الفصل الثامن

المد الأحمر

قالت والدتي: «رأيت أن كيفن سيُحبُّ هذا.» كانت تمسك بصندل قديم أمامي. «ألا يبحث عن صندل؟»

لم تكن الفردتان زوجًا تمامًا. كانتا مختلفتَي المقاس، وكانت إحداهما زرقاء داكنة، والأخرى برتقالية باهتة مع صورةٍ لقارب شراعي مطبوعة على النعل الداخلي. وجدَته بينما كانت تنظف المرآب. وليست لديَّ فكرة هل هو مصنوع في الصين أم لا. ربما اهترأ الملصق خلال فترة حُكْم كارتر. وأنا أتفحص الفردة البرتقالية، تساءلت عمَّن في عائلتي له ذلك الذوق السيئ في اختيار أحذية الشاطئ. آمل ألا يكون أنا.

كانت أمي على علم بمستجدات وضع حذاء كيفن لأنه كان يُفضي إليها بالصعوبات المتعلقة بالمقاطعة، بما في ذلك ظلم الواقع عليه جرَّاء اضطراره ارتداء حذاء جرْي على الشاطئ «مثل شخص أحمق» على حد تعبيره. وفي المساء، كانا يتذمران بينما يتناولان مشروبًا بعد العشاء، ثم صمتا فجأة عند اقترابي منهما. وكالعادة، ظننت أن أمي تنحاز إلى جانب كيفن، ولكن في تلك اللحظة — بينما تحاول جذبي بهذا الصندل — أدركت أنها في هذه المرة تلعب دور صانع السلام.

أردَفَت أمي قائلةً: «يبدو لي أن بإمكانه ارتداءهما.»

كذلك بدا لي أنها قد تعطيه إياهما. ابتسم كيفن ابتسامةً عريضةً عندما وضعتْهما عند قدميه بعد ذلك، وهو يقف حافيَ القدمين في مطبخها، فأدخل قدميه في الفردتين وأعرب عن رضاه قائلًا:

«هذان الخفان حسنا المظهر. حتى إن إحدى فردتيه تناسب مقاسي.»

كان ينبغي أن أكون ممتنةً لتدخُّل والدتي لصالح المقاطعة، ولكن لم يكن بوسعي سوى الرضا بالواقع. كانت الفردتان قبيحتين؛ فردتان قبيحتان مطاطيتان غير متماثلتين مصنوعتان في عصرٍ استشرى فيه الذوق السيئ، عندما كان الناس يظنون أن بطانات الكتف والشعر المُدرَّج المُسَرَّح للخارج وصور القوارب الشراعية على أحذية الشاطئ أفكار جيدة. كنت متأكدةً منذ لحظة ارتداء كيفن للصندل أنه لن يحصر استخدامه على رحلاته إلى الشاطئ. أعرف كيفن جيدًا بما يكفي لأعلم أنه سيرى الفردتين غير المتماثلتين مثاليتين لكل مناسبة.

وقد كنت على حقٍّ بالطبع؛ فعلى مدى الأيام التالية نادرًا ما كان كيفن يغادر منزل والدتي دون ارتداء الصندل؛ فكان يرتديه عند الذهاب إلى الصيدلية ومحل البقالة وحديقة الحيوان والمنتزه والمركز التجاري، والشاطئ بالطبع. كان يرتديه في كل مكانٍ نذهب إليه في سان دييجو، وكان يجتذب في كل مكانٍ نذهب إليه نظراتٍ مضحكةً وتعليقاتٍ من الغرباء المندهشين. لقد كان محطًّا للاهتمام.

«إنه موضة.» قالها بعد أن نقر شاب في متجرٍ لبيع الخمور على ذراعه وسأله هل يدرك أن فردتَي صندله غير متماثلتين، ثم أضاف: «سيبدو جيدًا عليك أيضًا.»

وشرح لامرأةٍ في منتصف العمر في حديقة الحيوان أنه لم يستطع شراء خفٍّ متماثل لأننا نقاطع المنتجات الصينية لهذا العام وليس لديه بديل آخر.

وأضاف: «كانت فكرة زوجتي. وأشك في أنها كانت تعرف أننا سنصل إلى هذه الحال.»

صرتُ شبه مقتنعة بأن السبب وراء حب كيفن الشديد لهاتين الفردتَين هو أنني لا أحبهما كثيرًا. في الحقيقة، كنت أكرههما؛ فقد كانتا تمثلان إهانة لي على عدة مستويات، لكنَّ أكثر ما كان يضايقني هو أنني لم أعد أسير بفخر في الشارع وأنا أسير بجوار كيفن. لقد فقدت أفضل إكسسوار كنت أضعه على ذراعي: الرجل الوسيم الاجتماعي صاحب العينين اللامعتين. لم أقل إن كيفن لم يَعُد وسيمًا، أو لامع العينين، أو لم يَعُد يمشي على مقربةٍ مني، ولكن لماذا أتزوَّج من رجل حسن المظهر ذي جبين يُشبه جبين ستيف ماكوين إذا كان سيُدمِّر هذا المظهر بارتداء صندل غير متماثل إحدى فردتيه برتقالية اللون والأخرى زرقاء؟ ربما لن يستطيع أحد أن يركز على أنفه المعقوف أو فكه المربع. سينشغلون كثيرًا بالنظر إلى قدميه والتساؤل عن عقله. كنت أُسرِع أمامه في المتجر وعلى مَمرِّ الشاطئ، في محاولةٍ لترك مسافة صحية بيني وبين صندله وأملًا في ألا يدرك ما أفعله.

ذات ليلة بينما كنا نهمُّ بالخروج؛ إذ كنا ذاهبين إلى حفل، غمغمت قائلةً: «ألا يمكنك ارتداء حذاءٍ عادي؟»

أستطيع أن أرى أنه كان ينتظر اعتراضي.

رد قائلًا: «الأحذية المتماثلة الفردتين للأشخاص الذين يمتلكون خيالًا محدودًا.»

فسألته: «هل تفعل هذا لتُعذِّبني فحسب؟ أم للانتقام مني؟ هل تآمرتَ مع والدتي من أجل إذلالي بهذا الحذاء؟»

اعتنق كيفن نبرة عقلانية على نحوٍ يُثير الجنون.

وقال مبتسمًا بلطفٍ زائف: «مطلقًا. ما لا يبدو أنكِ تفهمينه هو أننا في الصيف، وهذا العام هذا هو حذائي الصيفي.»

ولكنه لم يُضف: «لأن المقاطعة الخاصة بك حظرتْني من السوق الجديدة للخفاف الصينية المتماثلة الفردتين.» فهذا مفهوم بالبديهة.

•••

ظَلِلتُ أغلي من الداخل لمدة أسبوع بسبب الصندل، وأُسرع الخطوَ أمام كيفن في الأماكن العامة. ثم بدأت نظرتي المحتقِرة للصنادل في اللين. لم أرَ الأمر في البداية، ولكن كيفن شهد تغيرًا في هذه الأيام منذ ارتدائه للصندل؛ إذ لم أسمع منه كلمة شكوى واحدة من المقاطعة لأيام. كنت منغمسةً في مسألة قدمَي كيفن المُهانة حتى إنني لم ألحظ تحسُّن توجُّهه الذهني. وشككت في وجود أكثر من مجرد الابتهاج الظاهري هنا، أيضًا؛ فللمرة الأولى طوال ذلك العام، بدا كيفن مستمتعًا بالمقاطعة، ربما لأنه وجد وسيلةً لاستخدامها لتعذيبي. أجبرت نفسي أن أكون واسعة الأفق حيال هذه المسألة. على الأقل سأحاول أن أكون واسعة الأفق. إذا كان عليَّ أن أكابد قليلًا من الإهانات لكسبه لجانبي، فلا مانع من ذلك، أو هكذا سأقول لنفسي في كل مرةٍ أرى فيها هذا الصندل.

•••

اتخذ تبنِّي كيفن للمقاطعة أشكالًا عديدة؛ ففي متجر مواد غذائية محلي يديره عجوزان من الهيبيين، جعل الموظف يتحقق هل الصنوبر الذي يبيعونه من الصين أم لا.

وقال للموظف: «سأتصل بك غدًا لمعرفة ما اكتشفته.»

عندما اتصل في اليوم التالي، لم يكن الموظف متأكدًا؛ لذا اتصل كيفن بمكتب الشركة في لوس أنجلوس، حيث تلقى درسًا سريعًا عن ملصقات المواد الغذائية. إذا ما كان الطعام مزروعًا محليًّا، فإنه لا يحتاج إلى ملصق يشير إلى بلد المنشأ، هكذا أخبره الرجل في مكتب الشركة. عاد كيفن إلى المتجر واشترى ثلاث علب من الصنوبر النامي في أمريكا.

وشجع الأطفال على الالتزام بالمقاطعة أيضًا؛ فبعد رحلة إلى المتجر للبحث عن بنادق مائية وبالونات مياه، وجَّه الطفلة نحوي وأشار عليها بأن تقول لي ما اكتشفوه على الرفوف.

قالت صوفي: «بالونات»، وبعبوس متزايد «الصين.»

وأضاف كيفن في مرح: «ولم يحالفنا الحظ في البنادق المائية أيضًا.» وحاولت سماع أثرٍ للسخرية في صوته، لكني لم أستطع سماعه. «سوف نواصل البحث.»

وحالفه الحظ في صيد نظارة شمسية لِويس؛ إذ كان يتجوَّل في سوق بجوار الشاطئ ذات يوم والتقط أول نظارةٍ رآها. كُتِب على الملصق «صنع في تايوان».

كان هذا النصر الاستثنائي قصير الأجل — فقد لَوَتْ صوفي ذراع نظارة ويس الجديدة بعد بضعة أيام — لكن كيفن هزَّ كتفيه بلامبالاة وقال:

«إنه لم يحب ارتداءها على أي حال. هذا ليس أمرًا جللًا.»

•••

فعلت صوفي اليوم شيئًا لم يفعله طفل في أمريكا، وربما لم يسبق أن فعله طفل في العالم: كانت تتبعني في مَمرِّ الألعاب في السوق والتقطت علبة، ونظرت في الجانب السفلي، وتمتمت قائلة: «الصين» كما لو كانت تقرأ، ثم أعادت العلبة إلى مكانها على الرف. كان ينبغي أن أتوقَّع حدوث هذا — فرغم كل شيء، القرد يرى، ثم يُقلِّد — ولكني تفاجأت بأدائها. كانت أول فكرةٍ طرأت عليَّ: ماذا فعلت؟ والتالية: هل يمكن التراجع عنه؟ أي نوع من الأمهات هي التي تُعلِّم طفلتها الخوف من الألعاب الصينية؟ وإن كانت تخاف من الألعاب الصينية، فماذا بعد ذلك؟ الخوف من الصينيين؟

لقد كنت قلقةً بالفعل حيال تفكير ويس، الذي يعتقد أن خدمة العملاء السيئة تستحق حدوث مجاعةٍ للشعب الصيني، وها هي الآن طفلة تزن ٢٥ رطلًا مصابة برهاب الأجانب. ليساعدْني الرب. كان كل هذا خطئي وكنت أُدرِك ذلك. وكان لديَّ شأن آخر يتطلب فعلًا فوريًّا بين يديَّ، كأن هذا لم يكن كافيًا. في طريقي للخروج من الباب أتيت بفعلٍ أحمق؛ حيث وعدت الأطفال بأنني سأجلب لهم معي لعبة من المتجر، وهو عرْض متهوِّر لم يُنسَ تقريبًا في هذه المرحلة، نظرًا لما تعلمته عن منشأ اللعب في المتجر. جذبتُ يد صوفي، وقُدتُها نحو قسم الدُّمى، وشعرت بضيقٍ في صدري نتيجة هذا النذير.

وهناك تعلمت شيئًا غير متوقَّع عن الدمية باربي. إنها ليست صينية تمامًا؛ فهي إندونيسية جزئيًّا. طالما كنت مفتونةً بباربي، وليس فقط لأن والدَيَّ حاولا دون نجاحٍ يُذْكر حظرها عليَّ في طفولتي على أسس الأبوة التقدمية. أحببتها لأنه لا يوجد دمية أخرى تملك هذه الإكسسوارات الرائعة؛ الحذاء الصغير ذا الكعب العالي، وسترة السباحة، وحقيبة اليد. وهي جميعًا أشياء بغيضة في نظر والديَّ؛ وهو ما جعلني أشعر أنها لا تُقاوَم؛ لذا لا حاجة لي أن أقول إنني تفحصت الكثير من دُمى باربي هذا العام، وما اكتشفته هو أن باربي دائمًا ما تأتي من الصين، وأيضًا الحذاء ذا الكعب العالي وسيارة الشاطئ الخاصة بها وغيرهما من الملحقات.

وبرغم عشرات دُمى باربي الصينية التي كانت محيطةً بي، وجدت دمية إندونيسية وحيدة ترتدي تنورة باليه وسروالًا ضيقًا وردي اللون. شعرت بحيرة من وجود هذه الدمية. كيف يمكن أن تستفيد شركة ماتيل من صناعة باربي في إندونيسيا بينما تصنعها مصانعها في الصين بالملايين؟ فكرت في شيء آخر؛ ماذا يمكن أن تقول أمي إذا أحضرت الدمية لصوفي لتلعب بها في المنزل؟ ربما لن تقول أي شيء على الإطلاق؛ وهو ما يعني أنني لمست وترًا حساسًا حقًّا.

من المغري شراء باربي الإندونيسية لأنها لا تكلف سوى ستة دولارات ولأنها ستكون وسيلة مسلية لرد الصاع لوالدتي لإعطائها كيفن ذاك الصندل، ولكني لم أستطع تمامًا إجبار نفسي على فعل ذلك. ليس لأن الصندل كان له جانب إيجابي تجسَّد في تحسين الحالة المزاجية لكيفن؛ مما يُسهِّل عليَّ مسامحة أمي، ولا لأني مثقلة ببعض المثاليات النبيلة حيال اللُّعب المناسبة للفتيات؛ فأنا لا أعتقد أن الدُّمى تُمثِّل قدوة جيدة، سواءٌ أكانت رفيعة القوام أم بدينة. المشكلة ليست في عدم ملاءمة دُمى باربي لسن صوفي الصغيرة، على الرغم من أن هذا صحيح بالتأكيد. لم أشترِ باربي الإندونيسية؛ وذلك لسبب بسيط هو أن دُمى باربي الأخرى، تلك الدمى الصينية التي لوَّحت الشمس بشرتها ومناشف الشاطئ تروقني أكثر.

وسرعان ما جُزيت بما صبرت، وذلك حين تقدمتُ في الممرِّ عندما وجدت لعبة إطلاق كرات مكسيكية بسعر خمسة دولارات، وزجاجة لصُنْع فقاعات الصابون أمريكية الصنع. وفي وقت وصولي إلى المنزل، كان لديَّ أمر واحد فقط يُقلقني: إظهار شعور الحب الأخوي لدى طفلتنا الصغيرة الكارهة للصين. وهذا عمل شاق، لا شك في ذلك.

•••

في عيد زواجنا السابع عشر اكتشفنا نعمة الجلوس على شاطئ البحر عند غروب الشمس وجاذبية مخلفات الآخرين الصينية.

كنا على الشاطئ في سان دييجو، نتتبع الأطفال على طول الرمال الرطبة في ضوء النهار المتلاشي، عندما عاد ويس سريعًا إلينا حاملًا دلوًا بلاستيكيًّا شفافًا في يديه. كان يحتوي على عدسةٍ مكبرة موصولة به لرؤية الكائنات البحرية.

سألَنا: «هل يمكنني الحصول على هذا؟ هل هذا من الصين؟»

فسألته من أين حصل عليه، فأشار إلى معالم هشة لقلعة رملية مهجورة. نظرت إلى كيفن، الذي رفع كتفيه ومدَّ كفيه. تفحصت الشاطئ بحثًا عن أصحاب محتملين للدلو، لكن الشاطئ الرملي كان خاليًا تقريبًا بحلول هذا الوقت. تخلَّى أصحاب الدلو عنه. وهذا يعني أن هذا الدلو الصيني — ألقيت نظرة سريعة على أسفله — مخلفات صينية، والمخلفات الصينية معفاة من المقاطعة على غرار الهدايا الصينية والأشياء الصينية المقدَّمة من الآخرين.

قلت لِويس: «يمكنك الحصول على الدلو.»

فسألني: «وماذا عن هذه الأشياء؟» واستدار وأشار نحو الشاطئ الذي كان مليئًا باللعب المنسية، التي كان كثير منها مُلقًى بالقرب من المياه؛ حيث جعلتْها موجات المدِّ تتهادى عبْر الرمال. وإذا لم نُنظف المكان من هذه الأشياء، فسوف ينتهي بها المطاف في حلقوم طيرٍ بحري أو ربما حوت.

فقلت له: «أحضر ما تريد.»

بعد نصف ساعة، خرجنا من موقف السيارات عند الشاطئ بصندوق سيارة مليء بمعاول ودلاء ومجارف وأسطال صينية. وعندما دخلنا في زحمة المرور، قيَّمت تأثير المقاطعة على عطلتنا. صحيح أننا لم نعثر على بنادق مياه أو بالونات مياه غير صينية، ولم يحصل الأطفال على ألعاب شاطئ حتى أيامنا الأخيرة من العطلة، ولكن في النهاية مرَّت العطلة على ما يُرام، بل أفضل من ذلك. والليلةَ ساعدْنا في تنظيف الشاطئ من البقايا؛ وهو الأمر الذي لم يكن ليخطر ببالنا لو كنا حصلنا على ألعاب الشاطئ بالطريقة التقليدية، وهي شراؤها. وتعلمت تخطي فكرة أن الغرباء يُحدقون في قدمَي كيفن؛ أو كدت أتخطاها على أي حال. لم تَحرِمنا مقاطعة الصين من الأمواج والرمال والشمس. وبالتأكيد، انتهى بنا الأمر باثنين من المُبرِّدات الصينية الممنوعة كتذكارات، ولكن كان يمكن أن يكون الوضع أسوأ من ذلك.

في الوقت نفسه، توقَّعت حدوث مشكلات؛ ففي غضون أيامٍ قليلة ستنتهي عطلتنا وسأعود إلى المنزل، مع عدم امتلاكي لطابعةٍ تعمل، فضلًا عن الدبابيس. قبل مغادرتنا لقضاء الإجازة، استقلت من وظيفتي في مجلة الأعمال للعمل ككاتبة حرة بدوام كامل، وهو ما كان يعني أنني لم أعد أستطيع الطباعة في المكتب بعد الآن. من الناحية النظرية، يمكن أن أطلب من كيفن استئناف طباعة الأوراق لي في مكتبه في الجامعة، لكني أشك أن دعمه للمقاطعة ليس قويًّا، رغم تشجيعه في الآونة الأخيرة. خلاصة القول هي أن خيارات الطباعة لديَّ كانت تَنفد، بل كانت قد نَفِدتْ بالفعل. كانت قد نَفِدتْ جميع بدائل الطباعة لديَّ، وهي المشكلة التي تُشكِّل تحديًا لا يُستهان به في مجال عملي الذي اخترته.

كنت أُحدق من النافذة إلى السيارات السريعة في الظلام وأشعر بالأسى على نفسي عندما تذكَّرت سلاحي السري في المعركة ضد خراطيش الطابعات الصينية. لا أستطيع أن أُصدِّق أنني نسيت سلاحي السري. اكتشفت هذه الورقة الرابحة قبل فترةٍ وجيزة من سفرنا لقضاء الإجازة؛ وهي ما سمح لي بالمماطلة خلال عطلتنا دون كثيرٍ من القلق؛ ففي كل مرةٍ أشعر فيها بقليلٍ من الذعر، كنت أفكر في هذه الخطة الاحتياطية وأُهنئ نفسي على ذكائي الحاد.

وقررتُ استخدام سلاحي السري في اليوم الذي بدا دائمًا أنه سيحلُّ قريبًا جدًّا: غدًا.

•••

قال الشاب لي: «لا يمكنني القيام بذلك. أي خرطوشة أخرى، ولكن ليس هذا النوع.»

وقال شيئًا عن شكل خرطوشة طابعتي، أو ربما نوع المواد الكيميائية في داخلها، ولكني أغفلت التفاصيل بسبب ذهولي من الأخبار السيئة التي أخبرني بها لتوِّه؛ فقد قال لي إنه لا يستطيع إعادة ملء خرطوشة طابعتي الفارغة التي حشرتُها في حقيبتي وحملتها إلى كاليفورنيا على أمل أن أتمكَّن من إعادة ملئها بالحبر وتجنُّب عملية اصطياد بديل غير صيني.

كانت تلك الخرطوشة هي سلاحي السري في تحدِّي الخرطوشة الصينية؛ فقد بدا لي الأمر كالمعجزة عندما علمت أن البلد مليء بمتاجر هدفها الوحيد هو إعادة ملء خراطيش الطابعة بحيث يمكن استخدامها مرةً أخرى. لم أستطع أن أُصدِّق حُسن حظي عندما وضعتْ صديقة لي قائمة بمتاجر متعددة الفروع على مكتبي في العمل. عندما بحثت عن هذا المكان في دليل هاتف والدتي في الليلة الماضية، بدا لي أن حظي يتحسَّن. إنه لا يَبعُد عن منزلها سوى بضعة أميال في مركز تجاري قديم كنت أذهب إليه منذ كنت طفلة.

وفي هذه اللحظة، كانت الجدران تنهار فوق رأسي.

سألت الشاب: «هل تعتقد أنه يوجد متجر آخر يمكنه إعادة ملئها؟»

هزَّ رأسه نفيًا وقال:

«ليس هذا النوع؛ فهو غير قابل لإعادة التعبئة. لا هنا ولا في أي مكان.»

استدرت استعدادًا للرحيل، ثم فكَّرت في شيءٍ آخر. سألته عن مكان صُنع الحبر الذي تستخدمه شركته لإعادة ملء الخراطيش، فقط من باب الفضول.

أجاب ضاحكًا: «كندا.»

مشيت وأنا أجرُّ قدميَّ وخرطوشتي القديمة عائدةً إلى السيارة. كان الجو حارًّا إلى حدٍّ بغيض هذا الصباح. وصلت إلى المركز التجاري في وقتٍ مبكر جدًّا، بينما كانت معظم المحلات التجارية لا تزال مغلقة. قضيت ساعة أتفقَّد نوافذ عرض المتاجر المغلقة بالقضبان الحديدية على البضائع متسائلةً كم منها صيني. اشتريت حلوى من ماكينة لبيع الحلوى، وحاولت حجب صوت موسيقى الخلفية الدائرة في المركز التجاري المختلطة بأصوات أغاني الراب والروك المتنافرة التي تأتي من داخل المتاجر، حيث كان العُمَّال يستعدون لهذا اليوم. والآن جاءتني هذه الأخبار المحبطة. كان من المحبط جدًّا أن أكون قريبةً لهذا الحد من حلٍّ غير صيني للطباعة — الحبر الكندي — ثم أُضطَر إلى الرحيل خالية الوفاض.

توجَّهت بالسيارة إلى منزل والدتي، وقرَّرت قضاء بقية اليوم في فعل ما كنت أفعله حيال مشكلتي مع الطباعة طوال أغلب الشهرَين المنصرمَين، وهو ألَّا أفعل شيئًا على الإطلاق.

•••

لا بد أن مدبرة منزلنا دلَّلت الكلب خلال عطلتنا في كاليفورنيا. لقد مرَّت ثلاثة أسابيع منذ رأيناه آخر مرةٍ ولكن ريك بدا خائب الأمل عندما دلفنا من الباب الأمامي في مساء هذا اليوم الرطب الحار من شهر أغسطس؛ فقد حرَّك ذيله بالكاد قبل أن يرتميَ على أرضية المطبخ مرةً أخرى متنهدًا، شاعرًا بالملل منَّا بالفعل.

كان المنزل صينيًّا أكثر قليلًا مما كان عليه عندما تركناه. كما تحسَّن أيضًا على نحوٍ طفيف؛ فاستبدلت مدبرة المنزل بستارة الحمام التي غيَّر لونَها العفنُ واحدةً جديدة مصنوعة في الصين. أما الصبي المراهق الذي استعنَّا به لجز العشب فقد اشترى لنا سلك تمديد كهربيًّا صينيًّا جديدًا بعد أن سار بآلة جز العشب على السلك القديم فقطعه نصفين. وفيما بعدُ، بعدَ بضعة أيام، اكتشفنا شيئًا آخر في المنزل؛ اكتشفنا أن الفئران قد عادت. في هذه المرة لم نناقش مصائد الفئران الرحيمة. وزَّع كيفن مصائد فئران أمريكية واصطاد فأرين في أول أسبوع بعد عودتنا إلى المنزل.

بدا لنا أن هذه نهاية لمشكلات الفئران، لكنني أدركت لاحقًا أنها ليست إلا بداية النهاية؛ فقد أتت النهاية بعد أسابيع عندما صادفنا فأرًا رفض أن يأكل الطُّعم. في الواقع، كانت المشكلة هي أنه أكل الطُّعم — الجبن وزبدة الفول السوداني — بالفعل وتمكَّن رغم ذلك من الفرار سالمًا إلى المساحة الفارغة تحت حوض المطبخ. تساءلت هل هذا الفأر يمتلك موهبة نادرة وسيراوغنا إلى ما لا نهاية، ولكن كيفن خلُص إلى أنها ليست سوى مسألة وقتٍ قبل أن نسمع صوت الفرقعة المألوف في منتصف الليل.

وأضاف: «الجرذان ذكية، على عكس الفئران المعروفة بالغباء.»

أتفق أنا ووالدتي أيضًا أن الفئران ظريفة. تذكَّرت هذا الأمر في وقت ما بعد الظهيرة من ذلك اليوم عندما أنجزت ما كنت أحسبه بالخطأ مستحيلًا؛ فقد قبضت على فأر حي بمصيدة رحيمة منزلية الصنع؛ مصيدة فئران رحيمة منزلية الصنع من تصميمي. لا يوجد أحد أعرفه اقترب من اختراع شيء من هذا القبيل؛ فأصدقاؤنا وجيراننا الذين ينزعجون من الفئران يَلجَئون إلى المصائد اللاصقة القاسية التي تستخدم السم والتي تطيل معاناة الفأر لساعات أو ربما أيام، ومصائد الفئران التقليدية التي تتعامل مع الأمر بفرقعةٍ مفاجِئة سريعة. لا يوجد أحد نعرفه حاول من قبلُ فعل ما حقَّقتُه في مصيدتي.

ربما تكون كلمة «مصيدة» كبيرةً بالنسبة إلى وصف ما صنعتُه للقبض على فريستي؛ ربما تكون كلمة أداة غريبة أكثر ملاءمة لها، ولكن النتيجة النهائية هي ما يهم؛ فأر حقيقي حي قَبضتُ عليه دون أي مساعدة من الصين أو أي شخصٍ آخر.

هكذا فعلتُها. كنت جالسةً مرةً أخرى إلى طاولة المطبخ، أتفقَّد بريد اليوم، عندما سمعت مرةً أخرى صوت خربشةٍ رقيقًا في الخزانة تحت حوض المطبخ. كانت مألوفةً على نحوٍ مخيف، ووجدت نفسي أكرر الاستراتيجية نفسها التي استخدمتها في المواقف السابقة، مع عدم توقُّع حقيقي للنجاح. نهضت وأمسكت منشفة أطباقٍ وتسللت على أطراف أصابع قدميَّ نحو الخزانة. ولكن هذه المرة، بعد أن فتحت باب الخزانة بهدوء وسحبت ببطءٍ سلة المهملات نحوي للنظر من فوق حافتها، وجدت شيئًا ينظر إليَّ؛ فأرًا بُنيَّ اللون ممتلئ الجسم، يُحرِّك أنفه بتخبُّط ويبدو عليلًا في قاع سلة المهملات الفارغة. كان قد تمكَّن بطريقةٍ ما من التسلق والدخول إلى سلة المهملات، ولكنه الآن عالق في قاعها غير قادر على تسلق الجوانب الناعمة للبلاستيك المحيط به.

همست للفأر قائلة: «لا تتحرك.»

فلم يتحرك.

وفجأة، أدركت أن منشفة الأطباق التي أمسكتها في يدي لا فائدة منها على الإطلاق. رميتها على المنضدة، وأدرت عينيَّ في أرجاء المطبخ، ثم مددت يدي إلى لوحة تقطيع بلاستيكية كبيرة عند نهاية الطاولة. بعد ذلك سحبت سلة المهملات بحذر إلى خارج الخزانة ثم سرعان ما وضعت لوحة التقطيع فوقها. كنت أستطيع أن أشعر بقفزات الفأر إلى أعلى، ولكن هذا الفأر لن يذهب إلى أي مكان؛ على الأقل في هذه اللحظة.

عندما عاد الأطفال إلى المنزل كانوا يتناوبون النظر داخل سلة المهملات وإلقاء أجزاء من خبز القرفة القديم على طريدتنا. أشار ويس إلى أن الفأر سيكون حيوانًا أليفًا جيدًا، ولكن كيفن سبقني إلى الرد البديهي السريع.

فقال: «هذا مستحيل.»

بعد العشاء نفذتُ الجزء الثاني من خطة الاصطياد وإطلاق السراح؛ حيث أطلقنا سراح الفأر. ركب الأطفال السيارة وقدناها إلى منطقة البحيرة حيث يعيش الأغنياء. كنت جالسةً في السيارة واضعةً سلة المهملات فوق ركبتي. لم يكن الوضع مريحًا للغاية ولم أكن أستطيع الرؤية من السلة، ولكن كنت أخشى أن تسقط لوحة التقطيع لو لم أُثبِّتها في مكانها. لم أرد أن أُخاطر بصعود الفأر للحافة والهروب إلى داخل السيارة. لم يبقَ سوى شارع واحد من المنازل حينما طرح ويس السؤال الذي كان يدور في ذهني منذ أن خرجنا من محيط المنزل.

«ماذا سيحدث إذا تحرَّر الفأر في سيارتنا؟»

قلت مطمئنةً: «لن يحدث شيء.» على الرغم من أن هذا ليس صحيحًا. لقد كانت لديَّ خطة فرار حال تحرَّر الفأر في سيارتنا التويوتا؛ لقد خطَّطتُ أن أفتح باب السيارة وأن ألقيَ بنفسي إلى الخارج تاركةً الرجل والصبي والفتاة والفأر يتدبَّرون شئونهم بأنفسهم. توقَّعت ألا يؤلمني ذلك كثيرًا؛ فقد كنا نسير بسرعة حوالي اثني عشر ميلًا في الساعة، وكنت ممسكةً بسلة المهملات أمام جسدي لتخفيف سقوطي.

وصلنا إلى البحيرة دون وقوع حوادث، ووقفنا على حافةٍ موحلة، وخرجنا من السيارة. نظرتُ حولنا لأرى هل يرانا من أحد، نِصفَ آملةٍ أن يعترض شخص غريب، لمجرد سماع ما سيقوله له كيفن. ولكن لم يكن هناك أحد سوانا.

أوقف كيفن الطفلين جنبًا إلى جنبٍ ووضعتُ سلة المهملات أمامهما.

وقلت آمرةً الطفلين: «راقبا عن كثب، سينتهي هذا سريعًا.»

وقد حدث بالفعل. نزعت لوحة التقطيع وأوقعت سلة المهملات على جانبها، فهرب الفأر منها بسرعة؛ وشاهدناه يقفز في الحشائش بالقرب من المياه. لم يستغرق الأمر برُمَّته سوى ثلاث ثوانٍ. لم ينظر الفأر خلفه. كان يائسًا للغاية. كانت عينا ويس مُركِّزةً على الفأر خلال فترة ظهوره الوجيزة، ولكن صوفي كانت تنظر إلى بعض البط وأغفلت الموقف كله.

كانت مراسم إطلاق السراح مخيبةً للآمال، ولكن رغم ذلك، بينما كنا نقود السيارة عائدين إلى المنزل، كدتُ أطير فرحًا؛ فقد هزمت الصين في لعبة مصيدة الفئران الرحيمة، على الأقل هذه المرة. في هذا اليوم، تفوَّقت على النظام، الذي يتطلب أن تقتل الفأر إذا لم تكن ترغب في شراء المصائد الصينية أو استخدام المصائد اللاصقة أو السم أو الاستسلام والعيش مع الفئران. لا أحد يستطيع أن يسلبني هذا النصر.

وبعد بضعة أيام، أمسك كيفن ما يبدو مرةً أخرى أنه آخر فأر لذلك العام باستخدام مصيدة أمريكية كان قد وضعها تحت الحوض، تحسُّبًا لهذا الموقف. كنت متأكدةً من أنه لا يمكن أن يكون الفأر نفسه الذي أطلقنا سراحه عند البحيرة — هل هذا ممكن؟ — ولكن رغم ذلك أضاع هذا الفأر بريق انتصاري للمقاطعة.

•••

التقت جارتنا بكيفن في المتجر صدفةً وسألته هل الأكياس البلاستيكية الخاصة بمتاجر البقالة تُصنع في الصين أم لا. يُنبئني حدْسي أن الإجابة هي لا. كان تفكيري هو أنها لا يمكن استيرادها لأنه لا بد أن إنتاج أكياس رقيقة محليًّا سيكون رخيصًا للغاية. لم أُفكِّر قط في هذا، وليس لديَّ أي قاعدةٍ تغطي ذلك.

أرَّقني سؤالها ليومٍ أو يومين حتى فكَّرت في فحص بعض أكياس البقالة القديمة في غرفة الغسيل. لم أتمكَّن من العثور على أي كلمات مطبوعة بخط صغير تخبرني أين صُنعت الأكياس. ولأكون بمأمن، بدأت أطلب أكياسًا ورقية في متجر البقالة، على الرغم من أن هذه الأكياس لا تُبيِّن مكان منشئها. وضعت ثقتي في حدْسي: تبدو الأكياس الورقية أمريكية.

وضع الحلقة الأضعف حدًّا لقراءة الكلمات المطبوعة بخط صغير على الأكياس البلاستيكية أو طلب الأكياس الورقية.

قال كيفن: «هذا يتجاوز كل الحدود. لن أفعل ذلك.»

لم أجرؤ على الضغط على هذه النقطة.

اشتريت زينة لكعكة عيد ميلاد ويس على شكل سكوبي دو قبل ثلاثة أشهر من عيد ميلاده. ربما أُصِبتُ بجنون الشك، ولكني لن أخاطر بأن تنتقل الشركة الفرنسية التي تصنع الزينة إلى الصين في الأشهر المقبلة.

العالم يتغيَّر بسرعة، وعليك أن تكون مستعدًّا.

•••

استغرقتُ ستَّ ساعات من المكالمات الهاتفية والبحث باستخدام الكمبيوتر لكني حللتُ في النهاية معضلة خرطوشة طابعتي. وجدت مكانًا في فينيكس يبيع خراطيش لا تحمل علامة تجارية يبدو أنها مصنوعة في إلينوي وتُملأ بحبر ياباني.

قلت «تبدو» لأنني لست على يقينٍ من مكان صُنْعها؛ فقد أخبرني الرجل الذي حدَّثني عبْر الهاتف أنها تُجمَّع في إلينوي، ولكن عندما سألته إذا كان ذلك يعني أنها مصنوعة في إلينوي، صَمَت. لا أسعى إلى أن أكون صعبة المِراس — أبدًا — لذلك حاولت أن أشرح له.

قلت: «أتساءل فحسب هل القطع البلاستيكية صُنعت في مكانٍ آخر، ربما الصين مثلًا، ثم جُمعت فحسب في إلينوي؛ فكلمة مُجمَّعة جعلتني أتساءل.»

ساد صمتٌ من جانبه، ثم قال: «أعتقد أنها مصنوعة في إلينوي.»

كان يحاول التخلُّص منِّي ليس أكثر، ومَن يمكن أن يلومه على ذلك؟

كنت آمل حقًّا ألا تكون هذه الخراطيش مصنوعةً في الصين لأن الحد الأدنى للطلب سيوفر ما يكفي من الحبر لثمانية آلاف صفحة. ربما أستغرق سنوات لاستهلاك كل ذلك الحبر الكثير. لم تكن سياسة ذلك المكان في فينيكس هي التي ستمنعني من إعادة الخراطيش إذا اتضح أنها صينية؛ إنما سياسة كيفن هي التي كانت ستقف ضد إعادتها إذا اتضح أنها صينية. أجفلت وأنا أتخيَّل ما يمكن أن يقول إذا أخبرته أنني سوف أقضي قدرًا كبيرًا من يوم عملي في رحلات سريعة من المكتبة العامة وإليها لطباعة الصفحات؛ لأنه كان ينبغي عليَّ إعادة الخراطيش الصينية التي كانت ستسمح لي بالطباعة في المنزل.

دفعت تكاليف الخراطيش ببطاقة الفيزا الخاصة بي، وأنهيت المكالمة الهاتفية، وتمنيت حدوث أفضل ما يمكن حدوثه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠