الفصل الثاني

حول النَّص

• المكان والزمان

• البطل والسيرة

***

(١) مكان الحدث وزمانه

اعتمادًا على ما توفر لدينا حتى الآن من معلومات أركيولوجية وتاريخية، يمكننا اعتبار مدينة أورك السومرية أول مدينة حقيقية في التاريخ، والنموذج الأسبق لكل المدن التي قامت بعدها. فالبينات الأركيولوجية الراهنة تدل على أن أوروك كانت أكبر المدن السومرية في مطلع عصر الأسرات، وأنها بلغت مرحلة المدينة الحقيقية قبل غيرها من المراكز الحضرية في وادي الرافدين الجنوبي. وتأتي البينات الكتابية والأخبار المتناقلة عن ذلك العصر في اتفاق مع البينات الأركيولوجية. فإذا أراد المؤرخ أن يقدم مثالًا على أعرق مدينة في أعرق حضارة مدينية، فإن مدينة أوروك ستكون له النموذج والمثال المناسب.

وصلت أوروك قمة ازدهارها خلال أواسط عصر الأسرات الأولى، حوالي عام ٢٦٠٠ق.م. ويرجح علماء الآثار أن سورها العظيم قد بُني حوالي ذلك التاريخ، وأنه قد أحاط بمساحة تقدَّر بأربعمائة هكتار. أما عدد سكانها فقد وصل إلى ٥٠٫٠٠٠ نسمة. فإذا عرفنا أن عدد سكان مدينة روما في أوائل العصر القيصري لم يتجاوز اﻟ ١٥٠٫٠٠٠ نسمة، لأدركنا أية عظمة بلغتها مدينة أوروك في ذلك الوقت المبكر من مطالع التاريخ المكتوب. أوروك أواسط عصر الأسرات هذه هي مدينة جلجامش، الملك الذي تعزو إليه الأساطير والنصوص الإخبارية بناء السور الكبير من حولها وأهم الأوابد المعمارية فيها. وهي مركز أحداث ملحمتنا البابلية.

(٢) البطل

هل كان جلجامش رجلًا من لحم ودم، أم كان شخصية خيالية خلقتها الأساطير والملاحم البطولية؟ هناك نصوص أدبية سومرية تتحدث عن جلجامش، ولكن هذه النصوص قد دُوِّنَت على ما يبدو خلال فترة أسرة أور الثالثة، أي بعد عدة قرون من التاريخ المفترَض لحياة جلجامش. ولا يوجد بين أيدينا حتى الآن نصٌّ من عصر جلجامش يذكره، سواء من أورك نفسها أم من غيرها من المدن السومرية. غير أن ما يعوض النقص في هذه المصادر المباشرة أن الشخصيات التي تذكر النصوص السومرية علاقتها بالملك جلجامش، قد أمكن التثبت من وجودها التاريخي من خلال وثائق كتابية ترجع إلى عصرها وعصر جلجامش. من هذه الشخصيات الملك إن-ممباغيزي ملك كيش، وابنه أجا الذي نازع جلجامش في النصِّ المعروف ﺑ «جلجامش وأجا». وهناك أيضًا الملك ميسانيبيدا ملك أور وولداه. يضاف إلى ذلك أن الوثيقة المعروفة بثبت ملوك سومر، والتي أعطتنا أسماء العديد من ملوك عصر السلالات الأولى الذين ثبت وجودهم تاريخيًّا، قد جعلت من جلجامش الملك الخامس في أسرة أورك الأولى التي حكمت بعد الطوفان، أي خلال أواسط عصر السلالات الأولى. فإذا قاطعنا وثيقة ثبت ملوك سومر والأخبار المتفرقة التي تعزو إلى جلجامش بناء سور أورك مع نتائج علم الآثار التي تُرجع بناء هذا السور إلى أواسط عصر الأسرات الأولى، لخرجنا بمحصلة أخيرة تؤيد وجود ملك تاريخي اسمه جلجامش حكم مدينة أورك في زمن ما خلال النصف الثاني من القرن السابع والعشرين قبل الميلاد.

إلى جانب النصوص الأدبية والإخبارية، لدينا من القرن الخامس والعشرين على الأقل شواهد نصِّية طقسية تدل على أن جلجامش قد تم تأليهه في أكثر من منطقة سومرية. ويجب ألَّا نفهم من «التأليه» هنا أن جلجامش قد دخل مجمع الآلهة السومرية؛ لأن مفهوم «الإنسان المؤلَّه» بعد موته، في الحضارات القديمة، ذو علاقة بمؤسسة عبادة الأسلاف. فجلجامش قد غدا بعد موته أحد الأسلاف المؤلَّهين الذين تنتشر عبادتهم على النطاق الشعبي بعد موتهم، بسبب الأعمال الجليلة التي قاموا بها في حياتهم والنفع العام الذي جلبوه لجماعتهم. فالسلف المؤلَّه والحالة هذه، هو أشبه بالأولياء الصالحين في الإسلام أو جماعة القديسين في المسيحية، أو أعلى بقليل. وهكذا، فلدينا نصوص طقسية من مدينة لجش السومرية ترجع إلى القرن الرابع والعشرين، تشير إلى أن القرابين كانت تقرَّب إلى جلجامش باعتباره شخصية إلهية، وكذلك الأمر في عدد من المدن السومرية الأخرى خلال حكم أسرة أور الثالثة التي اعتبر ملوكها جلجامش بمثابة الإله؛ الحارس الشخصي لهم. وفي نهاية فترة أور الثالثة اتخذ جلجامش في المعتقدات الدينية دور القاضي في العالم الأسفل، واستمر في دوره هذا حتى أواخر الألف الأول، على ما تدل عليه النصوص الطقسية من تلك الفترة. ولدينا من الشواهد الكتابية ما يشير إلى أن دورة ألعاب رياضية كانت تُقام على شرف جلجامش في شهر آب/أغسطس من كل عام، يتبارى خلالها الشباب في المصارعة وألعاب القوى الأخرى. وقد بقيت هذه الممارسة قائمة حتى العصر الآشوري الحديث، وكان الآشوريون يدعون شهر آب بشهر جلجامش.

(٣) السيرة

ملحمة جلجامش هي نصٌّ شعريٌّ طويلٌ مكتوبٌ بالأكادية البابلية، وموزَّع على اثني عشر لوحًا فخاريًّا. تروي الملحمة عن حياة وأعمال الملك جلجامش ملك أوروك بطريقة يمتزج فيها التاريخ بالأسطورة. وقد وجدت الألواح في مكتبة آشور بانيبال تحت أنقاض القصر الملكي بالعاصمة نينوى. يدعى نص نينوى هذا بالنص الأساسي، أو المعياري Standard Version؛ لأنه الشكل الأدبي الأخير الذي اتخذته الملحمة بعد فترة طويلة من التطور والتغير دامت قرابة ألف عام. ويتميز هذا النص الأساسي عن بقية النصوص السابقة عليه، بأن ألواحه الفخارية خرجت سليمة نسبيًّا، وفي حالةٍ تسمح بقراءة متسلسلة، رغم الكسور الحاصلة في بعضها والتشوهات التي أصابت الكثير من سطورها. ونصُّ نينوى هو سليل نص أقدم منه بكثير دُوِّن خلال العصر البابلي القديم، واستلهم كاتبه عددًا من النصوص الأدبية والأسطورية السومرية التي تدور حول جلجامش، وبعض الأخبار المتفرقة المتداولة عنه، وحاك من ذلك كله، وبطريقة مبدعة خلَّاقة، نصَّه الذي ندعوه اليوم بالنص البابلي القديم.

تجري أحداث الملحمة التي دعاها أهل ذلك الزمان بسلسلة جلجامش وفق الملخص الآتي:

كان جلجامش ابنًا للإلهة ننسون، حملت به من ملك أوروك المدعو لوجال بندا، فجاء ثلثه إنسانًا وثلثاه إلهًا، متفوقًا على جميع الرجال بخصائصه الجسمية والعقلية. حكم أوروك وهو في مقتبل العمر، فطغى وبغى على أهلها حتى ضاقت بهم السبل، فحملوا شكواهم إلى مجمع الآلهة يطلبون منها العون على ردِّ مليكهم إلى جادة الصواب. استمع الآلهة إلى الشكوى وارتأوا خلق ندٍّ لجلجامش يعادله قوةً وجبروتًا ليدخل الاثنان في تنافس دائم يلهي جلجامش عن رعيته، وعهدوا بهذه المهمة إلى الإلهة الخالقة آرورو، المعروفة في الأساطير الرافدية بأنها خالقة الجنس البشري، فقامت آرورو بخلق إنكيدو من قبضة طين رمتها في الفلاة.

نشأ إنكيدو مع الغزلان في البراري، يطوف الفلاة مع القطعان كواحد منها. وفي أحد الأيام رآه صياد فتى وهرع إلى أبيه يحدثه بشأنه، فاقترح عليه الأب أن ينقل الخبر إلى ملك البلاد. مضى الصياد فمثل في حضرة الملك وقص عليه خبر الرجل الوحش، فاهتم جلجامش بالأمر ورغب في إحضار ذلك المخلوق الغريب إليه. أمر كاهنة حب من معبد عشتار أن تذهب مع الفتى إلى البرية وتحاول استمالة ذلك الرجل ثم تأتي به إليه بعد أن يفيء إلى أحضانها ويأمن إليها. كمنت المرأة والفتى عند النبع الذي يرِده إنكيدو للشرب مع القطعان. وفي نهاية ثلاثة أيام من الانتظار ظهر إنكيدو، فبرزت إليه المرأة وكشفت له عن مفاتنها. نسي إنكيدو صحبه من ذوات الظلف والحافر واقترب من المرأة ولامسها ولامسته، ثم فاء إلى أحضانها ثلاثة أيام. وعندما حاول القيام ليلحق بصحبه وجد أن ساقيه لم تعودا قويتين وأنه غير قادر على الركض كالسابق، فرجع إلى المرأة التي بدأت تحدثه عن جلجامش، وعن مدينة أوروك وتقنعه بأنه لم يخلَق لحياة البراري بل لحياة القصور، فتاق إنكيدو للقاء جلجامش علَّه يحظى بصديق. ولكن كان عليه قبل ذلك أن يتحداه مُظهرًا قوته وندِّيَّته له. قادت المرأة إنكيدو إلى مساكن الرعاة، وهناك ألبسته الثياب وعلَّمته أكل الخبز وشرب الخمر وأسلوب الحياة المدنية، وبعد فترة انطلقت به إلى أوروك.

وصل الاثنان إلى المدينة وهي في ذروة احتفال كبير، فابتهج الناس لرؤية إنكيدو وهتفوا قائلين إنه ندٌّ لجلجامش، سيدخلان في تنافسٍ دائمٍ وتستريح أوروك. وبينما جلجامش يخطو عتبة باب المعبد لأداء طقوس العيد، تصدى له إنكيدو في الساحة وتحداه، فدخل الاثنان في صراع اهتزت له جدران المعبد، وكانت الغلبة أخيرًا لجلجامش الذي طرح خصمه أرضًا ومنع حركته. وهنا هدأت ثورة جلجامش وأرخى قبضته عن غريمه ثم استدار ماضيًا في طريقه، فناداه إنكيدو بكلمات تمتدح رجولته ومروءته، وكانت فاتحةَ صداقةٍ عميقةٍ بين الطرفين. وما نلبث أن نجد إنكيدو مقيمًا في القصر الملكي صديقًا وناصحًا للملك.

عقب لقائه بإنكيدو غيَّر جلجامش من سلوكه في الحكم والإدارة، وأرخى قبضته عن رعيته. وما نلبث أن نراه في حالة تأمل عميق في مسألة الحياة والموت، راغبًا في الإقدام على فعل جليل يخلد ذكره عبر الأزمان بعد مماته. ثم أفضى بمكنون فؤاده إلى إنكيدو، وأطلعه على نيته في الشروع بمغامرة كبيرة تستهدف الوصول إلى غابة الأرز في أقصى الغرب وقتل حارسها خمبابا، الذي أقامه هناك الإله إنليل وأوكله برعاية المكان وحمايته. جزع إنكيدو لسماع ذلك، فهو رأى الوحش خمبابا عندما كان يطوف البراري مع القطعان وناله منه الخوف الشديد. رآه يزأر في الغابة كعاصفة الطوفان ومن فمه تندفع ألسنة اللهب وأنفاسه تجلب الموت الزُّؤام عن مسافة بعيدة. وبعد نقاش ومداولة رضخ إنكيدو لرغبة جلجامش ومضى الاثنان إلى معبد الإلهة ننسون للحصول على بركاتها، فصلَّت ننسون إلى الإله شمس، حامي جلجامش، ودعته أن يحفظ ابنها وصديقه ويرجع بهما سالمين. وعند البوابة التي اجتازها البطَلان في طريقهما خارج أوروك تجمَّع الناس لوداعهما، وأتى شيوخ أوروك لإسداء النصح لهما وتوصية إنكيدو بالسهر على سلامة صاحبه.

بعد رحلة مليئة بالمخاطر والأهوال، وصل الصديقان أطراف غابة الأرز واقتحما بوابتها المسحورة التي سبَّبت شللًا مؤقتًا لذراع إنكيدو، ثم أخذا يقطعان شجر الأرز. وما لبث صوت خمبابا أن سُمع هادرًا من أعماق الغابة يتساءل عن الذي تجرَّأ على اقتحام وقطع شجرها. انقض خمبابا على الغريبَين دون مقدمات، ودارت بين الطرفين معركة حامية الوطيس، مالت في البداية لصالح خمبابا، ولكن الإله شمَش أمدهما بثمانية أنواع من الرياح هبَّت في وجه الوحش وشلَّت حركته، فأمسكا به وقطعا رأسه فقدَّماه قربانًا لشمَس.

عاد البطَلان إلى أوروك وغسلا عنهما وعثاء السفر، وعندما أكمل جلجامش ارتداء لباسه الملكي، شخصت الإلهة عشتار إلى قامته الفارعة وهامت به حبًّا، وعرضت عليه الزواج منها معددة الهدايا والأعطيات التي ستمنحه إياها إذا قبِل العرض. ولكن جلجامش رفض عرض عشتار منددًا بخياناتها المعروفة لعشاقها وأزواجها، وذلك بكلمات لاذعة جرحت كبرياء الإلهة. ثارت ثائرة عشتار وعرجت صاعدة إلى السماء العليا، فمثلت في حضرة كبير الآلهة آنو وشكت إليه إهانة جلجامش، طالبة أن يسلمها قياد ثور السماء، الكائن الوحشي المهول، لتُهلك به جلجامش، وهددت أنها في حال الرفض سوف تحطم بوابات العالم الأسفل فيخرج الموتى ليأكلوا ويشربوا مع الأحياء وتعم المجاعة في الأرض. نزل آنو عند رغبة الإلهة الغاضبة وأسلمها قياد ثور السماء فأطلقته في مدينة أوروك يعيث فسادًا فيها ويهلك المئات من أهلها. ولكن جلجامش وإنكيدو تصدَّيا للثور، وبعد صراع مرير قتلاه وقدما قلبه قربانًا للإله شمَش.

بعد هذا الحدث الجلل، عقد الآلهة اجتماعًا في السماء وقرروا أن يموت واحد من البطلين عقوبة لهما على قتل خمبابا وثور السماء، ووقع الخيار على إنكيدو. وقع إنكيدو فريسة الحمى بضعة عشر يومًا، ثم أسلم الروح بين ذراعَي جلجامش الذي راح يدور حول صديقه المسجى، كلبوة فقدت أشبالها وهو بين مصدق ومكذب، يبكي ويقطع شعر رأسه. احتفظ جلجامش بجثة إنكيدو ثلاثة أيام رافضًا تسليمه للدفن عسى من بكائه عليه يفيق من غيبوبته، إلى أن سقطت دودة من أنف الجثة التي أخذت تتفسخ. عند ذلك صحا جلجامش من هذيانه وتأكدت له الحقيقة المرة. أقام لإنكيدو طقوس حداد لائقة، ثم انسل من قصره وحيدًا شريدًا تطارده فكرة الموت. لقد تحول جزعه على صديقه الراحل إلى قلق على مصيره الشخصيِّ وخوف من موته هو.

تطوح جلجامش في البراري يصطاد الحيوانات فيغتذي بلحومها ويقنص الآساد فيرتدي جلودها، وهدفه الوصول إلى الحكيم أوتنابشتيم، المخلوق الوحيد الذي أنعمت عليه الآلهة بالخلود وأسكنته مع زوجته في جزيرة نائية تقع خارج العالم المعروف، وتفصلها عنه مفازات لا نهاية لها وبحر يموج بمياه الموت. كان عازمًا على الوصول إليه بأي ثمن ليسأله عن سر الحياة والموت، وكيف يستطيع الإنسان تحقيق الخلود لنفسه.

وصل جلجامش إلى سلسلة جبال ماشو التي تحرس ذراها الفوهةُ التي تنزل منها الشمس إلى باطن الأرض، لتسير مسارها الليلي قبل شروقها من الطرف الآخر. وهناك سهَّل له البشر العقارب الموكلون بتلك الجبال، عبور مسالكها، ودلوه على أقصر طريق يوصله إلى أوتنابشتيم. عبر جلجامش مسالك جبال ماشو ووصل فوهة الشمس، فنزل فيها ليصل عبرها إلى الطرف الآخر من العالم. وفي عملٍ معجز لا يقدر عليه سوى إله، اجتاز ممر الشمس السفلي في أقل من ليلة واحدة، وخرج من الطرف الآخر ليجد نفسه على شاطئ البحر الذي يفصله عن جزيرة أوتنابشتيم، وهناك تقيم سيدوري ساقية حان الآلهة، حيث يتوقف الخالدون للراحة وتناول الشراب. فزِعَت سيدوري لرؤية ذلك العملاق الشعث الأغبر الذي يرتدي جلود الأسود، فدخلت حانتها وأوصدت الباب. فناداها جلجامش معلنًا عن هويته وقصده، ولما اطمأنت إليه وفتحت الباب قص عليها قصته وطلب معونتها. تصادف وصول جلجامش مع وجود ملاح أوتنابشتيم المدعو أورشنابي في المكان يحتطب من أجل سيده، فدلَّت سيدوري جلجامش على مكانه، وأخبرته بأنه الوحيد الذي يستطيع بقاربه عبور مياه الموت، وذلك بمعونة رُقم حجرية عليها طلاسم سحرية.

انطلق جلجاش كسهمٍ مارقٍ إلى حيث دلته سيدوري، وفي غمرة اضطرابه وهيجانه داس فوق الرُّقم الحجرية التي كان يضعها أورشنابي جانبًا وهو يحتطب، فبعثرها وحطمها. وبعد ذلك كشف جلجامش لأورشنابي عن شخصيته، وأخبره بقصته طالبًا منه العون على الوصول إلى أوتنابشتيم. فقال له إن يديه قد حالتا دون عبوره؛ لأنه قد كسر الرقم التي تعين المركب على اجتياز مياه الموت. وبعد تقليب الأمور على وجوهها، توصل أورشنابي إلى حل للمشكلة. فمياه الموت التي تبدأ حدودها بعد مسيرة طويلة في البحر، هي مياه راكدة والهواء فوقها ساكن، حيث لا ريح تدفع ولا مجذاف ينفع، وحيث الرذاذ إذا تطاير يقتل باللمس. وقد ارتأى الملاح المجرب أن يعمدا إلى الدفع بالمُردي، وهو مجذاف طويل يستخدم عن طريق ركز طرفه السفلي في قاع الماء لا عن طريق التجذيف العادي، فطلب من جلجامش أن يحتطب من الغابة مائة وعشرين مرديًّا، طول الواحد منها ستون ذراعًا، ففعل جلجامش. أبحر الاثنان في المركب الذي قطع في ثلاثة أيام رحلة تستغرق في الزمان المعتاد والمكان المعتاد مسيرة شهر ونصف الشهر. ثم ولج المركب في مياه الموت، حيث طلب أورشنابي من جلجامش أن يبدأ باستخدام المردي، وكان عليه أن يستعمل كل مرديٍّ لمرة واحدة فقط ثم يتركه بعد الدفع إلى الماء، لئلا تمس يده ما علق عليه من ماء قاتل.

وصل جلجامش إلى أوتنابشتيم وقص عليه قصته وما جرى له، ورجاه أن يخبره كيف استطاع تحقيق الخلود من دون بني البشر. فقص عليه أوتنابشتيم قصة الطوفان العظيم بجميع تفاصيلها وكيف انتهت إلى مكافأته بنعمة الخلود. فقد قرر الآلهة إرسال طوفان على الأرض يفني كل نسمة حية، وحددوا لذلك موعدًا. ولكن الإله إيا الذي حضر الاجتماع وعرف القرار، نقل إلى الحكيم أوتنابشتيم في مدينة شوربياك قرار الآلهة، وأمره ببناء سفينة عملاقة يحمل فيها أهله ونخبة من أصحاب الحِرف وأزواجًا من حيونات البرية ووحوشها، ففعل أوتنابشتيم. وعندما أزفت الساعة وانداح الطوفان، أبحر أوتنابشتيم بسفينته وأغلق منافذها. دامت عاصفة الطوفان ستة أيام والمركب العملاق تتقاذفه الأمواج، حتى رسا في اليوم السابع على قمة جبل يُدعى نصير. فتح أوتنابشتيم كوة وتطلع حدود الأفق، كان الهدوء شاملًا والبشر قد آلوا إلى الطين، فخرج وأطلق ركاب السفينة، وقدم بعض حيواناته قربانًا للآلهة. حضر الآلهة مسرعين لنداء نار القربان وقد تملكهم الندم على ما فعلوا، وعندما رأوا ما فعله أوتنابشتيم وكيف أنقذ بذرة الحياة على الأرض، فرحوا لذلك وقام إنليل بإسباغ نعمة الخلود على أوتنابشتيم وزوجته مكافأة له على صنيعه، وأسكنهما في هذه الجزيرة. ثم يُنهي بطل الطوفان قصته بالقول: والآن يا جلجامش، من سيدعو مجلس الآلهة إلى الاجتماع من أجلك، فتجد الحياة التي تبحث عنها؟

بعد ذلك دعا أوتنابشتيم جلجامش إلى اختبار عسير يثبت من خلاله استعداده ومقدرته على قهر الموت الأكبر بقهر الموت الأصغر وهو النوم. فكان عليه أن يجلس في وضعية القعود ستة أيامٍ وسبع ليالٍ دون أن يطرق الكرى أجفانه. قعد جلجامش قابلًا تحدِّي أوتنابشتيم مصممًا على قهر النوم، ولكنه قبل انقضاء المدة غرق في سبات عميق استمر ستة أيام. وفي اليوم السابع هزه أوتنابشتيم فأفاق معتقدًا أنه لم ينم إلا هنيهة. وعندما عرف حقيقة ما وقع له وتأكد من إخفاقه في الاختبار، استعد لمغادرة الجزيرة ومعه أورشنابي الذي أمره أوتنابشتيم بمغادرة المكان دون رجعة ومرافقة جلجامش إلى أوروك.

وبينما هما يدفعان المركب بعيدًا عن الشاطئ، شعرت زوجة أوتنابشتيم بالشفقة على جلجامش وهي تراه يعود خالي الوفاض بعد كلِّ ما تجشمه من عناء الرحلة إليهم، واقترحت على زوجها أن يقدم له بعضًا مما جاء لأجله. نادى أوتنابشتيم جلجامش وأطلعه على سر نبتة شوكية تعيش في أعماق المياه الباطنية، مسكن الإله إنكي، وتحمِل خصيصة تجديد شباب من يأكل منها إذا بلغ الشيخوخة. غاص جلجامش في القناة المائية التي تصل إلى الأبسو، مجمع المياه السفلية العذبة، رابطًا إلى قدميه حجرًا ثقيلًا يشده نحو الأسفل، وهناك رأى النبتة فاجتثها بعد أن أدمت أشواكها يديه، ثم حل وثاقه صاعدًا نحو الأعلى، وهناك عرضها أمام أوتنابشتيم وزوجته شاكرًا، وقال لهما إنه سيحملها معه إلى أوروك ليجعل الشيوخ يقتسمونها فيما بينهم، وإنه سيأكل منها أيضًا عندما يكبر.

انطلق الاثنان في طريق العودة الطويل، وفي إحدى المحطات التي توقفا عندها للراحة، رأى جلجامش بِركة ماء بارد فنزل إليها ليستحم بمائها تاركًا النبتة عند الضفة. فانسلَّت حية إلى النبتة وأكلتها، وبينما هي راجعة إلى جُحرها تجدد جلدها. جلس جلجامش عند الضفة وقد انهار تمامًا بعد أن فقد حتى الأمل في تجديد الشباب، وقال لأورشنابي وهو يبكي بكاءً مرًّا: «لمن أضنيت يا أورشنابي يدي، ولمن بذلت دماء قلبي؟ لم أجن لنفسي نعمة ما، بل لحية التراب جنيت النعمة.» يتابع الاثنان طريقهما دون أن يعطينا النص أية تفاصيل مهمة عن رحلة العودة. وعندما يصلان إلى أوروك، يشير جلجامش إلى سور أوروك الذي بناه قائلًا لأورشنابي «أي أورشنابي، أُعلُ سور أوروك، امشِ عليه، المِس قاعدته، تفحَّص صنعة آجُرِّه. أليست لبِناته من آجُرٍّ مشوي، والحكماء السبعة من أرسى له الأساس.» وعند هذه الأبيات التي تُكرر ما ورد في بداية النص، تنتهي الملحمة، ويختم الكاتب أحداثه بمثل ما بدأها من وصف أوروك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤