الفصل الأول

الشك واليقين

(١) مذهب الشك

إذا كان لنا عقل فهل يعقل الوجود؟ وهل يعقله على حقيقته؟ لقد تضاربت آراء الفلاسفة في الإجابة عن هذين السؤالين أشد التضارب. إن الناس في جملتهم يعلمون أنهم يخطئون أحيانًا في الإدراك الحسي، ويخطئون أحيانًا في الاستدلال العقلي، ولكنهم يصححون أخطاءهم ويظلون على الاعتقاد بأن حواسهم آلات حسنة لمعرفة الأشياء، وأن عقلهم آلة صالحة للتصور والاستدلال. والفلاسفة منهم يعتقدون مثل هذا بالفعل، ويحيون وفقًا لهذا الاعتقاد، ولكن بعضهم حين يفلسفون ينساقون إلى نظريات تستتبع الشك في قيمة المعرفة فيشكون فيها.

كانت الفلسفة اليونانية ما تزال في مهدها لما ارتأى بارمنيدس أن العالم كائن واحد ساكن، فنتج لديه أن ما تظهرنا عليه الحواس من موجودات متكاثرة متغيرة إنما هو محض وهمٍ. واقتنع معاصره هرقليطس بأن الأشياء في تغير متصل، فاستنتج من ذلك أتباعه من السفسطائيين أن الإحساس تغير ذاتي تابع لحالتنا البدنية ولحالة الأشياء منا، وأننا من ثمة ندرك انفعالنا بالأشياء ولا ندرك الأشياء أنفسها، وكان ديموقريطس قد ذهب إلى أن الموجودات مؤلفة من ذرات متجانسة غير مكيفة. ولما كانت حواسنا تصور لنا كيفيات في الموجودات، فقد صارت الحواس متهمة بالخداع. وتوالت المذاهب والآراء في نقد الحواس ونقد العقل، وتكونت مدرسة شكية أخذت على نفسها مهاجمة المعرفة الإنسانية والتوقف عن إثبات أي شيء.١ وموضوع هذا الباب الثاني تمحص تلك المذاهب والآراء في ترتيبها التاريخي الذي يبين تأثر اللاحق منها بالسابق، فيساعد على فهم نشأتها وتطورها، ثم الدفاع عن موضوعية الإدراك الحسي ووجود العالم الخارجي، وأخيرًا الدفاع عن موضوعية الإدراك العقلي للماديات، وعن كفاية العقل لتكوين ما بعد الطبيعة، بحيث نصل إلى آخر هذا الباب وقد فزنا بالثقة بالعقل وبالحواس، وانفتحت أمامنا الآفاق إلى كل الوجود.
ترجع الحجج التي جمعها قدماء الشكاك من اليونان وخلفوها لمن جاء بعدهم إلى الأربعة التالية:
  • أولًا: الأخطاء التي يقع فيها الناس، ومنها أخطاء الحواس، وأخطاء الوجدان في اليقظة والمنام، وأخطاء الذاكرة، وأخطاء الاستدلال، وهذيان المحمومين، وتخيلات المجانين. إن البرج المربع ويبدو لنا عن بُعد مستديرًا، والمجذاف يبدو منكسرًا في الماء، ومتى سارت بنا مركبة أو سفينة بدَا الطريق وبدَا الشاطئ كأنه يسير. ونحن جميعًا نعتقد بحقيقة ما يتراءى لنا من الصور في الأحلام، فلِمَ لا تكون اليقظة وهمًا كالحلم؟ والذي نسميه مجنونًا لا يعرف أنه مجنون بل يظن نفسه عاقلًا، فما يدرينا أن عقلنا ليس جنونًا؟ ولما كان التصديق مصاحبًا لتصوراتنا جميعًا، فبأية علامة نميز الحق من الباطل؟ وما الذي يضمن لنا أننا لا نخطئ دائمًا؟
  • ثانيًا: اختلاف الناس في إحساساتهم وآرائهم وعقائدهم وأخلاقهم وعاداتهم، حتى ليمتنع التوفيق فيما بينها على من يحاوله، والمذاهب الاعتقادية متعارضة يهدم بعضها بعضًا، ومع ذلك فكل مقتنع برأيه متعصب له. إن هذا الاختلاف الشامل دليل ساطع على عدم وجود حقيقة بالذات، أو على عدم استطاعتنا الوصول إليها إن وجدت.
  • ثالثًا: امتناع البرهان التام، فإن البرهنة على قضية ما تستلزم الاستناد على قضية أخرى، وهذه تستلزم الاستناد على ثالثة، وهكذا إلى ما لا نهاية. فنحن مسوقون إلى التسلسل دون أن نستطيع الوقوف عند حد وإرساء العلم على أساس.
  • رابعًا: امتناع التدليل على صدق العقل، وهذا الدليل واجب؛ إذ من الخلف الوثوق بالعقل قبل الاستيثاق من إمكان الوثوق به، ولا نستوثق من هذا الإمكان إلا بالعقل، ولا يصح أن يكون العقل حكمًا في صدقه هو، أو نقع في دور لا مخرج منه.

والشكاك لا ينكرون شعورهم باليقين الأولي الحاصل لجميع الناس بالإحساسات الظاهرة والباطنة؛ إذ إن التصديق بها طبيعي لا يقاوم، وكان شأنهم معها كشأن جميع الناس في الحياة العادية. وقد روي أن إمامهم «بيرون» اضطر ذات يوم إلى الهرب من كلب، فأخذ يركض وهو يقول: «ما أصعب التخلص من الطبع!» ولكنهم يقولون: إنهم يمتحنون هذا اليقين الأولي فلا يجدون له مبررًا يحيله يقينيًّا عقليًّا، وإن الموقف الحكيم في هذا الامتحان أو البحث النقدي اللاحق على التصديق الأولي إنما هو تعليق الحكم والقول «لا أدري». فالشاك يعلم مثلًا أن هذا الشيء يبدو له أبيض، وهو يصرح بذلك، أي روي إحساسه، ولكنه لا يؤكد أن الشيء في ذاته أبيض، فكانت في ذهنه فجوة بين المعرفة النقدية والحياة العملية، وكانت هذه الفجوة مثار اعتراض قوي على الشكاك هو وقوعهم في التناقض. فابتدع أحد مشاهيرهم «قرنيادس» نظرية الرجحان لتسويغ الإرادات والاختيارات؛ قال: ليست التطورات سواءً، وإنما هي تتفاوت درجات: فمنها ما إذا اعتبر في ذاته بدَا راجحًا، ومن هذا الفريق ما إذا قورن بغيره فلم ينافه ازداد رجحانًا، أو بدَا متسقًا معه مؤيدًا له فازداد رجحانًا على رجحان. فالشكاك كلما أقبلوا على شئون الحياة أمكنهم أن يُؤثِروا رأيًا على آخر بناءً على رجحانه مع احتفاظهم بارتيابهم في النظر.

هذه الأقوال ما أوهنها وما أيسر تفنيدها؛ إنها تحمل في ثناياها دلائل تهافتها، وتشير بذاتها إلى أسباب فسادها. كيف يتخذ من الخطأ دليلًا ضد الحقيقة، والخطأ لا يدعي كذلك إلا بالنسبة إلى الحقيقة المعلومة يقينًا؟ دليل على وجود الحقيقة، فليس هو محتومًا متصلًا. وإذا كنا نخطئ فنحن لا نخطئ دائمًا، ونحن نصحح أخطاء الحواس بمعارضة حاسة أخرى، وبالتجربة السابقة، وبالعقل والبرهان، ونصحح أخطاء العقل بمعارضة معارفه بعضها ببعض، وبتقدير نتائجها. ومن ذا الذي لم تُعلِّمه الأيام أن الأشياء تختلف عند الحس باختلاف مسافاتها منه، واختلاف أوضاعها، واختلاف وقوع الضوء عليها؟ ومن ذا الذي لا يميز بين إدراك السليم وإدراك المريض، وبين إدراك اليقظان وإدراك الحالم، وبين إدراك العالم وإدراك الجاهل؟ فكل ما يتعين على الفيلسوف وهو ينظر في مسألة الخطأ لا يعدو تعريف الخطأ وتعريف الحقيقة وتحديد الوسائل والمناهج للتمييز بينهما، لا إنكار قدرتنا على إصابة الحقيقة بتاتًا لكوننا نخطئها أحيانًا.

وليس اختلاف الآراء محتومًا متصلًا؛ فإن الناس متفقون على أمور كثيرة نظرية وعملية، مجمعون على كثير من الحقائق الواقعية والمبادئ العقلية، ولولا ذلك لامتنع التفاهم بينهم وامتنعت كل حياة اجتماعية، ولا يبدو اختلافهم إلا في الأمور المعقدة والمسائل الدقيقة. وليس الاختلاف دليلًا على فساد العقول؛ فقد يكون السبب فيه اختلاف الظروف البيئية والتاريخية، أو اختلاف وجهة النظر: فمن المعقول أن يصطنع كل شعب السيرة التي تلائم أحوال معيشته، فيكون لأهل البلد البحري من الخصائص والعادات غير ما لأهل البلد البري. ومن المعقول أن ينظر كل شعب وكل فرد إلى مصلحته الخاصة، فيكون حكمه حكمًا حقًّا من هذا الوجه. وفي الأخلاق نرى اتفاقًا على المبادئ العامة، ولا يبرز الخلاف إلا في تطبيقها بسبب الجهل أو الهوى: فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن الخير (أيًّا كان) مطلوب، وأن الشر (أيًّا كان) مهروب منه، وأن واجب الإنسان السير بمقتضى العقل، وأن العدالة ضرورية عند العقل لابتنائها على المساواة، وأنها لازمة لحياة المجتمع … وغير ذلك من البديهيات التي إذا جحدت فإنما تجحد بالقول فقط لا بالاعتقاد الباطن. فنحن لا ندعي أن الإنسان يعلم الحقيقة بالضرورة أو أن في مقدوره أن يعلم كل حقيقة، وأن جميع أحكامه صادرة عن العقل السديد، بل نقول إنه كفء لأنْ يعلم علمًا يقينًا بأن يرجع بأحكامه إلى العقل؛ يردها أو يصححها أو يُقرها.

وليس البرهان التام تسلسلًا إلى غير نهاية؛ هذا الزعم صادر عن تصور خاطئ هو أن البرهان وحده يولد التصديق، ولكن الحق في هذه المسألة هو أن هناك قضايا بينة بذاتها تتضح النسبة فيها بين المحمول والموضوع حالما نتصورها وبدون واسطة: من ذا الذي يستطيع أن ينكر أن الكل أعظم من الجزء؟ أو أنه يمتنع إثبات محمول ما لموضوع ما ونفيه عنه في نفس الوقت ومن نفس الجهة؟ من ذا الذي يحس في نفسه حاجة لبرهان على قضية من هذا القبيل؟ والقضايا التي من هذا القبيل حقائق حاضرة طبعًا في العقل، ومبادئ مطلقة تنتهي إليها البراهين ويسكن عندها العقل؛ لأن علة التصديق بها موجودة فيها هي. فكما أن التمييز بين النور والظلمة لا يقتضي شيئًا ثالثًا، بل يكفي فيه النور نفسه، فكذلك المبادئ الأولية لا يحتاج بيانها لغير نفسها.

وهذا الرد على الحجة الثالثة يفيد في إبطال الحجة الرابعة الزاعمة أن العقل لا يبرهن على صدقه إلا ويفترض نفسه صادقًا، وأن هذا دور أو مصادرة على المطلوب. إن اقتضاء برهان على صدق العقل قبل كل تعقل لهو عبث محض. وإنما يلتمس البرهان على صدق العقل في التعقل نفسه، كما يستوثق من صلاح أي آلة باستعمالها. فالعقل حين يزاول فعله الأساسي الذي هو الحكم، سواء كان الحكم بديهيًّا أم نتيجة استدلال، يدرك مطابقته للموضوع المحكوم عليه، أي يحس ضمنًا أنه يدرك أن الموضوع هو كما يحكم عليه. وحين يعود على هذا الإدراك ويدرك هذه المطابقة بالفعل يحس بالفعل أنه كفء لإدراك الحق. فليس البرهان ههنا قياسًا حتى يتسلسل من مقدمة إلى أخرى، ولكنه اقتناع بديهي في مزاولة التعقل، وبخاصة، أي بشكل أيسر وأوضح، في التعقل البديهي للمبادئ الأولية.

أما مذهب الرجحان فلم يفد من التقهقر في الشك سوى الإمعان في التناقض. إن الرجحان ابتعاد عن الشك واقتراب من الحقيقة، فإذا لم يكن هناك حقيقة لم يكن هناك رجحان. أو إذا قلنا إن رأيًا أرجح من رأي، كان القصد أن للأول من خصائص الحقيقة أكثر مما للثاني، وأننا نعرف خصائص الحقيقة ونستطيع البلوغ إليها. وإذا كانت قوانا الداركة خادعة بالطبع، كما يعتقد الشكاك جميعًا، فكيف يسوغ لنا أن نستخدمها ونصدقها في الموازنة بين أسباب الرجحان؟ وهذه الأسباب إن كانت محض تصور كانت عديمة الجدوى في النظر وفي العلم على السواء، وإن كانت مجدية كانت جدواها دليلًا ساطعًا على مطابقتها لطبائع الأشياء أي على حقيقتها. لقد ظن أصحاب هذا المذهب أنهم يوفرون لأنفسهم ميزة المذهب الاعتقادي دون أن يتقيدوا بمبادئه، فكانوا بهذا الخلف المتصل الذي وقعوا فيه عبرة لمن يعتبر بعبث منهج التخير في الفلسفة وتهافت الحلول الوسطى التي يتوهم ملفقوها أنهم قطفوا من كل شجرة ثمرة …

الردود السالفة تدفع اعتراضات الشاك. ولكنا لا نقنع بها، ولا نقبل دعواهم أنهم ناقدون معترضون وحسب، بل نريد أن نتحول نحن أيضًا إلى النقد والاعتراض من زيادة في جلاء المسألة وفي إيضاح المنهج القيوم الذي يتعين أن تسير عليه الفلسفة في مشكلة المعرفة، فنبين امتناع الشكل المطلق امتناعًا باتًّا، ووجوب البدء باليقين. أما امتناع الشك المطلق فيبدو من ثلاثة أوجه:
  • الوجه الأول: تعجيز الشاك عن الدعوة إلى مذهبه، وذلك بأن نطلب إليه أن يبرر موقفه ويبرهن على صحة قوله إنه لا يستطيع أن يعلم شيئًا علمًا يقينيًّا، فإن رفض الاستجابة إلى هذا المطلب خشية التورط في الإثبات والنفي، كان لنا أن ننكر دعواه ابتداءً ونؤكد إمكان العلم اليقيني تأكيدًا، من حيث إن ما يثبت جزافًا ينفى جزافًا، وإن حاول أن ينظم برهانًا فمن الضرورة أن يقدم له بمقدمات يقينية فيناقض دعواه بامتناع اليقين.
  • الوجه الثاني: أن في منطوق الشك المطلق تناقضًا أساسيًّا يرده غير مطلق، أي يقضي بيقين واحد على الأقل، وذلك أن الشاك إما أن يعلم وجوب الشك في كل شيء علمًا يقينيًّا، فيعلم علمًا يقينيًّا هذه القضية، وهي أنه ينبغي الشك في كل شيء، ويعلم من ثمة علمًا يقينيًّا أنه لا ينبغي الشك في كل شيء. وإما أن يعلم علمًا يقينيًّا أن مذهبه راجح فقط، فلديه إذن سبب مرجح يأخذ به. وإما أن يعترف بأنه لا يعلم علمًا يقينيًّا ولا راجحًا، وحينئذ فهو لا يضع الشك كمذهب، ويقر بالعجز.
  • الوجه الثالث: أن في الشك نفسه ثلاث بديهيات يأبى كل عقل الشك فيها، بل يصدقها العقل حالمَا يتعقلها. هذه البديهيات هي: وجود الذات المفكرة، وعدم جواز التناقض، وكفاية العقل لمعرفة الحقيقة. أما وجود الذات المفكرة فبينٌ بالفكر ذاته، والذي يفكر يصدق بالفعل أنه موجود فيقول: «أنا أفكر»، ولا يبرهن على وجود الذات المفكرة ولو بقياس إضماري كقولنا: «أنا أفكر فأنا إذن موجود»؛ فإن الوجود المطلوب البرهنة عليه مثبت في المقدمة «أنا أفكر». وأما عدم جواز التناقض، فالشاك يعلمه بداهة كذلك: إنه يعلم ما الشك وما العلم وما الجهل وما اليقيني وما الإنسان وما المثلث … إلى غير ذلك من المعاني، ويعلم أن كل لفظ وكل معنى فهو يختلف عن ضده أو نقيضه، فلا يجمع بين الألفاظ وبين المعاني على ما يتفق؛ فيقر أن اليقين غير الشك، وأن الإنسان غير المثلث، وأن من غير المستطاع الإثبات والنفي في آن واحد ومن جهة واحدة. وأما كفاية العقل لمعرفة الحقيقة، فالشاك يعلمها في علمه بكل بديهية؛ كما قلنا في الرد على الحجة الرابعة، ويعلمها في نفس الشك. فإنه حين ينتهي إلى الشك إنما يُعول على نقد العقل للعقل، وطالما أقام على الشك إنما يعول على حكم العقل بوجود الشك؛ فهو يذعن دائمًا لحكم العقل، فيقع في الدور الذي يتهم به خصومه. فهذه الحقائق الثلاثة متضمنة في كل تفكير، ولا يمكن أن يشك فيها شاك، ولولاها لما وجد شكه، والشك فيها وضع لها في الحقيقة.٢ لقد أصاب ذلك الشاك القديم الذي قال إن فلسفته ليست عقيدة وإنما هي منحى أو اتجاه، والواقع أن الشاك المطلق يحمل نفسه على الشك حملًا، ويعاند البداهة بالإرادة، ويعلق حكمه داعيًا هذا التعليق حكمة على الرغم من التناقض المطبق عليه من كل صوب، ومتى قلنا التناقض عنينا الإفحام والقضاء على التفكير حتى ينحدر الشاك إلى درك النبات.

المنهج القويم في الفلسفة يبدأ إذن من اليقين الطبيعي بالبديهات. وفي الفلسفة الإسلامية «تجربة» جديرة بالذكر في هذا المضمار، هي تجربة الغزالي: فقد حكى في «المنقذ من الضلال» أنه عانى الشك في نفسه لما رأى من اختلاف الملل وكثرة الشُّبه، وأقواها هذه الشبهة: «أن المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكام ويكذبه حاكم العقل، فلعل وراء إدراك العقل حاكمًا آخر إذا تجلى يكذب العقل في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته …» إلى أن قال: «فحاولت لذلك علاجًا، فلم يتيسر؛ إذ لم يمكن دفعه إلا بدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب المبادئ الأولية، فإذا لم تكن مسلمة لم يكن تركيب دليل. فأعضل هذا الداء ودام قريبًا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة، حتى شفى الله تعالى ذلك المرض ورجعت الضرورات العقلية مقبولة موثقًا بها؛ إذ إن الأوليات غير مطلوبة وإنما هي حاضرة لا يشك فيها. ولم يكن كل ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر.» يعني نور الحدس الذي به يدرك العقل الأوليات دفعة دون حاجة إلى برهان. وسواء كانت هذه الحكاية صادقة أم مركبة للتشويق والتفهيم، فإن الحل الذي تنتهي إليه هو الحل الصحيح.

ومتى أذعن العقل لنور الأوليات، أو بالأحرى: متى كفت الإرادة عن الافتتان بالشك وقهر العقل على الانصراف عن نور الأوليات، لم يعد أمامنا مانع من المضي في الفحص عن سائر المسائل لاقتناص ما يتيسر من يقين. إن دعوى الشكاك بأن الحياة لا تعطي يقينًا ما لَهي دعوى بينة البطلان، قادهم إليها مذهبهم الحسي الذي لا يعترف بغير المحسوسات ويستبعد ما فيها وما فيهما بينها بعضها البعض من أمور معقولة. إنهم هم الحسيون الأصليون الملتزمون منطق مذهبهم من مبدئه إلى منتهاه، ولكنهم كانوا واهمين. إن الواحد منهم لَيعلم مثلًا أنه إذا أكل شبع، وإذا لم يأكل ظل جائعًا؛ وهو يأكل ويشرب، ويتذوق ما يأكل وما يشرب، ويتحاشى مواطن التهلكة وأسباب المرض، ويتعاطى الدواء استردادًا للصحة. وفي كل ذلك حكم بأن كذا حق وكذا باطل، وأن الحق خير من الباطل، والأكل خير من الجوع، والصحة خير من المرض، والحياة خير من الموت، وهو يعلم أن القواعد الصحية مأخوذة من طبيعة الجسد الإنساني، وأن الأدوية مأخوذة من طبائع الأشياء ومما بين الأشياء وجسد الإنسان من نسبة. هذه بديهيات أخرى لا مفر من التسليم بها متى أخلص المرء لوحي عقله ولم يتشبث بالعناد. وكم ذا في الحياة من بديهيات لا يعتورها الخطأ لبساطتها وبيانها بذاتها، وإنما يخشى الخطأ في كل قضية أو واقعة لا تبدو بمثل هذا البيان، وبخاصة حين يحتاج الأمر إلى تكريب استدلال. ويؤمن الخطأ في الاستدلال بمراعاة القواعد المنطقية، والاحتراز من أسباب كثيرة خارجة عن فعل العقل ومؤثرة فيه مع ذلك: كاندفاع الهوى واضطراب الخيال والسهو وقلة البضاعة العلمية. ذلك هو المنهج القيوم في العلم والفلسفة، وذلك هو المنهج الذي يتبعه بالفعل العلم والفلسفة. وإن في قيام العلم الرياضي والعلم الطبيعي على الأقل لأقوى تفنيد للشك.

(٢) الشك المنهجي

في الفلسفة الحديثة محاولة شهيرة لتفنيد الشك وتأسيس العلم؛ تلك هي محاولة ديكارت،٣ وبالنظر فيها نحدد بعض النقاط السابقة ونتم هذا البحث. يتحدث ديكارت بصيغة المخاطب كأنه يروي قصة شخصية وتجربة نفسية كالغزالي، يقول: إنه بدأ كما يبدأ الشكاك، فاستبعد المحسوسات والمعقولات جميعًا، وزاد على أسباب الشك المعروفة افتراض روح خبيث يعبث بعقله، فلا يدع له أدنى ثقة به. ثم لاحظ أن سببًا من الأسباب أيًّا كان لا يمنعه أن يصدق بأنه يفكر طالما هو يشك، وبأنه موجود طالما هو يفكر، فلمعتْ في نفسه هذه الحقيقة الباهرة: وهي «أنا أفكر وإذن فأنا موجود»، واعتبرها أول وأشد هزيمة للشك، ثم شرع يفحص عن وجود الأشياء التي تُصورها له أفكاره، فيوقن بها ويهزم الشك هزيمة نهائية، وكانت أول فكرة استرعت اهتمامه فكرة الله التي تمثل موجودًا كاملًا لا متناهيًا، فوجد أنها صادقة لجلائها وتميزها، وأن صفة اللانهائية تحول دون الظن بأنه استنبط هذه الفكرة من نفسه وهو كائن ناقص، أو استنبطها من العالم الخارجي الناقص كذلك. فهي إذن غريزية طبعها في نفسه الموجود الكامل ذاته، فيما طبع من أفكار. وإذن فالله موجود، والعالم الخارجي موجود؛ إذ إن في النفس ميلًا طبيعيًّا للاعتقاد بأشياء خارجية، وإن الاعتقاد الطبيعي صادر عن موجد الطبيعية الذي هو الله، وإن الله صادق، فلا بد أن يكون قد خلق أشياء مقابلة للأفكار الجليلة المتميزة التي هي وحدها صادقة من بين الأفكار، فإن جلاءها وتميزها والاعتقاد الطبيعي بها دليل على صدورها عن الله. وهكذا خرج ديكارت من الشك إلى اليقين: أراد أن يحل مسألة المعرفة كما وصفها قدماء الشكاك، فاصطنع الشك كنقطة بداية، ثم عمل على التخلص منه، ولذا دعا شكه منهجيًّا أو افتراضيًّا. فما الرأي في هذا النهج؟

هذا المنهج غير صالح أصلًا، وعيبه الأساسي أنه يبدأ بالشكل الكلي الحقيقي، ومثل هذا الشك يوصد الباب مبدئيًّا دون أي يقين، فكيف يوضع بداية لمنهج؟ إذا كنا لا نعلم شيئًا فنحن لا نعلم شيئًا، وقد فرغنا من كل شيء. وما اليقين بأنا أفكر سوى يقين بواقعة جزئية لا تمتُّ بصلة لحقيقة موضوعات الفكر؛ فإن الفكر قد يقع على الباطل كما يقع على الحق. ولا تفيد هذه الواقعة الجزئية في تمييز الحق من الباطل من بين الموضوعات، وهي تفيد حقًّا في هذا البحث إذا استخلصنا ما تنطوي عليه من مبدأ عقلي ومن شعور العقل بكفايته لمعرفة الحقيقة وهو يتعقل هذا المبدأ، على ما بينا آنفًا (١٢، ك). وهذا جائز سائغ حتى مع افتراض الروح الخبيث، فإن مثل هذا الروح لأعجز من أن يخدعنا عن الأوليات؛ إذ إنه لا يمنع العقل من تصور ما يجده في ذاته من المعارف (أيًّا كان حظها من الحقيقة)، وأن يجرد فيها المبادئ الأولية ويصدق بهذه المبادئ بداهة وضرورة لعدم افتقارها لحد أوسط. فليس علمنا بوجود الفكر والمفكر بالأمر اليقيني الأوحد في المرحلة الأولى من مراحل المنهج. ولئن كان الأول زمانًا عند رجوع العقل على نفسه لنقد معارفه، فليس هو الأول طبعًا أي وجودًا. قال ديكارت (في القسم الرابع من المقال في المنهج): «ليس في هذا القول (أنا أفكر وإذن فأنا موجود) ما يؤكد لي أن أقول الحق سوى أني أرى بكل وضوح أنه لأجل التفكير يلزم الوجود.» فديكارت نفسه يقر أن قول: «من يفكر فهو موجود» أو «لأجل التفكير يلزم الوجود»، أعم من الواقعة الجزئية «أنا أفكر»، ومتقدم عليها طبعًا تَقدُّم الكلي على الجزئي وتقدم الوجود على الفعل أو الحال، فهو إذن قد أخطأ في استبعاد المبادئ الأولية واصطناع الشك المطلق الحقيقي حين شرع ينقد أفكاره ليختار الحقائق من بينها. فورطه هذا الخطأ الأساسي في متناقضات عدة وهو يسير على منهجه.

من هذه المتناقضات؛ أولًا: أنه يدلل على وجود الله بواسطة الوضوح ثم يتبع الوضوح لصدق الله؛ وهذا دور ظاهر. ثانيًا: محاولة التدليل هذه ضرب من الطغيان والافتئات؛ إذ يمتنع تبرير المعرفة والقوى العارفة بواسطة هذه القوى أنفسها، وهذه المعرفة نفسها بعد أن شك فيها شكًّا حقيقيًّا. ثالثًا: الوضوح عنده علامة ذاتية شعورية، فلا يصلح علامة للحقيقة ما لم يكن صدى للوضوح الموضوعي الذي يتجلى للعقل في القضايا البينة بذاتها والقضايا المبرهن عليها بحد أوسط. رابعًا: الدليل على وجود الله مستمد من فكرة الله، فهو يؤيد في الحقيقة إلى «فكرة وجود الله» وإلى «فكرة صدق الله» لا إلى عين وجود الله وعين صدقه. خامسًا: أنه استرد اليقين بصدق العقل بحجة أن العقل من صنع الله وأن الله صادق، وظل على إنكار موضوعية الكيفيات الثانوية في المادية، محتفظًا بالكيفيات الأولية فقط التي هي الامتداد وتعييناته المختلفة من حركة وسكون وعدد، مع أن الحواس هي أيضًا من صنع الله، وكان واجبًا أن تكون صادقة في كل أو معظم ما تؤديه إلينا، ولو ببعض الشروط. الحق أننا لا نفهم كيف يقول ديكارت إن شكه منهجي، وفي كل مرحلة من مراحله عقبة كَأْدَاء تعترض تعارض الطريق إلى المرحلة التالية، ومن ثمة تفسد المنهج وصاحبه ماض على وجهه!

متى يكون الشك منهجيًّا؟ إن الشك إما جزئي أو كلي، وهو في الحالين إما صوري أو حقيقي. وظاهر أن الشك الجزئي يمكن أن يكون منهجيًّا سواء أكان حقيقيًّا أم صوريًّا، وذلك لأنه يدعُ ما يكفي من الحقائق للبرهنة على هذا الموضوع. فإذا كنت أشك شكًّا حقيقيًّا في وجود نفس للإنسان مثلًا، وأخذت أنظر في إمكان إثباتها له؛ كان هذا الشك منهجيًّا، وإذا كنت أعلم أن للإنسان نفسًا وأتصنع الشك، على ما يفعل المعلمون في استفهاماتهم الإنكارية؛ فهذا شك منهجي من باب أولى. أما الشك الكلي، فيمتنع أن يكون منهجيًّا إذا كان حقيقيًّا، كما ألححنا في بيان ذلك، ويمكن أن يكون منهجيًّا إذا كان صوريًّا. ومعنى هذا أننا قد نسلم أن الفحص عن الحقيقة على العموم في بداية نقد العقل يقتضي أن نشك شكًّا كليًّا، أي إن نشك في الحقيقة على العموم، فنتحاشى الموقف الاعتقادي الذي يبدو كأنه يحل مسألة المعرفة بالإيمان بالعقل ابتداءً واعتسافًا، ونتفق مع الشكاك ومع ديكارت في وجوب الفحص عن الحقيقة على العموم، فلا ندع لهم مأخذًا علينا. بيد أن الانفصال عن الموقف الاعتقادي يجب أن يقابله انفصال عن الشك الحقيقي والتزام للوسط الذي يخولنا الحق في بحث المسألة والحكم فيها، ويجنبنا التناقض الذي وقع فيه ديكارت والمحتوم أن يقع فيه كل من يحاول الخروج من الشك الكلي الحقيقي. والوسط ههنا أن يتجاهل العقل اليقين الأولي المصاحب لتعلقه البينات والمتبرهنات، وأن يتخيل نفسه شاكًّا شكًّا حقيقيًّا، وينظر في إمكان هذا الشك، فتتبين له استحالته لفرط بيان المبادئ الأولية، فيصدق بها، ثم يعتمد عليها للتدليل على القضايا غير البينة بذاتها. فالشك الكلي المنهجي شكل متخيل لا فعلي ولو إلى وقت مهما قصر.

١  انظر ف ي (الطبعة الثالثة): السفسطائيون (ص٤٥–٤٩)؛ الشكاك (ص ٢٢٤–٢٤١).
٢  انظر تلخيصنا لرد أرسطو على الشكاك القدامى في ف ي الطبعة الثالثة ص ١٧١–١٧٣.
٣  انظر في ف ح ص٦٣–٦٧ (عرض ومناقشة).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١