الفصل الأول

الخلفية العامة للحدث

مقدمة في تاريخ بلاد الرافدين
تأخر استيطان وادي الرافدين الأدنى، الذي عُرف تاريخيًّا ببلاد سومر، عن استيطان وادي الرافدين الأعلى، فبينما نجد الحضارة الزراعية تتوطد في الجزء الأعلى منذ نهاية القرن السابع قبل الميلاد، وذلك بتأثيرات واضحة من سوريا الداخلية والساحلية، فإن بدايات الاستقرار الزراعي في الجنوب لا تظهر إلا مع مطلع القرن الخامس قبل الميلاد أو أبكر بقليل، حيث تأخذ بالتشكل مواقع الحضارة المعروفة بالحضارة العُبيدية، أو حضارة تل العُبيد نسبةً إلى أول تلالها المكتشَفة. وهذه المواقع العُبيدية وُجدت قائمة على التربة العذراء دون مستويات أركيولوجية سابقة عليها، الأمر الذي يدل على أنها كانت أول المواقع المسكونة في تاريخ منطقة سومر.١

بدأت مواقع الحضارة العبيدية عهدها على شكل قرًى زراعية صغيرة متفرقة، كانت تتوسع باستمرار وتزداد ترسخًا، مبتدئة الخطوة التمهيدية لتكوين حضارة المدينة التي اكتملت خلال المرحلة السومرية اللاحقة. ورغم أن الثقافة العُبيدية قد أخذت اسمها من أول مواقعها المُكتشفة وهو تل العُبيد، فإن حاضرتها الأهم والأكبر كانت إريدو على ساحل الخليج العربي. وقد اعتمد اقتصاد إريدو بشكل رئيسي على الزراعة المروية، سواء من نهر الفرات أم من السبخات التي يشكلها النهر. وبلغت هذه البلدة في نهاية فترة تل العُبيد حجمًا كبيرًا بمقياس ذلك العصر، حيث نافت مساحتها على عشرة من الهكتارات ووصل عدد سكانها إلى أربعة آلاف نسمة. وهذا أكبر تجمع سكاني حققته الحضارة الإنسانية حتى ذلك الوقت في أي مكان من العالم.

لقد بلغ تأثير وانتشار حضارة تل العُبيد مبلغًا لم يصله غيرها من قبل، يدلنا على ذلك انتشار فنونها الخزفية إلى مناطق نائية عنها وفي جميع الاتجاهات.٢ فإلى الشمال والشمال الغربي غطت تأثيرات الثقافة العُبيدية كامل وادي الرافدين، واكتسحت أمامها حضارة تل حلف في سوريا، فوصلت حتى خليج إسكندرون في أقصى شمال الساحل السوري، ثم تجاوزته نحو مارسين وكيليكيا على شواطئ آسيا الصغرى المتوسطية حيث توقفت هناك. كما اجتازت جبال طوروس واصلةً حتى ملاطية. وإلى الشرق والشمال الشرقي وصلت حتى أذربيجان وخوزستان. وإلى الغرب والجنوب الغربي وصلت حتى منطقة حماة. وفي تسعينيات القرن العشرين، قامت بعثة أثرية سورية بالتعاون مع خبرات يابانية بالتنقيب في تل العبر الواقع على ضفة الفرات في الشمال السوري، واكتشفت واحدًا من أهم المواقع العُبيدية في الألف الخامس قبل الميلاد، وهو يحتوي على أكبر كمية من الفخاريات العُبيدية ثم اكتشافها حتى الآن. وهذا ما يترك الاحتمال مفتوحًا في اعتقادي على الأسبقية الزمنية للمواقع العُبيدية السورية على المواقع العُبيدية الرافدية، وعلى إمكانية نشوء ثقافة تل العُبيد في سوريا أولًا ثم انتشارها فيما بعدُ إلى منطقة سومر.

أعطت الحضارة العُبيدية فنونًا متقدمة تجلت في الفخاريات المتميزة والدمى الطينية وصناعة الأختام، كما تجلت في فن العمارة الذي وضع الأسس الأولى التي قامت عليها فيما بعد العمارة السومرية. وقد تم اكتشاف عدد من آيات فن العمارة العُبيدية في إريدو، متمثلةً في معابد الإله إنكي، إله الماء الذي استمرت عبادته قائمة في سومر ثم أكاد وبابل، وصولًا إلى نهاية الثقافة الرافدية. وفي مجال التكنولوجيا، يبدو أن الحضارة العُبيدية قد قدمت عددًا من الابتكارات المهمة وخاصةً في مجال الري والفلاحة والحرف اليدوية، ومن المُرجح أن يكون المحراث والعجلة قد ابتُكرا خلال هذه المرحلة.

استمرت الفترة العبيدية من ٥٣٠٠ إلى ٣٦٠٠ق.م. ثم تلتها الفترة المعروفة باسم حضارة أوروك، والتي استمرت من ٣٦٠٠ إلى ٢٩٠٠ق.م.٣ ورغم أن المصنوعات اليدوية التي أشارت إلى بداية حضارة أوروك وانتهائها قد تم اكتشافها في موقع مدينة أوروك على الفرات الأدنى، إلا أن هذه الحضارة قد تجاوزت أوروك إلى جميع مناطق وادي الرافدين ثم إلى مناطق أخرى، وخصوصًا المناطق السورية الشرقية على الخابور والفرات. وقد بقيت مدينة أوروك بمثابة الحاضرة الرئيسية في جنوب وادي الرافدين خلال هذه الفترة التي شهدت تسرب الأقوام السومرية واستقرارها إلى جانب الذخيرة السكانية الأصلية التي تعود إلى الأرومة السامية.
هذا الانتقال من مرحلة تل العبيد إلى مرحلة أوروك، وتحول مركز الثقافة من إريدو حاضرة الفترة العبيدية إلى أوروك، مما تتبع أثره علم الآثار الحديث، قد سجلته لنا الأسطورة السومرية القديمة على طريقتها. فلدينا نص معروف باسم «إنانا وإنكي» يحكي قصة انتقال التقاليد الحضارية من إريدو إلى أوروك بطريقة أسطورية شيقة. فالإلهة إنانا، وهي الإلهة الرئيسية لمدينة أوروك وإلهة الحب والخصب فيما بعد عند السومريين، تعتزم زيارة الإله إنكي إله الماء والحكمة، والمعبود الرئيس في مدينة إريدو. يبتدئ النص بوصف استعدادات إنانا لهذه الرحلة:
إنانا وضعت على رأسها الشوجارا، تاج السهول،
وجاءت إلى حظيرة الأغنام، جاءت إلى حظيرة الراعي.
هناك أسندت ظهرها إلى شجرة التفاح،
حيث برز فرجها فتنة للناظرين.
ابتهجت إنانا بفرجها وأثنت على نفسها قائلة:
أنا ملكة السماوات، سوف أزور إله الحكمة،
سوف أمضي إلى الأبسو، المقر المقدس لإريدو.٤
وعندما تصل إنانا إلى الأبسو حيث مسكن إنكي في الأعماق المائية، يلقاها إنكي لقاءً حارًّا ويدعوها إلى مائدة حافلة بأطيب الطعام والشراب. ولكن إنكي يكثر من احتساء الشراب المُسكر في حضور الإلهة اللعوب ذات الجمال الآسر، فتلعب الخمرة برأسه ويأخذ بإهداء إنانا أثمن كنز لديه وهو نواميس الحضارة التي تعمل على ترسيخ وحماية أسس ثقافة المدينة، والتي كانت حتى ذلك الوقت حكرًا على مدينة إريدو. وتدعو النصوص السومرية هذه النواميس باﻟ «مي»، me.
رفع إنكي كأسه وشرب نخب إنانا قائلًا:
باسم قدرتي، باسم هيكلي المقدس،
سأعطي ابنتي إنانا ناموس الكهنوت وناموس الألوهية.
سأعطيها ناموس التاج النبيل وعرش الملوكية.
فأجابت إنانا:
لقد قبِلت بها.
وهكذا يتابع إنكي شرب أنخاب إنانا، ومع كل نخب كان يهبها عددًا آخر من النواميس فتقبلها. فبعد المجموعة الأولى من النواميس والمتعلقة بالشئون الدينية مثل الألوهية والكهنوت والمعبد والطقوس، يبدأ إنكي بالتخلي عن النواميس الدنيوية مثل الزراعة والتعدين والحِرف والموسيقى والعدالة وما إليها، حتى تنتهي المأدبة، وقد حازت إنانا على كل النواميس التي كانت في حماية إنكي لصالح مدينة إريدو، فتركب إنانا زورق السماء وتبحر عائدة إلى أوروك، وعندما يصحو إنكي من سكرته يدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه، فيرسل في إثر إنانا وزيره إيزموند ومعه تنانين مهولة ليسترجع إليه نواميس الحضارة. يدرك إيزموند وتنانينه إنانا عند المحطة الأولى حيث تقبض التنانين على المركب وتمنعه من الحركة، وهنا تستنجد إنانا بوزيرتها الطيبة ننشوبور التي تهرع لمعونتها وتفلح في إطلاق المركب. وعند المحطة الثانية تدرك التنانين إنانا مرة ثانية وتقبض على المركب لتطلقه ننشوبور مرة ثانية، ثم يتكرر الإمساك فالإطلاق حتى تتجاوز إنانا المحطة السادسة وتصل أطراف أوروك. وهنا يتنازل إنكي عن النواميس وينادي إنانا قائلًا:
باسم قدرتي باسم هيكلي المقدس،
لتبقَ النواميس التي أخذتِها في هيكل مدينتك،
ولينصرف الكاهن الأعلى إلى الإنشاد في الحرم المقدس.
لتزدهر أحوال مدينتك،
ويبتهج صغار أوروك.
ليكن شعب الأوروك حليفًا لشعب إريدو،
ولتتبوأ أوروك مكانتها العظيمة.

على هذا النحو تنتهي الأسطورة التي تحقق علم الآثار من مضامينها التاريخية. فقد استطاعت التنقيبات الأثرية في وادي الرافدين الجنوبي تتبع ذلك الانتقال الحضاري من مرحلة العُبيد /٤/ إلى مرحلة أوروك /١/، وتلمس التغيرات الثقافية التي أشارت إلى ذلك الانتقال، وذلك في الأساليب الفنية وفي المؤسسات وفي الأنماط المعمارية وغير ذلك. فمع ابتداء فترة أوروك تستمر إريدو قائمة ولكن وفق نمط حضارة أوروك الجديدة، أما أوروك التي كانت عُبيدية الطابع، فقد أخذت منذ عام ٣٦٠٠ق.م. بإظهار جميع التقاليد الثقافية التي اصطلح الآثاريون على تسميتها بالتقاليد الأوروكية.

مع استهلال حضارة أوروك حوالي منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، يبدأ الانقلاب الحضاري الثاني في تاريخ البشرية، وأعني به الانقلاب الحضاري المديني (urban =)، نسبةً إلى المدينة، بعد أن سبقه الانقلاب الحضاري الأول بخمسة آلاف عام، وأعني به الانقلاب الحضاري الزراعي الذي يدعوه الآثاريون بالثورة النيوليتية (ثورة العصر الحجري الحديث)، والذي جلب معه مجموعة من التغيرات الجذرية في حياة المجتمعات الإنسانية، فتحول الإنسان من حياة الصيد والالتقاط إلى إنتاج الغذاء بدلًا عن جمْعه.

مع أوروك، تبدأ حضارة المدينة، وتترسخ أولى تقاليد الحضارة العالمية التي ما زلنا نعيشها حتى يومنا هذا. خلال الفترة الممتدة من ٣٦٠٠ إلى ٣١٠٠ق.م. نمَت مدينة أوروك وتوسعت حتى بلغت مساحتها ٨٠ هكتارًا ووصل عدد سكانها إلى ١٠٠٠٠ نسمة. وتشهد معابد المدينة التي تم الكشف عنها على عظمتها المعمارية، فهناك زقورة (برج مدرج) آنو الشاهقة التي قامت على أساسات أقدم منها ترجع إلى فترة تل العبيد، وبقربها المعبد المخصص لآنو كبير الأرباب الذي ارتفع على منصة عالية، تُعطي الناظر إحساسًا بالضخامة والجلال. وتبلغ أبعاد هذا المعبد ٧٦ × ٣٠م، وهي أبعاد هائلة بمقياس ذلك العصر. وغير بعيد عن زقورة آنو ومعبده، حيث يقوم معبد إنانا المخصص للإلهة إنانا، الإلهة الرئيسية لمدينة أوروك في مطالع تاريخها، ناهيك عن المعابد والهياكل الثانوية. هذه البنى العملاقة تدل على نشوء أرستقراطية حكمٍ قوية ومتمكنة، قادرة على جمع وتنظيم وتوجيه الطاقات البشرية، الفنية منها والبدنية، في سبيل أغراض عامة. فلقد قدَّر الاختصاصيون أن المعبد الأبيض وحده قد تطلَّب بناؤه ٧٥٠٠ رجل/سنة، علاوة على الفنيين والمشرفين على العمل.

في نهاية فترة أوروك (أوروك/٣)، تأخذ في الظهور النماذج الأولى للكتابة في تاريخ الحضارة، ونغادر عصور ما قبل التاريخ إلى العصور التاريخية، وذلك مع ابتداء الفترة المعروفة بحضارة جمدة نصر التي استمرت من ٣١٠٠ إلى ٢٩٠٠ق.م. ومع الانتقال إلى جمدة نصر يتخلى الآثاريون عن تقنيات صناعة الفخار وفنونه كمؤشر على بدء ونهاية ثقافة معينة ومرحلة تاريخية معينة، ويأخذون بالاعتماد على فنون النقش والأنماط المعمارية وتتابُع الأُسر الحاكمة المثبَتة في السجلات الكتابية.

إضافة إلى موقع جمدة نصر الصغير نسبيًّا، فإن معلوماتنا الرئيسية عن هذه الفترة تأتي من أوروك أيضًا، إلى جانب عدد آخر من المواقع المتفرقة في وادي الرافدين مثل موقع خفاجة وموقع تل عفير. يضاف إلى ذلك امتداد شرقي لهذه الحضارة في موقع سوري مهم هو تل براك في منطقة الجزيرة. فقد ساهم موقع تل براك في إغناء ثقافة جمدة نصر وأعطانا برهانًا جديدًا على دور سوريا في الثورة المدينية التي كانت فاعلة في وادي الرافدين الأدنى. خلال فترة جمدة نصر توضحت واستقرت الأسس التنظيمية التي قامت عليها المدن الأولى، حيث شكل المعبد بؤرة المدينة من الناحية المعمارية والإدارية، وقامت النخبة الدينية بتسيير الشئون الاقتصادية والسياسية. ويبدو من غياب الأسوار والتحصينات حول المدن، أن الحرب لم تكن أمرًا شائعًا في ذلك الوقت، وأن المنازعات التي دخلت بها دويلات المدن السومرية منذ مطلع عصر الأسرات لم تكن قد بدأت بعد.

لا نعرف على وجه التحديد متى أخذت الأقوام السومرية بالتسرب إلى جنوب وادي الرافدين، والرأي الشائع أنهم قد أخذوا بالتسلل التدريجي والاختلاط بالسكان خلال فترة أوروك وخصوصًا في قسمها الثاني، أي أوروك/٢. وعندما جاءت فترة جمدة نصر كان السومريون قد وطَّدوا أنفسهم بشكل جيد، وخرجت من صفوفهم نخبة تولت المهام الدينية والسياسية في معظم المدن. ورغم أن الثورة المدينية (أو الحضرية كما يفضِّل بعض الباحثين العرب تسميتها) قد وصلت غاية نضجها على يد السومريين، إلا أن معظم الأسس اللازمة لقيام هذه الثورة قد وضعت من قبل الأقوام الأصلية التي توطدت في هذه المنطقة منذ نهايات الألف السادس على أقل تقدير، والتي يرجح الباحثون أنها قد تكلمت إحدى اللغات السامية المغرقة في القِدم. إن تحليل الكلمات السومرية الدالة على معظَم الحرف وتقنيات الزراعة يشير إلى جذورها االسامية، ومنها تسميات: الفلَّاح، الراعي، السمَّاك، السبَّاك، الحدَّاد، النجَّار، السلَّال، الحائك، الدبَّاغ، الخزاف، البنَّاء، التاجر، المحراث، الأخدود، النخيل، وغيرها. ويبدو أن السومريين لم يقوموا ببناء مدن جديدة لهم، بل سكنوا إلى جانب الأقوام الأصلية في مواطنها، يدلنا على ذلك أن معظم أسماء المدن الرئيسية في منطقة سومر مثل أوروك، إريدو، أور، لارسا، إيسين، كولاب، لجش، نيبور، كيش، هي من جذر سامي. إلى جانب ذلك كله، فإن السومريين لم يجلبوا معهم ديانة غريبة عن المنطقة، أو أنهم قد تخلوا عن ديانتهم الأصلية وتبنوا تدريجيًّا الديانة المحلية؛ لأن أسماء الآلهة التي عبدوها مثل إنانا وإنكي وإيا … إلخ، هي أسماء غير سومرية، ومثلها اسم نهر دجلة ونهر الفرات المدعوين إدجلات وبورانون.

ويبدو أن الخطوات الأولى في ابتكار الكتابة، وهي أعظم منجزات الثقافة السومرية طرًّا، قد تمت على يد الساميين خلال فترة أوروك. فمنذ حوالي ٣٥٠٠ق.م. تظهر لدينا مجموعة من الألواح الطينية الصغيرة عليها إشارات كتابية بدائية جدًّا. وفي مرحلة جمدة نصر تحولت هذه الإشارات البدائية إلى نوع من الكتابة الهيروغليفية التصويرية، التي ترسم شكلًا يشبه الشيء الذي يدل عليه. وما لبثت هذه الأشكال حتى تحولت خلال الفترة الانتقالية إلى عصر الأسرات الأولى إلى كتابة مسمارية مقطعية، يدل كل رمز فيها على مقطع صوتي يضم أكثر من حرف واحد على الأغلب. ويتميز مبتكرو ومطورو الكتابة السومرية بجهدهم المستمر والدءوب في سبيل تبسيط الكتابة وجعلها في متناول أكبر عدد ممكن من الناس. وهم في ذلك يختلون جذريًّا عن أقرانهم في مصر القديمة الذين كانوا يسيرون في تطوير الكتابة الهيروغليفية المصرية نحو أشكال أكثر تعقيدًا، تجعلها بعيدة عن متناول الشرائح العامة من الناس، وتحصر مهامها في عدد محدود من المجالات.

بعد فترة جمدة نصر نأتي إلى عصر الأسرات الأولى الذي استمر من ٢٩٠٠ إلى ٢٣٠٠ق.م. وندخل في الفترات التاريخية الموثقة بالنصوص الكتابية التي غدت الآن أكثر وضوحًا وأكثر غزارةً.

مع مطلع عصر الأسرات الأولى وصل عدد المدن السومرية الرئيسية إلى اثنتي عشرة مدينة، ونمت في الحجم والتعداد السكاني. ومع تزايد النشاط الاقتصادي وتوسع مساحة الأراضي التي تسيطر عليها كل مدينة، كان لا بد من تضارُب مصالحها وتصادمها، فنشأت المؤسسة العسكرية وتقوَّت، وصارت الحرب شأنًا معتادًا من شئون الحياة السومرية، وظهرت الأسوار والتحصينات حول المدن. وقد أدت التطورات الجديدة إلى ظهور قوة سياسية مدنية استقلت تدريجيًّا عن سلطة المعبد، مما أدى في النهاية إلى انتقال الثقل السياسي من المعبد إلى القصر الملكي. ورغم أن كلَّ مدينة سومرية قد حاولت إلى هذا القدر أو ذاك بسط سيطرتها على مدن أخرى مجاورة، إلا أن النظام السياسي الذي ساد في سومر إلى نهاية تاريخها كان نظام دولة المدينة، حيث تبسط كلُّ مدينة رئيسية سلطانها على مساحة من الأراضي والقرى والبلدان الصغيرة التي تدور في فلكها.

وقد عاشت هذه الدويلات في شقاقٍ دائمٍ، ولم تعرف الوحدة السياسية أو الدولة القومية، حتى صعود الملك صارغون الأول الأكادي وبنائه لأول إمبراطورية في تاريخ بلاد الرافدين.

إن الذَّائع الشائع بين المؤرخين هو أن الأكاديين شعب سامي، قد وفد من المناطق الصحراوية في شبه الجزيرة العربية والبادية السورية، وبدأ التسرب إلى سومر منذ مطلع عصر السلالات الأولى. وعندما تزايد عددهم في المناطق العليا من بلاد سومر استولوا على السلطة السياسية في مدينة كيش، وهي أقوى المدن السومرية في أواخر عصر السلالات الأولى، وعلى مدينة أكاد التي غلب عليها الطابع السامي، فجعلوا منها عاصمة لهم، ثم بسطوا سلطانهم على بقية مناطق سومر ووادي الرافدين. وفي الواقع، فإن هذا السيناريو لا يعدو أن يكون فرضية غير مدعمة بأية وثيقة كتابية أو أركيولوجية، وهي تقوم على نظرية تاريخية غدت اليوم بالية؛ هي نظرية الهجرات السامية من الجزيرة العربية نحو الهلال الخصيب. وفي مقابل هذه الفرضية أود أن أطرح على بساط البحث بعض التصورات التي تبدو أقرب إلى المنطق، وتقوم على استقراء سليم للمعلومات التاريخية والأركيولوجية. فلقد قامت الحضارة السومرية، كما يُجمع كل الباحثين، على قاعدة ثقافية أقدم فرشتها أقوام سكنت جنوب وادي الرافدين منذ الألف السادس قبل الميلاد على أقل تقدير، ويغلب أنها تكلمت إحدى اللغات السامية المغرقة في القِدم، والتي أرجِّح أن تكون السلف المباشر للغة الأكادية المعروفة في العصور التاريخية. وعندما تزايدت أعداد السومريين واستولوا على السلطة السياسية في المدن الرئيسية لجنوب بلاد الرافدين، تعايشوا مع السكان الأصليين المحكومين، وتعاون السومريون والساميون على تحقيق تلك القفزة الحضارية الرائدة في تاريخ البشرية. ونستدل من بعض الوثائق السومرية على قيام ملوك يحملون أسماء سامية بحكم بعض المدن السومرية؛ الأمر الذي يشير بقوة إلى مثل هذا التعاون والتعايش رغم الغلبة السومرية في مجال الحُكم والسياسة، ورغم شيوع اللغة السومرية وطغيانها على اللغة السامية المحلية السابقة عليها. وعندما وصل النظام السياسي السومري إلى حالة من التفكك والتحلل لا يمكن إصلاحها، وقادت المنازعات المحلية بين دويلات المدن السومرية إلى الخراب والفوضى السياسية والاجتماعية، قام من صفوف الشرائح السامية قائد فذ استطاع في فترة قصيرة نسبيًّا توحيد البلاد والقضاء على الأسر الحاكمة المتنازعة في سومر، وأحل محلها نظامًا إقليميًّا أكثر كفاءةً. وعندما استتبَّت له الأمور في سومر عمل على توسيع نظامه الإقليمي ليشمل كامل وادي الرافدين.

خرج صارغون الأكادي من صفوف عامة الساميين الأصليين. ولدَينا نص قصير يروي فيه صارغون قصة حياته فيقول:
أنا صارغون، الملك العظيم ملك أكاد.
أمي كانت كاهنة معبد، ولم أعرف لي أبًا.
أعمامي أحبوا المناطق الجبلية (وسكنوا فيها).
ومدينتي اسمها أوزو بيرانو على ضفة الفرات.
حملت بي أمي الكاهنة، سرًّا.
(وعندما ولدتني) وضعتني في سلة من القصب ختمتها بالقار،
وأنزلتني في الماء الذي لم يغمرني.
حملني النهر وساقني إلى البستاني آكي.
انتشلني البستاني آكي عندما كان ينضح الماء بسطله،
وأخذني إليه كابنٍ له ورباني.
جعلني آكي البستاني أعمل بستانيًّا في أرضه.
وبينما أنا أعمل في البستان منحتني عشتار حبها،
فصِرت ملكًا، أربعة و… سنة.٥

ومن الوثائق الأكادية المتفرقة نستطيع إعادة بناء بقية هذه القصة. فقد جاء صارغون في شبابه إلى مدينة كيش في شمال سومر، ودخل في خدمة البلاط الملكي حتى وصل فيه إلى منصبٍ يُعتبَر من المناصب العالية في الحضارة الرافدية وهو منصبُ ساقي الملك، فقد كان ساقي الملك في القصور الشرقية حتى الفترة الفارسية يعتبر بمثابة الوزير المؤتمَن على حياة الملك وأسراره الشخصية. ولكن صارغون انقلب على ملكه المدعو أور-زبابا بعد هزيمة عسكرية مُنكرة حلت به، وقاد مجموعة من الأتباع ذوي الأصول السامية، فاستولى على السلطة في مدينة كيش السومرية. ثم ما لبث أن رحل عن كيش إلى مدينة مغمورة في ذلك الوقت اسمها أكاد (أو أغادة)، يغلب عليها الطابع السامي، فأقام فيها وجعلها عاصمةً له. ومن هذه العاصمة التي أخذت تبرز إلى مقدمة المدن السومرية، أخذ صارغون يشن الحملات ضد دويلات المدن الأخرى ويضمها إلى مملكته، حتى استطاع توحيد سومر وبقية وادي الرافدين.

وبعد أن استقرت له الأمور في وادي الرافدين، قام صارغون بعددٍ من الحملات نحو الشمال الغربي، فوصل إلى مدينة ماري على الفرات الأوسط، ثم تجاوزها إلى سوريا الداخلية فوصل حتى شاطئ المتوسط. وبذلك امتدت الإمبراطورية الصارغونية من البحر الأدنى (وهو الخليج العربي) إلى البحر الأعلى (وهو البحر المتوسط) على حدِّ تعبير أحد النصوص التي تركها لنا هذا الملك. كما اتجه صارغون نحو الشرق فأخضع عيلام وقسمًا لا بأس به من بلاد إيران.

مع صعود الأسرة الصارغونية حلت اللغة الأكادية السامية محل اللغة السومرية في المراسلات الرسمية وتدوين السجلات الملكية. وفيما عدا الفترة المعترضة المدعوة بالفترة السومرية الجديدة، والتي سنتطرق إليها بعد قليل، فإن اللغة الأكادية بلهجتها البابلية والآشورية قد غدت اللغة الرسمية والشعبية لوادي الرافدين، إلى الألف الأول قبل الميلاد عندما بدأت اللغة الآرامية تحل محلها تدريجيًّا.

لم تُعمَّر الإمبراطورية الأكادية طويلًا، وزالت بعد قرن ونصف القرن تقريبًا بزوال الأسرة الحاكمة الصارغونية المؤلَّفة من خمسة ملوك، أشهرهم بعد صارغون حفيده المدعو نارام سن. فلقد افتقرت الإدارة الصارغونية إلى الآلية الكفؤة القادرة على تسيير أمور هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف، وبدت عوامل التحلل فاعلة في الدولة منذ عهد نارام سن. فقد أنفق هذا العامل فترة حكمه في إخماد حركات التمرد والانفصال، وشن الحملات العسكرية الواسعة النطاق غربًا وشرقًا. ففي مناطق غرب الفرات، كان لا بدَّ له من القضاء على مملكة إيبلا؛ ليسقر له الحكم في المناطق السورية، وفي المناطق الشرقية كان يشن حروبًا وقائيةً ضد قبائل الغوتيان البربرية التي تنحدر من جبال زاغروس لتثير الدمار في أطراف المملكة، وذلك إضافة إلى المحاولات الانفصالية المتكررة للمدن السومرية. وبعد وفاة نارام سن ازداد ضغط قبائل الغوتيان على أكاد حتى سقطت العاصمة بأيديهم عام ٢١٦٠ق.م. وبذلك تنتهي الفترة المعروفة بالصارغونية في تاريخ بلاد الرافدين ٢٣٠٠–٢١٦٠ق.م. وتتلوها الفترة الغوتية القصيرة التي استمرت من ٢١٦٠ إلى ٢١١٠ق.م. أي قرابة خمسين سنة فقط.

لم يشكل الغوتيان مملكةً موحَّدة في مناطق سومر وأكاد، ولم تخرج من بين صفوفهم أسرة حاكمة قوية، بل استقلت كل جماعة منهم بحكم مدينة أكادية أو سومرية، كما بقي العديد من المدن السومرية الجنوبية خارج سلطانهم. لم يترك الغويتان آثارًا تدلُّ على وجودهم في وادي الرافدين خلال تلك الفترة، فلا منشآت ولا نصوص ولا أعمال فنية ولا نمط معماري متميز. ولولا ذكرهم في عدد من النصوص المسمارية، وتمييز الباحثين اللغويين لعدد من أسماء حُكامهم، لما استطعنا الاستدلال على وجودهم بأية طريقة أخرى. وقد بدأت المدن السومرية بالتحرر تدريجيًّا من سلطة الغويتان الذين بقوا متحصنين ببعض المدن الشمالية، إلى أن تم طردهم نهائيًّا عقب سلسلة من الحملات العسكرية التي قادها ملك أورك المدعو أوتو-هينجال. إلا أن الظروف لم تتح لمدينة أوروك قطف ثمار نصرها. فبعد خروج الغويتان صعد في مدينة أور-نمو، الذي أسس آخر سلالة حاكمة سومرية عُرفت باسم أسرة أور الثالثة، بسطت سيطرتها على كامل منطقة سومر وأكاد، وابتدأت معها الفترة المعروفة بالفترة السومرية الجديدة، أو فترة أور الثالثة، والتي استمرت من ٢١٠٠ إلى ٢٠٠٠ق.م.

دعا أور-نمو نفسه بملك سومر وأكاد، واستولى بحدِّ السيف على كامل تَركة الأسرة الصارغونية في وادي الرافدين. وقد تميز هذا الملك بالقدرة الفائقة على الإدارة والتنظيم، فشرع بتنظيم البلاد وفق أسس مدنية واقتصادية حقيقية، ووضع عددًا من التشريعات والنظُم المدنية والإدارية وصلَنا بعضها مكتوبًا باللغة السومرية، التي تم إحياؤها وإحياء آدابها خلال فترة أور الثالثة. وتظهر الحيوية التنظيمية والإدارية في عهد أور-نمو وخلفائه، في المشاريع العمرانية والإنمائية الضخمة التي شملت كلَّ البلاد. فقد تم إحياء نظام الري السومري التقليدي وإصلاحه، وأعطيت كلُّ منطقة حقها من الماء اللازم لأراضيها، كما جرى ترميم المعابد القديمة وبناء معابد جديدة في عدد من المدن، وربطت المناطق المتباعدة بشبكة مواصلات حديثة ونظام بريدٍ فعَّال. ويمكن القول بأنه إذا كانت الأسرة الصارغونية قد خلقت أول إمبراطورية في المنطقة، فإن أسرة أور الثالثة قد خلقت أول دولة حقيقية فيها. ذلك أن ما يفرق بين الدولة الصارغونية ودولة أور الثالثة، هو أن الأولى قد قامت على القهر العسكري واستمرت به، فلم يكن يجمع أجزاء الإمبراطورية إلى بعضها سوى الحاميات العسكرية التابعة مباشرةً للملك، أما الثانية فقد قامت على كفاءة الإدارة والتنظيم والمركزية المرشَّدة والمنفعة الاقتصادية المتبادلة بين جميع المناطق التي كانت تتطور على قدم المساواة ضمن مفهومٍ جديد للدولة.

ترك لنا ملوك أسرة أور الثالثة أخبارًا قليلةً ومتفرقةً عن حروبٍ وقائيةٍ على حدودهم الشرقية مع القبائل البربرية، وفيما عدا ذلك فإن هذه الفترة كانت على ما يبدو عهد سلام وهدوء بالنسبة لوادي الرافدين قل مثيلها، انتعشت فيها الفنون والآداب والعمارة، واعتبرت بمثابة عهد ذهبي في المنطقة، وآخر قمة من قمم الثقافة السومرية التي آلت بعد ذلك إلى النسيان.

ولقد تعاونت ثلاثة عوامل على إسقاط أسرة أور الثالثة؛ العامل الأول ضعف الإدارة المركزية في عهد الملوك المتأخرين، وفقدان الأجهزة الحكومية كفاءتها وفاعليتها. والثاني تسرب القبائل الآمورية من الشمال والشمال الغربي عبر نهر الفرات. والآموريون هم جماعات بدائية رعوية ظهرت في بلاد الشام منذ أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، وأخذت بالاستيلاء تدريجيًّا على مقاليد السُّلطة في عدد من المدن الهامة فيها مثل ماري وإيبلا وحلب وآلالاخ، ثم أخذت جماعات منهم بعبور الفرات والاستقرار في مناطق سومر وأكاد، وأحدثت خللًا في التجانس السكاني الذي حققته المنطقة نتيجة التمازج الطويل بين العناصر السامية الأصلية (الأكادية) والعناصر السومرية. أما العامل الثالث الذي فتَّ في عضد دولة أور الثالثة، فهو الحركات الانفصالية في الجنوب، وظهور أسر حاكمة في بعض المدن السومرية منافسة لأسرة أور الثالثة. ورغم أن ملوك أور المتأخرين قد استطاعوا الحفاظ على سيادتهم في أور نفسها وفي بضع مدن شمالية أخرى، إلا أن العيلاميين الذين أعلنوا استقلالهم عن الدولة ما لبثوا أن اجتازوا نهر دجلة وحاصروا مدينة أور نفسها ونهبوها. وبذلك انتهت دولة أور الثالثة، أول دولة حقيقية في منطقة الهلال الخصيب.

الفترة الخامسة في تاريخ بلاد الرافدين تُدعى بالفترة البابلية القديمة، واستمرت من ٢٠٠٠ إلى ١٦٠٠ق.م. فلقد قادت الفوضى التي أعقبت سقوط أسرة أور الثالثة، وعودة البلاد إلى حالة الشرذمة والتمزُّق، إلى تمكين القبائل الآمورية في البلاد وتأسيسهم لأول أسرة حاكمة بابلية حوالي عام ١٨٩٠ق.م. وكما اتخذ من قبل صارغون الأول من مدينة أكاد المغمورة عاصمة له، كذلك عمل أول ملوك الأسرة البابلية المدعو سوبو أوبوم على اتخاذ مدينة مغمورة عاصمة له هي مدينة بابل، التي ورد اسمها عرضًا في السجلات السومرية تحت اسم بابيلان، وقد فهم الآموريون الساميون الاسم على أنه باب–إيل، أي باب الإله السوري إيل، ومنه جاء الاسم بابل. ومن بابل هذه، التي تقع في المناطق التقليدية لأكاد القديمة، بدأ سوبو أوبوم بتوسيع مناطق نفوذه في المناطق الأكادية في الشمال السومري. وقد تابع بعده هذه المهمة خلفاؤه الأربعة مع محاولات غير ناجحة للتوغل جنوبًا في أعماق سومر. في عهد هؤلاء الملوك الخمسة تم توسيع مدينة بابل وبناء سور ضخم حولها، كما انتهى بناء معبد الإيزاجيلا المشهور المكرس للإله مردوخ، بل وشقت الترع وفتحت القنوات وبنيت السدود. كما شهدت هذه الفترة نهضة أدبية وفنية واضحة، وعادت اللغة الأكادية السامية إلى الاستخدام وطغت على السومرية التي أخذت بالتلاشي. فلقد تبنى الآموريون جميع التقاليد الثقافية الأكادية في مجالات الدين واللغة والفنون والآداب، وذابوا في المحيط السامي الأكادي الذي استوعبهم.

عندما اعتلى حمورابي، الملك السادس في الأسرة البابلية الأولى، العرش عام ١٧٩٢م، بدأ هذا الملك الطموح بالضغط المتواصل على المدن السومرية حتى ألحقها واحدة إثر أخرى بمملكته. ثم بدأ حمورابي يتجه بأنظاره نحو الشمال والشمال الغربي، فدمر مدينة ماري على الفرات الأوسط أهم منافسيه في ذلك الوقت، ثم أخذ بالضغط على آشور حتى أخضعها. وفي نهاية السنة الثالثة والأربعين من حكمه الطويل كانت الدولة البابلية القديمة تشتمل على كامل الأراضي الواقعة بين دجلة والفرات بما فيها مناطق حوض الخابور. إلا أن سلطته لم تتجاوز إلى مناطق غربي الفرات وهي المناطق التي كانت تحت سلطان مملكةٍ آمورية قوية أخرى في سوريا هي مملكة يمحاض-حلب.

وكما هو الحال دائمًا في الإمبراطوريات التي تتألف من أجزاء متنافرة لا يجمعها سوى شخصية باني الإمبراطورية (ومثالها إمبراطورية صارغون الأكادي) فقد بدأت عوامل الانحلال والتفكك تفتُّ في عضُد المملكة البابلية القديمة منذ عهد ابن حمورابي وخليفته المدعو شمسي إيلونا (١٧٤٩–١٧١٢ق.م.) فقد كان على هذا الملك أن يقاوم خطرًا داخليًّا متمثلًا بالثورات الجنوبية، وخطرًا خارجيًّا متمثلًا بالقبائل الكاشية البربرية، التي انحدرت من نفس المواطن الجبلية الشرقية التي جاء منها الغويتان قبل ذلك بخمسمائة سنة. فقد تابع الكاشيون تعدياتهم على الأطراف الشرقية للدولة البابلية واستطاعوا تدريجيًّا اقتطاع أجزاء منها خلال حكم خلفاء حمورابي الخمسة. وبعد أن هاجم الحثيون بابل بقيادة مورشيلي الأول ونهبوها عام ١٥٩٥ق.م. صار الطريق ممهدًا أمام الكاشيين الذين أطبقوا على المدينة بعد رحيل الحثيين عنها بفترة قصيرة، وأسسوا فيها أول أسرة حاكمة كاشية. وبذلك انتهت الفترة البابلية القديمة التي استمرت فيما بين ٢٠٠٠–١٦٠٠ق.م. لتبدأ الفترة السادسة في تاريخ بلاد الرافدين، وهي الفترة الكاشية التي دامت أربعة قرون تقريبًا، وذلك من ١٥٧٠–١١٥٨ق.م.

لم يقدم الكاشيون إلى ثقافة بلاد الرافدين غير نظامٍ سياسي مستقرٍّ، حافظَ على وحدة بلاد سومر وأكاد فترة طويلة من الزمن. وفيما عدا ذلك فقد تبنَّى الكاشيون جميع التقاليد الثقافية البابلية في شتى المجالات، كما فعل من قبلُ أسلافهم الغوتيان. ورغم أن بابل قد فقدت في عهد الكاشيين مركزها كقوة عظمى في المنطقة، إلا أن الفترة الكاشية كانت بالمقابل فترة ازدهار للفنون والآداب الرافدية. ورغم محاولة الملوك الكاشيين الجادة الذوبان في المحيط البابلي إلا أن السكان بقوا ينظرون إليهم كطبقة حاكمة غريبة، إلى أن تم طردهم من البلاد على يد أسرة حاكمة بابلية تسلمت مقاليد الأمور حوالي عام ١١٥٨ق.م. وخلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد وقعت بابل تحت السيطرة الآشورية، وصار ملوكها أتباعًا للتاج الآشوري، رغم وقوع حركات تحرُّر واستقلال أفلحت من خلالها بابل في الاستقلال أحيانًا وعلى فترات قصيرة ومتقطعة.

بعد قرن ونصف القرن من الضغط المتواصل على مناطق غربي الفرات، وحروب طاحنة مع مملكة دمشق الآرامية التي كانت تقود الممالك السورية ضد آشور، استطاع الآشوريون أخيرًا دخول دمشق عام ٧٣٢ق.م. وألحقوها مع بقية الممالك الآرامية بالتاج الآشوري. ولقد ردَّ الآراميون على قيام آشور بتدمير المشروع الآرامي الحضاري في سوريا قبل نُضجه بطريقة غير متوقعة. فقد بدأ الفرع الكِلداني من القبائل الآرامية التي بنت ثقافة الألْف الأول في سورية بالتسلل التدريجي إلى وادي الرافدين، واستطاعت الجاليات الكلدانية خلال قرنين من الزمان تثبيت أقدامها في عدد من المدن البابلية. وخلال العقود الأخيرة في القرن السابع قبل الميلاد استطاعت أسرة حاكمة كلدانية الاستقلال بحكم بابل، مستغلةً انشغال آشور بمحاولاتها اليائسة الأخيرة للسيطرة على إمبراطورية مترامية الأطراف صارت أوسع من مقدرة الجهاز الإداري والعسكري الآشوري على ضبطها، خصوصًا بعد اجتياح مصر وضمها إلى التاج الآشوري. وقد استطاع نابو بولاصر أول ملوك الأسرة الكلدانية توحيد مناطق سومر وأكاد بسرعة كبيرة؛ وذلك بسبب كراهية الناس للحكم الآشوري. وقد أخذ نابو بولاصر بالضغط على مناطق آشور في الشمال. لكنه شعر بعد فترة بجسامة مهمة القضاء على آشور التي بدأت تدافع عن أراضيها التقليدية دفاع المستميت، فاتجه للتحالف مع المملكة الميدية الفتية في إيران، وأوقع الحليفان آشور بين فكَّي كماشة، حيث تم تدمير مدن آشور واحدة إثر أخرى، وذلك فيما بين عام ٦١٤ق.م. الذي شهد تدمير مدينة آشور وعام ٦١٢ق.م. الذي شهد تدمير مدينة نينوى. وبذلك انتهت الفترة الثامنة في تاريخ وادي الرافدين والمعروفة بالفترة الآشورية الحديثة التي استمرت من عام ١٠٠٠ إلى عام ٦١٢ق.م. وتسمية هذه الفترة بالآشورية الحديثة، مستمدة من تحقيب التاريخ الآشوري نفسه الذي يقسمه الباحثون عادةً إلى ثلاث فترات هي: القديمة، والمتوسطة، والحديثة.

تدعى الفترة التي تلت الآشورية الحديثة، بالفترة البابلية الجديدة تمييزًا لها عن الفترة البابلية القديمة التي حكمت خلالها أسرة حمورابي، واستمرت من عام ٦١٢ إلى عام ٥٣٩ق.م. استطاعت الأسرة الكلدانية في بابل خلال هذه الفترة توطيد سيطرتها على حصتها من تركة آشور في بلاد الرافدين ومناطق غربي الفرات، خصوصًا في عهد نبوخذ نصر الذي وطَّد دعائم الاستقرار في أرجاء الإمبراطورية، واعتقد أن ورثته على العرش سوف يحكمون لعدة قرون قادمة. وفي الحقيقة فإن هذه الدولة البابلية الجديدة كانت مؤهلة للبقاء والاستمرار أمدًا طويلًا لولا صعود قوة جديدة في إيران هي قوة فارس. فلقد احتوى الفرس بسرعة مملكة ميديا حليفة بابل، واتجهوا بأنظارهم نحو وادي الرافدين وما وراءه موطدين العزم على أن يلعبوا الدور الذي كان مرسومًا للدولة الجديدة في المنطقة. وبعد عدة حروب مع نابونيد آخر ملوك الأسرة الكلدانية، دخل قورش الفارسي بابل عام ٥٣٩ق.م. وابتدأت في وادي الرافدين ومنطقة الشرق القديم بكامله الفترة الفارسية، وهي آخر عصور الشرق القديم الذي يتوقف به المؤرخون عند دخول الإسكندر المقدوني إلى المنطقة واستيلائه على كامل الإمبراطورية الفارسية خلال الأعوام الواقعة فيما بين ٣٣١ و٣٢٥ق.م. بما في ذلك كل البلاد التي كان الفرس قد احتلوها في حوض وادي السند بالقارة الهندية.

•••

لقد كانت هذه المقدمة التاريخية المسهبة نسبيًّا ضرورية لما سيَلي من بحثنا في تاريخ ملحمة جلجامش وتطورها؛ لأن الملحمة التي تبدأ أحداثها في أورك السومرية خلال عصر الأُسرات الأولى قد عاشت حياة طويلة، وتم تناقلها بأشكال متطورة حتى إعداد نسختها الأخيرة التي تم العثور عليها في مكتب الملك آشور بانيبال المطمورة تحت أنقاض القصر الملكي في نينوى إثر الهجوم الكلداني الكاسح عليها عام ٦١٢ق.م. وبما أننا سوف نرجع مرارًا خلال الصفحات المقبلة من هذه الدراسة إلى الفترات التاريخية المتعاقبة لحضارة وادي الرافدين، فإن من المفيد أن نقدم ملخصًا لكلِّ ما سبق، في جدولٍ زمني يسهل على القارئ مراجعة التواريخ الخاصة بكل فترة تاريخية.

الفترة التاريخية التواريخ التقريبية
١– الحضارة العُبيدية ٥٣٠٠–٣٦٠٠ق.م.
٢– حضارة أورك ٣٦٠٠–٣١٠٠ق.م.
٣– جمدة نصر ٣١٠٠–٢٩٠٠ق.م.
٤– عصر الأسرات الأولى ٢٩٠٠–٢٣٠٠ق.م.
٥– العصر الصارغوني ٢٣٠٠–٢١٦٠ق.م.
٦– حكم الغوتيان ٢١٦٠–٢١١٠ق.م.
٧– أسرة أور الثالثة (السومري الجديد) ٢١٠٠–٢٠٠٠ق.م.
٨– العصر البابلي القديم ٢٠٠٠–١٦٠٠ق.م.
٩– الحكم الكاشي ١٦٠٠–١٢٠٠ق.م.
١٠– البابلي المتوسط/الآشوري المتوسط ١٢٠٠–١٠٠٠ق.م.
١١– الآشوري الحديث ١٠٠٠–٦١٤ق.م.
١٢– البابلي الجديد (الكلداني) ٦١٤–٥٣٩ق.م.
١٣– العصر الفارسي ٥٣٩–٣٣١ق.م.
١٤– فتوح الإسكندر ونهاية تاريخ الشرق القديم ٣٣١ق.م.
١  تم في الفترات الأخيرة على ما يبدو اكتشاف موقع جديد في منطقة سومر يحتوي على طبقات أثرية نيوليتية سابقة للطبقة العبيدية الأولى، مطمورة تحت طمي الدلتا على عمق عشرين مترًا. من هنا يرجِّح بعض الباحثين أن يكون الاستيطان الزراعي في جنوب وادي الرافدين قد سبق بكثيرٍ ظهور الثقافة العبيدية. انظر بهذا الخصوص كتاب الدكتور سلطان محيسن: عصور ما قبل التاريخ، إصدار جامعة دمشق ١٩٨٧م الصفحات ٣٢٤–٣٢٥.
٢  قبل عصر فجر المدنية وابتكار الكتابة، كانت تقنيات صناعة الأدوات الحجرية تُستخدَم لتحقيب العصر الحجري القديم، وتقنيات صناعة الفخار وتزييناته تستخدم لتحقيب العصر الحجري الحديث، ورصد المدى الجغرافي الذي تشمله ثقافة ما.
٣  أو ٣١٠٠ق.م. لأن المدرسة الألمانية تدعو الفترة الممتدة من ٣١٠٠ إلى ٢٩٠٠ق.م. بفترة جمدة نصر وتميزها عن فترة أوروك.
٤  Kramer and Wolkstein, Inanna, Harper and Row, New York 1983.
٥  James Pritchard (edt.), Ancient Near Eastern Texts, Princeton 1969, p. 119.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤