الفصل الثاني

التصور والوجود

(١) المذهب التصوري

في مطلع الفصل السابق ألقينا هذين السؤالين: هل يَعقل العقل الوجود؟ وهل يعقله على حقيقته؟ وكان متعينًا قبل الإجابة عنهما أن ندفع عن العقل شبهة العجز عن إدراك الحق، وأن نثبت له إجمالًا القدرة على البلوغ إلى اليقين. فنعود الآن إلى السؤالين، وقد شغلت الفلسفة الحديثة كلها بالإجابة عنهما إن إيجابًا أو سلبًا، مع تفاوت في السلب والإيجاب. وديكارت هو الأصل الذي يرجع إليه ههنا، كما يرجع إليه في كثير من المسائل المستحدثة في الفلسفة. وقد رأيناه يشكل شكًّا كليًّا، وينعزل في فكره، ثم يحاول أن يعلم إن كان يسوغ له التصديق بموجودات مقابلة لأفكاره. ما معنى هذا؟ معناه أن الفكر لا يعرف مباشرة سوى تصوراته، وأن ليس في المعرفة وفي التصورات ما يدل على الموضوعية، أي على نسبة إلى موجودات مستقلة عن التصور، وإنما تنتهي المعرفة (دائمًا وبالذات) إلى التصورات أنفسها، على نحو انتهاء المخيلة إلى الصور في الأحلام، وانتهاء الحواس إلى الإحساسات الكاذبة في اليقظة، وأن لا سبيل لنا إلى العلم بوجود الأجسام وبخصائصها، ومنها جسمنا، إلا الاستنتاج العقلي المبني على مبدأ العِلِّيَّة. فالمنهج الديكارتي يمضي من الفكر إلى الوجود، بينما كانت الفلسفة السلفية تعتبر الوجود أصلًا والفكر مرآة له، كما كان (ولا يزال ولن يزال) يعتبر الناس أجمعون.

أجل لم يكن هذا الموقف جديدًا كل الجدة، ففي الفلسفة اليونانية ما يماثله بعض المماثلة أو يمهد له، فلنذكر قول بروتا غوراس إن الواحد منا مقياس الأشياء من حيث إن إحساسه هو الموجود بالنسبة إليه، فللذي يرتعش بردًا أن يقول إن الهواء بارد، وللذي لا يحس بردًا أن يقول ليس الهواء ببارد، وكل صادق في حكمه من حيث إنه يعبر عن انفعاله الشخصي، وإن الانفعال نسبي شخصي بالضرورة. ولنذكر أن أفلاطون أنزل النفس الإنسانية من السماء إلى الأرض حاملة المثل، كلما أدركت بالحس جزئيًّا ما أو طائفة من الجزئيات تذكرَتِ المثال المقابل وتعقله هو بحيث ينصب العلم على المثل لا على الجزئيات. ولنذكر أن النفس عند أفلاطون جوهر تام حالٌّ في البدن حلول شيء تام في شيء تام، فليس لها أن تتصل بالأشياء مباشرة، وليست الأشياء عنده سوى امتداد وحركة، على ما يفصله في محاورة تيماوس، فتأثيرها في أعضاء الحواس آلي بحت، وأعضاء الحواس مادية. وليست المادة دراكة، فينتج من كل ذلك أن الإحساس فعل النفس وحدها أو انفعالها وحدها، غير أن أحدًا من اليونان لم ينكر وجود العالم، ولم يضعه موضع السؤال. وقد وصف أفلاطون الجزئيات بأنها أشباح المثل، ولم يشك في وجودها. كذلك لم يشك بروتا غوراس في هذا الوجود، وغاية ما ارتآه أن الإحساس نتيجة حركتين: الواحدة من الشيء، والأخرى من الحاسة تنفعل بالأولى على حساب حالها هي، فتدرك انفعالها ولا تدرك حقيقة الشيء. أما المبدأ التصوري فمقتضاه أن المعرفة (إحساسًا كانت أو تعقلًا) هي كلها من العارف، حتى لو خلص لنا بالاستنتاج أن العالم موجود، ما دمنا لا نقر معرفتنا بوجود العالم على كفاية الحواس أنفسها للإدراك، بل على أمر مغاير لفعل الحواس، كصدق الله مثلًا أو كمبدأ العِلِّيَّة. وهذا هو الفارق الأساسي بين ما ذهب إليه القدماء من نسبية relativisme أو عندية subjectivisme١ وبين ما استحدثه ديكارت من تصورية idealisme فضلًا عن فارق آخر هام سنذكره الآن.

وديكارت أفلاطوني النزعة، بل المذهب، كان رياضيًّا عظيمًا، وكان فيلسوفًا عظيمًا، فزاول الرياضيات وفكَّر في ماهياتها، فوجد أنها آية من آيات العقل الخالص، سواء اعتبرنا موضوعاتها أو تعريفاتها أو منهاجها، فالموضوعات مجردات، ومنها ما لا شبيه له في الخارج، وإنما هو من إيداع العقل؛ والتعريفات أحرى أن تكون وصفًا لتكويننا للموضوعات من أن تكون تعريفات للموضوعات أنفسها؛ والمناهج عقلية مفروضة فرضًا ومفصلة على قدر الموضوعات والتعريفات. لذا بانت له الرياضيات المثل الأعلى للعلم، وبان له منهجها المنهج العلمي المطلق. ومن جهة أخرى صحَّت عنده النظرية الآلية كتفسير للطبيعة، تلك النظرية المنحدرة عن ديموقرايطس وأفلاطون إلى علماء القرن الرابع عشر وعصر النهضة، فصارت بين أيديهم أداة خصبة للتحقيق والاستكشاف بعد أن كانت محض نظرية، وزادها خصبًا تطبيق الرياضيات عليها وصوغ القوانين الطبيعية في صيغ رياضية، حتى بان العلم الطبيعي نفسه وكأنه علم عقلي كالرياضيات. ومن شأن النظرية الآلية تجريد الأجسام من الكيفيات، فصح عند ديكارت أن الكيفيات انفعالات وحسب، وأن كل ما يبدو في الفكر فهو تابع من ذات الفكر.

ولكن الفكر أشتات من تصورات جزئية يراها ديكارت غامضة مختلطة، وتصورات يراها جلية متميزة مرتبطة بعضها ببعض ارتباطًا ضروريًّا، الطائفة الأولى تضم إحساسات الحياة العادية، والطائفة الثانية تضم الموضوعات العلمية. ولقد كان من الأهمية بمكان عظيم عند ديكارت ومعاصريه صون العلم وتبريره، وقد نشط العلم نشاطًا عديم النظير، ففرض نفسه على العقول بما اكتسب في النظر من دقة وسعة، وما أتاح بتطبيقه في العمل من منافع، فلم يكن يخطر لأحد ببال أن ينكر هذا العلم كما أنكر قدماء الشكاك علم عصرهم الذي لم يؤت من الثمار شيئًا مذكورًا. وأحس الفلاسفة التصوريون حاجة ماسة إلى منهج يُمكِّنهم من الفصل بين الموضوعات العلمية والتصورات الواقعية، فرأوا وجوب التمييز بين فكرين: أحدهما فكر الشخص بما هو هذا الشخص المعين؛ ومن هذه الوجهة يختلف الناس ويتناقضون، والآخر فكر خالص يوحي بالموضوعات العلمية وبشروط المعرفة الكلية التي يجب أن تتفق عليها العقول جميعًا؛ وهذا هو الفارق الآخر بين العندية القديمة والعندية الحديثة. وتكاثرت الكتب في المنهج، وكان منها كتابان شهيران لديكارت: أحدهما «قواعد قيادة العقل»، والآخر «مقال في المنهج». وقاده المنهج في تفسيره لموضوعات العلوم إلى أنها مؤلفة من «طبائع بسيطة»، غريزية في النفس (كغريزة المثل الأفلاطونية)، جلية متميزة لبساطتها وبيانها، مدركة إدراكًا حدسيًّا بالعقل وحده؛ فلا يخطئ فيها العقل، وإنما هو يتخذ منها أصولًا لاستنباط العالم أجمع، بل إنها من البساطة، وإن العقل من القدرة ليستنبط عوالم كثيرة بتركيبها بعضها مع بعض على جميع الأنحاء الممكنة، فلا يبقى من فائدة للحس سوى أن يميز من بينها العالم المحقق بالفعل. ومضى الفلاسفة على أثر ديكارت، وجهد كلٌّ نفسَه ليَتبين ويُبين للناس المنهج الذي يكفل قيام العلم ويفسر أسس المعرفة، حتى صارت مسألة المعرفة مشكلة المشاكل وطغت على الفلسفة بأسرها. واشتد المد والجزر بين تصورية كلية لا تعترف بشيء غير الفكر، وتصورية جزئية تعترف بشيء غير الفكر، ولكنه الله عند البعض كعلة للأفكار الحسية والعقلية، أو الامتداد البحت عن بعض آخر كأصل للأفكار الحسية، وهذه بدورها كأصل للأفكار العقلية، على ما مر بنا عن الحسيين في الباب الأول.

وإذا أردنا أن نجمع حجج التصوريين في سبيل تأييدهم لمذهبهم وجدنا من بينها حجة أساسية والبقية تفريعات عليها. أما الحجة الأساسية، فهي أن المعرفة ظاهرة نفسية، أي فعل باطن يصدر عن العارف ويستقر فيه، بخلاف الفعل المتعدي إلى خارج المؤثر في شيء آخر والمحدث معلولًا خارجًا عنه. ومتى كانت هذه طبيعة المعرفة، فهي لا تقع إلا على موضوع باطن، فلا يسع العارف أن يعرف غير ذاته، لا يسعه أن يهرب إلى خارج لكي يعرف موضوعًا خارجيًّا، فإن من التناقض أن تكون المعرفة فعلًا باطنًا وتدرك شيئًا خارجيًّا. وأما التفريعات فأهمها: أن الإحساس لا يوجد إلا في الحاس، فمن التناقض وضع الإحساس في شيء غير حاس هو المادة. ثم كيف يمكن أن تجيء الأشياء إلى الذهن؟ وكيف يمكن أن تؤثر في النفس مع ما بينهما من تغاير؟ وإذا كانت الأشياء موجودة فهي واقعة فيما وراء الفكر بحيث يمتنع عليه التحقق من المطابقة بينه وبينها، على حد التعريف السائر للحقيقة؛ فإن المضاهاة بين الفكر العارف والموضوع المعروف تستلزم إمكان إدراك الموضوع عن غير طريق الفكر؛ إذ إن الموضوع إن أُدرك بالفكر فقد صار فكرًا ولم يعد الموضوع في ذاته. فعلى أي الوجوه قلبنا المسألة لم نجد إلا أن الفكر يظهرنا على انفعاله لا على الأشياء، وأن الحقيقة في المعرفة مطابقة المعرفة لنفسها، أي الاتساق بين التصورات في الفكر الخالص.

أول ما نأخذه على هذا المذهب معارضته الصارخة لشهادة الوجدان حتى لنقول إن لا واحد من التصوريين يعتقد به في قرارة نفسه ويعمل به في حياته. إن التصديق بموضوعات التصور فطري قاهر مشترك بين الناس جميعًا، فحين نتصور الثلج مثلًا وبرودته وبياضه نقصد الشيء المسمى ثلجًا، وأن هذا الشيء بارد أبيض، ولا نقصد معاني الثلج والبرودة والبياض في فكرنا؛ وحين نتصور الشمس حارة مسخنة مضيئة نقصد الشيء المسمى شمسًا، وأن هذا الشيء حار مسخن مضيء، ولا نقصد معاني الشمس والحرارة والتسخين والإضاءة في فكرنا؛ وحين نتصور المثلث وخصائصه نقصد ذات المثلث، وأن هذه الذات زواياها الثلاثة مساوية لقائمتين، ولا نقصد أن تصورنا للمثلث هو الذي له هذه الخاصية. وهذا يقال في سائر الموضوعات، محسوسة ومعقولة، وفي علاقاتها بعضها ببعض، مثلما إذا قلنا إن الماء يُصدئ الحديد، فلسنا نعتقد أننا بهذا القول نعبر عن نسبة بين معنيين من معانينا، وإنما نعتقد أننا نعبر عن قانون موضوعي ونسبة حقيقية بين الماء والحديد. وليس يقتصر التصوريون على التصديق بالأشياء في الحياة العادية، ولكنهم في تفكيرهم ودروسهم وكتبهم لا ينفكون عن ملاحظة الأشياء ومحاولة التوفيق بين التصديق بها وبين مذهبهم، وعن تلمس العلة في توزع التصورات إلى ذاتية خاضعة لتأليفات الظروف والإرادة، وإلى موضوعية نصدق بها ونعمل بمقتضاها فيفلح العلم. إنهم يعتقدون بكثرة العقول، ويعلمون أن هذه الكثرة شرط تَكوُّن العلم وتقدمه، ويخاطبون عقولًا ويناقشون عقولًا، حتى لَيجعلون من اتفاق العقول علامة على الحقيقة تضاف إلى اتساق التصورات فيما بينها. ما هذا المذهب المخالف للواقع المشهود إلى هذا الحد، فلا يكاد يُثبَت حتى يُنفى، أو لا يكاد يُنفى حتى يُثبَت، ويضطر أشياعه إلى التناقض المتوالي؟! وأي خير يرجى من الفلسفة إذا لم تبدأ من الواقع ولم تنته إليه، أي إذا لم تكن تفسيرًا للواقع؟ إنها حينئذ أضغاث أحلام، لا تستحق لعاب الألسن أو مداد الأقلام.

الواقع أن المعرفة حصول الكائن العارف على شبه المعروف، أي صورته؛ هذا تعريف عام يتفق عليه الجميع، ثم ينجم الخلاف عند تفسيره. وأبسط التفسيرات وأكثرها سذاجة وبعدًا عن الحق تفسير الماديين، قدماء ومحدثين؛ فإنهم يتوهمون أن الإحساس «حركة في ذرات الجسم الحاس مسببة عن حركة في الجسم المحسوس تنتقل من أعضاء الحواس إلى الدماغ بواسطة الأعصاب». وهذا يعني أن الحاس يحصل على صورة مادية للمحسوس، كانطباع صورة الشيء المرئي على الشبكية. لكنا نقول: إن هذا الانطباع شرط للرؤية، وليس هو الرؤية نفسها، وإنما الرؤية أو المعرفة على العموم تشبه القوة العارفة بالشيء المعروف تشبهًا معنويًّا. إن القبول المادي يدع القابل والمقبول كلًّا في كيانه، بينما المعرفة عبارة عن قول العارف لنفسه في نفسه أنه يعرف كذا. وليس الحاس العضو وحسب، ولكنه بنوع خاص قوة متحدة بالعضو، فالعضو يقبل التأثير الفيزيقي الكيميائي والقوة تقبل «معنى هذا التأثير»، فقد يقع التأثير المادي على العضو دون أن يحدث معرفة بالفعل، كما لو انطبعت صورة على عين ميت، أو رنَّ صوت وقوة السمع معطلة بالنوم أو بالمرض أو مشغولة بشيء آخر. فالتصوريون على حق إذ يعتبرون المعرفة فعلًا لا ماديًّا. فكون الشيء معروفًا معناه أنه مقبول على نحو معنوي ومن ثمة لا مادي، وكون العارف عارفًا معناه أنه حاصل على معنى المعروف وأنه من ثمة مشارك في اللامادية كي يتسنى له قبول المعروف على هذا النحو.

والتصوريون على حق حين يقولون: ليست تحدث المعرفة في الشيء المعروف؛ إذ كيف يمكن للعارف أن يخرج عن كيانه، وكيف يمكن أن يتوجه صوب الشيء وهو لم يعرفه؟ وهم على حق حين يقولون: إن المعرفة تتم في العارف، ولكنهم يخطئون إذ يعتقدون أن هذه القضية تقضي باستبعاد الشيء الخارجي. إن باطنية المعرفة لا تنافي التأثر بالشيء، فلئن كانت المعرفة باطنة من حيث هي فعل نفسي، فإنها تستلزم الشيء. يسألون: كيف يجيء الشيء إلى الذهن؟ والجواب: أنه وإن كان ماديًّا، وكان من هذا الوجه مغايرًا للذهن، إلا أنه «فكر» هو أيضًا بصورته، أي بمعناه وماهيته. فتأثيره في العارف حركة مادية تحمل صورة أو معنى. إن شهادة الوجدان صريحة قاطعة بأننا أول الأمر ندرك الشيء ذاته، ثم ندرك هذا الإدراك بانعكاسنا على نفسنا، فنعلم أنه الفعل الذي به أدركنا، لا أنه ما أدركنا. ولا حاجة لإقامة «جسر» من الذهن إلى الشيء كما يقولون، وخاصية الذهن أنه نسبي إلى الشيء لا يحدث فيه تصور إلا بوجود الشيء. وماذا يفيد التصوريون من تمييزهم بين فكر خالص وفكر شخصي؟ هل يعتقدون أنهم ينقذون به العلم حقًّا؟ إن العلم علم بموجودات، ولو صحت التصورية لما دارت العلوم على موجودات، بل على معانٍ متصورة فقط.

(٢) وجود العالم الخارجي

ننتقل من هذه الاعتبارات العامة إلى اعتبارات خاصة بوجود العالم الخارجي وقيمة إدراكنا له، فنرى ضروبًا من التناقض عجيبة، ومحاولات كثيرة هي أشبه بمحاولة تربيع الدائرة، من حيث إن التصوريين يدعون تعليل الظاهر بالباطن، وتعليل الامتداد، ويتحدثون عن «التجربة» وهم يقصدون ما يبدو في الذهن من تصورات تلوح آتية من خارج، ولا يقصدون تأثرنا بأشياء مغايرة لنا. العجب كل العجب من أساطين التصورية، ليبنتز ومالبرانش وباركلي، نسبة تصوراتنا إلى إلهام من لدن الله: كيف لم يفطنوا إلى أنهم يعزون لله عبثًا وتلبيسًا منافيين لحكمته وصدقه كل المنافاة؟ هل يعقل أن يريد الله أو أن يسمح أن نحيا في وهم قاهر متصل، فنصدق بوجود أشياء، ونصدر عليها أحكامًا وهي غير موجودة؟! ولِمَ خَلق الله لنا الحواس (أو ما يبدو كذلك) بأجهزة تدل على أنها مرتبة لإدراك أشياء مادية، ثم فوَّت عليها غايتها هذه طبعًا ودائمًا وحل هو محلها؟ ولِمَ كان الفاقد حاسة فاقدًا المدركات التي تكتسب (أو يبدو أنها تكتسب) بتلك الحاسة، فلا يحصل الأكمه مثلًا على معرفة بالألوان مهما أسهبنا له في الشرح، ولا الأصم الأخرس منذ ميلاده على معرفة بالأصوات؟ وقد ذهب مالبرانش إلى حد القول إننا نرى الأشياء في الله، وهذا يستلزم أننا نعرف وجود الله وصفاته معرفة بديهية يقينية. والواقع أننا لا نحصل على هذه المعرفة إلا بالبرهان، بل إن كثيرين لا يحصلون عليها.

ومن بينهم فلاسفة مشاهير، أمثال هيوم ومل وكنط، يستعظمونها على مقدرة العقل، فلا يلجئون إلى الله لتعليل اعتقادنا بوجود الأشياء، ولكنهم لا يوفقون إلى تعليل معقول: فكل ما اهتدى إليه هيوم ومل هو أنه اعتقاد بإمكان حصولنا على عين الإحساسات كلما شئنا ذلك. وكيف يمكن أن نحل على عين الإحساسات إذا لم يكن هناك شيء؟ ومن أين يجيء الدوام للإمكان؟ إن لفظ «الإمكان الدائم» معادل للفظ «الضرورة»، وإلا لم يكن له معنى على الإطلاق، فالواجب الاعتراف بضرورة أساس واقعي للإمكانيات الدائمة للإحساسات. فالواجب الاعتراف بأن مجرد التساؤل عن موضوعية الإدراك الظاهر أو وجود العالم الخارجي يؤذن بأن المسألة قد جلت ضد التصورية من حيث إنه لا يمكن التحدث عن الوجود إلا وقد عرفناه. إننا لا نشعر بوقت أول تكون فيه التصورات باطنة، ووقت تالٍ «نقذف» فيه بها إلى خارج فتنقلب ظاهرة، كما يقولون.

وقد تضافروا على جحد الامتداد بحجة أن الإحساس فعل نفسي بسيط، فلا يكون موضوعه ممتدًّا. وأدلى كلٌّ بدليل، وحاول كل تعليل حصولنا على هذه الفكرة. قال باركلي: إن المسافة خط أفقي بالنسبة إلى العين، وإنها من ثمة تلقي بنقطة واحدة على قاع العين، سواء أطالتِ المسافة أم قصرت، فليس الامتداد مدركًا بالبصر. هذا القول كان ينهض لو كنا نرى نقطة واحدة فقط، وكنا نراها بعين واحدة جامدة ساكنة. والواقع أن العين تبصر دائمًا سطحًا مهما يكن صغيرًا، وأنها تطوف بحدود السطح المرئي، وتتابع اقترابه أو ابتعاده، وذلك بتحريك عضلاتها وتعديل انحناء عدستها، فندرك المسافة.

وارتأى كنط أن الامتداد صورة ذهنية يضيفها الذهن إلى المحسوس، بدليل أن التجربة جزئية حادثة. ونحن نتصور المكان كليًّا، أي لا متناهيَّا، ونتصوره ضروريًّا من وجهين: أحدهما أننا لا نستطيع تصور انعدامه مع استطاعتنا تصوره خلوًّا من كل شيء، والوجه الآخر أن القضايا الهندسية ضرورية، والهندسة علم المكان، فالمكان ضروري. والرد على كنط يسيرٌ، فأولًا: ليس بصحيح أننا نتصور المكان لا متناهيًا؛ فالعقل يحكم بتناهي المادة الموجودة بالفعل، والمخيلة هي التي تتخيل مكانًا وراء مكان دون أن يتم لنا تخيل اللانهاية بالفعل. ثانيًا: أن العجز عن تصور انعدام المكان يرجع كذلك إلى المخيلة؛ لأن وظيفتها إدراك الصور الخيالية، وأن من غير الممكن وجود صورة خيالية للعدم. ولكن العقل يحكم بعدم المكان حيث لا يوجد جسم، ويحكم بعدم المكان إطلاقًا إذا افترضنا انعدام الطبيعة بما فيها من أجسام. ثالثًا: أن ضرورة القضايا الهندسية لا تحتم صدورها عن العقل الخالص بحدودها ونسبها، كما يريد كنط، بل من السائغ جدًّا أن نقول — على مذهب أرسطو — إننا نكتسب بالحواس صور الأمكنة الجزئية الحادثة، ثم نجرد منها معنى المكان البحت بأقطاره الثلاثة، والمعنى المجرد كلي ضروري كما نعلم، والقضايا التي تضيف إليه محمولات ذاتية هي كذلك كلية ضرورية.

وظن هربرت سبنسر أنه يرفع التعارض الذي يبدو بين فكرة الامتداد وبساطة الإحساس، ويعلل فكرتي المكان البصري والمكان اللمسي فيقول عن تكوين فكرة المكان بالبصر: إن انفعالات الحواس تستمر وقتًا قصيرًا بعد حدوثها، فحين تنفعل خلايا الشبكية على التوالي وبسرعة كافية بحيث يبدأ انفعال الأخيرة منها قبل انتهاء انفعال الأولى، وتظل سلسلة الخلايا وقتًا قصيرًا في حال انفعالٍ لاستمرار انفعال الواحدة في انفعال جارتها؛ تظهر هذه السلسلة من الانفعالات المتعاقبة السريعة كأنها سلسلة متقارنة، فنشعر بالمكان. ويقول عن تكوُّن فكرة المكان باللمس: حين نُمشي اليد على قطعة من الأثاث نشعر بسلسلة من الإحساسات اللمسية، وحين نمشي اليد في الاتجاه العكسي نشعر بمثل تلك الإحساسات فنشعر بالمكان؛ إذ إن هذا التشابه أو التعادل بين السلسلتين سببه تقارن آحادهما من جراء سرعة التعاقب. وبعبارة واحدة: إن الإحساس بالتجاور في المكان يفسر بالإحساس بالتقارن في الزمان، وهذا يفسر بدوره بمراجعة سريعة لسلسلة من الإحساسات (البصرية أو اللمسية) المدركة متعاقبة أول الأمر. وهذه تفسيرات واهية، فأولًا: إن انفعالينِ مختلفين نشعر بهما في نفس الوقت، كالخوف على حياة شخص عزيز والأمل في شفائه، لا يحتلان نقطتين من المكان. وثانيًا: إذا كنا نستطيع عكس السلسلة في لمس قطعة الأثاث فذلك؛ لأن هذه القطعة ممتدة باقية بجميع أجزائها وأن التقارن المكاني متحقق فيها. وثالثًا: أن سبنسر يناقض نفسه مناقضة صارخة؛ إذ يتحدث عن أجزاء الشبكية وأجزاء الأثاث، أي عن المكان الذي يعتبره محض تصور، ويحاول أن يفسر وجوده في أذهاننا!

وهذا شأن جميع التصوريين: لا يستطيعون عرض مذهبهم إلا بافتراض وجود العالم الخارجي. والواقع أن هذا الوجود مفروض علينا في النظر وفي العلم، وأننا نميز في جسمنا وفي محيطنا بين يمين ويسار، وأعلى وأسفل، ونضع كل إحساس في الموضع المتأثر به، ولم نكن لنفعل ذلك لو لم يكن جسمنا ممتدًّا ذا أجزاء، وكانت الأشياء من حولنا ممتدة ومحسوسة كذلك؛ فإن العين لا ترى لونًا إلا وهو منبسط على سطحٍ مهما يكن صغيرًا، ولا يحس اللمسُ شيئًا إلا ويحس الامتداد، ولا نشم رائحة إلا ونحسها منتشرة في المنخرين، ولا نتذوق طعامًا إلا ونحسه منتشرًا على اللسان. فإذا كان الإحساس فعلًا بسيطًا، فليس موضوعه بسيطًا أيضًا.

ومن الفلاسفة والعلماء من اعتقدوا بموضوعية الامتداد، وما له من مقدار وشكل وحركة وسكون، وأنكروا موضوعية ما نتصور فيه من ألوان وأصوات وروائح وطعوم وحرارة وبرودة، واعتبروها انفعالات ذاتية تحدث بتأثير حواسنا بالأشياء. هكذا ارتأى ديمقريطس واضع المذهب الآلي، وتابعه أبيقور، ثم أساطين الفكر الحديث، أمثال هوبس وجليليو وديكارت ولوك، قائلين إن العلم التجريبي لا يدرك في الأشياء سوى الامتداد والحركة، وإن سائر المدركات الحسية ترجع إلى الحركة وسرعتها واتجاهها. وأذاع لوك تسمية الطائفة الأولى من المدركات الأولية، والطائفة الثانية بالكيفيات الثانوية، وانتشر هذا الرأي حتى صار عامًّا بين رجال العلم والفلسفة ومن يلف لفهم.

وأول ما نلاحظه على هذا الرأي أن أصحابه بعد أن جعلوا القاعدة الكبرى في المنهج العلمي الاقتصار على ما تسجله الآلات ويقدر بأرقام، وعرفوا أن هذين الشرطين لا يتحققان إلا في الحركة؛ ظنوا أن ما عدا الامتداد والحركة فهو غير موجود. وشتان بين المعنيين؛ فقد يكون موجودًا ولا يتناوله العلم لمغايرته لموضوع العلم ووسائله. هذا غلط في الاستدلال لا يُغتفر. وثمة غلط لا يقل عن السابق جسامة: نعني قسمة المدركات الحسية إلى أولية موضوعية وثانوية ذاتية، مع أنها جميعًا سواء في المحسوسية، وأن الثانوية منها تدرك موضوعية كالأولية. وإذا كانت بعض المحسوسات ذاتية فإن المنطق السليم يقضي بذاتية سائر المحسوسات، أو إذا كانت بعض المحسوسات موضوعية فإن المنطق السليم يقضي بذاتية سائر المحسوسات، أو إذا كانت بعض المحسوسات موضوعية فإن المنطق السليم يقضي بموضوعية سائر المحسوسات. وإذا فكرنا أن الكيفيات الأولية معلومة لنا بالثانوية أيقنا أن لا سبيل إلى تبرير هذه القسمة: فالمقدار والشكل يدركهما اللمس بالصلابة، ويدركهما البصر باللون، وتُدرَك الحركة والسكون والعدد باللمس أو بالبصر أو بالسمع، كل حاسة بواسطة موضوعها الخاص الذي هو كيفية من الكيفيات الثانوية. فأولى بنا أن نعتقد أن هذه الكيفيات موضوعية، وأنها تصل إلى علمنا بالتأثير الصادر عن الأشياء؛ فإن الحركة إذ تصدر عن الشيء الخارجي تصدر مشبعة بكيفياته ووفقًا لها، وإلا فليفسروا لنا اختلاف الحركة اتجاهًا وسرعة وليس في الامتداد البحت اقتضاء اتجاه معين مطرد وسرعة معينة مطردة. فالواجب وضع الكيفية قبل الحركة لازمة من خصائص الأشياء غير منفكة عنها.

وقد حاول بعض علماء النفس من أشياع التصورية والأولية أن يعللوا الكيفيات؛ لا بتكيف الأشياء، بل بتكيف الأعصاب الحاسة الممتدة من أعضائنا الظاهرة إلى المراكز المخية، بحيث تكون إحساساتنا حالات خاصة بأعصابنا، لا ترجمة عن العالم الخارجي. تجربتان توضحان نظريتهم المعروفة بنظرية «القوة النوعية للأعصاب»: إحداهما أن الموجات الضوئية والصدمة الآلية والتيار الكهربي إذا وقعت على العصب البصري أحدثت إحساسًا ضوئيًّا.

والتجربة الأخرى أن التيار الكهربي إذا سُلط على العصب البصري أحدث إحساسًا ضوئيًّا، وعلى العصب السمعي أحدث إحساسًا سمعيًّا، وعلى العصب الذوقي أحدث إحساسًا ذوقيًّا، وعلى البشرة أحدث إحساسًا لمسيًّا. مما يدل على أن كل حس يجاوب مجاوبة واحدة، هي كيفية الخاصة أيًّا كان التأثير الواقع عليه. والجواب على هذا التدليل أن الذين يحرمون استعمال حاسة أو أكثر منذ ميلادهم أو في طفولتهم الأولى لا يحسون شيئًا إذا ما هيج العصب الحسي أو المركز المخي أو وقع على العضو الظاهر تأثير آلي. مما يدل على أن التجارب التي من هذا القبيل لا تتحقق إلا في الحواس المستعملة، فإن التأثير الواقع عليها إذا ما بلغ إلى المركز المخي حيث تحفظ آثار الإحساسات، هاج في كل مركز إحساسًا من نوعه. فهذه القوة النوعية مكتسبة وليست أصيلة. ثم إن الحاسة الواحدة تؤدي إلينا محسوسات مختلفة النوع لا ترد إلى محسوس واحد، كاختلاف الألوان فيما بينها واختلاف الطعون واختلاف الروائح، فما هي قوتها النوعية؟ وأخيرًا: لِمَ تكون الأعصاب مكيفة ولا تكون الأشياء مكيفة؟ ما الذي يمنع من يقبل الكيف في البعض أن يقبله في الكل؟ اللهم إلا أن يكون هو العناد المذهبي يهون معه التناقض والتهافت.

على أننا لا نقصد بالموضوعية وجود الكيفيات في الأشياء كوجودها في الإحساس، وأن في الشيء الملون «إحساسًا» باللون وفي الشيء الحلو «إحساسًا» بالحلاوة، كما توهم باركلي. فمن الواضح أن اللون لا يُرى إذا لم يكن هناك عين تراه فعلًا، وأنه في البصر يختلف عنه في الشيء الخارجي من حيث إن وجوده في الشيء فيزيقي وفي البصر معنوي. وإنما نقصد أن في الشيء كيفية لا تتعلق بإدراكنا، إذا ما أثرت في العضو الحاس أحدثت إدراكًا. ولا نقصد أن الحواس تمثل لنا الكيفيات دائمًا كما هي؛ فإن الحاسة مركبة من قوة مدركة وعضو قابل للتأثير الخارجي، فلها من جانب مادة العضو كيفيات خاصة تمنع من قبولها الكيفيات الخارجية قبولًا خالصًا. يضاف إلى ذلك أن بين الشيء والحاسة وسطًا، وهذا ظاهر للعيان في البصر والسمع والشم، وثابت للذوق واللمس؛ فإنه هو اللحم تحت الجلد لأن عضويهما ليسا على سطح الجسم بل في الداخل. وللوسط كيفياته وتغيراته تتأثر بها الحواس، فإذا اعتبرنا هذين الوجهين، وهما: مادة العضو الحاس ومادة الوسط، وذكرنا أن المحسوسات المدركة مباشرة هي الوصلة إلى أطراف أعصاب الحواس خلال الوسط؛ أدركنا أن الإحساس نسبي إلى حد ليس بالقليل: فعضو الشم قد يكون دائمًا متأثرًا بذرات لها رائحتها لاصقة به، فيتعدل بها إدراك الروائح المتواردة عليه. والطعوم المدركة مباشرة هي المتحللة على اللسان، أي الأمزجة الناتجة من تحلل المطعومات في اللعاب، وقد يكون اللسان متأثرًا دائمًا ببعض بقايا الطعام وبأخلاط الجسم، فيعتدل بها إدراك الطعم. وليست حرارة الأشياء هي المدركة في ذاتها؛ لأن لجسمنا حرارته، فلا ندرك سوى الزيادة في حرارة الأشياء على حرارتنا. وعلى ذلك فنحن لا نحجم عن الإقرار بأن المعرفة الحسية في مرتبة دنيا، وأن معنى المعرفة لا يتحقق فيها إلا بنسبة وتفاوت من جراء المادة. ولكنا نقول أيضًا إن العقل يصححها بالمضاهاة وبالاستدلال، وإن مسألة المعرفة هي في الحقيقة مسألة العقل لا مسألة الحواس، كما سبقت الإشارة.

فمن الشطط اتهام الحواس إطلاقًا. وإذا عدنا على ما رَدَدْنا به على الشكاك زيادة في الإيضاح، قلنا: إن الحواس صادقة في إدراك الكيفيات الثانوية؛ لأن هذه الكيفيات هي موضوعاتها الخاصة، فلا تخطئ فيها إلا عرضًا ونادرًا. وذلك متى اعتل العضو فلم يقبل المحسوس على ما ينبغي: فالمحموم يجد العسل مرًّا لفساد لسانه، والمصاب باليرقان يرى الأشياء صفراء لاصفرار عينيه، والمصاب بالدلتونية٢ لا يميز بين الأحمر والأخضر وصحح الخطأ هنا بالرجوع إلى سابق التجربة وإلى شهادة الآخرين. والحواس صادقة في إدراك الكيفيات الأولية. وإلا أن هذه الكيفيات محسوسات خاصة للمس، ومحسوسات بالتبعية لسائر الحواس؛ فاللمس صادق في إدراكها ما لم يعتره مرض، وسائر الحواس قد تخطئ في إدراكها. والواقع أننا كثيرًا ما نخطئ في إدراك أبعاد الأشياء وأحجامها وأوضاعها؛ لتعويلنا على حس منها وتصديقه في غير موضوعه الخاص. والسبيل إلى تصحيح الخطأ هنا مراجعة الحس المختص أو حس آخر، وبخاصة الاسترشاد بالعقل: فاللمس مثلًا يصحح خطأ البصر الذي يرى العصا في الماء منكسرة لانحراف الضوء وتغير الوسط. ولولا العقل والبحث العلمي لاعتقدنا أن الشمس لا يزيد قطرها على قدم واحدة، وأنها هي المتحركة لا الأرض التي نراها منها؛ فإن البصر يمثل الشيء كما يرد عليه خلال الوسط، ويمثل تغير موضع المرئي بالنسبة إلى العين. أما أن المرئي يتحرك أو أن الرائي هو الذي يتحرك، فأمر خارج عن موضوع البصر. لذا لا تُعتبر هذه الأمثلة وما يشابهها أخطاء له؛ فإن فيها جميعًا يسجل ما يصل إليه. وهذا شأن جميع الحواس، وما يسمى أخطاء الحواس معظمه في الحقيقة أخطاء تأويل، فالحواس صادقة في إدراكها الخاص بالشروط التي بيناها، وما علينا إلا أن ننتبه إلى مواطن الخطأ فنتفاداه.٣
١  أي إن المعرفة نسبة بين العارف بالمعروف، وأنها من عند العارف المنفعل بالمعروف.
٢  نسبة للعالم الإنجليزي دلتون (١٧٦٦–١٨٤٤) الذي كان مصابًا بهذه الآفة فدرسها في نفسه ونبه عليها.
٣  من المفيد جدًّا في مسألة الإدراك الظاهري الإلمام بآراء أرسطو، وقد لخصناها في ف ي: العضو والوسط ص١٥٨، أنواع المحسوسات وقيمة الإدراك في كل نوع منها ص١٥٩-١٦٠، الفوارق بين الإحساس والتخيل ص١٦١-١٦٢، شروط الإحساس الصحيح ١٧٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١