الوباء

قال عيسى بن هشام: وأقمنا في مصر مدة وقد أبلَّ الباشا من علته وسقمه، وتمت له العافية والسلامة في جسمه، فأخذت أهنئه ذات يوم بالشفاء والإبلال، من المرض والاعتلال، وأذكر له أن صحة الأبدان، هي ملاك السعادة للإنسان، وأنك لو جمعت نعم العالم كلها للمريض، من مالٍ واسعٍ وجاهٍ عريضٍ لانصرفت نفسه عنها انصراف الضب عن الماء، والأرمد عن الضياء والممعود عن شهيِّ الغذاء،١ وأن خاتم الياقوت في الإصبع التي أصيبت بدُمّل، لا يساوي عند صاحبه حبةً من خردل، وأن ما اجتمع في سرير الملك من العزة والبأس، ليهون عند مفقور الظهر أو مصدوع الرأس:
ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ
يجد مرًّا به الماء الزُّلَالا

وكنت كلما زدته من هذه الموعظة والحكمة، أراه قد زاد في الإعراض عن شكر تلك النعمة، فتحققت أن المرء إنما يذكر النعيم في البؤس ولا يذكر البؤس في النعيم، وينسى المرضَ في الصحة ولا يذكر الصحة إلا وهو سقيم، وقل من يحمد النعماء في لبسها، ويدرك سعادة الحياة إلا في نحسها، فهذا معنى من معاني الآية الشريفة: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ، فسألته عما دهاه وأذهله عن شكر الله، فأجابني يقول، في حال الخَبل والذهول:

الباشا : فيم الهناء بكشف البلاء والضرر، وما انتقلت من خطر إلا إلى خطر؟
فإن أسلم فما أبقى ولكن
سلمتُ من الحِمام إلى الحِمام
ألم تسمع معي بخبر انتشار الوباء في مصر بعد أن خلَّفنا الطاعون في الإسكندرية، فما هذه الرزايا المتساقطة، وما هذه البلايا المتلاحقة، أوكلما انتهينا من بلاء دخلنا في بلاء، وانصرفنا من شقاء إلى شقاء؟!
عيسى بن هشام : أراك لا تزال كأمثالك من سائر الناس، يغلب عليك الفزع والوسواس، وإن كنت جرَّبت في هذه الحياة شدة الألم وذقت في القبر راحة العدم، وأن ما كنت تتمناه على دهرك من الرجوع إلى قبرك، عند اشتداد الكروب، من وقع الخطوب، لم يكن لشجاعة في النفس، تستهين بسُكْنى الرمس، بل كان لضعفك عن احتمال الآلام، من نوازل الأيام، وأراك لا تزال مع صحة الدين، وقوة اليقين، ترهب الموت وتخشاه، وتعتَورُك الأهوال من ذكراه، وهذا داء في الناس قديم، عز شفاؤه على كل مرشد وحكيم:
وخوف الرَّدَى آوى إلى الكهف أهله
وعلم نُوحًا وابنه عمل السُّفنِ
وما استعذبته رُوحُ موسى وآدم
وقد وُعِدا من بعده جنَّتي عدن
ولكنني لا أزيدك في الموعظة ولا أخفف عنك من ويلات الهواجس والوساوس بأحسن من أن أقرأ عليك مقالة نافعةً اطلعت عليها اليوم في بيان أحوال الناس، وتقسيم طبقاتهم في أهوال هذا الوباء، فإن أردت تلوتها عليك، ثم ضع نفسك بعدها حيث شئت.
الباشا : هات أسمعني لا زلت للحق راويًا، وللهُدى داعيًا.
عيسى بن هشام (قارئًا) : «إنما النوازل العظيمة والخطوب الجسيمة محك الطباع ومسبار الأخلاق، فهي لشدتها وهولها تكشف عن الناس ما يخفونه عن الناس، وتهتك سجوف التمويه والتزويق عن حقائق الصفات، فلا تتمالك النفوس أن تبقى على التظاهر بما ليس فيها، ولا التطاول بما هو مفقود لديها، بل تتجلى للناظر بما اشتملت عليه ضمائرُها واحتوته سرائرها من قوة أو ضعف ومن فضيلةٍ أو نقيصة ومن علم أو جهل، وهنا يتمكن الباحث في الأخلاق من النظر فيها نظرةً التثبت والتحقق وهي مجردة أمامه من كل غشاء، عاريةٌ من كل غطاء».
«وليس في باب النوازل والخطوب ما يهُول النفوس ويروع القلوب أعظم ولا أكبر من مصيبة الموت وبلاء هذا الوباء؛ فلذلك لا نرى بأسًا من الكلام بشيء عما يجده المستقرئ لأحوال الناس من طبقات المصريين وهم بين أيدي هذه النازلة العظمى والمحنة الكبرى».

«فطبقة العامة أناس جُبلوا في مثل هذه النوازل العامة على التسليم لأحكام القضاء وتفويض الأمر لأقدار السماء، وهم لا يعلمون من أمر الوباء، ما جراثيم الداء، ولا علة المرض والشفاء، ولا سبب الهلاك والنجاء، وليس في قدرة قادر من البشر أن يزحزحهم عن اعتقادهم أو يحولهم عن يقينهم، ولا في استطاعة أحد من أبلغ الوعاظ وأفصح الخطباء أن يضع في رءوسهم أن الوقاية تمنع من المقدور، وأن الحذر ينجي من المكتوب، وأن طب الأطباء يؤجل في الأجل المحدود، وأن صنوف الدواء تنفع في رد القضاء المحتوم، وهم يرون كل ما يؤمرون به من وسائل الوقاية وأسباب الحيطة أمورًا تضر ولا تنفع فلا تزيد في عمرهم ساعة، ولا تكف عنهم غرب المنون، ولا تفيض دونهم يد قابض الأرواح، فهم بمعزل عن الخوف والهلع، وفي أمانٍ من الذعر والفزع، وفي ضمان من الوسواس والهواجس، وإن كانوا مقيمين في غفلة عما يجب عليهم لأنفسهم من المحافظة على صحة الأبدان، وتعهد الأجسام بما يدرأ عنها الاستعداد لقبول الداء والوقوع في مخالب الوباء؛ لبعدهم عن فهم قوله عليه الصلاة والسلام: «اعقلها وتوكل.» لكنهم لا يزالون على كل حال في صحة من الأرواح وإن أعوزتهم صحة الأبدان».

«وطبقة الخاصة ونعني بهم أهل الدين واليقين، وهم الذين يعتمدون أيضًا على التسليم لأحكام القضاء وحسن الاعتقاد بتحديد الآجال، والإيمان بأنه لن ينالهم إلا ما قدره الله لهم، ولا تفتأ تجري ألسنتهم في مثل هذه الأهوال بتلاوة الآيات البينات من كتاب الله: ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ؛ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ؛ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ؛ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ تعالى الله أحكم القائلين، وهم الذين يعلمون علم اليقين أن الموت أمر واقع لا مرد منه، وأن الإنسان عرضة له في كل وقت ولحظة، وأن طعمه واحد، سواء أكان بمرض الوباء أو صواعق السماء، أو زلازل الأرض، أو كان بغصة شراب أو عثرة قدم أو لسعة حشرةٍ، وأن نفس المرء خطاه إلى أجله فعليهِ أن ينتظر ساعته في كل حركة وسكون، وعند كل قيامٍ وقعودٍ:
وما نفسٌ إلا يباعد مَولدًا
ويُدني المنايا للنفوس فتقربُ
وهم يعتقدون حق الاعتقاد أن الحي حيٌّ للفناء، وأنه مقيم من دنياه أبدًا في أرض وباء، وإن لم يكن ثمَّ وباء.
ما خص مصرًا وباءٌ وحدها
بل كائن في كل مصر وبأ
وأن من فر من المقدور فعلى المقدور نزل، ومن هرب من القضاء فإلى القضاء رَحَل.
مهلًا أمن وبأ فررت وهل تَرى
في الدهر إلا منزلًا موبُوءًا؟
وأن من حانت منيته، لم تنفعه تقيَّته، ومن حل أجله، لم يحمه وجله:
ومن هاب أسباب المنايا ينلْنَه
ولو رام أسباب السماء بسلم
إلا أنهم مع ذلك كله لا يرون من مانع يمنعهم عن الأخذ بأسباب التقية والحذر، ولا في العمل بمقتضى القوانين المندوب إليها في حفظ صحة الأبدان، وما يقرره أهل صناعة الطب من سبل التوقِّي والتحرس اتقاءً لما نهوا عنه من الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة واحتذاءً لما ترسمه ظروف الأحوال وتقضي به أحكام الزمان، ولا يجدون الطاعة لإشارة الأطباء في مثل هذه النوازل ممَّا يخالف لهم سنة أو يناقض لديهم شرعًا، وإن لم يكن من ورائها فائدة فليس في عقباها مَضَرَّة، فنراهم لذلك في أجلِّ مقام من شجاعة القلب وقوة النفس وثبات الجنان بفضل الدين واليقين، وعلى أحسن حال من سلامة الجسم وطهارة البدن بفضل العلم، وحسن القيام بما يرشد إليه من وسائط الوقاية، لا سلطة للوساوس والهواجس عليهم ولا محل للرعب والرهب فيهم، آمنين مطمئنين يتمتع كل واحد منهم بالروح السليمة في الجسم السليم».
«وهناك طبقة ثالثة حديثة النشأة حديثة التربية لا من هؤلاء ولا من هؤلاء لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، ولم تتمكن التربية الدينية من نفوسهم، ولم يتأدبوا بأدب الدين، ولم يرتاحوا لحسن اليقين، بل اقتصرت بضاعتهم على ما تلقَّوْه في المدارس من العلوم الآلية والفنون الصناعية دون علوم التربية النفسانية والفضائل الروحانية، وخلَت صدورهم من آيات الله والحكمة، قد أخذوا عن بعض الغربيين عادة التهاون بالشرائع والازدراء بالإيمان، ولم يحيطوا بشيء من العلوم الموضوعة لتقويم النفوس، وتطهير الطباع ومعرفة الحقائق ورياضة القلوب على التجلُّدِ والثبات عند وقوع المكروه ونزول المُلِمَّات، فتجدهم قد ظهروا للناس في هذه النازلة الوبائية، وانكشفوا لأهل البحث والنظر أصغرَ خلق الله نفوسًا وأجبنَهُم قلوبًا وأكثرَهم هوسًا ووسواسًا، وأشدَّهم قلقًا واضطرابًا وأعظمهم خوفًا ورعبًا وأكبرَهُم بلاءً وكربًا، يتمثل لهم الموت في أعينهم على أفظع الصور وأشنع المناظر، فيحاولون الفرار منه وهو ممسك بنواصيهم، ويهابون دُنُوَّهُ وهو آخذ بتلابيبهم، حَلَّ الخوف مفاصلهم واستلَّ الرعب نخاعهم؛ فهم يرون في كل عُود نعشًا لهم ويحسبون كل صيحةٍ عليهم، أولئك لا إيمان لهم يثبت أقدامهم، ولا علم لديهم يرجح أحلامهم، بل هم على مثل حال المغشي عليه من الموت أو الممسوس من الشيطان يتوهمون طعم الموت ومذاق الوباء في تنفس الهواء وتناول الغذاء وشرب الماء وملامسة الأيدي ومخاطبة الناس، فإذا رأى المسكين منهم تلك الآلة الحدباء تحملُ أحد المصابين بالوباء جمد دمه وسال عرقُه وخمدت أنفاسه والتَوَت أعصابه وأمسك من بجانبه يستنجد به ويستغيث ليحميه من شر العدوى، ويدفع عنه نزول البلوى، وما أشبههم في حالهم هذه من الخور والهلع والفزع والجزع إلا بمثل أناس قضي عليهم بالإعدام لوقتهم فهم وقوفٌ بين يدي الجلاد والسياف؛ إذا قُدِّم أحدهم للسيف والنطع مات الذي يليه من الخوف قبل القتل.

ومنهم من اعتكف على الخمر يشربها ليله ونهاره عساها تجهله كيف اطمأنت به الحال، ومنهم من يبالغ ويغالي في تناول العقاقير السامة والجواهر القتالة مما وضعه الأطباء لقتل الجراثيم، فهو يشربها ويستعطُها ويدهن بها جسده ويغمس فيها ثيابه ويبلل بها فراشه ويغسل بها آنية طعامه وشرابه، وكلما سمع بزيادة العدد في المصابين زاد في مقدار ما يستعمله منها يومًا بعد يوم حتى أصبحت أجسامهم مسمومةً وأبدانهم مهزولة وشفاههم متقلصة وعيونهم غائرة ووجوههم مغبرة وأناملهم مصفرة ينطبق عليهم قوله جل وعلا: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ، إذا رأيتهم حسبتهم في حال المصابين بالفعل لولا أن هؤلاء يفضلونهم بالخلاص من ألم الداء براحة العدم والفناء، ولما كان الخوف والوسواس من أكبر وجوه العذاب في الحياة، ومن أعظم الأسباب في رأي الأطباء لجلب الداء كانوا هم أعداء أنفسهم بأنفسهم، وهم أصحاب الأرواح السقيمة، في الأجسام السقيمة، لهم النكد في هذه الدنيا ولهم الخزي في الآخرة».

فأين تَضع نفسك الشريفة أيها الباشا من هذه الطبقات؟
الباشا : ما أرى لي موضعًا بعد — إذ عاشرتني وأرشدتني — إلا في طبقة أهل الخاصة الذين يسلمون للقضاء والقدر، ويعملون بالحيطة والحذر، لكنني مع ذلك أفضل الابتعاد عن ضوضاء الناس في هذا الوباء وأرغب في التخلص من النظر إليهم وهم في مثل أهوال القيامة من الفزع والهلع، وليس من الصواب أن نجمع بين أكدارنا وهمومنا، وبين التأثر لأكدار الناس وهمومهم.
قال عيسى بن هشام: وخشيت على الباشا إن أنا تركته في هذه الحال غريق أفكاره، وأسير همومه وأكداره، أن ينتويَهُ الانتكاس ويعتريه الارتكاس،٢ والنكسة بعد البلة شر أطوار العلة، فبادرت إلى طاعته، وامتثال إشارته فاخترت له من ضواحي المدينة مكانًا قصيًّا، ومسكنًا مرضيًّا.
١  الممعود: الذي بمعدته وجع من مرض.
٢  الارتكاس: كالانتكاس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢