلت له بعدما أدار ظهره لنا: «شكرًا لدعمك.»

إنه مُحِقٌّ، وهذا بطبيعة الحال يجعله أكثر إزعاجًا. أنا لا أعيش عادةً دون المنتجات الصينية، فأتوصَّل إلى إجراءاتٍ مؤقتة لمساعدتي حتى أجد خياراتٍ أخرى، وهي على ما يبدو صينية. إليك مثالًا على ذلك في خرطوشة الطابعة. بعد أن جفَّ حبرها بدأت أطلب من كيفن طباعة صفحات لي على طابعة مكتبه، وهي صينية في حد ذاتها على الأرجح؛ لم أجرؤ قط أن أطلب منه أن يفصلها من مقبس الكهرباء ويفحص الملصق الموجود على الجزء الخلفي من أجلي؛ فقد كان غاضبًا بما فيه الكفاية حيال طباعة الصفحات ولم أرغب في أن أُجرِّب حظي معه أكثر من ذلك.

ثم غادر كيفن البلدة — سافر إلى باريس لإدارة برنامج دراسة في الخارج في الصيف للجامعة — وبذلك وضع نهاية للاستعانة بهذا الخيار بالنسبة إليَّ. ومنذ ذلك الحين أصبحت أرسل المستندات إلى نفسي في العمل عن طريق البريد الإلكتروني ثم أطبعها هناك. إنها بضع صفحاتٍ فحسب ولا تستهلك سوى قليلٍ من الحبر، ولكني أحضرت ورق طباعة أمريكيًّا من المنزل لتخفيف شعوري بالذنب خلال القيام بأعمالٍ شخصية في العمل. ظَلِلْتُ أُذكِّر نفسي أن ألقيَ نظرة على الجزء الخلفي لطابعة المكتب، وخرطوشة الحبر في داخلها أيضًا؛ كي أعرف مكان صناعتهما، للمعرفة، ولكن أخشى أن يراني أحد زملائي في العمل ويسألني عما أفعل. كنت — على الأرجح — سأقدِّم اعترافًا كاملًا، وربما بعد ذلك سوف يُخبِر هذا الزميل مديري الغاضب، الذي قد يفصلني من العمل بدوره لاستخدامي حبر الشركة. أو الأسوأ، أن يسمح لي بالاحتفاظ بوظيفتي ولكن يُخبِرني أنني لن أستطيع الطباعة في العمل بعد الآن. وسأكون في مأزق حقًّا؛ فسأُضْطَرُّ إلى قيادة سيارتي إلى المكتبة العامة، التي تتيح لك طباعة ٢٠ صفحة مجانًا خلال كل زيارة. تحققت من هذا الأمر منذ بضعة أيامٍ تحسُّبًا لأن يصل الأمر إلى هذا الحد.

تُمثِّل طابعتنا التي نَفِدَ حبرها واحدةً من سلسلةٍ من المشكلات الأخيرة في قطاع الإلكترونيات؛ حيث إن الصين هي ملكة هذا القطاع. في أحد الأيام وأنا مستلقية على الأريكة، راجعتها في ذهني:

الأولى: بدأت شاشة تليفزيوننا الصغير تظلم لدقائق في كل مرة، بما في ذلك مرتان على الأقل أثناء ذروة فيلم بوليسي كان يُعرَض على قناة مجانية ونحن في قمة الانتباه.

الثانية: توقَّف مشغل الأقراص المدمجة عن العمل بعدما وضعتْ صوفي شيئًا ما داخل درج القرص في حين غفلةٍ مني. لم أعرف ما السلاح الذي استخدمتْه، ولكنه صغير وقاتل، على الأقل بالنسبة إلى مشغل الأقراص المدمجة، الذي أصبح يُصدِر صوت نقرات لا تنتهي كلما شغَّلته، لكنه لا يُصدِر موسيقى. كل يوم أو يومين، أضغط زر التشغيل لمعرفة هل المشكلة قد حَلَّت نفسها أم لا، لكن حتى الآن لم يُحالفْني الحظ. لست الشخص الوحيد الذي يفتقد الاستماع إلى الموسيقى أيضًا؛ ففي فترات الظهيرة المتَّقِدة، عندما يكون الجو حارًّا للغاية بما لا يسمح باللعب في الخارج، أسمح للأطفال بإزالة وسائد الأريكة وأُشغِّل نسخة أغنية من أغاني عيد الميلاد بصوت الدُّمى المتحركة مرارًا وتكرارًا في الوقت الذي يقفزون فيه على زنبركات الأريكة. في هذه الأيام يقفزون في صمت. وقفزاتهم دون موسيقى تنطوي على كآبةٍ تُذكِّرني بالسيدات البدينات اللاتي رأيتهن يُنفِّذن بإذعانٍ حركات في صف التمارين الرياضية المائية في جمعية الشبان المسيحيين بالقرب من منزلنا، فلا يبدو على أحدٍ منهم الاستمتاع كثيرًا.

الثالثة: بالمثل، متعة البالغين هذه الأيام في خطر أيضًا؛ فقد انكسرت شفرة خلاطنا منذ بضعة أيام، وعندما اتصلت بالشركة المصنِّعة قالوا لي إن الشفرات البديلة التي يبيعونها مصنوعة في الصين.

سألني كيفن أثناء مكالمة هاتفية للمنزل من فرنسا: «إذن، تقولين لي إننا لن نتمكَّن من صُنْع مشروب المارجريتا هذا الصيف؟» من المفترض أن باريس تجعل الناس رومانسيين. يمكنني سماع نبرةٍ ما في صوته، لكنها لا تبدو كالحب.

الرابعة: توقَّفَت المكنسة الكهربائية عن الشفط، على الرغم من قيامي بتنظيفٍ مكثَّف لأجزائها الداخلية المروِّعة. وشككت أن ما يسدها شيء من الصين. ربما شُفِطَت بها لعبة قديمة.

باختصار، كلما نظرت في أرجاء المنزل في تلك الأيام، رأيت سلسلة من المشكلات، جميع حلولها تقريبًا صينية.

كان عليَّ حقًّا أن أحل كل هذه المشكلات، إلا أن شعورًا بالضيق قد تملَّكني، وهي وظيفة الأيام الرطبة التي تبلغ درجة الحرارة فيها ٩٠ درجة فهرنهايت. وهناك على الأريكة، استلقيت محدقةً في السقف مفكرةً في السيناريو الأسوأ. إذا لم أتمكَّن من العثور على أي شيءٍ غير قطع الغيار الصينية لمشغل الأقراص المعطَّل، والتليفزيون المتغيِّر الأحوال، والخلاط ذي الشفرة المكسورة، والمكنسة الكهربائية العاجزة، فإنني أستطيع التعايش مع ذلك. أستطيع العيش من دون كل تلك الأشياء، على الأقل حتى الآن، ربما إلى الأبد؛ فبطريقةٍ ما سأشعر بارتياحٍ للتخلص منها؛ فكما هي الحال دائمًا، يبدو المنزل مملوءًا ﺑ «أشياء» تحتاج إلى تنظيف وترتيب وإصلاح. أحب أن أعتقد أنني مَن اتبع سرًّا مبدأ التبسيطية عندما يتعلق الأمر بالممتلكات المادية. يمكن أن تكون هذه فرصتي لمعرفة ما إذا كنت أعني هذا حقًّا.

على أي حال، هذه ليست مشكلات بلا حلول، حتى مع الحدود التي تفرضها المقاطعة؛ فعلى سبيل المثال، يمكنني قراءة الكتب بدلًا من مشاهدة التليفزيون الذي يُسبِّب تعفُّن العقول. ومن المؤكَّد تقريبًا أن يصبح الأطفال متقدي الذكاء إذا حرمْتُهم من التليفزيون وقرأتُ لهم بدلًا من تركهم يشاهدونه. وعدم امتلاك مشغل أقراص لا يُمثِّل مشكلة بالقدر نفسه مثل عدم وجود التليفزيون. يمكننا الاستماع إلى الموسيقى ونحن في السيارة. وفي داخل المنزل، يمكن للأطفال الاستمرار في تدمير زنبركات الأريكة خلال القفز في صمت. ربما لا يكون الأمر مرحًا بالقدر نفسه كفعلهم هذا بينما يُدوِّي صوت أغاني الكريسماس في أرجاء المنزل، ولكن من الناحية الفعلية هم لا يتضررون أيضًا. أما المكنسة الكهربائية المعطلة فهي آخر ما يُقلقني؛ إذ أستطيع كنس الأرضيات، وهذا موفِّر للوقت حقًّا؛ حيث سأقوم بأداء التمارين الرياضية أثناء عملية تنظيف المنزل. ويمكن صُنْع مشروب المارجريتا باستخدام مكعبات الثلج.

انقضى ما يقرب من نصف العام. يمكنني العيش دون كل هذه الأشياء؛ فمعظم أرجاء العالم تعيش حياتها اليومية من دونها. لا تمثل الحياة دون هذه الأشياء مشكلة على أي حال إلا في الواقع الأمريكي المدلَّل. بصراحة، ما مدى صعوبة العيش دون جهاز تليفزيون، أو مشغل أقراص، أو مكنسة كهربائية، أو خلاط؟ أعتقد أنه ليس صعبًا للغاية. ثم فكرت أنه ربما لا يكون هذا هو السؤال الصحيح. قد يكون السؤال الأفضل: ما مدى صعوبة العيش مع كيفن دون هذه الأشياء؟

•••

لا يرى ويس — على غرار والده — فضيلة في مقاطعة الصين.

سألني يومًا ما: «ألا نحب الصين؟»

استغربت بشِدةٍ لهذا السؤال، ورددت:

«نحن نحب الصين.»

فواصل ضغوطه متسائلًا:

«أليسوا لطفاء مع الآخرين؟»

فأكدت له قائلة: «إن الصينيين أشخاص طيبون جدًّا. لا يختلفون عن الأشخاص الموجودين في أي مكان آخر.»

فسألني: «لماذا إذن لا نشتري أشياء صينية؟»

لقد وصلنا إلى هذه المرحلة من قبلُ ولكني أتعثَّر في كل مرة؛ ففي أيامٍ كثيرة لا أستطيع أن أُذكِّر نفسي بالضبط بسبب فعلنا هذا؛ ولهذا فإن شرح ذلك بطريقةٍ منطقية لطفل يبلغ من العمر أربع سنوات يتخطى نطاق قدراتي. ومع ذلك، أعتقد أنه من واجبي أن أحاول.

شرحت قائلة: «نحن نحب الصين، ولكنها مكان كبير جدًّا يضم كثيرًا من المصانع، ونحن نريد أن نُعطيَ البلدان الأخرى فرصة بيع الأشياء لنا.»

فتطلَّع في وجهي في صمت بأنف مُجعَّد وعينين ضيقتين وأصابعه محكمة بشِدةٍ على شطيرة زبدة الفول السوداني. تصوَّرت للحظةٍ أنني أزلت الضباب من أمام فهمه الواهن للعالم. وتخيَّلت فقاعة فكرية فوق رأسه الصغير مكتوبًا فيها: «نعم، فهمت. عالم أكثر عدلًا، حيث يستطيع كل شخصٍ أن يتاجر فيه، ولا تسحق فيه القاطرات الضخمة مثل الصين وأمريكا الجميع.»

أعادني ويس إلى الواقع متسائلًا:

«هل السيوف المضيئة تأتي من الصين؟ يمتلك تايلر سيفًا مضيئًا. أريد واحدًا في الكريسماس. وأعلم أن سانتا كلوز سوف يحضر لي واحدًا.»

نظرت إليه في صمت. أشفقت عليه من أن أخبره أن السيوف المضيئة تأتي من الصين. لم أتحقَّق من هذا بالتأكيد، ولكن عند هذه المرحلة ليس عليَّ فعل ذلك. ومَن يدري؟ موسم التسوُّق للكريسماس على بُعد أشهر. ربما بحلول هذا الوقت قد يصنع مصنع في فيتنام أو كمبوديا سيوفًا مضيئة ويشحنها لموزِّعي الألعاب بالجملة في أماكن مثل تكساس وكاليفورنيا، وسينتهي بها الأمر بالوجود على رفوف المتاجر في حَيِّنا. أُدرِكُ أنه احتمال بعيد، ولكن يمكن أن يحدث؛ فأشياء أغرب من هذا تحدث.

قلت لِويس: «ضعْه في قائمتك لسانتا. سنرى ما رأيه في هذا. ولكن ضع في الاعتبار أن القائمة المكتوبة لسانتا ليست سوى قائمة «اقتراحات»؛ فلا يوجد شيء مؤكَّد في الكريسماس.»

توقف ويس عن تناول شطيرته. ونظر إليَّ نظرةً لائمةً لضعف إيماني بسحر الكريسماس.

ثم استطرد: «لكنني يا أمي أعرف أن سانتا سوف يُحضر لي واحدًا.»

•••

استقرَّ فأر تحت حوض المطبخ، وهو تطوُّر بدا أنْ لا علاقة له في البداية بمقاطعة الصين. كانت والدتي — التي تزورنا قادمةً من كاليفورنيا — هي أولَ مَن اكتشفه: إذ قفز الفأر من سلة المهملات واختفى سريعًا في الظلام بعد أن فتحت الخزانة لرمْي شيءٍ ما، فصفقت الباب بقوةٍ وأمضت فترة الظهيرة لا تكاد ترفع عينها المتوترة عن ذلك الاتجاه.

روت لي قائلة: «لقد رأيته جيدًا. لم أخلط بينه وبين شيءٍ آخر.»

كان يمكن أن يكون الأمر أسوأ من ذلك — كان يمكن أن يكون جرذًا بريًّا — ولكن هذه الأخبار ليست جيدة؛ فلم يكن مقررًا أن يعود كيفن من فرنسا إلا بعد أسبوعين. واضْطُرِرْتُ إلى التعامل مع الفأر بنفسي. امتلأت نفسي رعبًا من فكرة ما ينتظرني في المستقبل. بل ثَمَّةَ شعور طفيف بالخيانة. إن زواجنا من نواحٍ عديدةٍ زواجٌ تقليدي؛ فأنا أبعث بطاقات الكريسماس، وأتذكَّر أعياد الميلاد، وأختار ألوان الطلاء. وكيفن يقوم بالشواء، ويصلح الأنابيب المسدودة، ويتعامل مع الحشرات وأي شيءٍ ميت يقبع تحت المنزل. وهذا التقسيم للواجبات الزوجية أمر فطري وبديهي لكلٍّ منا. ومكافحة الحشرات تقع بوضوحٍ ضمن حدود واجبات كيفن، ومع ذلك فقد كان على بُعد آلاف الأميال وأسبوعين عن خزانة المطبخ والفأر الموجود داخلها. ولم أكن أملك خيارًا. كنت سأقوم بوظيفة كيفن وأتعامل مع الدخيل.

هل سأفعل؟ تَملَّكني شعور بالإلحاح لفعل ذلك عندما أخبرتْني والدتي لأول مرة بأمر الفأر، ولكن بعد ذلك طرأت على ذهني فكرة أنه ربما كان حدثًا لمرة واحدة، ولن يتكرَّر أبدًا. ربما أصابت والدتي الفأر بالذعر عندما صفقت باب الخزانة فهرب من المنزل نهائيًّا بحثًا عن مكانٍ أكثر أمنًا. أو ربما يمكنني الحفاظ على نظافة المنزل بحيث لا يتبقَّى شيء يُشجِّعه على البقاء فيه. إذا وضعتُ كل ذَرَّة طعام في الثلاجة ونظَّفت الأرضيات بالمكنسة والممسحة كما لو أن حياتي تتوقَّف على ذلك، فربما أستطيع حرمان الفأر من أي شيءٍ مثل مقرمشات شيريو المنتهية الصلاحية المَنسيَّة التي قد تُبقيه هنا. لم أعرف أحدًا نجحتْ معه هذه الطرق، ولكن ما يدريك؟ وربما ليس الوضع مُلحًّا كما يبدو. إذا وضعت تركيزي في هذا الأمر، فربما يمكنني أن أعيش مع الفأر في المنزل لمدة أسبوعين، إذا كان الفأر عاقلًا وابتعد عن طريقي. يمكن أن يدَّعيَ كلانا أنَّ أحدنا لا يعرف شيئًا عن الآخر، ونواصل حياتنا إلى أن يعود كيفن ويتولى الأمر.

المشكلة هي أن هذا الفأر لم يكن يعيش في حاله، فلم يكن لديه أي ذوقٍ بتاتًا؛ ففي اليوم التالي لرؤية والدتي له، ترك أدلة مقيتة على زياراته في غرفة الغسيل وعلى طاولة المطبخ، بجانب دفتر شيكاتي وكومة من الغسيل النظيف. وفي اليوم التالي اكتشفت أنه أمضى بعض الوقت في الحجرة الموجودة في الطابق السفلي؛ مما أصابني بقُشَعْريرة واستحضرت مخاوف مشئومة من الإصابة بفيروس هانتا. بعد ذلك الْتَهم عبوة علكة من جوسي فروت كانت في حقيبة يد والدتي، ثم استخدم الحقيبة كمرحاض. كان من المقرَّر أن تعود والدتي إلى كاليفورنيا في غضون أيامٍ قليلة، وقد لاحظتُ هذه المرة أنها يبدو عليها الحماس حيال الذهاب.

بدأت أفكر في أنَّ تجاهُل الفأر ليس في الواقع حلًّا لهذه المشكلة.

قال كيفن عبر الهاتف آمرًا: «لا تقتليه.»

كان وقتًا متأخرًا من الليل في باريس، حيث يتمتع كيفن بهواء الصيف الذي ينسلُّ من النافذة المفتوحة في غرفة فندقه النظيفة الخالية من الفئران. كنا نُقيِّم خياراتي للتخلص من الفأر. استبعدنا السم؛ فهو يبدو خطيرًا لأن لدينا أطفالًا وكلبًا، إضافةً إلى المشكلة المزعجة بموت الفأر داخل جدران منزلنا. أعترف بالخوف من فكرة المصيدة الخشبية القديمة الطراز التي تقتل الفأر على الفور، فأنا أخشى على أصابعي، وبطبيعة الحال، ستوجد مشكلة التعامل بعد ذلك مع الفأر الميت. إنني أُصاب بالغثيان بسرعةٍ من الأشياء التي تتحرك سريعًا على الحائط، لكني كنت أُصاب بالغثيان أسرع حين أرى أشياء ميتة. قدَّم كيفن حلًّا يتسم بالتعاطف. وَجَّهَني إلى شراء واحدة من مصائد الفئران الرحيمة التي كنا نستخدمها في منزلنا القديم، وهي عبارة عن صندوق بلاستيكي صغير يُغلَق بسرعةٍ عندما يدخل فيه الفأر.

وأضاف: «سيستمتع الطفلان بالأمر إذا أمسكتِ به وتركتِه يذهب في مكانٍ ما. يمكنكِ أن تُحرِّريه على ضفاف البحيرة بجوار منازل الأغنياء. سيكون مشروعًا أُسريًّا رائعًا. هذا ما يجب عليكِ القيام به.»

فكَّرت في نفسي أنه لا ينبغي عليَّ ذلك، هذا ما ينبغي عليك «أنت» القيام به، ولكني التزمت الصمت.

ماطلت ليومٍ أو يومين، حتى أشارت جارتي إلى شيء لم أضعه في اعتباري.

«ربما كان الفأر أنثى حاملًا وعلى وشك الإنجاب. لن تستطيعي أبدًا التخلُّص منهم جميعًا بعد ذلك.»

توجَّهت إلى متجر الأدوات المنزلية بعد ظُهْر ذلك اليوم. حينها وقفَت المقاطعة في طريق وسيلة أرحم وألطف للقضاء على الفأر. قادني شاب رصين إلى مَمرِّ بيع أدوات مكافحة الحشرات بعد أن سألتُه هل المتجر يبيع مصائد فئرانٍ رحيمة. شعرت بالمشكلات بمجرد أن قرأت الملصق الموجود على الجانب الخارجي من المصيدة. كان يقول: «صنع في الصين.»

التفتُّ إلى الشاب. كان يمتلك عينين داكنتين تحاولان تشكيل حُكْم عليَّ، لكنني قرَّرت إشراكه في معضلتي على أي حال. لاحظت أن حرجي من الاعتراف بما أنوي فعله في المقاطعة يقل عكسيًّا مع مستوى يأسي.

سألته: «هل لديك أي أنواع أخرى من المصائد الرحيمة؟» وأمسكت المصيدة لأتفقَّدها.

ثم شرحت مفسِّرة: «كما ترى، مكتوب هنا أنها مصنوعة في الصين، وأنا لا أشتري المنتجات الصينية.»

ضيَّق الشاب عينيه الداكنتين، ثم التفت برزانة للتحقُّق من رفوف المصائد أمامنا. مدَّ يده إلى مصيدةٍ من السلك والخشب تقليدية تصنيع شركة فيكتور، وقلب العلبة في يده حتى وجد ملصق المنتج.

ثم قال لي بجدية: «هذا الملصق يقول إنها مصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يمكن أن يكون المقصود الكيس البلاستيكي الذي يحتويها، وليس المصيدة الموجودة في الداخل. ولكن قد تكون هذه هي خيارَك الأفضل.»

هذا الشاب يملك مهاراتٍ في مقاطعة الصين. لا شيء يُفلِت من بين يديه، يمكنني معرفة ذلك؛ فهززت كتفي وقلت وأنا أمد يدي:

«سوف أشتري اثنتين.»

لم أنصب المصيدتين الأمريكيتين. في الحقيقة، لم أكن على يقينٍ من أنني كنت مستعدةً للقيام بذلك عندما اشتريتهما، ليس فقط لأنني أخشى على أصابعي. لم أضع المصيدتين لأن الأمل ظل يراودني في أن يختفيَ الفأر من تلقاء نفسه وألا أُضْطَرَّ إلى التعامل معه لسببٍ بسيط غير عقلاني؛ هو أنني لا «أريد» التعامل معه. ثم أعتقد أنني كنت محظوظة؛ ففي صباح أحد الأيام شممت رائحة جثةٍ ميتة في غرفة الغسيل. في المعتاد كنت سأشعر بالرعب لفكرة موت كائن داخل منزلنا، ولكن إذا كان الفأر قد خرج من حياتنا دون تدخُّل مني، فإني أتقبَّل ذلك تمامًا. استطعت تجنُّب غرفة الغسيل لبضعة أيام. وكنت في مزاجٍ جيد عندما غادرت المنزل إلى العمل في الصباح، معتقدةً أنني تحاشيت رصاصةً أخرى، ولكن عندما عدت بعد الظهر، تبدَّدت آمالي، فقد تبدَّدت الرائحة. لم تكن رائحة موت الفأر رغم كل شيء، لم تكن سوى رائحة مجموعة من المناشف الرطبة في المجفف.

تحقَّقت من التقويم الموجود في المطبخ. بقي ما يزيد قليلًا عن أسبوع على عودة كيفن. تركتُ المصيدتين في الكيس البلاستيكي الذي جاءتا فيه من متجر الأدوات المنزلية دون المساس بهما وراودني الأمل في انتهاء الأمر على أفضل نحوٍ ممكن، أو أسوأ نحوٍ ممكن من منظور الفأر.

•••

نحَّيْت أفكاري عن الفأر جانبًا، وشرعت في إصلاح الأجهزة المنزلية. أخذتُ المكنسة الكهربائية إلى ورشة إصلاح على مشارف البلدة، حيث راح صاحبها يستفيض في الحديث عن فلسفة الانقسام المتزايد في عالم المكانس الكهربائية. أخبرني أنه كلما مَرَّ الوقت، أصبح لديَّ خياران اثنان من المكانس الكهربائية: المكانس الصينية الرخيصة التي تخرب خلال بضع سنوات، أو المصنوعات الألمانية الثقيلة التي تبدأ من سعر ٤٠٠ دولار حتى ١٠٠٠ دولار أو أكثر.

وأضاف: «ليس لدينا شيء وسط فيما بينهما.»

ونظَّف خرطوم مكنستنا مجانًا ولم يَطُلْ مكوثي في ورشته أكثر من عشر دقائق.

قلت وأنا أخرج من الباب: «سأعود في غضون بضع سنوات عندما تتعطل هذه المكنسة.» ثم أخذت معي منشورًا تسويقيًّا لمكانس كهربائية ألمانية.

بدا أن التليفزيون أصلح نفسه، فلم تُظلم الشاشة لبضعة أسابيع. واعتبرت أن المسألة منتهية. وأخبرني كيفن في مكالمة هاتفية أنه سيأخذ مشغل الأقراص المدمجة لورشة إصلاح بالقرب من منزلنا عندما يعود من فرنسا.

وأضاف: «الرجل الذي يعمل هناك عبقري في إصلاح الأجهزة. سوف يكتشف السبب، لا مشكلة في ذلك.»

لم أتمكَّن من العثور على طريقة لإصلاح الخلاط، فقمت بنقله إلى رف في غرفة الغسيل في الوقت الحاضر — وكنت حذرةً في التأكُّد من عدم وجود خطر من الفئران وأنا أفتح خزانة المطبخ — على أمل ألا يسأل كيفن عنه لدى عودته.

•••

بمجرد التخلص من مشكلات الأجهزة الإلكترونية، واجهت مشكلة في النظارة الشمسية الجديدة؛ فقد كُسِر الإطار المعدني التزييني الدقيق في نظارتي الشمسية الإيطالية القديمة، وخرجَت العدسة عن السلك البلاستيكي الرفيع الذي يُبقيها في مكانها. أخذت واحدة من النظارتين الصينيتين الضعيفتين اللتين أحضرتْهما سكرتيرة القسم لدى كيفن، ولكن بعد يومٍ أو يومين أسقطتها على الأرضية الإسمنتية للحمَّام أثناء رحلة ميدانية إلى حديقة الحيوان مع طلاب صف ويس التمهيدي. انكسرت النظارة إلى قطعتين منفصلتين تمامًا على الأرض. أخذت القطع وألقيتها في سلة المهملات المتخمة، وهو ما يُعَدُّ نهايةً مناسبة لظهورها القصير غير المُرضي في حياتنا.

وجدت حلًّا بسيطًا على المستوى التكنولوجي لعدم وجود نظارة شمسية: تضييق العينين عند النظر.

وللحفاظ على إيجابيتي، حاولت عدم التفكير في ثلاثة أشياء: الطابعة العديمة الفائدة، والدرج المكسور في المطبخ، ونفاد الدبابيس الصينية.

•••

قال كيفن لي عبر الهاتف: «إنه يُعَدُّ سؤالًا وقحًا.»

فسألتُه: «إذن كيف يعرف الناس في أوروبا المكان الذي تأتي منه الأشياء التي يشترونها؟»

فقال: «على ما يبدو أنهم في الغالب لا يعرفون. إلا إذا سألوا، وكما قلت لك، هذا أمر يفتقر إلى التهذيب عمومًا. يرمقني كثير من البائعين بنظرات غريبة عندما أطرح هذا السؤال.»

في الأيام التي سبقت مغادرة كيفن لفرنسا أدركتُ أن قضاء هذا الوقت في الخارج ربما يخدم هدفًا مفيدًا؛ فيمكنه شراء كمية كبيرة من اللعب والحُلِيِّ المصنوعة في فرنسا تكون مزيةً لنا مع اقتراب الكريسماس. هذا عمل مخادع ويبدو أنه يتعارض مع روح المقاطعة، ولكني قلقة حقًّا إزاء الكريسماس، ولا يوجد شيء من الناحية الفنية في قواعد المقاطعة يمنع ذلك. اتضح لي أن فكرتي الخادعة فاشلة، فزيارات كيفن للمحلات والأسواق التجارية في باريس بحثًا عن سلع مصنوعة في فرنسا قد باءت بالفشل.

روى لي جهوده حتى ذلك الحين. في أحد الأيام، كان على وشك شراء ثلاث سلاسل مفاتيح على شكل برج إيفل من رجل في أحد أسواق الشارع، ثم تذكَّر أن يسأل الرجل أين صُنعت.

ردَّ الرجل: «في الصين.»

أعادها كيفن إلى الرجل في احترام.

وحكى لي قائلًا: «عندما شرحت للرجل سبب عدم تمكُّني من شرائها، تفهَّمني بحق، فسألني عن جنسيتي ثم أخبرني أنه بسبب الواردات الصينية وثلاثين عامًا من سوء الأداء الحكومي في فرنسا لم يجد طريقة يمكنه من خلالها كسب قوت يومه سوى بيع الأشياء في السوق السوداء.»

قابل كيفن أرواحًا أخرى مشابهة بين الفرنسيين؛ فعندما ذهب إلى متجر ملابس رجالية لشراء بذلة وسأل عن مكان صُنْعها، أخبرته الفتاة أن العملاء الذين يسألون هذا السؤال نفسه يتزايدون أكثر وأكثر. وأخبرت كيفن عن العميل الذي جرَّب سروالًا ولكن بعد ذلك قرَّر عدم شرائه لأنه مصنوع في الصين.

وفي الغالب كان الناس يرمقونه بنظرات عدم فهم، بل ونظرات عدوانية.

واستطرد قائلًا: تركني موظف المتجر دون أن يجيبني عندما سألته عن مكان صُنْع هذا القميص. أعتقد أنه اعتبر ذلك مضايقة.»

وأكَّد لي أنه سيواصل البحث عن هدايا فرنسية، رغم عدوانية البائعين.

وقال محذرًا: «سأكون صادقًا معك: فرنسا تعتمد بثقلٍ على المنتجات الصينية.»

•••

في غضون ذلك الوقت، كان الفأر مختفيًا، وذلك قبل أن يُفصِح عن وجوده في جرأةٍ غير مسبوقة.

كنت جالسة على طاولة المطبخ أفحص البريد، عندما سمعت خشخشة كيس بلاستيكي تحت الحوض، في المكان نفسه الذي التقتْ فيه والدتي أول مرة بالفأر. لقد نقلت كيس القُمامة إلى خارج الخزانة وعلَّقته على مقبض أحد الأدراج لتجنُّب وصول الفأر إليه، وتجنُّب الحاجة إلى فتح الخزانة خوفًا مما قد أجده في الداخل. لا يزال يوجد في سلة المهملات كيس بلاستيكي، على الرغم من أنه فارغ، كما سيكتشف الفأر قريبًا.

وقفت ومشيت على أطراف أصابعي نحو الخزانة. في طريقي أمسكت منشفة أطباق من فوق ظهر أحد الكراسي — السلاح الذي بدا لي فكرة جيدة — وأشرت إلى كلبنا ريك ليبقى قريبًا ورائي. رمقني ريك بنظرة ملل، وزفر، وأسقط رأسه إلى الأرض مرةً أخرى.

لا أتعامل من المواقف السريعة بنجاحٍ في العادة، ولكن هذه المرة ارتجلت خطة للتعامل مع الفأر في الثواني القليلة التي استغرقتُها في انتقالي لمسافة ثماني أو تسع أقدام من مقعدي إلى باب الخزانة. تخيَّلت المشهد يحدث بهذه الطريقة: سأفتح الباب، وأسحب ببطءٍ سلة المهملات نحوي، ثم أرمي المنشفة على الفأر لشل حركته. بعد ذلك سوف أجذب سلة المهملات، وأندفع نحو الباب الخلفي وأرميها، وأتخلص من الأمر كله في الفناء الخلفي، مسببةً تجربةً مؤلمة للفأر، حتى إنه سوف يفرُّ من المنزل ولا يعود إليه أبدًا.

نفَّذت الخطوة الأولى كما هو مخطط لها وفتحت الباب برفق. بعد ذلك أمسكت بحذرٍ بحافة السلة وأمَلْتُها نحوي، وكنت ممسكة بالمنشفة في يدي الأخرى. حدَّقت من فوق الحافة نحو ما يوجد داخل الكيس البلاستيكي الأبيض داخلها، وكانت كل ذَرَّةٍ من جسدي مستعدةً للشروع في العمل بسرعة.

كان إنذارًا كاذبًا. عندما نظرت داخل السلة، لم أجد شيئًا سوى الكيس البلاستيكي فارغًا. اختفى الفأر دون أي أثر. تنفَّست الصُّعَداء واستقمت في وقفتي وتراجعت نحو طاولة المطبخ، حيث جلست وتأملت الخيارات المتاحة أمامي، التي كانت مروِّعة وقليلة. والتفَتُّ للنظر إلى التقويم على الجدار. بقيت خمسة أيام على عودة كيفن.

بعد ذلك ألقيت نظرة طويلة على الكلب، لا يزال مفترشًا الأرض في جانب الغرفة. كان ريك يُثبِت أنه عديم الفائدة مثل استخدام منشفة الأطباق كشكلٍ من أشكال الأسلحة المضادة للفأر، وكان أمرًا مؤسفًا؛ لأنه منذ غادرت أمي البلدة كان الكلب هو أقرب ما يكون للرفيق البالغ الذي يُقدِّم المشورة لي عن المقاطعة والحوادث المنزلية الأخرى.

حاولت قمع المرارة المتزايدة التي أشعر بها تجاه كيفن بسبب اضطراري إلى اللجوء إلى كلبٍ كبيرٍ عديم الاكتراث من أجل السلوى في وقتٍ عصيب.

قلت لريك بينما فتح عينًا واحدة لبرهة: «خمسة أيام.»

لن نتمكَّن من اجتياز هذا الأمر بنجاح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠