القسم الأول

الانتقال من المعرفة العقلية المشتركة بالأخلاق إلى المعرفة الفلسفية

من بين الأمور التي يمكن تَصوُّرها في هذا العالم، أو خارجه، لا يوجد شيء يمكن عدُّه خيرًا على وجه الإطلاق ودون قَيد، اللهم إلا شيء واحد، هو: الإرادة الخَيِّرة.

فالفهم، والذكاء، ومَلَكة الحُكم١ وما سواها من مواهب العقل، أيًّا كان الاسم الذي تَتسمَّى به، أو الشَّجاعة والتصميم والإصرار على الهدف بِوَصْفها من خصائص المزاج، هي كلها بلا ريبٍ خصائصُ خيِّرة خليقة بأن يطمح إليها الإنسان، غير أن هذه الهبات الطبيعية قد تكون سيئةً بالغة السوء والضرر إذا لم تكن الإرادة التي عليها أن تستخدمها والتي يُطلَق على أخص خواصها من أجل هذا السبب اسم «الطبع»٢ [أو الخُلق] — إرادةً خيِّرة. ومثل هذا القول ينطبق على هبات الحظ؛ فالقوة، والغنى، والشرف، بل الصحة نفسها والهناء والرضا عن الحال، مما درجنا على تسميته «بالسعادة»، قد يَتولَّد عنها الاعتزاز بالنفس الذي قد ينحرف في أغلب الأحيان فيصير غرورًا واختيالًا، هذا إن لم تكن ثَمَّةَ إرادةٌ خيرة تُصلِح من أَثَرها على الوجدان وتُوجِّهها نحو غاياتٍ وأهدافٍ عامة وتُصحِّح مبدأ السلوك كله، وما بنا حاجة إلى القول بأن الشاهد العاقل غير المتحيز لا يمكن بأية حال أن ترضى نفسه برؤية كائنٍ يتقلب في أعطاف النعيم وقد تَعطَّل عن كل إرادةٍ نقية خيِّرة. وهكذا يبدو أن الإرادة الخَيِّرة هي الشرط الذي لا غنى عنه لكي يكون الإنسان خليقًا بالسعادة.٣

هناك بعض الخصائص التي تسند هذه الإرادة الخَيِّرة وقد تُساعِد على تيسير عملها مساعدةً فعالة، ولكنها مع ذلك لا تحتوي في ذاتها على أية قيمةٍ مطلقة، بل تفترض دائمًا وجود إرادةٍ أخرى طيبة (سابقة عليها) مما يحد من التقدير العالي الذي نحمله لها بحقٍّ في أنفسنا ويجعل من المُتعذَّر علينا أن ننظر إليها نَظرتَنا إلى إرادةٍ خيِّرة مطلقة؛ فالاعتدال في العواطف والانفعالات، والسيطرة على النفس، والمقدرة على التدبُّر المتزن ليست خيِّرة من كثيرٍ من الوجوه فحسب، بل إنها تكون فيما يبدو جزءًا من القيمة الباطنة (أو الذاتية) للشخص، غير أنه ينقصها الكثير لكي نَعُدُّها خيِّرةً دون تَحفّظ (وإن كان الأقدمون قد أَثنَوا عليها ثناءً لا مزيد عليه)؛ ذلك لأنها إذا لم تَستنِد إلى المبادئ التي تُقدِم عليها الإرادة الطيبة فقد يستفحل شَرُّها، وإن دم الشرِّير البارد لا يجعله أشد خطورةً فحسب، بل إنه لَيَزِيدُ مباشرةً من بشاعته في أعيننا أكثر مما كُنَّا سنحكم لو أنه تَجرَّد عنها.

إن الإرادة الخَيِّرة لا تكون خيِّرةً بما تُحدِثه من أَثَرٍ أو تُحرِزه من نجاح، لا ولا بصلاحيتها للوصول إلى هذا الهدف أو ذاك، بل إنها تكون كذلك عن طريق فعل الإرادة وحده؛ أعني أنها خيِّرة في ذاتها، وأنها إذا نُظر إليها في ذاتها فلا بد لنا — بلا وجهٍ للمقارنة — أن نُقدِّرها تقديرًا يرتفع بها درجات عن كل ما من شأنه أن يتحقق بوساطتها لمصلحة ميلٍ من الميول أيًّا كان، لا بل لمصلحة كل الميول مجتمعة. وإذا ما شاءت نقمة الأقدار أو تقتيرُ طبيعة تتسم بصفات الحموات أن تسلب هذه الإرادة كل قدرةٍ على تحقيق أهدافها، وإذا ما عَجزَت برغم أشق الجهود التي تبذلها عن إدراك أي شيء، ولم يبق إلا الإرادة الخَيِّرة وحدها (لا أريد بهذا بالطبع أن تبقى مجرد رغبةٍ فحسب، بل أقصد أن تكون حشدًا لجميع الوسائل الممكنة في طاقتنا) فسوف تلمع بذاتها لمَعَان الجوهرة، مِثل شيءٍ يَحتفِظ في نفسه بكل قيمته؛ فلا المنفعة تستطيع أن تضيف إلى هذه القيمة شيئًا، ولا العُقم يمكنه أن ينقص منها في شيء. ولن تزيد المنفعة على أن تكون التغليفة التي تُيسِّر تَداوُل الجوهرة بين الناس، أو تَلفِت إليها أنظار من لم يعرفوها بعدُ معرفةً كافية، لا لكي توصي بها العارفِين أو تُحدِّد قيمة ثمنها.

في هذه الفكرة وحدها عن القيمة المُطلَقة للإرادة، ودون أن تحسب حساب المنفعة في تقديرنا لها؛ أقول إن في هذه الفكرة نوعًا من الغرابة يُثير بالضرورة وبالرغم عن التقابُل التامِّ بينها وبين الحِس المشترك، لونًا من الشبهة التي قد تدعو إلى الظن بأنها لا ترتكز إلا على وهمٍ متعال، وأن الطبيعة ربما أُسيء فَهمُ قصدها من جعل العقل حاكمًا على الإرادة. من أجل هذا نريد أن نفحص هذه الفكرة من وجهة النظر هذه.

نحن نُسلِّم، عند النظر إلى التكوين الطبيعي لكائنٍ عضوي، أعني لكائنٍ أُعد للحياة، بمبدأ أساسيٍّ مُؤدَّاه أنه ما من عضوٍ فيه جُعِل لِلْوَفاءِ بِغايةٍ من الْغَاياتِ إلَّا وكان أَنسبَ الأعضاءِ لتحقيق هذه الغاية وأكثرها ملاءمةً لها؛ فلو كان الهدف الأساسي الذي تَقصِد إليه الطبيعة من كائنٍ ذي عقل وذي إرادة أن تُوفِّر له «البقاء والهناء» وبالجملة «السعادة»، لكانت قد أساءت الاختيار إذ جَعلَت عقل هذا المخلوق أداةً لتنفيذ غرضها؛ ذلك لأن جميع الأعمال التي ينبغي على هذا الكائن الحي أن يُؤدِّيها لتحقيق هذا الغرض وكذلك قاعدة سلوكه بتمامها كانَت ترسمها له غريزته على وجهٍ أَدَق، وذلك الغرض كان سيتحقق بطريقةٍ أَضمنَ مما كان يعجز عنه العقلُ لو أنه حاول ذلك، ولو أن هذا المخلوق وُهِب العقل لما نفعه في شيءٍ إلا في نَسجِ تأمُّلات تدور حول الاستعدادات الطبيعية التي وَفَّقَه الحظ إليها، والإعجاب بها وتهنئة نفسه بما رُزق منها والتعبير عن شكره لِلعِلة التي أَنعمَت عليه بها، لا في إخضاع مَلَكة الاشتهاء والرغبة لديه لِتلك القيادة الضعيفة المُضللة والانحراف بالطبيعة عن قصدها وغايتها، وبالجملة فإنها تكون قد اتخَذَت الحَيطة لتمنع العقل من أن يسير في طريق الاستخدام العملي أو يتجاسر فيحاول، ببصيرته الكلية، أن يضع خطة السعادة والوسائل المؤدِّية إليها ولَعَهِدت بهما جميعًا إلى الغريزة وحدها.

والواقع أننا نجد أنه كلما انصرف العقل المستنير إلى تحصيل المتعة في الحياة والسعادة، ابتَعَد الإنسان عن الرضا الحقيقي. وهذا هو السبب في أن كثيرًا من الناس، وبالأخص أولئك الذين حصَّلوا أكبر قَدْر من التجربة في ممارسة العقل — هذا إذا توافر لديهم من الإخلاص مما يجعلهم يعترفون بذلك — يَتولَّد لديهم قدْرٌ مُعيَّن من الميزولوجيا،٤ أعني من كراهية العقل؛ ذلك لأنهم بعد أن يحسبوا حساب كل المزايا التي حصَّلوها، لا أقول من وراء اكتشاف كل فنون الترف الشائع، بل كذلك من العلوم نفسها (التي تبدو لهم في نهاية المطاف وكأنها ترفٌ ذهني) يجدون في حقيقة الأمر أنهم إنما حمَّلوا أنفسهم من التعب والشقاء أضعاف ما جَنَوه من السعادة، وأنهم يشعرون نحو هذه الفئة الغالبة من الناس، التي تُسلِم قيادها إلى الغريزة الطبيعية وحدها ولا تسمح للعقل بأن يُؤثِّر تأثيرًا كبيرًا على ما تأتي وما تدَع من أفعال، بِلونٍ من الحسد يزيد بكثيرٍ عمَّا تضمره لها من تحقير. وهكذا ينبغي علينا أن نعترف بأن حكم أولئك الذين يُكفكِفون من غُلَواء المدائح التي تُمجِّد المزايا التي يَتعيَّن على العقل أن يُحصِّلها لنا فيما يتعلق بالسعادة والرضا في الحياة، لا بل يضعون من شأنها حتى تصير أَقلَّ من لا شيء، لا يصدرون في ذلك عن طبعٍ ساخطٍ بالعناية التي تحكم الكون، بل إن هذا الحكم الذي يذهبون إليه إنما يقوم في حقيقته على فكرة أن الغاية من وجوده أشد اختلافًا وأسمى نبلًا، وأن العقل إنما يهدف في الحقيقة إلى هذه الغاية خاصةً لا إلى تحقيق السعادة، وأن على الإنسان بالتالي أن يُخضِع في معظم الأحيان مآربه الشخصية لهذه الغاية بوصفها الشرط الأسمى.٥

ولما كان العقل لا يَصلُح صلاحيةً كافية لقيادة الإرادة قيادةً رشيدة إلى ما تسعى إليه من موضوعات وإلى إرضاء جميع حاجاتنا (التي يعمل هو نفسه على الإكثار منها) وكانت الغريزة الطبيعية المفطورة أَقدَر منه على تحقيق هذا الغرض، ولما كُنَّا قد أُوتينا العقل مَلَكةً عملية، أعني مَلَكَة عليها أن تُؤثِّر أَثَرها على «الإرادة»؛ فإن مصيره الحق ينبغي أن يتجه إلى بعث إرادةٍ خيِّرة فينا لا تكون وسيلةً لتحقيق غاية من الغايات، بل تكون إرادةً خيِّرة في ذاتها. من أجل هذا كان وجود العقل أمرًا تقتضيه الضرورة المُطلَقة، بينما سارت الطبيعة في كل مجال وُزِّعت فيه استعداداتها الفطرية وَفقَ الغايات التي تسعى إلى تحقيقها. قد لا تكون هذه الإرادة هي الخير الأوحد ولا الخير كله، ولكن ينبغي أن تكون بالضرورة الخَيرَ الأسمى والشرط الذي يتوقف عليه كلُّ خَيرٍ آخر، بما في ذلك النزوع إلى السعادة. في هذه الحالة يكون مما يتفق مع الحكمة التي تتجلى في الطبيعة ما نستطيع أن نُلاحِظه من أن ثقافة العقل، التي لا غِنى عنها لتحقيق الغاية الأولى المُطلَقة، تَحدُّ من وجوهٍ كثيرة من تحقيق الغاية الثانية، المشروطة دائمًا، ألَا وهي السعادة، في هذه الحياة على الأقل، بل لقد ينتهي بها الأمر إلى أن تُحيلَها إلى لا شيء. والطبيعة في هذا لا تسير سَيرَها دون غاية؛ ذلك لأن العقل الذي يعرف أن هدفه العملي الأسمى هو إقامة إرادةٍ خيِّرة، إنما يُحِس عند بلوغ هذا الهدف بنوعٍ من الرضا الذي يُناسِب طبيعته، وهو الرضا الذي يَنبُع عن تحقيق غرضٍ لا يعيِّنه إلا العقل نفسه، وإن ارتبط ذلك بشيءٍ من الضرر الذي يَلحَق أغراض النوازع النفسية.

ومن أجل أن نتناول تصوُّر الإرادة الخَيِّرة الجديرة في حدِّ ذاتها بأسمى درجةٍ من التقدير، والخيِّرة بِغَض النظر عن أي هدفٍ أو غايةٍ تناوُلًا وافيًا، على نَحوِ ما نجده كامنًا في الفهم الطبيعي السليم، لا يحتاج إلى أن يُعلَّم بل إلى أن يُبصَّر به تبصيرًا هيِّنًا، هذا التصوُّر الذي يحتل في تقديرنا للقيمة الكاملة لأفعالنا أَرفعَ مكانٍ دائمًا والذي يكون الشرط الذي لا غنى عنه لكل ما عداه؛ أقول إننا قبل أن نتناوَلَه تناوُلًا وافيًا سنفحص تصوُّر الواجب الذي ينطوي على تصوُّر إرادةٍ خيِّرة وإن اقترن هذا بتحديداتٍ وعوائقَ ذاتيةٍ مُعيَّنة، نخطئ كثيرًا إن قلنا إنها تحجبه أو تُشوِّه منه؛ إذ إنها تُتيح له في الحقيقة عن طريق المضاهاة (بينه وبينها) أن يكشف عن نفسه ويتجلى في تمام روعته وصفائه.٦
أَدَع هنا جانبًا كل أفعال السلوك التي عُرِفَ عنها أنها منافية للواجب وإن جاز اعتبارها من وجهة النظر هذه أو تلك أفعالًا نافعةً؛ ذلك لأننا لا نملك على الإطلاق أن نسأل إن كانَت قد صَدرَت عن شُعورٍ بالواجب، ما دامت تُخالِفه مخالفةً صريحة. كذلك أَدَع جانبًا الأفعال التي تطابق الواجب مطابقةً حقةً، ولكن لا يشعر الناس نحوها «بأي مَيلٍ» مباشر وإن كانوا يُقبِلون مع ذلك على ممارستها مَدفوعِين بميلٍ آخر؛ ذلك أن من السهل علينا في هذه الحالة أن نتبين إن كانَت الأفعال المطابقة للواجب قد تمَّت عن شُعورٍ بالواجب أو عن حرصٍ أنانيٍّ على المصلحة، ولكن سيصعب علينا كثيرًا أن نُلاحِظ هذا الفارق حين يكون الفعل مطابقًا للواجب وحين يميل الشخص إليه إلى جانب ذلك ميلًا مباشرًا.٧ مثال ذلك أنه مما يتفق مع الواجب ألا يرفع التاجر من السعر على عميله غير المُجرِّب، وإن التاجر الفَطِن ليتحاشى ذلك بالفعل حيثما راج سوق البيع والشراء، بل إنه لَيُحافظ على سعرٍ ثابتٍ عامٍّ للجميع حتى لَيَستطيع الطفل أن يشتري لدَيه بنفس الأسعار التي يشتري بها أي إنسانٍ آخر. وإذن فالإنسان هنا يُعامِله «بأمانة»، غير أن هذه المعاملة الأمينة لا تكفي على الإطلاق لكي تجعلنا نذهب إلى الاعتقاد بأن التاجر قد صدر في مسلكه هذا عن إيمانٍ بالواجب وبمبادئ الأمانة. إن مصلحته قد اقتضت ذلك. ولا يستطيع الإنسان في هذا المقام أن يفترض أنه كان يحمل في نفسه ميلًا مباشرًا نحو عملائه، بحيث جَعلَته هذه العاطفة التي يُحِس بها نحوهم لا يُفضِّل واحدًا منهم على الآخر في السعر. وإذن فلم يصدر هذا السلوك لا عن واجبٍ ولا عن ميلٍ مباشر، بل كان الباعث عليه هو المصلحة الذاتية وحدها.

وعلى العكس من ذلك، فإن محافظة الإنسان على حياته واجب، وهي بالإضافة إلى هذا أَمرٌ يشعر كل واحدٍ مِنَّا نحوه بميلٍ مباشر. بَيْدَ أن الحرص القَلِق الذي يخالج معظم الناس على حياتهم لا ينطوي على قيمةٍ ذاتية، والمُسلَّمة التي يقوم عليها لا تحتوي على أي مضمونٍ أخلاقي. إنهم يحافظون حقًّا على حياتهم «بما يتفق مع الواجب»، ولكنهم لا يفعلون ذلك عن شعور «بالواجب». وعلى العكس من ذلك حين تسلب المُنغِّصات والسخط اليائس كل طعمٍ للحياة، وحين يُحِس التعيس ذو النفس القوية بالغَضَب على القَدَر الذي قُسِم له أكثر من إحساسه بالهزيمة أو الهوان، فيتمنى لنفسه الموت ويحافظ مع ذلك على الحياة دون أن يُحبها، لا عن ميلٍ أو جزع، عندئذٍ تكون مُسلَّمته ذات مضمونٍ أخلاقي.

الإحسان، حيثما استطاع الإنسان، واجب، وهنالك بعض النفوس التي بلغ بها العطف مبلغًا يجعلها تجد المتعة الباطنة في إشاعة السرور حولها واللذة في رضا الغير، طالما كان فعلًا من أفعالها، دون أن يدفعها إلى ذلك دافعٌ من غرورٍ أو أَثَرة. غير أنني أزعم أن مثل هذا الفعل، مع مطابقته للواجب واستحقاقه للثناء، لا ينطوي على قيمةٍ أخلاقية حقيقية، بل يُرافق ميولًا أخرى ويُلازمها، مثال ذلك الميل إلى الشرف الذي إذا أسعده الحظ فصادف ما يتفق في الواقع مع المصلحة العامة ومع الواجب ومع ما يكون بالتالي مَجلبةً للشرف، فقد استحق الثناء والتشجيع وإن لم يَستحقَّ الاحترام والتقدير؛ ذلك أن المُسلَّمة ينقصها المضمون الأخلاقي؛ أعني أن تُؤدَّى هذه الأفعال لا عن ميلٍ بل عن شعورٍ «بالواجب». فإذا فرضنا أن وجدان صديق بني الإنسان هذا لَفَعَته سُحب الهموم الذاتية التي تقضي على كل مشاركةٍ وجدانية في أقدار الآخرِين، وأنه لا يزال قادرًا على تقديم الخَيرِ لِغيره من المُعذَّبينَ، وأنه قد شُغل بشقائه الشخصي فلم يعُد شقاء الآخرِين يُحرِّك فيه جارحة، وأنه على هذه الحال التي لا يُؤثِّر عليه فيها مَيلٌ يستطيع أن ينزع نفسه من هذا الجمود المُميت وأن يُؤدِّي الفعل عن شعورٍ بالواجب فحسب، مُجرَّدًا عن كل ميل، عندئذٍ فقط تكون لهذا الفعل قيمته الأخلاقية الأصيلة، بل إنني أزيد على هذا فأقول لو أن الطبيعة وَضعَت في قلب هذا الإنسان أو ذاك قليلًا من المشاركة الوجدانية، ولو كان (وهو الإنسان الأمين) بارد المزاج عديم الاكتراث لآلام غيره من الناس، ربما لأنه هو نفسه قد رُزق من الصبر والعزم والثبات ما يُواجِه به آلامه وما يجعله يفترض وجودها عند غيره من الناس أو على مطالبته بأن يكون لديه مثلها؛ أقول إذا شاءت الطبيعة ألا تجعل مثل هذا الإنسان (الذي لن يكون أسوأ إنتاجها) صديقًا محبًّا للبشر، فهل يعدم مثل هذا الإنسان أن يجد في نفسه المصدر الذي يجعله يعطي نفسه قيمةً أعلى بكثيرٍ من القيمة التي يمكن أن تكون لمزاجٍ خيِّر بطبيعته؟ بلى! إن القيمة التي نخلعها على الشخصية (الطبع)، وهي القيمة الأخلاقية التي لا يُضارِعها في سموها قيمةٌ أخرى، تظهر على وجه الخصوص في هذا المجال؛ أعني أن يُحسِن الإنسان لا عن ميلٍ بل عن شعور بالواجب.

إن تأمين الإنسان لسعادته الذاتية واجب (على الأقل بطريقٍ غير مباشر)؛ ذلك لأن عدم رضا المرء عن حاله، وتزاحُم الهموم العديدة عليه، ومعيشته وسط حاجاتٍ لم يتم إشباعها قد تكون إغراءً قويًّا له على أن يدوس على واجباته، ولكننا حتى لو صرفنا النظر في هذا المقام عن فكرة الواجب، فسنجد أن الناس جميعًا يتملَّكُهم نزوعٌ باطن بالغ القوة نحو السعادة؛ ذلك لأن جميع النزعات تتحد في هذه الفكرة بالذات [أي فكرة السعادة] وحدةً كلية. غير أن القاعدة التي توصي بالسعادة تكون في أغلب الأحيان بحيث تُلحِق ضررًا كبيرًا ببعض الميول، وبحيث لا يستطيع الإنسان أن يُكوِّن لنفسه تصوُّرًا مُحدَّدًا ومُؤكَّدًا عن المجموع الذي يَتألَّف من إشباع هذه الميول، وهو ما يُطلَق عليه اسم السعادة؛ ولهذا فليس من العجيب في شيءٍ أن نجد ميلًا فريدًا مُحدَّدًا بالإضافة إل ما يعد به والوقت الذي يُنتَظَر أن يتم إشباعه فيه، يقع تحت سيطرة فكرةٍ مُذبذَبة، وأن نجد امرءًا ذواقة على سبيل المثال، يقبل بمحض اختياره على الاستمتاع بطعامٍ يستطعمه كما يختار الألم الذي سيترتب عليه من ورائه؛ لأنه في حسابه هنا على الأقل لم يشأ أن يُضيِّع على نفسه متعة اللحظة الراهنة انتظارًا لأمل ربما يكون خاطئًا عن السعادة التي تكمن في الصحة، ولكن إذا كان الميل العام للسعادة في هذه الحالة أيضًا لم يُحدِّد إرادته إذا كانْت الصحة لم تبلغ من الأهمية في اعتباره مبلغًا يجعله بداخلها بالضرورة في حسابه، فسيبقى في هذه الحالة، كما في كل حالةٍ سواها، قانون يأمره بالعمل على تحصيل سعادته، لا عن ميل، بل عن إحساس بالواجب، وها هنا فحسب تكون لمسلكه قِيمةٌ أخلاقية حقَّة.

بهذا المعنى ينبغي علينا بلا نزاع أن نفهم مواضع الكتاب المُقدَّس التي وصَّى الإنسان فيها بِمحبةِ جاره، حتى لو كان هذا الجار عدوًّا لنا؛ ذلك لأن الحب بِوَصفه ميلًا لا يمكن أن يُوصَى به، أمَّا الإحساس عن إحساسٍ بالواجب المحض، حين لا يكون ثَمَّةَ ميل على الإطلاق يدفعنا إلى الإقدام عليه، لا بل حين يصدنا عنه نفورٌ طبيعي غلَّاب، إنما هو حبٌّ عملي لا حبٌّ انفعالي باثولوجي٨ يقوم على الإرادة لا على نوازع الحساسية، ويستند على مبادئ السلوك لا على مشاركةٍ عاطفية مفرطة، ذلك الحب وحده هو الذي يمكن أن يُوصَى به.٩

القضية الثانية تقول: الفعل الذي يتم عن إحساس بالواجب لا يستمد قيمته الأخلاقية من «الهدف» الذي يُرجَى بلوغه من ورائه، بل من المُسلَّمة التي تَقرَّر القيام به وفقًا لها، فهي إذن لا تتوقف على واقعية موضوع الفعل، بل تعتمد فحَسْبُ على مبدأ الإرادة الذي حدث الفعل بمقتضاه، بِصرف النظر عن كل موضوعات الاشتهاء. ويتضح مما تقدم أن الأهداف التي يمكن أن تكون لدينا عند القيام بأفعالنا والآثار التي تنجم عنها، بوصفها غاياتٍ ودوافعَ مُحرِّكةً للإرادة، لا تستطيع أن تعطي هذه الأفعال أية قيمةٍ مطلقة أو قيمةٍ أخلاقية. أين يمكن إذن أن تُوجد هذه القيمة، إن لم تُوجد في الإرادة من حيث علاقتها بالأَثَر المَرجُو من وراء تلك الأفعال؟ إن هذه القيمة لا يمكن أن تُوجد إلا في مبدأ الإرادة بِغَض النظر عن الغايات التي قد تتحقق عن طَريقِ مثل ذلك الفعل؛ ذلك لأن الإرادة تقع موقعًا وسطًا بين مبدئها القَبْلي، وهو شكلي، وبين البواعث البَعدية الدافعة إليه، وهي مادية، وكأنها تقع على مَفرِق الطرق، ولما كان من اللازم أن تتحدد عن طريق شيءٍ ما، فلا بُد لها أن تُحدَّد عن طريق المبدأ الشكلي للإرادة بوجهٍ عام، حينما يحدث فعلٌ عن واجب؛ إذ يكون قد نُزع عنه كل مبدأٍ مادي.

أمَّا القضية الثالثة، وهي بمثابة النتيجة المترتبة على القضيتَين السالفتَين، فأستطيع أن أُعبِّر عنها على النحو التالي: «الواجب هو ضرورة القيام بفعل عن احترام للقانون». حقًّا إنني قد أجد لديَّ ميلًا للموضوع، بِوصفِه أثرًا من آثار الفعل الذي أَنوِي الإقدام عليه، ولكنني لن أحمل له احترامًا، والسبب في ذلك أنه مُجرَّد أَثَر للإرادة وليس نشاطًا فعَّالًا تقوم به. وبالمثل لا أستطيع أن أحمل للميل بوجهٍ عام، سواءٌ أكان صادرًا عني أم عن غيري، أي احترام، وقُصارى جهدي أن أُحبِّذه في الحالة الأولى، بل قد أُحِبه في الحالة الثانية، أعني أنني قد أَعدُّه مما يُعزِّز مصلحتي الخاصة. إن ما يرتبط بإرادتي كَمبدأٍ لها فحسب، لا كَأَثرٍ من آثارها أبدًا، لا يخدم مَيلي بل يُسيطر عليه، أو يُستبعد على الأقل من حسابها (أي الإرادة) عند الاختيار. وإذن فالقانون المُجرَّد في ذاته هو وحده الذي يمكن أن يكون موضوعًا للاحترام، وبالتالي أمرًا أخلاقيًّا. فإذا كان على فعلٍ من الأفعال تم بباعث من الواجب أن يستبعد كل أَثَر للعميل ومعه كل موضوعٍ من موضوعات الإرادة فسوف لا يبقى شيءٌ مما يمكن أن يُحدِّد الإرادة إلا أن يكون من الناحية الموضوعية هو «القانون»، ومن الناحية الذاتية الاحترام الخالص لهذا القانون العملي، وبالتالي لن يبقى إلا المُسلَّمة١٠ التي تأمرني باتِّباع مثل هذا القانون، حتى لو أَدَّى ذلك إلى التخلِّي عن جميع النزعات والميول التي أحملها في نفسي.
وهكذا فإن القيمة الأخلاقية للفعل لا تكمن في الأثر الذي يُنتظَر من ورائه، ولا في أي مبدأٍ من مبادئ الفعل يحتاج إلى استعارة الباعث عليه من هذا الأَثَر المُنتظَر؛ ذلك لأن جميع هذه الآثار المترتبة على الفعل (مثل رضا الإنسان على حاله، بل والعمل على إسعاد الغير) يمكن أيضًا أن تنتج عن أسبابٍ أخرى؛ بحيث لا يكون هناك حاجة إلى إرادة كائنٍ حي عاقل، فيها وحدها انجد الخَير الأسمى والخَير المُطلَق. من أجل ذلك كان تمثُّل القانون في ذاته، وهو ما يتم بالطبع عند الكائن العاقل وحده، وجعل هذا التمثُّل، لا الأَثَر المُتوقَّع، هو المبدأ المحدد للإرادة؛ أقول من أجل ذلك كان هذا التمثُّل وحده هو الذي يُؤلِّف ذلك الخَير السامي الذي نصفه بأنه أخلاقي، والذي نجده بالفعل حاضرًا لدى الشخص الذي يعمل وفقًا له ولا يَصِح لنا أن ننتظره أول ما ننتظر من الأَثَر الناتج عن فعله.١١
ماذا عسى أن يكون هذا القانون الذي لا بد أن يُحدِّد تمثُّلي له إرادتي، دون التفاتٍ إلى الأثر الناجم عنه كما يمكن تسمية هذه الإرادة بأنها خيِّرة على وجه الإطلاق، ودون أدنى تحفُّظ؟ لمَّا كنت قد جرَّدت الإرادة من كل الدوافع التي يمكن أن تنبثق فيها نتيجة لإطاعة قانونٍ ما، فلن يتبقى غير الصورة القانونية العامة للأفعال على وجه الإجمال،١٢ وهي وحدها التي ينبغي أن تكون مبدأً للإرادة، أي إنه ينبغي عليَّ دائمًا أن أسلك السلوك الذي يُمكِّنني من أن أريد أن تصبح مُسلَّمتي قانونًا كليًّا عامًّا. هنا نجد أن مجرد الاتفاق التام مع القانون بوجهٍ عام (دون الاستناد إلى قانونٍ مُحدَّد قائم على أفعالٍ مُعيَّنة) هو مبدأ الإرادة، وهو الذي ينبغي أن يكون مبدأً لها حتى لا يكون الواجب وهمًا باطلًا وفكرةً خرافية. إن العقل المشترك بين البشر، في تطبيقه لحكمه العملي، يُوافِق تمام الموافقة على ما تقدَّم قولُه، ويجعل نُصبَ عَينَيه دائمًا المبدأ الذي انتهينا من ذكره.

فلنُلقِ على سبيل المثال هذا السؤال: ألا يجوز لي، حين يشتد الضيق، أن أعِد وعدًا بينما أُبيِّت النية على عدم الوفاء به؟ إنني أُفرِّق ها هنا في يُسرٍ بين المعنيَين اللَّذَين يمكن أن يحتملهما السؤال: أعني إن كان من الفطنة أو مما يتفق مع الواجب أن أعِد وعدًا كاذبًا؟ قد يكون من الفطنة بغير نزاع أن ألجأ إلى ذلك في أكثر من مرة. بَيْدَ أنني سأجد أنه لا يكفي أن أخرج بنفسي من مأزق راهن بالالتجاء إلى هذه الوسيلة، بل إن عليَّ أن أَتدبَّر الرأي جَيِّدًا؛ فقد تسبَّب لي هذه الكذبة بعد ذلك مضايقاتٍ أَشدَّ وأعظم من تلك التي أحاول الخلاص منها الآن، ولما كانَت النتائج، على الرغم من كل ما أزعمه لنفسي من «دهاء» لا يمكن التكهُّن بها بسهولة، وكان فقدي لثقة إنسانٍ آخر قد يتجاوز في ضرره كل شَر أحاول الآن أن أتحاشاه؛ أقول إن عليَّ أن أسأل نفسي: أليس أَبعَد من ذلك فطنةً أن أجعل مسلكي هنا وفقًا لمُسلَّمةٍ عامة وأن أُعوِّد نفسي على ألَّا أبذُل وعدًا لا أنوي الوفاء به؟ غير أنه سرعان ما يتجلَّى لي ها هنا أن مثل هذه المُسلَّمة إنما تقوم دائمًا على النتائج التي أخشى الوقوع فيها. على أن الصدق الذي يصدر عن شعور بالواجب يختلف اختلافًا تامًّا عن الصدق الذي يصدر عن خوف من النتائج الضارة؛ فبينما يحتوي تصوُّر الفعل في ذاته في الحالة الأولى على قانونٍ لي، يكون عليَّ في الحالة الثانية أن أتطلع في جهةٍ أخرى لأتبين أي النتائج يمكن أن ترتبط بالفعل بالنسبة لي؛ ذلك لأنني إن حِدتُ عن مبدأ الواجب، فإنني أكون بذلك قد أَقدَمتُ على شَرٍّ لا مراء فيه أبدًا، ولكنني إن خرجتُ على مُسلَّمتي التي أَصدُر فيها عن فطنة فقد يعود عليَّ ذلك في بعض الأحوال بفائدةٍ كبيرة، وإن كان التزامي لها بالطبع أدعى إلى مزيدٍ من الأمن والاطمئنان. إن أمضى الوسائل وأبعدها عن الخطأ لتعليم نفسي فيما يتعلق بالإجابة على هذا السؤال: هل الوعد الكاذب يتفق مع الواجب؟ هي أن أسأل نفسي: هل يرضيني أن تصبح مُسلَّمتي (التي تجعلني أخرج من مأزقٍ حَرِج باللجوء إلى وعدٍ كاذب) قانونًا عامًّا (ينطبق عليَّ كما ينطبق على الآخرين)؟ وهل يمكنني أن أقول لنفسي: يستطيع كل امرئٍ أن يعِد وعدًا كاذبًا حين يجد نفسه في مأزقٍ لا يعرف وسيلةً أخرى للخروج منه؟ إنني إن فعلت ذلك فسرعان ما أدرك أنني قد أريد الكذبة ولكنني لن أستطيع بحال أن أريد قانونًا عامًّا يأمر بالكذب؛ ذلك لأن وجود مثل هذا القانون سيمتنع معه في الحقيقة وجود أي وعد من الوعود؛ إذ سيكون من العبث حينئذٍ أن أُعلن عن إرادتي المتعلقة بأفعالي المقبلة لغيري مع الناس الذين لن يعتقدوا في صدق هذا الإعلان، أو الذين إن آمنوا به مُتسرعِين فسوف يحاسبونني بنفس العملة في المستقبل، مما يترتب عليه أن تهدم مُسلَّمتي نفسها بالضرورة، بمجرد أن يُجعَل منها قانونٌ عام.

وإذن فالسؤال عما ينبغي عليَّ أن أعمله، كيما يكون فعلي الإرادي خيرًا من الوجهة الأخلاقية، لا يحتاج مني للإجابة عليه إلى إرهافٍ حِسيٍّ بعيد المدى. يكفيني، وأنا العديم الخبرة عن مجرى الكون، العاجز عن مواجهة كل ما يقع فيه من أحداث، أن أسأل نفسي: هل تستطيع أن تريد لِمُسلَّمتك أن تُصبِح قانونًا عامًّا؟ فإذا كان الجواب بالنفي فإن المُسلَّمة تكون جديرة بأن تُطرَح جانبًا، ولن يكون مرد ذلك في الحقيقة إلى ضررٍ قد ينجم عنها ويلحق بك أو بغيرك من الناس، بل لأنها لا تصلح أن تكون مبدأً يجد مكانه في تشريعٍ عامٍّ ممكن، لكن العقل يُجبرني على الاحترام المباشر لمثل هذا التشريع، وهو احترام قد «لا أدرك حقًّا» في هذه اللحظة علام يستند (وذلك موضوع يمكن الفيلسوف أن يبحثه)، ولكنني أفهم منه على الأقل أنه تقديرٌ للقيمة التي تعلو علوًّا كبيرًا عن قيمة كل ما يمتدحه الميل، وأن ضرورة أفعالي التي أقوم بها عن احترام «خالص» للقانون العملي هي ما يُؤلِّف الواجب، وهو الذي لا بد لكل دافعٍ من أن يُفسِح له المكان؛ لأنه شرط الإرادة الخَيِّرة «في ذاتها»، التي ترتفع قيمتها فوق كل شيء.

بهذا نكون قد توصَّلنا في المعرفة الأخلاقية للعقل الإنساني المشترك١٣ إلى مبدئها، وهو مبدأ لا تفكر فيه حقًّا في شكلٍ كليٍّ عام على حدة، وإن كانَت تجعله في الواقع دائمًا نُصبَ عينَيها وتحتاج إليه قاعدة لأحكامها. ومن السهل علينا أن نُبيَّن كيف أنها بهذه البوصلة التي تضعها في يدها تستطيع في كل ما يعرض لها من حالات أن تميز تمييزًا تامًّا بين ما هو خير وبين ما هو شر، بين ما يتفق مع الواجب وبين ما يتنافى معه، هذا إذا تمكنَّا — دون حاجة إلى أن نعلمها شيئًا على الإطلاق — من توجيه انتباهها، كما فعل سقراط،١٤ إلى مبدئها، وأن نبين أن الإنسان ليس في حاجة إلى علم ولا فلسفة لكي يعرف ما ينبغي عليه أن يفعل لكي يكون أمينًا وخيِّرًا، لا بل ليكون حكيمًا وفاضلًا. ويستطيع المرء أن يفترض هنا سلفًا أن المعرفة بما ينبغي على الإنسان أن يفعل وبما عليه بالتالي أن يعرف يجب أن تكون أمرًا يخص كل إنسان، ولو كان من أعم عامتهم. وهنا لا يستطيع الإنسان أن يملك نفسه من الإعجاب إذ يرى كيف أن ملكه الحكم العملية في الفهم الإنساني المشترك تتقدم على ملكة الحكم النظري فيه؛ فحين يخاطر العقل العام في استخدامه لملكة الحكم الأخيرة وينأى بنفسه عن قوانين التجربة ومدركات الحواس فإنه يقع وقوعًا ظاهريًّا في مُعميات وتناقُضات مع نفسه، ويتردَّى على الأقل في عَماء من البلبلة والغموض والاضطراب.١٥ أمَّا في المجال العملي، فإن مَلَكة الحكم تبدأ في إظهار مزاياها عندما يستبعد الفهم المشترك كل الدوافع الحسية من القوانين العملية، بل إنه [أي الفهم المشترك] سيعمد عندئذٍ إلى التدقيق في أحكامه، إمَّا لأنه يريد أن يحاسب ضميره وبعض مطالبه فيبالغ في الحساب فيما يتعلق بما ينبغي أن يُعد خيرًا، وإمَّا لأنه يريد أن يُحدِّد قيمة الأفعال تحديدًا تامًّا بما يعود عليه هو نفسه بالفائدة. وأهم من ذلك كله أنه يستطيع في الحالة الأخيرة أن يبثَّ في نفسه الأمل بأنه سيُوفَّق من ذلك إلى مثل ما قد يرجو الفيلسوف أن يُوفَّق إليه، بل لقد يكون اطمئنانه من هذه الناحية أشد من اطمئنان الفيلسوف؛ ذلك لأن هذا الأخير لا يملك مبدأً آخر غير المبدأ الذي لدَيه، ولكنه قد يتعرض في سهولةٍ إلى إفساد حكمه بمجموعةٍ من الاعتبارات الغريبة التي لا تتصل بصميم الموضوع وإلى الزيغ به عن الاتجاه المستقيم. أليس أدنى للصواب إذن أن نقف في الأمور الأخلاقية عند حكم العقل المشترك وألَّا نلجأ إلى الفلسفة إلا في أقصى الحالات لنجعل نظام الأخلاق أتم وأوضح، ونبُسِّط القواعد المُتعلِّقة به بطريقةٍ تجعلها أكثر صلاحيةً للاستعمال (وأكثر من ذلك صلاحية للمناقشة) لا لكي نحيد بالفهم الإنساني المشترك، حتى من وجهة النظر العملية، عن بساطته السعيدة، أو نسلك به عن طريق الفلسفة طريقًا جديدًا في البحث والتعليم؟

إن البراءة شيءٌ رائع حقًّا، غير أنه مما يدعو للأسف أنها لا تُحسن المحافظة على نفسها وأنها تتعرض بسهولةٍ للمغريات؛ ولذلك كانَت الحكمة نفسها — وهي التي تكمن فيما يأتي الإنسان وما يَدَع من أفعالٍ أكثر مما تكمن في المعرفة — في حاجة إلى العلم، لا لكي تتزود منه، بل لكي تضمن لأوامرها الذيوع والاستمرار. إن الإنسان عندما يواجه كل أوامر الواجب التي يُصوِّرها له العقل جديرةً بكل إكبارٍ يُحس في نفسه مقاومةً شديدة تتمثل في حاجاته وميوله التي يتلخص إشباعها جميعًا لديه في كلمة السعادة. ثُم يصدر العقل أوامره في إصرارٍ غير متنازل للنزعات عن شيء، وفي نفس الوقت بنوعٍ من الإغضاء من شأن تلك المطامح المُتهوِّرة التي تبدو في ظاهرها مشروعة والتحقير منها (والتي لا يكاد يُفلح أمرٌ ما في إبطالها).

من ذلك «يتولد ديالكتيك طبيعي»، أو نزعة إلى مغالطة قوانين الواجب المحكمة بالباطل، والتشكيك في صلاحيتها أو على الأقل في نقائها وإحكامها، وجعلها مُلائمةً ما أمكن لرغباتنا وميولنا؛ أي إفسادها من أساسها والقضاء على كل ما لها من جدارة؛ الأمر الذي لا يستطيع العقل العملي في نهاية المطاف أن يُحبِّذه.

وهكذا يدفع «العقل الإنساني المشترك»، لا عن حاجة إلى التأمُّل النظري (لا تعتريه أبدًا ما بقي مكتفيًا بكونه عقلًا سليمًا) بل عن دوافعَ عمليةٍ بحتة، إلى الخروج من دائرته والسير خطوة في حقل «فلسفة عملية»، لكي يحصل هناك على معلومات وتوجيهاتٍ واضحة تتعلق بمصدر مبدئها وبالتحديد السليم لهذا المبدأ، ومعارضة المُسلَّمات التي تقوم على الحاجة والميل، حتى يتيسر له أن ينتزع نفسه من المطامح المتعارضة التي تواجهه من كل الجانبَين، ولا يخاطر بإضاعة كل المبادئ الأخلاقية الأصيلة عن طريق اشتراك المعنى١٦ الذي يمكن أن يقع فيها بسهولة. وهكذا ينشأ في استعمال العقل العملي المشترك، عندما يُهذِّب نفسه، ودون أن يلاحظ ذلك، «ديالكتيك» يُجبِره على أن يلتمس العون من الفلسفة، تمامًا كما يحدث له في الاستعمال النظري، ولن يتيسر له لا في الحالة الأولى ولا في الحالة الثانية أن يجد الراحة إن لم يجدها في نقدٍ وافٍ لِعقلنا.
١  يقصد كانْت بالفهم Verstand هنا تلك المقدرة على إدراك التصوُّرات والقواعد التي تسمح بتفسير الظواهر والأشياء وإضفاء طابع الوحدة عليها، أو التي تسمح للإنسان بأن يلائم بين سلوكه وبين غاياته وأهدافه العملية. ويؤثر المترجم الفرنسي فكتور دلبوس أن يترجم كلمة Witz (ذكاء – فطنة) بالقدرة على إدراك أوجه التشابُه في الأشياء، وأن يترجم مَلَكة الحُكم Urteilskraft بمَلَكة تمييز الخاص للحكم عليه، مستندًا في ذلك إلى دروس كانْت في الميتافيزيقا التي قام بوليتس Pölitz بطبعها (ص١٦١–١٦٥) وبكتابة «الأنثروبولوجيا من وجهة النظر العملية» ٤٠، ٤٢ من طبعة شتاركه السابقة الذكر. (المترجم)
٢  بينما يُعبِّر المزاج عما تصنعه الطبيعة بالإنسان، وعن استعداداته المرتبطة بحالته العضوية العامة، نجد أن الطابع يدل على ما يصنعه بنفسه؛ فالطبع أو الخُلق في رأي كانْت هو تلك الخاصية التي تتميز بها الإرادة وتجعل الشخص يرتبط بمبادئَ أخلاقيةٍ مُحدَّدة شرعها له عقله. قد تكون هذه المبادئ سيئةً أو فاسدة، ولكن هذا لا يمنع أن الإنسان يتحدد طَبعُه حين يُخضِع أفعاله لِمبادئَ ومُسلَّمات كلية ثابتة، بدلًا من إخضاعها لدوافعَ حسية جزئية. (المترجم)
٣  أي لكي يكون فاضلًا؛ فكانْت يُحدِّد الفضيلة بأنها هي ذاتها الشيء الذي يجعلنا جَديرِين بالسعادة، ويُلاحَظ أن هذا التعريف لا صلة له بنظريات اللذَّة التي ترى في البحث عن السعادة لذاتها الهدف الأسمى لكل نشاطٍ إنساني. والواقع أن هذا التعريف مرحلة انتقالٍ من مذهبه في الأخلاق إلى مذهبه في الخير الأسمى. فإذا كانَت الفضيلة، كما يقول في نقد العقل العملي، هي الخير الأعلى das oberste Gut (باعتبارها موضوع مَلَكة الاشتهاء عند الكائنات العاقلة المتناهية، أي عند بني الإنسان) فإن الجمع بين الفضيلة والسعادة هو الخيرُ الأسمى das höchste gut والخير الكاملُ الأَتَم. (المترجم)
٤  اصطلاح أفلاطوني (راجع محاورة فايدون، ٨٩ د): قال (أي سقراط): «فلنحرص على ألَّا نُصبِح أعداءً للبرهان Misologot كما أصبح غيرُنا أعداءً للإنسان.» واستطرد يقول: «إذ إنه من تَعسِ الحظ الذي لا يعادله في تعاسته شيءٌ أن يصبح الإنسان عدوًّا للبرهان؛ فالحق أن عداوة البرهان تنشأ عن نفس الأصل الذي تنشأ عنه عداوة الإنسان … إلخ.» أخذه كانْت بنصه. (المترجم)
٥  أي إن العقل يخطئ الغاية منه إذا جَعَل وظيفته تأمين السعادة للإنسان، وهذا يُثبِت أن له وظيفةً أخرى تهدف إلى تحقيق غايةٍ أسمى. (المترجم)
٦  لا يمكن القول بأن الإرادة تكون بالضرورة إرادةً طيبة عند الكائنات العاقلة المتناهية (بني الإنسان)، أي عِند كائناتٍ يُوجد لديها العقل جنبًا إلى جنب مع الحساسية؛ فليس ثَمَّةَ تأثيرٌ مباشر من العقل على الحساسية. وقد كرَّس كانْت لبيان العلاقة بينهما فصلًا من أصعب فصول «نقد العقل الخالص» (راجع القسم الثاني في باب التحليل الترنسندنتالي، تحت عنوان استنباط تصورات الفهم الخالصة) وإن لم يُوفَّق باعترافه كُلَّ التوفيق في توضيح غرضه منها. ومن الخَيرِ لكل تحليلٍ للإرادة الطيبة أن يحسب حسابَ العقباتِ التي تُلاقِيها الإرادة من جانب النَّزَعاتِ والدوافع الحِسِّية. (المترجم)
٧  المعيار الوحيد لأخلاقية الأفعال عند كانْت هو أن تكون الدوافع إليه مُطابِقةً لفكرة الواجب مُطابَقةً باطنة. (المترجم)
٨  يقصد كانْت «بالباثولوجي» ما يعتمد على الجزء السلبي المُتلقَّى من طبيعة الإنسان، أعني على الحساسية، ويقصد «بالعملي» ما يعتمد على الفاعلية الحرة للعقل. (المترجم)
٩  الحب أمر يتصل «بالعاطفة»، لا بالإرادة، ولا يمكنني أن أحب لأنني «أريد» الحب، وأقل من ذلك أن أحب لأن من «واجبي» أن أفعل ذلك (إذ إنني لا يمكن أن أُكرَه على الحب)، ويترتب على ذلك أن الواجب الذي يفرض الحب أمرٌ يتنافى مع العقل. ولكن الإحسان amor benevolentiae يمكن، باعتباره فعلًا من أفعال السلوك، أن يخضع لقانون الواجب. فإذا قيل: ينبغي عليك أن تحب جارك كما تحب نفسك، فليس معنى ذلك أنه ينبغي عليك أن تحب مباشرة (في المحل الأوَّل)، وأن عليك عن طريق هذا الحب أن تفعل الخير (في المحل الثاني)، بل معناه: «قَدِّم الخير» لجارك، وسيُولِّد هذا الفعل الخيِّر في نفسك حب الناس (بحيث يصبح استعدادًا يجعلك تميل إلى فعل الخير بوجهٍ عام). عن ميتافيزيقا الأخلاق، المبادئ الميتافيزيقية لنظرية الفضيلة، المقدمة، ١٢، طبعة فورلندر K. Vorländer ٧٠، ص٢٤٤-٢٤٥ المكتبة الفلسفية، هامبورج. (المترجم)
١٠   المسلمة هي المبدأ الذاتي لفعل الإرادة، أمَّا المبدأ الموضوعي (أعني ذلك المبدأ الذي يمكن أن يصلح من الناحية الذاتية أيضًا مبدأً عمليًّا لكل الكائنات العاقلة لو تيسر للعقل أن يسيطر السيطرة الكاملة على ملكة الاشتهاء) فهو القانون العملي.
 المسلمة هي المبدأ الذاتي للفعل، الذي تجعل منه الذات نفسها قاعدة لسلوكها (أي الذي يبين كيف تريد أن تفعل) أمَّا مبدأ الواجب فهو على العكس من ذلك ما يأمرها به العقل على نحوٍ مُطلَق، وبالتالي على نحوٍ موضوعي (ويبين كيف ينبغي عليها أن تفعل). وإذن فالمبدأ الأعلى للمذهب الأخلاقي هو كما يلي: راعِ في فعلك أن يكون مطابقًا لمُسلَّمةٍ تصلح في نفس الوقت لأن تكون قانونًا عامًّا، وكل مُسلَّمة ليست كفئًا لذلك فهي منافية للأخلاق. (راجع: ميتافيزيقا الأخلاق، نظرية الحق، المقدمة، ٤). (المترجم)
١١   قد يلومني لائم فيزعم أنني إنما أبحث وراء كلمة «الاحترام» عن ملجأ من الإحساس الغامض آوي إليه، بدلًا من أن أُوضِّح المسألة عن طريق تصوُّرٍ عقلي، ولكن الاحترام وإن يكن إحساسًا وعاطفةً، فليس إحساسًا «مُتلَقى» بالتأثُّر، بل هو إحساس تَولَّد تلقائيًّا عن طريق تصوُّرٍ عقلي. ومن أجل ذلك فهو يتميز تميُّزًا نوعيًّا عن كل المشاعر من النوع الأوَّل التي تتصل بالميل أو الخوف. إن ما أعرفه معرفةً مباشرة كقانون أخضع له، فإنما أعرفه بنوعٍ من الاحترام، يدل فحسب على الشعور بتبعية إرادتي لقانونٍ ما بغير تَوسُّطٍ من جانب مُؤثراتٍ أخرى على حسي. إن تحدُّد الإرادة تحدُّدًا مباشرًا بواسطة القانون والشعور بذلك هو ما يُسَمَّى «بالاحترام»، بحيث يُعتبَر هذا الاحترام أثرًا للقانون على الذات لا علة له. والواقع أن الاحترام هو تمثُّل قيمة تُضارُّ بحبي الذاتي. وهو لذلك شيءٌ لا يمكن النظر إليه باعتباره موضوعًا للميل ولا للخوف، وإن كان يحمل في نفس الوقت شيئًا من الشَّبَه معها جميعًا. وعلى ذلك فإن موضوع الاحترام هو القانون وحده، القانون كما نفرضه نحن على أنفسنا، وبما هو قانونٌ ضروري في ذاته. إننا نخضع له من حيث هو قانون، وذلك بغير الرجوع إلى الحب الذاتي، أمَّا من حيث إننا نفرضه على أنفسنا بأنفسنا؛ فهو نتيجة لإرادتنا وفيه على الاعتبار الأوَّل مشابهة مع الخوف، وعلى الاعتبار الثاني مع الميل. إن كل احترام للشخص فهو في واقع الأمر احترامٌ للقانون (لقانون الاستقامة) الذي يضرب لنا ذلك الشخص المثل عليه. ولما كُنَّا نرى من واجبنا أن نزيد من مواهبنا، فإننا نرى في الشخص الموهوب مثالًا للقانون (الذي يأمرنا بأن نأخذ أنفسنا بالدُّربة والمران لكي نتشبه به في ذلك) وهذا هو الذي يجعلنا نحس نحوه بالاحترام. إن كل ما نصفه بالمنفعة Interesse الأخلاقية فإنما يتكون من الاحترام للقانون.
 لا يمكن أن يُعد الاحترام دافعًا أو باعثًا، وإلا لما صلح أن يكون أساسًا تقوم عليه الأخلاق. والاحترام لا يكون للأشياء، وإذا وُجِّه للأشخاص فإنما يوُجَّه إليهم على اعتبار أنهم رموز أو أمثلة على الوفاء بالواجب. أمَّا ما يقوله كانْت هنا عن المشابهة بين الاحترام وبين الخوف من ناحية وبينه وبين الميل من ناحيةٍ أخرى فليس ذلك إلا من قبيل التشبيه؛ ذلك أن أقرب الأشياء شبهًا بالاحترام هو الإعجاب، كما يقول هو نفسه في «نقد العقل العملي» (الكتاب الأوَّل، الفصل الثالث)، كما يبين في «نقد ملكة الحكم» (٢٣، ٢٧، ٢٩) كيف أن العاطفة التي نحملها للسامي Das Erhabene ترمز للاحترام الذي نحمله للقانون الأخلاقي. (المترجم)
 سيستعين كانْت فيما بعد بفكرة الاستقلال الذاتي للإرادة Autonomie ليبين كيف أننا نحن أنفسنا مصدر التشريع الأخلاقي الذي نخضع له بمحض اختيارنا. (المترجم)
 سيُوضِّح كانْت فيما بعدُ ما يقصده بالمنفعة؛ فالمنفعة عنده دافع يتمثله العقل، ويستطيع أن يستمده إمَّا من نفسه أو من الميول. وهناك منفعةٌ خالصة، أو إن شئت منفعة مجرد عن المنفعة، وذلك حين يستمد الدافع من القانون الأخلاقي وحده، لا من موضوع الفعل. (المترجم)
١٢  أي اتفاق الأفعال اتفاقًا تامًّا مع القانون. (المترجم)
١٣  يتميز العقل الفلسفي بأنه يدرك الكلي المجرد، بينما يتميز العقل المشترك بين الناس بأنه يدرك الواقع الجزئي المتعين. (المترجم)
١٤  يذهب سقراط، كما هو معلوم، إلى أن كل إنسان يحمل الحقائق الأخلاقية في نفسه. فهو ليس في حاجة إلى أن يتلقاها من الخارج، بل يكفي أن يتأمل في طبيعته الإنسانية ليكتشفها كامنةً فيها. كذلك يعتقد كانْت أن الوجدان المشترك يكفي للحكم على ما هو خير وما هو شر من الوجهة الأخلاقية. ففكرهما إذن مشترك في هذه النقطة، إلى جانب اشتراكهما في الكف عن المطامع المتطرفة التي يصبو إليها التأمل المجرد، أو العقل النظري بلغة كانْت، وإعلائهما من شأن الأخلاق. ولكن منهج سقراط الذي يعرف بالمنهج التوليدي يجدل الآراء الشائعة ليستخلص منها العنصر المادي الذي تتآلف منه التعريفات الكلية، ويرد أحكام الوجدان إلى نماذج عامة. أمَّا كانْت فيحلل الوجدان المشترك ليستخلص منه العنصر الصوري أو القانون الضروري الذي يعتبر مقياس الحكم الأخلاقي على السلوك، فهو حين يحلل فعلًا من الأفعال التي تتفق مع الواجب يريد الوصول إلى الأساس العقلي الخالص الذي تقوم عليه إمكانية هذا الفعل، أي يريد الوصول إلى الملكية العقلية مصدر كل تشريع قبلي. (المترجم)
١٥  هذا هجومٌ مُوجَّه إلى المذاهب التي يسميها كانْت بالمذاهب الدجماطيقية (أي الاعتقادية اعتقادًا متزمِّتًا دون أساسٍ من التجربة ودون إخضاع العقل للنقد المنظم) التي تقع في هذه الأخطاء حين تأخذ الظواهر على أنها أشياء في ذاتها وحين تدَّعي المعرفة بموضوعاتٍ تتعدَّى بطبيعتها حدود التجربة؛ هذه المذاهب جميعًا في حاجة إلى «محكمة» يعقدها لها العقل الخالص لِيميز مطامحها العادلة من مطامحها الباطلة، ويُجري عليها أحكامه النقدية وفقًا لقوانينه الأبدية التي لا تتغير؛ فليس النقد الكانْتي في نهاية المطاف إلا دعوةً للإنسان إلى أن يحاول معرفة ذاته من جديد، ويُدرك حدودها وطاقاتها، ويميز ما يستطيع مما لا يستطيع؛ أي إلى التواضع في أصدق معانيه (راجع: المقدمة الأولى لنقد العقل الخالص). (المترجم)
١٦  أي احتمال اللفظ معنيَين أو أكثر. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠