الفصل الثاني

علم الكلام نحو المستقبل، كيف …؟

(١) جدلية الاستيعاب والتجاوز

اتضح في الفصل السابق أنَّ الطرح المستقبلي ينشأ أصلًا عن ضرورة التجديد، التي سيطرت على آفاق فكرنا المعاصر، وفي سياقها يأتي هذا البحث — من منظور فلسفة العلوم — طامحًا في علم كلام ينطلق نحو المستقبل مُسَلَّحًا بعتاد الطبيعيات. إنه إذن بحث تجديدي في علم الكلام.

والبحث التجديدي في علم الكلام يعني ضمنًا استيعاب وتجاوز علم الكلام القديم، كما يتمثل في نصوص تراث هو تراثنا نحن، نحتويه ويحتوينا، فيتوجب له الاستيعاب؛ لكنه نتاج لظروف تاريخية مُعَيَّنة، وقصورات معرفية جمَّة، فرضت على مُتغيراته أشكالًا ما، ولما كانت هذه الظروف قد انتهت منذ قرون عديدة خلت، وتراجعت القصورات المعرفية، واتخذت مواقعَ وصورًا مُباينة تمامًا؛ فإنه من الضروري أن يكون استيعاب علم الكلام القديم من أجل تجاوزه، مرتكزين في هذا وذلك على ثوابته.

إنَّ مقولة الاستيعاب والتجاوز تشق طريق علم الكلام إلى المستقبل؛ فهي الرفض العقلاني المثمر البنَّاء، الذي يسلِّم بالتاريخية ومراحل التاريخ، ويحقِّق الهدف بالتعامل مع المرحلة في إطار مُتعيناتها وظروفها، ويبرأ من مثلمة الانشغال بثابت أزلي يعلو على عالم الإنسان في الزَّمان والمكان، بمطلق مغترب عن الواقع في صيرورته الدائمة.

وإذا تذكَّرنا إشارة كارل مانهايم إلى أن التفكير الجدلي (الديالكتيكي) يكافح باستمرار للإجابة على سؤالين؛ أولًا: ما هو مركزنا في العملية الاجتماعية؟ وثانيًا: ما هي متطلبات اللحظة الراهنة؟١ اتضح أنَّ المقصود بهذا، أو القضية المطروحة هي تاريخية علم الكلام التي ستستفيد من المنهج الجدلي ذي الفعالية المشهودة في مثل هذه المجالات الحضارية الواسعة النطاق. إن هذا البحث يطرح «الاستيعاب والتجاوز» كتناول جدلي لتاريخية علم الكلام.

إنَّ تاريخية علم الكلام بمثابة مُصَادرة أولية أو بديهية لا بدَّ من التسليم بها؛ فالعقائد إلهية مُقَدَّسة ثابتة مُطلقة، أمَّا علم الكلام فليس البتة هكذا، بل هو علم إنساني محض، صنعه البشر في زمان محدد وموقف مُعَيَّن، واستجابة لظروف تاريخية مُعينة، هي كأية ظروف تاريخية، مُتغيرات، متغيرات سوف تنداح، لتتخلَّق ظروف تاريخية أخرى، لها مُتطلبات ومُقتضيات أخرى.

وسلامًا على فرنسيس بيكون F. Bacon (١٥٦١–١٦٢٦) أبي الميثودلوجي، علم مناهج البحث، أقوى العوامل الفاعلة في صنع الحداثة الغربية والجذع المتين لفلسفة العلوم، سلامًا عليه، وهو يحذِّر من «أوثان الكهف»؛ أي تصورات البيئة الخاصة حين تسيطر على الذهن بوصفها حقائق مُطلقة، ويحذِّر من «أوثان المسرح»؛ أي أفكار ممثلي وأعلام الفكر السابقين، وكلاهما — أوثان الكهف والمسرح — قائم على الخلط بين النسبي والمطلق وإغفال نسبوية وتاريخية التصورات العقلية.
يقول حسن حنفي: «هناك فرق شاسع بين علم الكلام والعقائد الدينية، فعلم الكلام محاولات اجتهادية لفهم العقيدة أو العثور على أساس نظري لها، وتخضع كل هذه المحاولات للظروف التاريخية التي نشأت فيها، وللأحداث السياسية التي سبَّبتها، وللغة العصر التي عبَّرت بها، وللمستوى الثقافي الذي ظهرت خلاله. لا يمكن إذن التوحيد بين العقيدة كحقيقة مُطلقة، وبين الصياغات التاريخية لها التي تحدث في زمان معين ومكان معين وبلغة معينة، وعلى مستوى ثقافي معين.»٢

وتبدو جدلية الاستيعاب والتجاوز أداة منهجية فعالة للمِّ أشتات الماضي والحاضر والمستقبل، في إطار مُتماسك، يبدو لنا قادرًا على تقنين تاريخية علم الكلام المتجه نحو المستقبل وفقًا للمرحلة التاريخية الرَّاهنة، فيعني صيرورة إلى دورة جديدة، ومسارًا إلى الأمام، غدُهُ أكثر زخمًا وثراءً من أمسه، مما يجعل الانتقال صعوديًّا إلى مرحلة أعلى، وليس دائريًّا ينتهي إلى نقطة بدئه. هكذا يتضح أنَّ الاستيعاب والتجاوز ببساطة يجعل الكلام التراثي كائنًا حيًّا يتصف بالنماء والسيرورة، فيمكن أن يُساهم في وضعية الطبيعيات بما تحمله من إمكانيات تقدمية.

•••

وهذا يلزم عنه بالضَّرورة المنطقية إسقاط النظرة التقديسية، أو بالأصح التحجرية للتراث، التي تصادر عليها الحركات السلفية المعاصرة، في تعصبها وتطرفها المَرَضي، الذي بلغ حد إرهاب الآمنين وترويعهم.

والتوقف بإزاء هذه الحركات الإسلامية السلفية المتطرفة التي برزت ناتئة في واقعنا الحضاري ليس خروجًا عن أطر معالجة فلسفية مُنطلقة باعتبارات إبستمولوجية، بل هو التفعيل لكل هذا والذي ننشده منذ بدء البداية، والأهم أنه إثبات لفعالية جدلية الاستيعاب والتجاوز التي نطرحها كآلية لتاريخية علم الكلام.

تلك التاريخانية — مرة أخرى — مقدمة أكثر من ضرورية؛ فلئن كان الله — تعالى — قد جعل الإنسان تاج الخليقة وبطل الرِّواية الكونية، فذلك لأنَّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يصنع تاريخًا. التاريخ هو ما يجعل عالم الإنسان مختلفًا عن عالم الحيوان والنبات والجماد الذي لا يعرف صُنع المتغيرات ولا تراكماتها؛ التاريخ هو فاعلية الإنسان، هو صيرورة الحضارات وسيرورة الثقافات، هو التغير الذي جعل الإنسان الكائن الوحيد الذي يدرك معنى الزَّمان ويصنع له حسابًا، فكان الوحيد الذي يعرف معنى الصعود والتَّقدم واختلاف الأمس عن اليوم، وهذه التاريخانية هي حجر العثرة الذي تصطدم به تلك الجماعات المتطرفة، ليتصاعد مستصغر الشرر الذي قد يضرم مستعظم النيران.

لقد تمسكوا بحديث الفِرقة النَّاجية من النار، الذي شكَّك في صحته وفي جواز الاستدلال به ابن حزم وآخرون؛ تمسكوا به ليُلزموا الطرف الأقصى الواحد والوحيد، رافضين كل المتغيرات في تدرجاتها إلى أطراف أخرى تشكِّل جميعها الواقع، ثم اتخذ هذا الرَّفضُ شكلًا تصاعد وباله كثيفًا أليمًا في مُسلسل فتن دامية وتساقط القتلى والشهداء من الجانبين، العكس بالعكس طبعًا، والجانبان من سويداء الأنا … من الوطن.

ومهما كانت نواياهم، ومهما كانت أهدافهم وأسانيدهم، فإنَّ الخطأ المحوري في استدلالاتهم الذي يؤدي إلى هذا الاصطدام الدامي، أو على الأقل العقيم، مع الواقع، لهو في إنكار تلك التاريخانية.

بدايةً الواقع مأزوم، وكلنا نعمل، أو يجب أن نعمل على تجاوز هذه الأزمة بآفاق فِكر نهضوي لا يمتنع أن يكون دينيًّا، أو بمجالات عمل تنموي لا يقتصر على أن يكون اقتصاديًّا. التنهيض والتنمية هما الشكلان الإيجابيان لرفض أزمة الواقع … لتجاوزها. كلاهما يسير على معامل المتغيرات في مسار التاريخ بحثًا عن الأفضل، دخولًا في حركة التقدم نحو المستقبل.

مشكلة الجماعات الإسلامية المتطرفة أنها لا ترفض الواقع المأزوم فحسب، بل تدفعها الثبوتية إلى رفض المتغيرات أيضًا، بل وأصلًا وانطلاقًا من رفض التاريخانية؛ فيُطابقون بين الدين وبين التراث، بين الثابت وبين المتحول، وبين الإسلام وبين «الفتاوى» لابن تيمية وتلخيصها في «الفريضة الغائبة»، «نيل الأوطار» و«فتح القدير» لتلميذه الشوكاني، وكُتب ابن القيم الجوزية، وفتح الباري للعسقلاني، و«المحلى» لابن حزم، «المغني» لابن قُدامة … حتى «المصطلحات الأربعة» — الحاكمية والأُلوهية والرَّبانية والوحدانية — للإمام أبي الأعلى المودودي … وصولًا إلى «معالم على الطريق» لسيد قطب.

معظمها أعمال قيِّمة، لكن تنبع قيمتها من قدرتها على تمثيل روح عصرها والاستجابة لمتطلباته وتحدياته، التي تختلف عن مُتطلبات وتحديات عصرنا، كلها خارجة من الثابت في حضارتنا: الكتاب والسنة. لكنهم ليسوا أوصياء علينا، ونحنُ لسنا قاصرين عاجزين عن الإبداع والاجتهاد مثلهم، والخروج من هذا المعين الثابت بما يسد حاجات عصرنا. وكما قال الشيخ أمين الخولي: لهم عصرهم ولنا عصرنا، نتعلم منهم ولا نحذو حذوهم النعلَ بالنعلِ.

إنها «أوثان المسرح» التي حذَّر منها فرنسيس بيكون، النابعة من الافتتان بممثلي أو أعلام الفكر السابقين. كما ينبهر مُتفرج المسرح ببراعة الممثل في تجسيد الدور، «أو براعة المفكر في تجسيد روح عصره ومُتطلباته»، وينسى المتفرج واقعه ومشكلاته، يتألم لمآسي الممثل ويفرح لظفره بالمحبوبة، حتى وإن كان بين المتفرج ومحبوبته فرَاسِخَ وأميال! كذلك تمامًا تعيش الجماعات المتطرفة في واقع تلك المصنفات التراثية التي كانت نتاجًا أو استجابة لظروف حضارية انتهت منذ قرون عديدة، ملغين ظروف واقعنا، ولا يلتفتون إلى أنَّ فتاوى ابن تيمية لمواجهة المغول لا تصلح لمواجهة القوى الإمبريالية المعاصرة، وأنَّ معالم سيد قطب كانت على طريق الاصطدام مع التجربة النَّاصرية الاشتراكية التي أصبحت الآن أثرًا بعد عين. من هنا يتصاعد الشرر، من المطابقة بين الدين والتراث، بين العقائد من ناحية، ومن الناحية الأخرى حصائل الجهد البشري في مرحلة تاريخية مُعينة، فيريدون صياغة الحاضر على غرار الماضي، من حيثُ المحتوى المعرفي والمفاهيم، حتى تفصيلات الأنماط السلوكية! تنشغل إسرائيل بالأسلحة النووية والقنابل الذكية، وينشغلون هم بالشهب والحراب على من حرَّم النقاب، مُتَصَاغرين مُتَخَاذلين في تحدي الإسلام الحقيقي أمام الآخر الغربي الذي نزع النقاب عن المادة ليكشف الذرة، ثم نزع النقاب عن الذرة ليكشف الجسيمات، ثم نزع النقاب عن الجسيمات الذرية ليكشف — أخيرًا — الكواركات، ولا يكتفي أبدًا. أي النقابَيْن الانشغال به الآن خير وأبقى؟! بديهي أنَّ هدف بحثنا هذا بأَسْرِهِ توجيهُ الاهتمام نحو النِّقاب الثاني؛ لأننا نحسبه عند الله وعند عباده خيرًا وأجدى.

أمَّا تلك المطابقة الخاطئة بين الإسلام وتراثه، بين العقائد وتنظيرها؛ أي كلامها في مرحلة تاريخية مُعَيَّنة، فتضر بالإسلام قبل سواه؛ لأنها تفترض فيه تحجُّرًا عند مرحلة أسبق، تحجُّرًا زائفًا لا يُوجد إلا في عقولهم؛ فالدين رسالة … مسئولية أبت أن تحملها السماوات والأرض وحملها الإنسان … إنه إيجابية؛ أي عمران ونماء وتطور.

وهم بهذا المفهوم المتحجر للدين والتراث، يصرون على أنَّ التراث حاضر اليوم وفاعل، أو ينبغي أن يكون هكذا، «وأنَّ الحضور والفعل اللذين له مستمَدَّان من استمرار الماضي في الحاضر، استمرار الجوهر في تجلياته، وأنَّ الزَّمان والفعل مَا هو إلا عنصر خارجي ويُسَجِّل لحظات لا كيفية فيها ولا في تتابعها.»٣ وهذه رومانطيقية مجردة،٤ رومانطيقية اللِّياذ بالعوالم الذاتية المنفصلة عن العالم الموضوعي المشترك بين الذوات أجمعين، رومانطيقية العجز عن الفِكر وعن الفعل، رومانطيقية التضاد مع العقلانية، وبالتالي هي ضد التنوير، بل إنها على وجه التعيين هي الإظلام؛ فالإظلام هو تغييب الواقع، فلا يعودُ التراث والدين أفيونًا للشعوب لأنَّه مخدِّر لها بأفكار أخروية ووعود سماوية فحسب، بل أيضًا وأساسًا؛ لأنه اغتصاب للواقع وتغييب للآن، وإلغاء للزمان برمته، وبالتالي نفيٌ لفكرة التقدم.

بل إنهم يفعلون بفكرة التقدم ما هو أكثر من النفي؛ إذ يعكسونه، يجعلون التقدم قهقريًّا، مما يجعل التاريخ يتساقط من واقع خارج الزمان ينفي الحركة ويئد التطور ويلغي التقدم. إنهم ينطلقون من مقدمة تسلِّم بأن ذروة التقدم كائنة في الماضي، مُستعينين بالحديث الشريف: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم …» وقد تشكَّك فيه ابن حزم وآخرون. هم يفضِّلون القرون الأربعة الأولى، ورُبما القرن الأول فقط، وكُلَّما سرنا قُدُمًا مع مسار التاريخ سرنا طرديًّا مع سقوط مستمر وانهيار تدريجي ومتوالٍ لتلك الذروة التقدمية، حتى نَصِلَ إلى عصرنا الحالي، فنصل إلى أدنى درجات الانهيار، وكل عصر آتٍ درجة أدنى من الانهيار؛ ليكون تقدُّم التاريخ قد أصبح انهيارًا تامًّا وسقوطًا شاملًا، فيصبح التقدم الحقيقي هو التقدم القهقرى؛ الرُّجوع إلى الوراء، واللحاق بالعصر الذي ولَّى وفات.

من هنا كان محور هذه النزعة السلفية يَكْمُن في اعتبار اللحظة الماضية المنطلق الأنطولوجي والإبستمولوجي، وليس فقط الأكسيولوجي، منطلق الحلول للحاضر والمستقبل. وكما أشار طيب تيزيني: «إنَّ الماضي يبرزها هنا، على هذا النحو مبتدأ وخبرًا، منطلقًا ونهايةً، لكل فعالية إنسانية لاحقة، إنه، بتعبير آخر، المخوَّل القادر أصلًا على إكساب كل فعالية إنسانية — مهما كانت أبعادها ومواصفاتها — اعتبارها ومشروعيتها في الوجود. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنَّ الماضوية تبرز عنصرًا مكونًا للنزعة السلفية.»٥ وقد نوَّه تيزني إلى أنَّ الماضوية التي ترفض الحاضر فضلًا من المستقبل تقف في مربع واحد مع الأسطورة التي ترفض التاريخ بأسره؛ فالأسطورة دائمًا فوق التاريخ، و«اللاتاريخية هي الأساس المكين للنزعة السلفية»؛٦ فتغضُّ النظر وتصمُّ الآذان عن كل المتغيرات.

لهذا انبثقت الصياغة السلفية عن كراهية الحاضر ونفور منه، وعجز عن التعامل معه، حتى شكلها الحنين الدافق والهيام الرومانطيقي المشبوب بالماضي فتلوذ بعوالمه المنفصلة عن العصر، مُتَوَهِّمة إحياء الدين في الواقع، وإحياء الواقع بالدين، وهي في حقيقة الأمر تنطوي على قرني إحراج يدمر الطرفين معًا؛ فهي تدمر الواقع حين تنفيه، أو تتصور إمكانية نفيه، بكل زخمه الحضاري، وكل إشكالياته المتعينة ونواتجها غير المتوقعة وظروفه المتولدة والمولدة لحيثيات أُخرى، وكل إنجازاته وعثراته وتحدياته المستجدة، وتفرُّ إلى واقع انتهى منذ قرون طويلة خلت، ولم يَعُد له وجود إلا من حيثُ تمخض عن تراث قابل للاستيعاب والتجاوز، والتعامل الخلاق مع تخلُّق حيثيات حضارية جديدة.

وهي تُدَمِّر الدين حين تنفي عنه الديناميكية والحياة والقدرة على التواصل والاستمرارية، وبالتالي إمكانية أن يُؤدي المهام المنوطة به حين تختلف الأزمنة والأمكنة، هكذا تنتهي الصياغة السلفية المتطرفة إلى تدمير، أو على الأقل استلاب الحياة والفعالية من الدين ومن الواقع على السواء.

كان لا بُدَّ أن يكون هذا هو مآل الصياغة السلفية ما دامت تنطلق من التسليم باغتراب الواقع الرَّاهن عن الدين، واغتراب الدين عنه، كوضع منتهٍ لا مخرج منه إلا النفي، نفي الواقع بالسلب واللا والتكفير والهجرة منه، أو نفي الدين إلى عوالم أخرى ماضوية، يتصورونها أكثر حضورًا من أي حاضر، فتنتهي الحركة السلفية من حيثُ بدأت: واقع راهن مُتأزم ودين مُغترب عنه.

ولا غرو، فالدوران المنطقي واللف في المتاهات المغلقة هو مآل كل من ينفصل عن الواقع الرَّاهن، محاولًا أنْ ينفيه وهو غير قابل للنفي، أو يعجز عن التعامل معه، وهو تعامل لا مندوحة عنه.

•••

وإذا كان هذا هو مآل التوجه الذي يتصاعد الآن كثيفًا وبيلًا، فإنَّ علم الكلام الجديد ينطلق نحو المستقبل، بحركة جدلية من ذينك الطرفين: الدين/التراث والواقع/الأزمة، ولكن ليس بما يُدَمِّر أحدهما أو كليهما، أو يفر منهما كدأب السلفية، بل انطلاقة بما يُشبه المركَّب الجدلي الذي يستوعب كلا الطرفين ويتجاوزهما إلى المركَّب الشامل المنشود الذي يفضي بدوره إلى مرحلة جديدة.

من هنا طرحت جدلية الاستيعاب والتجاوز كأداة تمهيدية فعَّالة في يد علم الكلام تُساهم في شق الطريق وتعبيده، وحين تصل إلى مركبها الجدلي ستتضح أهميتها، بل ضروريتها في انضباط وضع الطبيعيات بمنظومة علم الكلام الجديد الذي نرومه سائرًا نحو المستقبل.

المهم الآن أنه في هذا الطريق السائر قُدمًا — على عكس اتجاه الطريق اليميني السالف — لن نجد علاقة حاضر علم الكلام بماضيه علاقةَ اتصال سلبي، تجعل الماضي فاعلًا والحاضر مفعولًا فيه أو به، والأقدمين أوصياء علينا وكلاء عنَّا في الفعل والإنجاز والتشييد، ومُحاولات الإجابة عن تساؤلات عصرنا الملحة التي لم يطرحها عصرهم، ولعلها لم تَدُر بخلدهم، وهي أيضًا — بطبيعة الحال — ليست علاقة انفصال بائن تجعل الحاضر منبت الجذور، وكأنه نبتة شيطانية نشأت عن فراغ. إنها جدلية الانفصال/الاتصال التي تؤذن بالمركب الشامل، والمرحلة الجدلية الجديدة، ودورة حضارية أخرى هي مرحلتنا المعاصرة، التي ننشدها منطلقة نحو المستقبل.

(٢) القطيعة المعرفية … آلية مُستقبلية

هكذا تتشابك جدليتا «الاستيعاب/التجاوز» و«الانفصال/الاتصال» لتمثلا الأداة التمهيدية الفعَّالة في يد علم الكلام، القادرة حقًّا على أنْ تَشُقَّ به طريقًا جديدًا نحو المستقبل.

وفيما يختص بوضع الطبيعيات تُصبح تلك الأداة الفَعَّالة سِلاحًا مَاضيًا أو آلية ناجزة قادرة على الحسم والإنجاز والإضافة؛ إذ يبلغ علم الكلام بهما؛ بهاتين الجدليتين مركبهما الشامل الذي يعني وضع «القطيعة المعرفية». وما دُمنا قد ناهزنا حدود الطبيعيات فمن الضروري أنْ نُجيب على التساؤل: ما القطيعة المعرفية؟ ومن الملائم أن تأتي الإجابة الآن في هذا السياق الجدلي.

فالقطيعة المعرفية La rupture Epistemologique ترتبط بالحركة الجدلية ارتباطًا عضويًّا، هكذا يكشف عنها مبتدعها جاستون باشلار G. Bachelard (١٨٨٤–١٩٦٢) شيخ فلاسفة العلم في فرنسا، الذي وضعها في إطار فلسفته الجدلية … كمركب جدلي … من الحضور والغياب … من الإثبات والنفي … من الاتصال والانفصال؛ لتكون ثمة إضافة كيفية حقًّا لنسق علمي تنتسب إليه، وليست مُجَرَّد إضافة كمية. إنها ترتكز في أصولها إلى قانون الجدل الشَّهير: تراكمات كمية تؤذن بنوع من القطع الكيفي.
وتعني القطيعة المعرفية أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، ليس بمعنى نفيه وإنكاره، أو التنكر له، فذلك غير وارد في التقدم العِلْمي، الذي يمتازُ عن أي تقدم آخر في حضارة البشر بأنه ليس أفقيًّا، بل رأسيًّا، يرتفع طابقًا فوق طابق، فلا يرى نيوتن — كما أكد هو نفسه — أبعدَ من سابقيه إلا لأنه يقف على أكتافهم … القطيعة تعني أن الحاضر لا يعود مجرد تواصل ميكانيكي أو استمرار تراكمي لمسار الماضي، أو تعديل أو إضافة كمية له، بل يعني التَّقدم شق طريق جديد لم يتراءَ للقدامى ولم يَرِد لهم بحال، بحكم حدودهم المعرفية الأسبق، وبالتالي الأضيق والأكثر قصورًا، والمثال الأثير لباشلار «المصباح الكهربائي»؛٧ فهو ليس استمرارًا لأساليب الإضاءة الماضية التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، بل قطيعة لكل هذه الأساليب لحد الشروع في مرحلة تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي اشتعال أو احتراق … فهي خلق وإبداع جديد تمامًا؛ إنها الجدة.
الجدة العلمية Scientific Novelty هنا بأدق معاني العلم والعلمية، ويمكن مبدئيًّا قصر هذا المعنى على الطبيعيات الحديثة … على العلوم الفيزيوكيميائية. ها هنا لا تأتي الجدة العلمية إلا عن طريق التكذيب، سلب الخطأ، الصراع مع القديم ورفضه، هكذا تحدث التحولات الأساسية التي تطرأ على «العلم» عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، مما يجعل البنية الإبستمولوجية لفرضية علمية مختلفة تمامًا عن بنية الفرضية التالية لها في تاريخ العلم في جدليات ناشطة حقًّا.٨ إنَّ الفكر العلمي فكر قلِق، يبحث عن فرص جدلية ليخرج من ذاته ويكسر أطره الخاصة، وقوام البنية العلمية ليس بالتراكم، ليس لكتلة المعارف العلمية تلك الأهمية الوظيفية المفترضة.٩
لكن باشلار الذي لا يعبأ كثيرًا بالمنطق، ويُطلق رؤاه النَّافذة لظاهرة العلم الحديث كشاعر مُلهم، ينجح أحيانًا فيرفض فكرة الاتصال في فلسفة العلم وتاريخه، ويركِّز على الجانب الانفصالي تركيزًا بلغ حدًّا يخلُّ بجدليته المكينة التي تحيط بجانب الاتصال/الانفصال. والحق أنَّ عامل الاتصال واستمرارية التاريخ العلمي له أهمية في فلسفة العلم،١٠ وليس من السهل رفضه تمامًا على طريقة باشلار.
وباشلار على أية حال من أساطين فلسفة العلم المعاصر، وقد خلق مفهوم «القطيعة المعرفية»؛ ليكون من أهم مفاهيم فلسفته الخصبة الثرية للعلم؛ إذ استطاع عن طريقه أنْ يُبلور تقدم العلوم الطبيعية، من حيث هو سلسلة من الثورات؛ لذلك فالقطيعة عند باشلار تناظر تحطيم العلم الثوري للنموذج القياسي «البراديم Paradigm» عند توماس كون T. Kuhn في بنية الثورات العلمية، وتُناظر تكذيب النَّظرية التَّفسيرية المقبولة عند كارل بوير في منطق الكشف العلمي، إنها تسير إلى أقصى مدًى بالنظرية الثورية في تفسير طبيعة التقدم العلمي، كتمثيل عيني لتقدم الجهد العقلي في متصل صاعد دومًا، متصل/منفصل تبرز قدرة الفكر الجدلي على التنظير للثورة — أي ثورة علمية وغير علمية، أو ليس رفضًا — نقضًا ونفيًا لواقع قائم — لقضية مثبتة.١١
وأيضًا كشأن تحطيم النموذج القياسي عند كوني، ومنطق التكذيب البوبري، نَجِدُ جدلية القطيعة المعرفية، تعبيرًا عن روح وحصائل ثورة العلم المعاصر في القرن العشرين، ثورة النسبية والكمومية Quantum التي قوضت عالم نيوتن الميكانيكي الآلي، عالم الفيزياء الكلاسيكية: فكانت القطيعة المعرفية «رفضًا للاتصال الميكانيكي والمفهوم التراكمي»١٢ لتقدم العلم ونمو المعارف العلمية، وكأنَّ الأمر مكتبة متنامية باستمرار١٣ بتعبير كارل بوبر إمام الرَّافضين لمفهوم التراكم المعرفي، أو حتى مخزن بضائع مُتزايدة، وليس ملحمة صراع ضارٍّ ونبيل، تجتاز عقبات لا تنتهي.

إن المعرفة العلمية — كما أوضح باشلار — تسير دائمًا عبر عقبات وقهرها. يتحقق الانتصار على العقبة بتصحيح الأخطاء ورفض مواطنها — تكذيب النظرية المقبولة بتعبير بوبر — والانتقال الكلي إلى عقبة جديدة، قطيعة معرفية، والانتقال إلى إنجاز جديد وقهر عقبة جديدة ثم قطيعة أخرى، وانتقال آخر وإنجاز آخر وقهر عقبة أخرى … وهكذا دواليك في متوالية التقدم العلمي الذي لا يتوقف أبدًا.

وتكتسب «العقبة» دورًا محوريًّا في خلق قصة التقدم العلمي بهذا التلاحم بينها وبين «القطيعة». العقبة أو العائق أو أزمة النمو العلمي «تتضمن إعادة نظر كلية في منظومة المعرفة.»١٤ حتى يعرض باشلار لتكوين العقل العلمي عبر السلسلة من العقبات. إنَّ وجود العقبة أو العائق يُؤذِن دائمًا بتحول جديد في المعرفة، يعني قطيعة بالنسبة للمعرفة السابقة.
القطيعة المعرفية هي التجاوز النشط المسئول للماضي، فالمبدع الخلَّاق للحاضر، فلا تعود اللحظة تكرارًا كميًّا للتاريخ، بل هي عمل دءوب — إنجاز لحداثة بل الجدة — وعن طريقها يؤكد الإبداع العلمي حدس اللحظة التي تمثل حقيقة الزَّمان، من حيثُ هي الكائنة وبين غير الكائنتين: الماضي والمستقبل، وتغدو الشجاعة الذهنية في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة حيَّة، «وأن نجعل منها منبعًا لحدسنا متدفقًا دومًا، وأنْ نرسم انطلاقًا من التاريخ الذاتي لأخطائنا النموذج الموضوعي لحياة تكون أفضل وأوضح.»١٥

(٣) القطيعة بين الإبستمولوجيا والأيديولوجيا

هكذا نجد مفهوم القطيعة المعرفية لم يتخلق إلا في رحاب فلسفة العلوم، بل فلسفة العلوم الطبيعية بالذات، ولم يَصُغه إلا جاستون باشلار، فقط في القرن العشرين، استخدمها الماركسي الفرنسي المجدِّد والبنيوي الثائر لوي ألتوسير استخدامًا مُوَسَّعًا في قراءته البنيوية للاشتراكية العلمية، أو محاولة صياغة تخطيط لهيكل الماركسية الثابت ووضعها بين الأيديولوجيا وبين العلم، لتتخلص من الأولى وتبقى علمًا عن طريق «القطيعة المعرفية»، فقامت القطيعة مع ألتوسير بدور جوهري للخلاص من تشويهات الأيديولوجيا للعلم، وهذه قضية محورية في الفلسفة الماركسية.١٦ وكانت محاولة ألتوسير في هذا دءوبة، حتى إنه ذهب إلى ما وراء الماركسية، وأيضًا ما قبل وضعية كونت، وراح يُوَضِّح كيف أن مونتسكيو وروسو قد أعاقهما أنهما ظلَّا ضحية لأيديولوجية الطبقة والعصر، ولولاها لتمكَّنا من إحراز مشروع العلم السياسي بنجاح أكبر.١٧

اختلف ألتوسير عن لينين وجورج لوكاتش (١٨٩١–١٩٣٧)، في تأكيده أنَّ الأيديولوجيا ليست مجرد الوعي الطبقي أو الاجتماعي، بل هي — كما سبق أن أشار ماركس — نقيضة العلم، لكنه اختلف مع ماركس أيضًا بإضافة أنَّ المعرفة تبدأ من الأيديولوجيا، ثم يتعيَّن التخلص منها وإحلال العلم محلها فيما أسماه بالقطيعة المعرفية. هكذا كانت القطيعة لإفساح الطريق أمام العلم، وأمام الاشتراكية العلمية، وكان هذا الاستخدام إيذانًا بنمو المفهوم، أو تمثيلًا لخروجه من أعطاف فلسفة العلوم الطبيعية ومن قلب صيرورة البحث العلمي، ليعمَّ ويسود بعد ذلك ويصبح بمثابة «موضة شائعة» في كل مجالات الفكر والأدب والفن أيضًا، وقد عبَّر عنها الأدب تعبيرًا رديئًا بات قولًا مأثورًا هو: «انظر وراءك في غضب.»

وكان ألتوسير قد برع في استخدام «القطيعة» لتفسير تطور الفكر الماركسي ذاته ونشأة المادية التاريخية، كما استخدمها ميشيل فوكوه للفصل بين الحقب المعرفية، لقد تحررت القطيعة من ارتباطها بتطور العلم الطبيعي البحت.

ولعل ما يُمَيِّز التجربة الأوروبية الحديثة حقًّا أنَّ العلم فيها هو الذي قاد التحول الحضاري؛ أي إن الإبستمولوجي هو الذي أخضع الأيديولوجي، وأصبحت حضارة تقنية، تعملقت فيها قيم العلم تعملقًا بات يمثل خطورة هددت أبعادًا حَضَارية أُخرى تهديدًا وبيلًا، وبالتالي تسللت كثرة من مفاهيم العلم وفلسفته إلى الحضارة وفلسفتها، بل إلى الواقع الحضاري ذاته، وأحكمت قبضتها عليه. وقد تسلل مفهوم القطيعة هو الآخر، وأبدى فعالية جمَّة ومطابقة في تفسير الحضارة الأوروبية، وتجربة الحداثة فيها، وعلى يد كثير من المفكرين والبَاحثين الغربيين، نذكر منهم أخيرًا إميل بولا١٨ لقد أصبحت القطيعة توصيفًا لتجربة الوعي الأوروبي، حين خرج من العصور الوسطى مُلتجئًا إلى الطبيعة، بوصفها طريقًا للمعرفة، فقطع نفسه عن الماضي الذي اعتبر الكتاب المقدس طريقًا للمعرفة؛ هكذا أصبحت القطيعة عنوانًا للأيديولوجيا الغربية الحديثة.

لكنَّ المفهوم أولًا وقبل كل شيء من مفاهيم فلسفة العلوم الطبيعية، آلية من آليات العقل العلمي، كما أوضحنا. لم يُعرف ولم يتبلور إلا بعد تطورات العلم الأخيرة، وعلى وجه التعيين ثورته العظمى في مَطَالع القرن العشرين، ثورة النسبية والكمومية (الكوانتم) التي أحدثت قطيعة معرفية مع مثاليات الفيزياء الكلاسيكية النيوتونية كالحتمية والعِلِّية والضرورة واليقين … بعد أن كان يُظنُّ أنَّ هذه المثاليات تأطير لكشف حقيقة الكون، لم يبقَ إلا رتوش لكي تكتمل الصورة النهائية للعلم الكامل بمطلق الوجود الطبيعي، بل وأيضًا الحيوي والإنساني.

ولئن كانت الظروف المتعينة للحضارة الغربية جعلتها هي التي تشهد وتستملك تجربة التقدم العلمي الحديث، فالذي ينبغي الاتفاق عليه هو أن آليات العقل العلمي لا شأن لها بالأيديولوجيا والصراع بين الثقافات؛ لأنها ملك للعقل من حيث هو عقل، للعلمي من حيث هو علمي … ملك للبشر أجمعين، ومنها مفهوم أو آلية القطيعة المعرفية، لا سيما وأننا سوف نستخدمها استخدامًا معرفيًّا من أجل توظيف إبستمولوجي، ولن يمتد لآفاق شاملة لمجمل الأيديولوجيا كما حدث في التجربة الأوروبية.

إذن فتشغيلنا للقطيعة التي هي إبستمولوجيَّة لن يعني مطابقة الأيديولوجيا الغربية وتماهي خصوصيتنا الأيديولوجية، فمن أجل هذه الخصوصية وتواصلها، أو الأصالة وتحديثها، كان تعويلنا على علم الكلام. بعبارة موجزة؛ القطيعة هنا إبستمولوجية ولن تصبح حضارية أو أيديولوجية.

ويمكن اعتبار ما يُسمى بالقطيعة الحضارية توصيفًا للموقف الذي أطلق عليه طيب تيزيني اسم «العدمية التراثية»؛١٩ أي الموقف المنادي بنفي التراث العربي نفيًا كليًّا؛ لأنه أحد المعوقات الكبرى لعملية التحديث المرومة، فلا بدَّ من إعدامه وقطع كل صلة به، هذا يفضي إلى الانقطاع التام عنه والبدء من جديد، بدءًا يكاد يكون من نقطة الصفر (!) مما يهيئ للانطلاق بأقصى سرعة ممكنة للِّحاق بأذيال الحضارة الغربية. إنه موقف التحديثيين العلمانيين المتطرفين الذي نوقش فيما سبق (ص٣٤-٣٥).
والحقُّ أنَّ هذا التيار وصل في بعض امتداداته — مثلًا مع هشام شرابي وعبد الله القصيمي — إلى حالة من التطرف تلامس حدود هوس إعدام ووأد و«ذبح» كل ما هو عربي إسلامي؛ للبرء منه لسلخه أو الانسلاخ عنه، تلك هي مجزرة التراث: الذبح والسلخ. مثل هذه الحالات ليست من القطيعة في شيء، ولا شَأنَ لها بجدلية انفصال أو اتصال، بل هي انسلاخ حضاري، أو بالأحرى عصابي، وقد تكون في الواقع في حالة المغتربين عن المكان حقيقة أو مجازًا، الذين ينسلخون عن ذواتهم ويعيشون بحضارة غير حضارتهم وقومية غير قوميتهم (قريب من هذا التجربة الأتاتوركية). لكن إذا سلَّمنا بأنَّ الواقع طبعًا ليس هو ذاته المعرفة، والإبستمولوجي ليس هو طبعًا الأيديولوجي، تَبَدَّى لنا أنَّ الانسلاخ ممكن حضاريًّا، بيدَ أنَّه مستحيل معرفيًّا، بل إنَّ الانسلاخ موقف مُناقض لأي موقف «معرفي»، وكما يُومض ورود مصطلح المغتربين والاغتراب، يكاد يقترب من لاعقلانية الوجودية المناهضة للتفكير العلمي والعقلاني إجمالًا، حين يتحدث الوجوديون عن القطيعة والتلاشي بمعنى الانفصال والعدمية. يقول سارتر: «إذا كان السلب يأتي إلى العالم بواسطة الأنية، فهذه ينبغي أن تكون موجودًا يستطيع أن يحقق قطيعة معدمة (انفصال ملاشٍ) مع العالم ومع ذاته، وقد قررنا أنَّ الإمكان المستمر لهذه القطيعة هي والحرية شيء واحد.»٢٠ أي إنَّ الحرية — صلب فلسفتهم الوجودية — أن تنقطع الذات عن ماضيها ومستقبلها وعالمها وقيمها، وتعدم كل هذا وتلاشيه، ومثل هؤلاء لا نتوقع منهم تنظيرات أيديولوجية أو أدوارًا تاريخية أو مهامَّ حضارية لسبب بسيط جدًّا، هو أنَّ همهم في تأكيد الوجود الفردي الأصيل والنَّجاة من الانصهار والذوبان في المجتمع أو الجماعة أو الحشد أو القطيع … إلى آخر تعبيرات الوجوديين المعروفة. على كل هذا يغدو الانسلاخ الحضاري حالة قفز ووثب بلا أصول ولا امتدادات.

•••

ليس كل استخدام لآلية القطيعة «المعرفية» يعني انسلاخًا حضاريًّا أو يمتد ليصبح موقفًا حضاريًّا شاملًا، يحيط بمجمل الغطاء النظري للواقع الحضاري، أو يحيط بالواقع الحضاري ذاته ليرادف الانسلاخ الذي لا يكون إلا فرديًّا.

ها هنا أعيد المفهوم إلى حدوده ليصبح مجرد آلية من آليات العقل العلمي، مفهوم إبستمولوجي يقتصر دوره على الفعالية الإنسانية المتجددة في عملية اكتساب المعرفة بالطبيعة والسيطرة عليها. حتى إن كان يُستفاد به في تفسير ما لتحولات تاريخية؛ فليس يُناط به أدوار حضارية جلى بمثل شمولية الغطاء النظري، وإن كان يمكن أن يسري على تعامل العقل البشري مع هذا الغطاء في مراحل تاريخية مُتفاوتة؛ وبهذا لا تمثل القطيعة المعرفية أي نقض أو عرقلة للتوجه الإسلامي أو حالة الانسلاخ عنه، بل العكس تمامًا؛ هي أداة من أدوات الحيلولة دون هذا الانسلاخ، «مفهوم القطيعة يجعلنا نتحرك دائمًا داخل نفس الثقافة.»٢١ وبديهي أنها لا تحدث بين شخصين أو مقولتين تنتميان لثقافتين مختلفتين أو لميدانين معرفيين مُختلفين، بل إنها يمكن أنْ تُعطي التوجه الإسلامي العروبي إذكاء نحو السيرورة والديناميكية … نحو البديهية الجوهرية؛ أي التاريخانية.

ولكن إذا كانت القطيعة قد أصبحت توصيفًا للأيديولوجيا الأوروبية، ونحنُ لا نُريدها توصيفًا لأيديولوجيتنا، هل معنى هذا أنَّ مشروعنا قائم على «التواصل» تمامًا ليحمل كل الأصالة بلا شبهة تحديث، بينما المشروع الغربي قائم على «انقطاع» إطلاقًا ليحمل كل «الحداثة» بلا شائبة من أصالة؟!

والحق أنَّ الواقع الحضاري والواقع الإنساني … الواقع إجمالًا، لا يقوم على توصيفات كيفية جامعة مانعة، تطرح خيارات «إما … أو»: إما تَواصل وإمَّا انقطاع، بل ثمة آليات ومكونات عامة تتواجد في المشاريع جميعها أو في الحضارات من حيثُ هي حضارات. إنَّ الاختلاف دائمًا، لا سيما من النظرة العلمية، اختلاف في الدَّرجة وليس في النوع، أو اختلاف في ترتيب الأولويات.

فمثلًا أشرت آنفًا إلى أنَّ ما يميز الحضارة الغربية الحديثة هو السمة العلمية، العلم هو الذي حدد حلبات الصراع وفحواها، ارتبطت به الفَلسفة وانعكس فيها، وتشكلت على أساسه الأيديولوجيا، وترك بصماته على مسار الآداب والفنون — إنْ سلبًا وإنْ إيجابًا.

فهل يعني هذا أنَّ الغرب عالِم مادي بينما الشرق فنانٌ روحاني، في تبسيط ارتاده الرَّائدُ الأكبر زكي نجيب محمود أستاذ الجيل في التجديد وفي سواه؟ … كلَّا بالطبع! فليس العلم قصرًا على الغرب ولا الرَّوحانيات قصرًا على الشرق، وكما هو معلوم جيدًا العرب الإسلاميون هم حَمَلة لواء العلم الرياضي والتجريبي على السواء طوال عصور مركزية حضارتهم. وعلى طريقة شاهد من أهلهم، نقتبس قول برتراند رسل B. Russell (١٨٧٢–١٩٧٠): «في العصور المظلمة كان العرب هم الذين يقومون بمهمة تنفيذ التقاليد العلمية، أمَّا المسيحيون أمثال روجرز بيكون فقد اكتسبوا منهم إلى حدٍّ بعيد ما اكتسبوه من معرفة علمية حازتها العصور الوسطى اللاحقة، ولكن كان للعرب على أية حال المثلمة التي تناقض مثلمة الإغريق؛ إذ اتصلت بحوثهم بالوقائع بدلًا من أن تتصل بالمبادئ العامة، وما كانت لديهم المقدرة على استدلال القوانين العامة من الوقائع التي اكتشفوها.»٢٢ أي إنهم كانوا تجريبيين أكثر مما ينبغي.
وبالمثل لم تخلُ الحضارة الغربية أبدًا من صنوف شتَّى للروحانيات٢٣ كالتيارات الدينية والنزعات الصوفية والحدسية والرومانتيكية والبرجسونية والوجودية، وسائر الفلسفات اللاعقلانية، فضلًا عن وجود الدين وآبائه والفكر اللاهوتي دائمًا.

إنَّ العلم — أي علاقة العقل بالطبيعة ومُحاولته السيطرة عليها — مكوِّن أساسي في كل الحضارات وفي كل وجود إنساني، ولكن بدرجات مُتفاوتة وبترتيب مختلف في سلم الأولويات، تميزت الحضارة الغربية الحديثة بأنها رفعته على رءوس الأشهاد وعلى جثث الشهداء إلى مركز الصدارة، وانطبعت بمعالمه وتشكَّلت أيديولوجيتها على أساسه، إنْ سلبًا وإنْ إيجابًا، بينما كان العلم في الحضارة الإسلامية إبان عصرها الذهبي أدنى في سُلم الأولويات بعد الدين ونصوصه وعلومه ومُتطلبات مُواجهاته، كان العلم بعدًا من أبعاد هذا.

هو بُعدٌ وليس مركزًا، بل بُعدٌ فرعي إلى حدٍّ ما، فكان العلم التجريبي والرِّياضي ينمو في إطار الأيديولوجيا وتحت رعايتها — ورعاية السلطة — ولم يرتفع أبدًا إلى حلبات الصراع الأيديولوجي ولم يُساهم في تشكيل فصوله.

إذن فهل الحضارة الإسلامية المنشودة تواصلية إطلاقًا بينما الحضارة الغربية انقطاعية بتاتًا؟ أم أنَّ الحضارة الإسلامية العربية أكثر تواصلًا والحضارة الغربية أكثر انقطاعًا؟

نحسبُ أنَّ البديل الثاني أقرب إلى الصواب، لعلَّ الحضارة الغربية أتت بأوسع وأجرأ ممارسة للقطيعة خصوصًا في قطيعة العلم الكبرى مع الأرسطية القروسطية، ولكن ليس صحيحًا أنها قامت على انقطاع مُطلق إطلاقًا بائنًا، فالنَّهضة — أيُّ نهضة — لا تتأتَّى إلا عبر تواصلية بدرجة ما، بتعبير عابد الجابري «عبر آلية الانتظام في تراث».٢٤ وقد كانت النهضة الإسلامية الأولى التي حقَّقها ظهور الإسلام تواصلًا وانتظامًا في التراث الحنيفي ملة إبراهيم، ولا ينفي هذا أنَّ القرآن الكريم فعل توحيد فذ ومتفرِّد، والنهضة الأوروبية لم تتأتَّ إلا في أعقاب الإحياء والتواصل مع التراث الكلاسيكي، اليوناني والروماني.

إذن فالحرصُ على عامل التواصل الحضاري ليس بدعًا، لا هو إبداع ولا هو بِدعة، بل هو تكثيف وتركيز على آلية من آليات النهوض لتتميز حضارتنا الحديثة بأنها أكثر الحضارات استغلالًا لهذا التواصل في صون مقومات شخصية حضارية مُتميزة، شريطة أن تكون قادرة على النماء والتطور … على الانطلاق نحو المستقبل.

(٤) القطيعة المعرفية … في علم الكلام الجديد

وكما وقفنا على قدر التواصلية في الحضارة الغربية لا ينفي تميزها بالانقطاع، يمكن بالتالي أن نطالب بقدر من الانقطاعية في أيديولوجيتنا العربية الإسلامية، لا ينفي تميزها بالتواصلية التي ترتَدُّ في استمرارية علم الكلام الذي نرومه مُنْطَلقًا من الماضي إلى المستقبل، من أجل هذه الاستمرارية وفي سياقها يكون تشغيل القطيعة بوصفها آلية من آليات العقل المعرفي، ومن المعاملات الجوهرية لتوالي جهوده.

ولنعد إلى ما انتهينا إليه، إلى أنَّ القطيعة المعرفية — وليس الانسلاخ الحضاري — لا تعني المحور والإلغاء وإفناء الماضي، ليكون البدء المطلق والمستحيل معرفيًّا وليس ورائي شيء البتة … كما بدأ إنسان نياندرتال أو كما بدأ آدم … كلا بالطبع وبالقطع، القطيعة المعرفية أن أبدأ درجة أعلى ليست تكرارية ولا إضافية كمية، بل هي حلقة جديدة في سلسلة التقدم المتوالية، لم أصل إليها إلا بعد الحلقات السابقات. فترفض القطيعة — بوصفها مقولة إبستمولوجية مجدية وفعالة — فكرةَ الانسلاخ والافتراق البائن الذي يقطع جذوره في كل ماضٍ، ويبحث عن مستقبل هائم بقفز ووثب لا يصنع حضارة ولا يُقيم نهضة.

وكانت القطيعة المعرفية قد رفضت أولًا الاتصال الآلي والتراكم الميكانيكي، وهو أعلى صورة للحركة يستطيعها اليمين الثبوتي الذي يجعل الحضارة امتدادًا صِرفًا للماضي؛ ليخلص في النهاية إلى تماثلهما كيفًا وإن اختلفا كمًّا. إنَّ القطيعة — كما أوضحنا — مركَّب جدلي من الاتصال/الانفصال، المنبثق عن جدلية الاستيعاب/التجاوز، فنستطيع أن ننفض اليد من مرحلة انتهت ونحط الرحال على مرحلة جديدة بكل أبعاد الجدة والحداثة، فنواجه إشكاليات جديدة، ونتكفل بمهام مستحدثة.

على هذا نجدُ قطيعة معرفية بين علم الكلام القديم الآتي من الماضي وعلم الكلام الجديد المنطلق نحو المستقبل، نجد تسويغها وإعلانها وتبيانها في أنَّ الهدف من علم الكلام القديم — كما هو معروف — والغاية التي كان يجتهد كي يصل إليها هي إثبات العَقيدة، وقد تم حسم هذه القضية وانتهى زمان، أو على الأقل، خطر اللجاج فيها من قبل العقائد المخالفة، والآن «ليس الخوف على التوحيد من الشرك، بل الخوف عليه من العجز والموت والصورية، بقاء المثال بلا تحقيق وبقاء الوضع القائم بلا تغيير.»٢٥

في مرحلتنا الحضارية الراهنة أصبح إثبات العقيدة أو العقيدة المثبتة هي نقطة البداية التي يسلم بها ويصادر عليها علم الكلام الجديد وينطلق منها.

وسواء اعتبرنا العقيدة المثبتة بنية للتراث أو لتجديده أو إطارًا للواقع أو حدودًا للعقل أو مخزونًا نفسيًّا للجماهير أو النسيج الشعوري والقيمي بها أو قوة التثوير أو المشروع الأيديولوجي أو كل هذا وسواه … مما تعمل به المشاريع المختلفة في الفكر العربي الآن … فستظل الدِّلالة البالغة الوضوح على وجود القطيعة في أنَّ خاتمة المطاف والغاية المنشودة أصبحت هي نقطة البدء والمصادرة الأولية، وبالتالي بدلًا من أن يكون الإنسان والعالم المخلوق فيه مقدمة لإثبات الوجود الإلهي الواحد الأحد، يُصبح الله الواحد وعالمه الخالق إياه مقدمة لإثبات حضور الإنسان المسلم في تيار التاريخ.

هذا في علم الكلام الجديد بصفة عامة، وفي طبيعياته بصفة خاصة؛ نجد هذا بالضبط في كلمة واحدة جملة الهدف وقصارى المنشود وغاية الكلام في المرام. فقد كانت الطبيعيات المتبدية في علم الكلام القديم مُقدمة للبرهنة على وجود الله، ووسيلة لإثبات عقيدة التوحيد، والمطلوب من علم الكلام الجديد العكس؛ البدء من الإيمان بالله القارِّ في الشعور وعقيدة التوحيد المثبتة في الأبنية النفسية للجماهير، كمقدمة لإثبات وجود العالم، ووسيلة لدفعنا للخوض في اكتشاف الطبيعة والسيطرة عليها، تجذير هذا في أيديولوجيتنا وتوطين الروح العلمية في تربتنا الحضارية.

والقطيعة المعرفية تعني ذلك الانتقال الجذري إلى مرحلة جديدة، وفي نفس الوقت كانت قد وضعت أصلًا — كما أوضحنا — من أجل تفسير طبيعة التقدم في العلوم الفيزيائية كسلسلة مستمرة من الثورات … فيتداعى إلى الذهن جدلية الفكر العربي المعاصر بين قطبي التنوير والتثوير.

ولكن ما دُمنا ننطلق من منظور فلسفة العلوم ونهدف إلى غاية إبستمولوجية هي انضباط وضع الطبيعيات في منظومة علم الكلام، فلا بدَّ أن نستفيد من سيمانطيقية لفظة التثوير والثورة بأصولها الفيلولوجية في اللغة الإنجليزية لا العربية.

في العربية تعود ثورة إلى: «ثار الغبار سطع وأثاره غيره وتثويرًا هيجه»، «وثورانًا: هاج، ومنه قيل للفتنة ثارت وأثارها العدو، وثار الغضب: احتد، وثار إلى الشر: نهض، وثور الشر تثويرًا.»٢٦ هكذا نجدُ الثورة في النهاية مردودة إلى «ثار» بمعنًى يُفيد هاج وماج، فيأتي الرَّفض والتغيير بفعل قوى انفعالية، وليس هذا هو المقصود.
أما في اللغة الإنجليزية فنجد Revolutionary: ثوري، جذري متطرف، وأيضًا دورًا؛ لأنَّ اللفظ مأخوذ من: Revolution التي تعني ثورة وتعني أيضًا إتمام دورة كاملة، مثلًا دورة الجرم السماوي في مداره. ولنلاحظ أواصر القربى الفيلولوجية بين ثورة: Revolution و«نماء أو تطور: Evolution»، وبهذا نجد مصطلح الثورة لا يجعل الرفض هياجًا مفاجئًا، بل هو تقدم مكثف شديد الفاعلية، وهو بدء دورة جديدة لانتهاء الدورة السابقة، وهو انتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها لانتهاء المرحلة السابقة واستنفاد مقتضياتها، هذا هو المنشود والذي نُريده مستفيدًا من القطيعة المعرفية، بل مُسلحًا بها.

في خلاصة ما سبق، في جدلية الاستيعاب/التجاوز والانفصال/الاتصال، المفضية إلى مركب شامل يؤذن بقطيعة معرفية، وهي مصطلح صيغ في فلسفة العلوم الطبيعية لتنظير تقدمها المتفجر … في هذا تكمن الإجابة على التساؤل بشأن وضع الطبيعيات في علم الكلام السائر نحو المستقبل.

ولكن من زاوية الاستيعاب والاتصال، ماذا — قبلًا — عن الطبيعيات في علم الكلام الآتي من الماضي؟

١  كارل مانهايم، الأيديولوجيا واليوتوبيا: مقدمة سوسيولوجيا المعرفة، ترجمة محمد رجا الدريني، ص١٩٤.
٢  د. حسن حنفي من العقيدة إلى الثورة، المجلد الخامس: الإيمان والعمل، الإمامة. مكتبة مدبولي، القاهرة، سنة ١٩٨٨، ص٦٣١-٦٣٢.
٣  د. عزيز العظمة، التراث بين السلطان والتاريخ، دار الطليعة، بيروت، ط٢، ١٩٩٠، ص١١.
٤  السابق، ص٥٢. ولعلَّ الدماء التي تضرجت بها هذه الحركات الآن تؤكد لاعقلانيتها، إنها تذكِّرنا بالدماء التي تضرج بها المسرح الرومانطيقي الفرنسي في القرن التاسع عشر. الرومانطيقية تتضرج في الدماء لأسباب مختلفة.
٥  د. طيب تيزيني، من التراث إلى الثورة، دار ابن خلدون، بيروت، ط١، ١٩٧٦، ٢٨.
٦  السابق، ص٧٢.
٧  جاستون باشلار، العقلانية التطبيقية، ترجمة د. بسام الهاشم، دائرة الشئون الثقافية العامة، بغداد، ١٩٨٧، ص١٩٥.
٨  المرجع السابق، ص٤١.
٩  جاستون باشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد، دمشق، ١٩٦٩، ص١١، ٥٣.
١٠  Larry Laudan, Porgress And Its Problems: Toward a Theory of Scientific Progress, Rouledge & Kegan Paul, London, 1977. PP. 139–150.
١١  ها هنا ينسحب جزئيًّا العلمي الثوري الكبير كارل بوبر لرفضه الباتِّ غير المقنع لمنطلق الجدل، بل ومجرد فكرة الجدل.
١٢  النظرية التراكمية هي الضد المقابل للنظرية الثورية في تفسير طبيعة التقدم العلمي، وثمة النظرية الجدلية التي تجمع بينهما، انظر: الفصل الأول: العلوم الطبيعية: منطق تقدمها، من كتابنا: مشكلة العلوم الإنسانية، دار الثقافة، القاهرة، ١٩٩٠، ص١٥–٤٣.
١٣  د. يمنى طريف الخولي: فلسفة كارل بوبر: منهج العلم، منطق العلم، منطق العلم، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة ١٩٨٩، ص١٧٨.
١٤  جاستون باشلار، تكوين العقل العلمي، ترجمة د. خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، ط٢، ١٩٨٢. ص١٥.
١٥  السابق، ص١٤.
١٦  يمنى الخولي، مشكلة العلوم الإنسانية، ص١١٣–١٢٣.
١٧  Louis Althusser, Politics And History, trans by: Ben Brewster, NIB. Bristol, 1972. PP 12–155.
١٨  هذا في عملية: «النقد والتصوف: أبحاث حول لوازي أو الوعي الكاثوليكي وروح الحداثة»: E. Poulut, Critique et Mystique: autor de Loisy ou la conscince Catholique et l’esprit Modrne, Paris, 1984.
«والحرية العلمانية: حرب شطري فرنسا ومبدأ الحداثة»: Liberte Laicite: Le guerre des deux France et La principle de la modernité, Paris. 1987.
١٩  طيب تيزيني، من التراث إلى الثورة، ص٩٧ وما بعدها.
٢٠  جان بول سارتر، الوجود والعدم: دراسة في الأنطولوجيا الظاهراتية، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، دار الآداب، بيروت، ١٩٩٦، ص٧٠٢.
٢١  محمد عابد الجابري، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، ط٦، ١٩٩٣، ص٩.
٢٢  Bertrand Rusell, The Scientific Outlook, George Allan & Unwin, London, 1934. p. 21-22.
٢٣  ما ذكرناه بشأن المادية والروحانية أو العلم والدين يقول علي حرب مثله بشأن دهرية الغرب وإباحيته ودنيويته في: علي حرب، نقد النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، ١٩٩٣، ص٥٤.
٢٤  د. محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط٢، ١٩٩٠، ص٢١.
٢٥  د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، المجلد الأول، المقدمات النظرية، ص٤٥٤.
٢٦  أبو بكر الرازي، مختار الصحاح، المطبعة الأميرية، القاهرة، ١٩٠٥، ص١٠٤، والمقري الفيومي، المصباح المنير، المطبعة الأميرية، القاهرة، ص٥٥٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠