تمهيد

كانَت الفلسفة اليونانية القديمة تُقسِّم نفسها إلى علومٍ ثلاثة: الطبيعة، والأخلاق، والمنطق. هذا التقسيم١ يلائم طبيعة الأشياء ملاءمةً تامةً، وليس في وسع المرء أن يُحسِّن فيه شيئًا، اللهم إلا أن يضيف إليه المبدأ الذي أُقيم على أساسه، لكي يطمئن من ناحيةٍ على أنه تقسيمٌ وافٍ، ولكي يستطيع من ناحيةٍ أخرى أن يُحدِّد فروعه الضرورية تحديدًا سليمًا.
كل معرفةٍ عقلية إمَّا أن تكون ماديةً وتتناول بالبحث موضوعًا ما، أو صوريةً وتتناول صورة الفهم والعقل نفسه والقواعد العامة للفكر على وجه الإطلاق فحسب، دون تفرقةٍ بين الموضوعات. الفلسفة الصورية تُسَمَّى المنطق،٢ أمَّا الفلسفة المادية، وهي التي تتناول بالبحث موضوعات بعينها والقوانين التي تخضع لها هذه الموضوعات، فهي تنقسم بدورها إلى قِسمَين؛ إذ إن هذه القوانين إمَّا أن تكون قوانين للطبيعة أو قوانين للحرية. ويُسَمَّى العلم الذي يعالج الأولى بالفيزيقا، والذي يعالج الأخرى بالأخلاق، وقد يُسَمِّي البعض ذلك العِلم نظرية الطبيعة ويُطلِق على هذا اسم نظرية الأخلاق.

لا يمكن المنطق أن يحتوي على جزءٍ تجريبي؛ أعني أنه لا يمكن أن يحتوي على جزءٍ تقوم فيه القوانين العامة والضرورية للفكر على أسسٍ هي نفسها مستمدة من التجربة، وإلَّا لما كان منطقًا؛ أي معيارًا للفهم أو لِلعقل يصلح أن يُطبَّق على كل فكر كما ينبغي البرهنة عليه، وعلى العكس من ذلك يمكن لكلٍّ من الحكمة الطبيعية والحكمة الأخلاقية أن تشتمل على جزءٍ تجريبي؛ ذلك لأن تلك الحكمة لا بد لها أن تُحدِّد قوانين الطبيعة بوصفها موضوعًا للتجربة، ولأن على هذه أن تُحدِّد قوانين إرادة الإنسان، من حيث إنه ينفعل بالطبيعة الأولى، بما هي قوانين يحدث كل شيء طبقًا لها، والثانية بما هي قوانين ينبغي لكل شيء أن يحدث بما يتفق معها، مع ذكر الظروف التي يتسبب عنها في أغلب الأحيان ألَّا يتم ذلك.

نستطيع أن نُسَمِّي كُلَّ فلسفةِ تقوم على أسسٍ من التجربة فلسفةً مادية، وكُلَّ فلسفةٍ تأخذ نظرياتها عن مبادئ قَبْلية٣ فلسفةً خالصة.٤ هذه الأخيرة، حين تكون صوريةً فحسب تُسمَّى «منطقًا»، فإن كانَت مقصورة على موضوعاتٍ بعينها من موضوعات الفهم، فتسمى عندئذٍ «بالميتافيزيقا».٥ على هذا النحو تتكون فكرة ميتافيزيقا مزدوجة: «ميتافيزيقا الطبيعة»، و«ميتافيزيقا الأخلاق». وهكذا يكون للفيزيقا جانبها التجريبي، بالإضافة إلى الجانب العقلي، ومثل ذلك الأخلاق، وإن كان من الممكن هنا أن يُسَمَّى الجانب التجريبي خاصةً بالأنثروبولوجيا العلمية،٦ والجانب العقلي باسم الأخلاق.

لقد كسبَت الحِرَف، والصناعات اليدوية، والفنون عن طريق تقسيم العمل، فلم يعُد واحدٌ بمفرده يقوم بعمل كل شيء، بل اختَص كلٌّ بعملٍ مُعيَّن يختلف في طريقة أدائه عن غيره من الأعمال اختلافًا ملحوظًا، وذلك لكي يَتسنَّى له أن يصل به إلى أعظم حَظٍّ من الكمال وأن يُتِمَّه في سهولة ويسر. وحينما يدَّعي كل إنسانٍ أنه ربُّ ألف صَنعةٍ وصنعة، هنالك تكون الصنائع على حالٍ من الفوضى لا مزيد عليها.

ولكن إذا صح أنه لا يخلو من فائدة أن نسأل: إن لم يكن على الفلسفة الخالصة بجميع أقسامها أن تبحث عن رجلها المُقتدِر، وإن لم يكن من الخير لصناعة العلم بجميع أحوالها أن يَحذَر هؤلاء الذين اعتادوا أن يمزجوا ما هو تجريبي بما هو عقلي بما يتفق ومزاج الجمهور على حسب مقادير ونسبٍ مجهولة لهم هم أنفسهم ممن يُلقِّبون أنفسهم بالمُفكِّرِين المُستقلِّين وغيرهم ممن يَعدُّون القسم العقلي وحده ويُسمُّون أنفسهم بالمُفكِّرِين المُتأمِّلِين؛ أقول أن يحذر هؤلاء وأولئك من أن يقوموا بممارسة عملَين في وقتٍ واحد، يختلف كلٌّ منهما عن صاحبه في طريقة تناوُله اختلافًا بيِّنًا، ويتطلب كلٌّ منهما ممن يقوم به موهبةً من نوعٍ خاص، ولا يُؤدِّي الجمع بينهما في شخصٍ واحد إلا إلى إخراج العاجزِين، إذا صح هذا، فإنني أكتفي بأن أتساءل: ألا تتطلب طبيعة العلم التفرقة بعناية بين جزئه العملي وبين جزئه العقلي، وأن نقدم للفزياء (التجريبية) بميتافيزيقا الطبيعة وأن نسبق الأنثروبولوجيا العملية بميتافيزيقا الأخلاق بحيث يُنقَّى كلاهما من كل عنصرٍ تجريبي لكي نعرف مقدار ما يستطيع العقل الخالص في كلتا الحالتَين أن يُحقِّقه ومن أي المنابع يستمد هو نفسه تعليمه القَبْلي هذا، يستوي في ذلك أن يقوم بهذه المهمة الأخيرة جميع مُعلِّمي الأخلاق (الذين يحملون اسم الفرقة) أو أن يقوم بها بعضهم ممن يشعرون أنهم أكفاءٌ له.

ولما كنت أوجه عنايتي هنا إلى حكمة الأخلاق بوجهٍ خاص، فإنني أُحدِّد السؤال الذي طَرحتُه من قبلُ على هذا النحو: أليس من صواب الرأي أن من أشد الأمور ضرورة إعداد فلسفةٍ أخلاقية خالصة، نقيةٍ نقاءً تامًّا من كل ما يمكن أن يكون تجريبيًّا ومن كل ما يتصل بعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) بسبب؛ ذلك أن ضرورة وجود مثل هذه الفلسفة أمرٌ يتضح بذاته من الفكرة المعتادة التي لدينا عن الواجب وعن القوانين الأخلاقية. إن كل إنسانٍ لا بد أن يُسلِّم بأن قانونًا يُراد له أن يكون قانونًا أخلاقيًّا؛ أعني قاعدة التزام، لا بد أن يحمل طابع الضرورة المُطلَقة، وأن الوصية التي تقول: ينبغي عليك ألَّا تكذب؛ لا يمكن أن تكون صلاحيتها مقصورةً على بني الإنسان وحدهم بحيث لا يكون لغيرهم من الكائنات العاقلة بها شأن، وهكذا الأَمرُ مع كل القوانين الأخلاقية الأخرى، وفضلًا عن هذا فإن قاعدة الإلزام هنا لا ينبغي أن تُلتمس في طبيعة الإنسان ولا في ظروف العالم الذي وُضع فيه، بل إنه لا بد من البحث عنها بطريقةٍ قَبْلية في تصوُّرات العقل الخالص وحدها، وإن كل التعاليم (الأخلاقية) الأخرى التي تقوم على مبادئ التجربة البحتة، بل تلك التي تُعَد بوجه من الوجوه تعاليمَ عامة، حيثما ارتَكزَت على قاعدةٍ تجريبية، ولو كان ذلك في أقل أجزائها، وقد يكون أحد الدوافع التي دفعت إليها. نقول إن مثل هذه التعاليم قد نستطيع أن نسميه قاعدةً للسلوك العملي، ولكننا لا نستطيع بحالٍ من الأحوال أن نُطلِق عليه اسم القانون الأخلاقي.

وهكذا تمتاز القوانين الخُلُقية — بما في ذلك المبادئ التي تقوم عليها بين كل المعارف العملية — من كل ما سواها مما يشتمل على أي عنصرٍ تجريبي، لا من حيث الجوهر فحسب، بل إن كل فلسفةٍ أخلاقية تستند استنادًا تامًّا على الجزء الخالص منها، وعند تطبيقها على الإنسان فإنها لا تستعير أقلَّ نصيب من المعرفة به [أي من الأنثروبولوجيا] بل تُعطِيه، بوصفه كائنًا عاقلًا، قوانينَ قَبْلية، تتطلَّب بالطبع من خلال التجربة مَلَكة حكمٍ حادة، لكي يمكن من ناحية تمييز الحالات التي يُستطاع تطبيقها عليه، ولكي يتيسر من ناحيةٍ أُخرى أن تجد سبيلها إلى إرادة الإنسان وأن تُؤثِّر الأَثَر المؤدي إلى ممارستها؛ ذلك أن الإنسان، وهو الكائن الذي ينفعل بالكثير من النزعات، يقوى حقًّا على إدراك فكرة عقلٍ عملي خالص، ولكنه لا يستطيع بسهولة أن يجعلها تُؤثِّر على مجرى حياته تأثيرًا فعَّالًا.

وإذن فإن ميتافيزيقا الأخلاق ضروريةٌ ضرورةً لا غنى عنها، لا عن دافع من دوافع التأمُّل المُجرَّد فحسب يستهدف البحث في مصدر القواعد الأخلاقية الموجودة في عقلنا وجودًا قَبليًّا، بل لأن الأخلاق نفسها لا تفتأ تَتعرَّض لألوانٍ من الفساد لا حصر لها، ما بَقِيَت مُفتقرةً إلى ذلك المقياس والمعيار الأعلى الذي لا بُد منه لِلْحكم عليها حكمًا صحيحًا؛ ذلك لأن كل ما ينبغي له أن يكون خيرًا من الناحية الأخلاقية لا يكفي فيه أن يكون «مُطابقًا» للقانون الخلقي، بل لا بد له كذلك أن يحدث «من أجله»، وإلا كان هذا التطابُق من قَبِيل الصدفة وكان تطابُقًا فاسدًا؛ ذلك لأن القاعدة غير الأخلاقية قد تتولَّد عنها من حينٍ إلى آخرَ أفعالٌ مطابقة للقانون، ولكنها لا تُنتج في أغلب الأحيان غَيرَ أفعالٍ منافية للقانون الخلقي. أمَّا والقانون الخلقي في نقائه وأصالته (وعلى هذَين يُعوَّل في السلوك العملي) لا يمكن البحث عنه في غير فلسفةٍ نقية خالصة، فلا بد لهذه الميتافيزيقا أن تسبقه وتَتقدَّم عليه، وبغيرها لن يقوم لفلسفةٍ أخلاقية وجود، بل إن الفلسفة التي تَخلِط تلك المبادئ الخالصة بالمبادئ التجريبية لا تستحق أن تُسَمَّى فلسفة (ذلك لأن الفلسفة تتميز من المعرفة العقلية الشائعة بأنها تعرض ما تتصوره هذه مختلطًا على هيئة علمٍ مُستقلٍّ بذاته) ولا تستحق حتى أن تُسَمَّى فلسفة أخلاقية؛ لأنها بهذا الخلط إنما تُفسِد نقاء الأخلاق وتتعارض مع الهدف الذي تريد هي نفسها تحقيقه.

ولا يَحسبَن أحدٌ أن ما نطالب به ها هنا قد ذُكر من قبلُ في المُقدِّمة التي وضعها فولف Wolff٧ الشهير لفلسفته الأخلاقية؛ أعني لما سَمَّاه بالحكمة العملية العامة، وأننا هنا لا نطرق حقلًا جديدًا.

ذلك أنه لما كان المقصود منها أن تكون فلسفةً عملية عامة، فإنها لم تضع الإرادة من أي نوع كانَت موضع البحث؛ كأن تكون هذه الإرادة على سبيل المثال إرادةً من ذلك النوع الذي يتعيَّن دون أية دوافعَ تجريبية عن طريق مبادئَ قَبلية بحتة، وهو ما يمكن أن نسميه بالإرادة الخالصة، بل لقد وَضعَت فعل الإرادة بوجهٍ عام موضع النظر بما في ذلك كل الأفعال والشروط التي تُضاف إليه بحسب هذا المفهوم العام. وهكذا تختلف [هذه الفلسفة العملية العامة] عن ميتافيزيقا الأخلاق اختلاف المنطق العام عن الفلسفة المتعالية؛ فالأولى تختص بأفعال وقواعد الفكر «على الإطلاق»، أمَّا الثانية فبالأفعال والقواعد «الخاصة» بالفكر «الخالص» وحده؛ أعني به ذلك الفكر الذي يمكن أن تُعرَف الموضوعات من خلاله معرفةً قَبلية بحتة.

ذلك أن من واجبات ميتافيزيقا الأخلاق أن تتناول بالبحث فكرة ومبادئ إرادةٍ «خالصة» ممكنة، لا أن تتناول أفعال وشروط فعل الإرادة الإنسانية بوجهٍ عام، وهي التي يمكن أن يُستقَى الجانب الأكبر منها من علم النفس. ولا ينهض حُجةً على ما أُؤكِّده أن الفلسفة العملية العامة تتناول كذلك بالبحث (وإن تكن مُخطئةً في ذلك) القوانين الأخلاقية والواجب؛ ذلك أن أصحاب ذلك العلم يَبقَون على إخلاصهم في هذه الناحية أيضًا للفكرة التي لديهم عنه، إنهم لا يميزون الدوافع التي لا يمكن تَصوُّرها إلَّا عن طريق العقل وبطريقةٍ قَبلية بحتة، وهي الدوافع الأخلاقية حقًّا، من تلك الدوافع التجريبية التي يرتفع بها الفهم، عن طريق المقارنة وحدها بين التجارب، إلى مستوى التصوُّرات عامة، بل ينظرون إليها، بِغَير أن يُلقوا بالًا إلى الفروق الموجودة بين مصادرها، على حسب مقاديرها الكبرى أو الصغرى فحسب (وذلك بوصفها جميعًا متشابهةً في النوع) ويُكوِّنون بذلك تَصوُّرهم عن «الالتزام»؛ ذلك التصوُّر الذي لا يمكن أن يُقال عنه إنه أخلاقي وإن لم يُطلب بطبيعته إلا في فلسفةٍ لا تتَعرض لِمَصدر جميع التصوُّرات العملية الممكنة على الإطلاق بالحكم ولا تُقرِّر شيئًا عمَّا إذا كانَت هذه التصوُّرات تُوجد بطريقةٍ قَبلية أو بطريقةٍ بعدية.

ولمَّا كان في عزمي أن أضع في يومٍ من الأيام ميتافيزيقا للأخلاق، فإنني أُقدِّم لها بهذا البحث في أصولها. حقًّا إنه لا يُوجد ثَمَّةَ بحثٌ آخر في أصول ميتافيزيقا الأخلاق إلا نقد العقل العملي الخالص، على نَحوِ ما كان النقد الذي قدَّمناه للعقل النظري الخالص مبحثًا في أصول الميتافيزيقا.٨ غير أن ذلك النقد لا يُعادِل في ضرورته القصوى هذا النقد الأخير؛ ذلك لأن العقل الإنساني في مجال الأخلاق، حتى عند أقل الناس حظًّا من الفهم، يمكن أن يصل في سهولة ويسر إلى درجةٍ عالية من الصواب والإسهاب، بينما هو على العكس من ذلك في الاستعمال النظري الخالص ديالكتيكي٩ (جدليُّ) بحت. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنني أتطلب بالضرورة من نقد العقل العملي الخالص، إذا ما أُريد له أن يكون نقدًا كاملًا، أن يكون من المُستطاع التعبير عن وحدته مع العقل النظري في مبدأٍ واحد مشترك؛ ذلك أنه لا يمكن أن يكون في نهاية المطاف غير عقلٍ واحد بالذات، لا بد من التمييز فيه بين عقلٍ نظري وآخرَ عملي عند التطبيق فحسب. وما كان في استطاعتي أن أصل به إلى مثل هذا التمام بغير أن أُضِيف إليه تأمُّلاتٍ أخرى من نوعٍ مختلف عما ذكرتُه تمام الاختلاف وبغير أن أُوقِع القارئ في الارتباك. ولكي أتلافى ذلك لجَأتُ إلى تسمية مَبحثِي «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق» بدلًا من تسميته بنقد العقل العملي الخالص.

ولما كانَت ميتافيزيقا الأخلاق، بِغَض النظر عن عنوانها المثير للفَزع، قادرةً من ناحيةٍ ثالثة على التمتُّع بنصيبٍ كبير من الشعبية والملاءمة للفهم العام؛ فقد وجَدتُ من الخير أن أفصل هذا التمهيد للأصول عنها، وذلك لكي يَتسنَّى لي فيما بعدُ أن أُضيف ما دق من مسائلها وما لم يكن بُدَّ من التعرُّض له فيها، إلى المذاهب والآراء التي تستعصي على الفهم.

هذا الكتاب في تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق لا يزيد عن كونه محاولةً للبحث عن المبدأ الأعلى للأخلاق وتثبيت دعائمه، وهي محاولة تكفي في الهدف المقصود منها لأن تكون عملًا متكاملًا يمكن الفصل بينه وبين كل مبحث آخر في الأخلاق.

حقًّا إن مزاعمي التي أسوقها عن هذه المسألة الرئيسية الهامة التي لم يُقدَّر لها حتى الآن أن تُعالَج معالجةً مُرضيةً سوف يتكشَّف صوابها وتنال حظًّا كبيرًا من التأييد بفضل تطبيق هذا المبدأ الأخلاقي نفسه على المذهب كله وبفضل ما فيها من البساطة التي تَتجلَّى في جميع أجزائها، غير أنني وَجَدتُ أن من الواجب عليَّ أن أتخلى عن هذه المزية، التي قد لا تكون في حقيقة الأمر إلَّا تعبيرًا عن الأَثَرة أكثر من أن تكون دليلًا على النفع العام؛ ذلك لأن البساطة التي يُطبَّق بها المبدأ واليسر الذي قد يبدو فيه لا ينهضان دليلًا قويًّا على صحته، بل إنهما قد يُوقِظان نوعًا من التحيُّز يمنع المرء من أن يمتحنه امتحانًا دقيقًا من أجلِ ذاته، وبِغَض النظر عن نتائجه.

لقد اتَّبَعتُ في هذا الكتاب منهجًا رأيت أنه أنسب المناهج حين يسير الإنسان من المعرفة المشتركة إلى تحديد مبدئها الأعلى بطريقةٍ تحليلية، وحين يعود فيسير بطريقةٍ تركيبية من امتحان هذا المبدأ ومصادره إلى المعرفة العامة التي سيتم تطبيقه عليها،١٠ وهكذا انقسم الكتاب إلى هذه الأقسام:
  • القسم الأوَّل: الانتقال من المعرفة العقلية المشتركة بالأخلاق إلى المعرفة الفلسفية.
  • القسم الثاني: الانتقال من الفلسفة الأخلاقية الشعبية إلى ميتافيزيقا الأخلاق.
  • القسم الثالث: الخطوة الأخيرة من ميتافيزيقا الأخلاق إلى نقد العقل العملي الخالص.
١  هذا التقسيم المألوف عند الفلاسفة بعد أرسطو، وبخاصة عند الرُّواقيِّين، قد اصطُلح على نسبته صراحةً أو ضمنًا إلى أفلاطون (شيشرون في محاوراته الفلسفية الأكاديميات: ١، ٥، ١٩). ومع أن أفلاطون نفسه لم يُعبِّر عنه صراحة في محاوراته أو رسائله، وليس هناك ما يثبت أنه قال به في تعاليمه الشفوية، فإن أرسطو يفترض في «الطوبيقا» (١، ١٤، ١٠٥ب، ١٩) أن تلميذ أفلاطون أكسينوقراط قد أخذ به، بحيث يمكن القول مع سكستوس أمبيريكوس رأس مدرسة الشكاكين (في كتابه «ضد الرياضيين»، ٧، ١٦) إن أفلاطون كان بالقوة لا بالفعل صاحب هذا التقسيم. (المترجم)
٢  المنطق بهذا المعنى هو المنطق العام الذي يشتمل على القواعد الضرورية للفكر التي لا يستطيع الفهم بدونها أن يُفكِّر تفكيرًا دقيقًا محكَمًا، بصرف النظر عن اختلاف الموضوعات التي يتجه إليها؛ فالمنطق العام، أو المنطق الخالص كما يسميه كانْت أيضًا، يختص بصورة الفكر بوجهٍ عام فحسب، وكل شيءٍ فيه لا بد أن يكون قَبْليًّا؛ أي سابقًا على كل تجربةٍ ممكنة؛ فالمنطق العام لا شأن له إذن بمحتوى المعرفة الذهنية، ولا باختلاف موضوعاتها، وهذا ما يُميِّزه عن المنطق التطبيقي أو منطق الاستخدام الخاص للفهم، وهو الذي يمكن أن يُعتبَر آلة هذا العلم أو ذاك. على أن هناك منطقًا آخر هو المنطق الترنسندنتالي؛ أي الذي يختص بإمكان المعرفة أو باستخدامها استخدامًا قَبليًّا، ويُقصد به العلم الذي يختص بالتصوُّرات التي لها علاقةٌ قَبلية بالموضوعات، لا باعتبار هذه التصوُّرات عِياناتٍ حسية أو تجريبية، بل باعتبارها أفعالًا للفكر الخالص؛ فهو إذن علم الفهم الخالص والعقل الخالص، الذي يسمح لنا بأن نُفكِّر في الموضوعات تفكيرًا قَبليًّا بحتًا، ويحدد أصل هذه المعرفة العقلية ومداها وقيمتها الموضوعية، ويختص بقوانين الفهم والعقل من حيث علاقتها القَبلية بالموضوعات (راجع: نقد العقل الخالص، الجزء الثاني، والمنطق المتعالي، ص٩٤–١٠٥ من طبعة المكتبة الفلسفية، فليكس ميتر – هامبورج). (المترجم)
٣  أضفى كانْت بمذهبه النقدي على كلمتَي «قَبلي» و«بَعدي» معنًى جديدًا. والدلالة الأصلية للكلمتَين ترجع إلى فكرة أرسطو التي تقول إن القَبلية والبَعدية تنطبقان على علاقة المبدأ بالنتيجة، والسبب بالمُسبَّب. وأخذ عنه الفلاسفة المُدرِّسون في العصور الوسطى هذا المعنى فكانت المعرفة القَبلية هي المعرفة بالسبب أو العلة، والمعرفة البعدية هي المعرفة بالمُسبَّب أو النتيجة. ومن هنا جاء رأي القديس توماس الأكويني من أننا لا نستطيع أن نعرف الله معرفةً قَبلية؛ أي من جهة السبب. واستمرت هذه الدلالة في الفلسفة الحديثة؛ بحيث نجدها عند ديكارت وسبينوزا وليبنتس، وإن كان الأخير يعني بالقَبلي والبَعدي التعارُض بين المعرفة العقلية الخالصة وبين المعرفة التجريبية. أمَّا عند «فولف» فمعرفةُ حقيقةٍ ما بطريقةٍ قَبلية هو استخراجها من حقائقَ معروفة سلفًا بوساطة الاستدلال العقلي وحده، ومعرفتها بطريقةٍ بَعدية تكون بوساطة الحواس. والجديد عند كانْت في استخدامه لكلمة قَبلي هو أنه يريد بها نشأة المبادئ والمعارف التي لا تُستمد من التجربة. وصدورها عن العقل. ويُلاحَظ أن لامبير Lambert، وهو أحد الفلاسفة المُعاصِرِين لكانْت الذين دارت بينه وبينهم مُراسلاتٌ حول المشكلات الفلسفية، قد اقتَربَت كثيرًا من هذا المعنى الخاص الذي استخدم به كانْت الكلمتَين. على أن هذا لا يمنع أن كانْت قد اقترب في بعض استعمالاته لكلمة قَبلي من المعاني التي ذكرناها في مقدمة هذا التعليق، وذلك حين أراد بالقَبلي استنباط المعارف بواسطة الفكر وحده، وضرب لذلك مثلًا بالقضايا والأحكام التحليلية التي هي في رأيه قَبلية، حتى ولو كانَت تصوُّراتها تجريبية. (المترجم)
٤  كلمة خالص تفيد بمعناها اللغوي نفسه التقاء من كل عنصرٍ مختلط، وعند كانْت الاستقلال عن التجربة، والتقاء من كل عناصرها. ويُلاحَظ أنه يستخدم عادةً كلمتَي قَبلي وخالص بمعنيَين مترادفَين، وقد يُوردهما في أغلب الأحيان معًا. (المترجم)
٥  الميتافيزيقا عند كانْت هي قبل كل شيء ذلك العلم الذي يتألف على نَحوٍ قَبلي من التصوُّرات الخالصة؛ لذلك ينبغي علينا أن نُميِّز تمييزًا واضحًا بينها وبين كل معرفةٍ مستمدة من التجربة. والميتافيزيقا تُعبِّر عن حاجةٍ كامنة في العقل البشري؛ فقد كُتب على هذا العقل قَدَر من نوعٍ خاص يُحمِّله عبء الإجابة عن أسئلة لا يستطيع منها فكاكًا (راجع السطور الأولى من المقدمة الأولى لنقد العقل الخالص)، ولكن الميتافيزيقا (وهو يهاجم الميتافيزيقا الدجماطيقية أو المُتزمِّتة التي تتجاوز حدود كل تجربةٍ إنسانية ممكنة بمحاولتها الوصول إلى معرفة الأشياء في ذاتها، مما يجعلها تقيم في متناقضاتٍ لا نهاية لها) حاولَت دائمًا أن تُشبِع هذه الحاجة بطرقٍ وهمية غَيرِ مشروعة. والمهمة التي قوم بها النقد عند كانْت هي بيان أنه ما من سبيلٍ إلى المعرفة النظرية الحقة إلا بالتزام حدود التجربة. هناك إذن في مقابل هذه الميتافيزيقا الدجماطيقية ميتافيزيقا أخرى مشروعةٌ وصورية، لا تتأتى عن الاستخدام المتعالي للعقل بل عن الاستخدام الباطن له؛ أي تلك التي تُحدِّد بالتصوُّرات الخالصة الموضوعات التي تدخل في ميدان العِيان الحسي، أو التي تتحقق بالحرية ولا تطمح إلى الوصول إلى معرفة الموضوعات التي تتجاوز حدود التجربة؛ فهناك موضوعان تتناولهما هذه الميتافيزيقا بالبحث: (الطبيعة الجسمية من ناحية، وإرادة الكائنات العاقلة من ناحيةٍ أخرى). على أن كانْت قد يتوسع في فهمه لكلمة الميتافيزيقا فيَقصِد بها كل نظامٍ قَبلي في البحث يُعيِّن شروط المعرفة العقلية الخالصة وحدودها؛ أي كُل نقد؛ فالميتافيزيقا بهذا المعنى هي على حد تعبيره نقد النقد. ولما كانَت كلمة النقد ستتكرر كثيرًا في سياق هذا الكتاب، فمن الخير أن نُورِد تعريفه له في المقدمة الأولى لنقد العقل الخالص (على صفحتَي ٧، ٨ من الطبعة السابقة): «إنني لا أفهم من هذه الكلمة (أي النقد) نقدًا للكتب أو المذاهب، بل نقد ملكة العقل على وجه الإجمال، بالنظر إلى كل المعارف التي قد يسعى إليها العقل مستقلًّا عن كل تجربة، وبالتالي تقرير إمكان قيام الميتافيزيقا بوجهٍ عام أو عدم إمكانها إلى جانب تحديد مصادرها ومداها وحدودها، وكل ذلك عن طريق المبادئ.» (المترجم)
٦  كان كانْت كثيرًا ما يقوم بتدريس الأنثروبولوجيا في محاضراته الجامعية. وقد قام هو نفسه بنشر محاضراته فيها تحت عنوان «الأنثروبولوجيا من وجهة النظر العملية» (١٧٩٨م) كما قام شتاركه Starke بنشر سِلسِلتَين من محاضراته التي لم تُنشر في هذا الموضوع تحت عنوان «دروس في الأنثروبولوجيا» (١٨٨١م). والأنثروبولوجيا عند كانْت هي علم الطبيعة الإنسانية كما تُقدِّمها لنا التجربة وكما تظهر في التاريخ. وهي إمَّا أنثروبولوجيا نظرية أو عملية. أمَّا من حيث كونها معرفةً نظرية فهي كثيرًا ما تختلط في لغة كانْت بعلم النفس التجريبي، كما كان مفهومًا على عهده، وإن كان ميدانها أوسع من ميدانه وكانت لا تعتمد على الملاحظة الباطنية فحسب، بل تضيف إليها كذلك الملاحظة الخارجية. وأمَّا عن كونها معرفةً عملية فهي تدرس الطبيعة الإنسانية في علاقتها بغاياتها الرئيسية، وهي: السعادة، والمهارة، والحكمة. ومحاضراته في الأنثروبولوجيا كانت مقصورةً على هذا النوع العملي الذي يبحث في الملكات الإنسانية من حيث قدرتها على تحقيق سعادة الإنسان وتنمية مهارته العملية عن طريق التربية والتهذيب. ووَصْف الأنثروبولوجيا بالعملية في هذا الموضع يتعلق بالمعنى الضيق لكلمة عملي؛ أي بالتحديد الأخلاقي للإرادة (إذ إنها بمعناها الواسع تتعلق بموضوعات أفعال الإنسان بوجهٍ عام). ويبدو أن مهمة الأنثروبولوجيا العملية هنا هي دراسة الشروط الذاتية والوسائل المتعددة التي تساعد على أداء الواجب أو تحول دونه. (المترجم)
٧  كرستيان فولف، فيلسوف ورياضي، أكبر ممثلي الفلسفة العقلية الألمانية، ومن روَّاد عصر التنوير في ألمانيا. وُلد في ٢٤ / ١ / ١٦٧٩م في بَرسلاو، ومات في ٩ / ٤ / ١٧٥٤م في هاله، التي تولى تدريس الفلسفة فيها ابتداءً من عام ١٧٠٧م. يُعد فولف خالق النزعة العقدية في الفلسفة الألمانية وقد بنى مذهبه على أساسٍ من فلسفة ليبنتس، التي جعل منها الفلسفة السائدة في عصره، وإن كان قد استعان في بنائه له بأفكارٍ أَرُسطِية ورُواقِية ومدرسية. يرجع إليه الفضل الأكبر في وضع أسس اللغة الفلسفية والمصطلح الفلسفي في اللغة الألمانية، وكتبه التي وضعها بالألمانية تبدأ غالبًا بِكلمتَي «أفكار عقلية …» إيمانًا منه بسلطان العقل وثقةً غيرَ محدودةٍ في قوته. الفلسفة العملية الشاملة عنده علمٌ موضوعه توجيه الأفعال الحرة وفقًا لقواعدَ عامة، يهتم بالوسائل والدوافع أكثر من اهتمامه بغايات الأفعال وأهدافها. ومع أن موضوع هذه الفلسفة العملية هو الأفعال الخلقية بوجه خاص، فإنها تحدد الأفعال الإنسانية بوجه عام وتميز بينها وفقًا للنظام الطبيعي؛ فالقانون الأخلاقي يقوم على التزامٍ طبيعي، أي على التزامٍ يرتكز على جوهر وطبيعة الإنسان والأشياء؛ فالقانون يُسَمَّى قاعدةً إذا كُنَّا نلتزم، على حد تعبيره، بتحديد أفعالنا وفقًا له: Lex dicitur regula, juxta quam actiones nostras determinare obligamur.
ويُلاحَظ على العموم أنَّ كانْت يعتبر فولف أقوى ممثلي النزعة العقلية الدجماطيقية، وأن كل هجومه على الميتافيزيقا مُوجَّه إلى فلسفة فولف وأتباعه الذي كانوا مُنتشِرِين في جميع الجامعات الألمانية على وجه التقريب في عصره. (المترجم)
٨  ظهر «نقد العقل العملي» في عام ١٧٨٨م، كما ظهرت «ميتافيزيقا الأخلاق» بقسميها: المبادئ الميتافيزيقية الأولى لنظرية الحق (يناير ١٧٩٧م)، والمبادئ الميتافيزيقية الأولى لنظرية الفضيلة (أغسطس ١٧٩٧م). (المترجم)
٩  يَستخدم كانْت هنا كلمتَي الديالكتيكي استخدام الصفات، معبِّرًا بها عما قصد إليه في نقد العقل الخالص (باب الديالكتيك المتعالي، المقدمة) من أن الديالكتيك هو منطق الظاهر، وأن الديالكتيك المتعالي بوجهٍ خاص موضوعه ذلك الوهم المتضمن في المعرفة التي يُخيَّل لنا أننا نكتسبها كلما طبَّقنَا التصوُّرات الخالصة على الأشياء في ذاتها أو الموضوعات التي تتجاوز حدود التجربة (كوجود الله، والحرية، وخلود النفس، والعالم). العقل النظري لا يمكنه أن يتحاشى الوقوع في الوهم؛ فطبيعته البحث عن المُطلَق، وإن كان يُسلِّم بوجود هذه الأفكار Ideen، التي تتجاوز ميدان الحس والتجربة، فإنه لن يستطيع أن يحيط بطبيعتها أو يتوصل إلى أية معرفةٍ يقينية بها. وربما دار في ذهن كانْت، وهو يستخدم هذه الكلمة، ذلك المعنى الذي قصد إليه أرسطو حين جعل من الديالكتيك (الجدل) ذلك الاستدلال العقلي المتعلق بالآراء الظنية المُحتمَلة، في مقابل الأنالوطيقا (التحليلات) وموضوعها البرهان أي الاستدلال الذي يبدأ من مقدماتٍ يقينية. (المترجم)
١٠  يتبع كانْت في القِسمَين الأَوَّلين المنهج التحليلي، وفي القسم الثالث والأخير المنهج التركيبي. والفرق بين المنهجَين يقوم على أن المنهج التحليلي أو التراجُعي يبدأ من الوقائع المُعطاة ليستخلص منها الشروط والمبادئ الأساسية، في حين يبدأ المنهج التركيبي أو التقدُّمي من الشروط والمبادئ الموجودة في العقل ليستخلص منها الوقائع المعطاة. وقد سار كانْت في كتابه نقد العقل الخالص على المنهج التركيبي، بينما سار في كتابه «مقدمات لكل ميتافيزيقا تريد أن تصبح علمًا» على المنهج التحليلي (المقدمات ٤، ٥)؛ فهو يبدأ في هذا الكتاب الأخير من حقيقةٍ يقينية هي أن الرياضة الخالصة والفزياء الخالصة علمان يقينيان، ويحاول أن يستخلص من هذه الحقيقة المبادئ والشروط التي تفسر إمكان قيامهما. أمَّا في نقد العقل الخالص فهو يبدأ من مبادئَ قَبْلية موجودة في العقل، تُعتبَر الشروط التي لا غنى عنها لكي تمارس مَلَكة المعرفة وظيفتها، ولكي يستخلص منها إمكان وجود علومٍ مثل الرياضيات والفزياء الخالصة. وعلى هذا الأساس يُعد المنهج التحليلي أَكثرَ سهولة وأَعمَّ استخدامًا، ولكنه أقل من المنهج التركيبي دقةً وإحكامًا؛ إذ إنه يستند إلى واقعة يُفترض صِحَّتها سلفًا بدون أن يتثبت منها، أمَّا المنهج التركيبي فهو أصعب تناولًا ولكنه أكثر إقناعًا؛ إذ إنه يبدأ من الأصل الذي تصدر عنه المعرفة لِيُبين كيف أن فعل التفكير نفسه من شأنه أن يؤدي بالضرورة إلى العلم. أمَّا فيما يتعلق بالأخلاق فإن المنهج التحليلي يبدأ من الوجدان المشترك بين الناس، مُفترِضًا حقيقته، ليستخلص منه المبادئ والشروط العليا التي تُمكِّنه من إصدار أحكامه على أنواع السلوك المختلفة، فيصل بذلك إلى فكرة الأمر الأخلاقي المُطلَق والاستقلال الذاتي بالإرادة والحرية. أمَّا المنهج التركيبي فهو يبدأ من فكرة العقل العملي ومن فكرة الحرية التي تُعبِّر عنه أصلح تعبير، لكي يفسر إمكانَ قيامِ الأمر الأخلاقي المُطلَق ويصل إلى إثبات صلاحية الوجدان المشترك لأن يكون نقطة البداية للأحكام الأخلاقية. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠