الفصل الثالث

الطبيعيات: من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس

(١) الطبيعيات … هي العالم الحادث

ستظل الطبيعيات هي الوسط المتعين للإنسان والمستوى الأوَّلي المبدئي … مهما كان الإباء أو اللهاث لشد الرِّحال إلى مستويات أعلى للوجود أو للمعرفة، للواقع أو للفكر، يظل التنظير للمستوى الأوَّلي — الطبيعيات — لا فكاك منه البتة.

فكانت الطبيعيات وستظل دائمًا في كل عصر ومصر، في كل زمان ومكان، محورًا من محاور النشاط العقلي، وطبعًا اختلفت — وتختلف الآن أكثر وأكثر — حصائل هذا النَّشاط بدرجات متفاوتة أيما تفاوت. ويَظَلُّ لزامًا على كل مفكرين أو منظرين أو فلاسفة الإلمام بمستوى المعارف الطبيعية كما هي مطروحة في عصرهم والمصادرة على هذا المستوى في تنظيراتهم، ولا ولم يستثنَ علماء الكلام من هذا، حتى إنَّ أبا عمرو الجاحظ (٢٥٥ﻫ) — وهو من رواد النزعة الطبيعية في علم الكلام الاعتزالي ومن المعالم البارزة في الثقافة العربية بجملتها — لم يَفُته التأكيد على أنَّ العالِم الحق يجبُ أن يضم إلى دراسة الكلام دراسة العلم الطبيعي، وكان هو نفسه «يصف في كل شيء أفاعل الطبيعة — وقد غلب النظر في الفلسفة الطبيعية على المعتزلين الأولين.»١

فعلى خلاف الظن الشائع، أو بالأحرى الخطأ المعتمد، احتلت الطبيعيات في علم الكلام القديم — السائر قُدمًا نحو المتجَه الإلهي — مكانًا فسيحًا في صدر المسرح الفكري، ولئن لم تكن الطبيعة من المشكلات الكبرى أو من أصول المعتزلة الخمسة ولا من العناوين التقليدية للمصنفات الكلامية، فإنها منبثة في كل هذا حتى شهدت مع المتكلمين زخمًا وثراءً.

فالطبيعيات هي العالم، هي «كل موجود سوى الله تعالى»،٢ سوى عالم الغيب، هي عالم الشهادة، بتعبير معاصر هي الكون الفيزيقي. وقد تحول العالم والكون على أيدي المتكلمين إلى جواهر وأعراض، وسرعان ما أصبحت «الجواهر والأعراض» هي الأنطولوجيا الكلامية، وأهم ما في الأمر أنهم لم يختلفوا كثيرًا بصددها، اتفقوا على أساسيات الطبيعيات — أو تصور العالم — وعلى وضعها في المنظومة الكلامية، الخلاف في التوجهات النهائية والهدف الذي رامه الفريق منذ البداية، وعلى وجه التحديد في مفترق الطرق بين المعتزلة والأشاعرة.

وثمة أسلوبان لتناول علم الكلام القديم، فإما النظر إليه كفرق، وإما النظر إليه كموضوعات. بهذا الأخير نجدُ الموضوعات ستة: التوحيد، القدر، الإيمان، الوعيد، الإمامة، ثم اللطائف؛ أي الطبيعيات. الإلهيات (= العقليات) تشمل التوحيد والقدر. والسمعيات (= النقليات) تشمل الإيمان والوعيد والإمامة.

أمَّا اللطائف أو الطبيعيات فموضوعها الجسم والحركة والزَّمان والمكان؛ أي العالم الفيزيقي كما أشرنا. وهي «دقيق الكلام» الذي هو مجال العقل وحده، مقابل «جليل الكلام»؛ أي العقائد التي نفزع فيها إلى كتاب الله. هكذا تُشير الطبيعيات إلى بداية التفكير العلمي في الطبيعة، بل تطور هذا إلى ما يمكن أن نسميه مشروع إنشاء علم طبيعي، «ولكن هذا الفكر العلمي البازغ من ثنايا الفكر الديني، تم إسقاطه من الحساب ثم إجهاضه بسيادة الفكر الديني وحده، فانفصل العلم عن الدين والبدن عن النفس والشيء عن العقيدة والعالم عن الله.»٣

فالطبيعيات لم تكن إلا سلمًا للإلهيات، وليست مطلوبة في حد ذاتها أبدًا للفهم والتفسير، المطلوب فقط استخدامها، وبالتحديد استخدام «حدوث العالم» كدليل على العقائد الإلهية. الحادث هو الجسم الطبيعي، فكانت الطبيعيات محض صورة عقلية للإلهيات، خادمة لها وليس للإنسان في حين أنَّ الإنسان هو الذي يحيا في الطبيعية، وهو الذي يُصَارِعُها، وهو الذي يحتاج لترويضها وتطويعها.

دليل الحدوث؛ أي كون حدوث العالم أو العالم الحادث المخلوق دليلًا على وجود الله وقدرته وعلمه الشاملين، وحكمته وحياته. ذلك هو ما سلَّم به المتكلمون جميعًا تسليمًا، بل المسلمون جميعًا، أَوَليس الكلام مكنوننا النفسي … أيديولوجيتنا؟ فكان دليل الحدوث هو مدخل اشتباك علم الكلام القديم بالعالم، ومن ثم بالطبيعيات.

فلم يكن العالم بالنِّسبة للمُتكلمين إلا علامة على وجود الله، على ما وراءه؛ «إنما سمي «العَلَم» علمًا؛ لأنَّه إمارة منصوبة على وجود صاحب العلَم، فكذلك «العالَم» بجواهره وأعراضه وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى.»٤ كلمة «عالَم» مشتقة أصلًا من العَلَم والعلامة، وفي أصلها اللغوي البعيد من الحسي: العُلَّام؛ أي الحناء لما يترك من أثر باللون، والعلامة ما تترك في الشيء مما يعرف به، ومن هذا العَلَم لما يعرف به الشيء أو الشخص كعَلَم الطريق وعَلَم الجيش (الراية)، وسُمِّي الجبل عَلَمًا لذلك. ومنه علمت الشيء أي عرفت علامته وما يميزه، ونقيضه الجهل، وتكون بعد ذلك المعاني الخاصة والاصطلاحية في «العلم».٥ لم ترد لفظة «العالَم» ولا لفظة الطبيعة في القرآن الكريم أبدًا، وردت فقط في صيغة الجمع «العالمين»، ربما على سبيل التأكيد ثلاثًا وسبعين مرة، هذا غير «العالِمين» (بكسر اللام) من العلم بالشيء، التي وردت ثلاث مرات.٦

وكانت المشكلة المحورية للطبيعيات الكلامية هي العلاقة بين الله وبين العالمين أو العالَم أو الطبيعة التي اتخذت مبدئيًّا شكلَ الإيجاد والخلق من العدم، إحداث المحدث: هذا العالَم.

وظلَّ دليل الحدوث دائمًا إطار الطبيعيات الكلامية ككل وكأجزاء، مبررها وتسويغها، مما جعل الإلهيات هي النهاية … المتجَه والهدف والغاية مثلما كانت قبلًا هي البداية المنطلق وزخم الدفع، في دائرة مغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس.

وفي هذا، في الطبيعيات لا سواها، نستنطق الفحوى الجوهري أو الثابت البنيوي في علم الكلام القديم بأسره، إنها «وحدة الأساس الذي يقوم عليه بنية كلٍّ من الفكرَين المعتزلي والأشعري»٧ على السواء، بل وكل ما سواهما؛ فقد قامت الطبيعيات الكلامية على دليل الحدوث الذي لا يعدو أن يكون عملية قياس الغائب (= الإلهيات أو عالَم الغيب) على الشاهد (= الطبيعيات أو عالَم الشهادة)، وكما أشار حسن حنفي، قياس الغائب على الشاهد الذي يبدو مُستعارًا من علم أصول الفقه هو أساس الفكر الإلهي أو الثيولوجي كله،٨ وهو محاولات أولى تكشف عن بزوغ العقل من خلال الإيمان وعن تجاوز المشاهدة الحسيَّة والتجربة المباشرة بعد استيعابها إلى التحليل العقلي الصِّرف،٩ فدليل الحدوث تجريبي يستند إلى المشاهدة ثم ينتقل من الواقع المحسوس إلى الفكر.

•••

وفي تحليل بنيوي ثاقب لهذا يقف على آلية إنتاج المعرفة في العقل العربي — ويمكن أن يفيد في تعليل ما دأب عليه العقل العربي من ربط الإبستمولوجي بالأنطولوجي، ورد الطبيعيات إلى الأنطولوجيا دونًا عن الإبستمولوجيا — نقول: في تحليل بنيوي لهذا يرى عابد الجابري أنَّ عناصر المعقول الديني العربي ثلاثة: الوحدانية والنبوة ووجوب معرفة الله من خلال تأمل الكون.١٠ فقد كان الكون أو العالم ونظامه من ناحية، والقرآن وبيانه من النَّاحية الأخرى، هما العنصران الرَّئيسيان في الإطار المرجعي الذي يستند إليه العقل الإسلامي في صراعه مع اللاعقل، أي مع المشركين.١١ حيثُ كان غرض المتكلمين الأُول هو إبطال مذاهب الخصوم؛ المانوية المجوسية والمزدكية والبابكية والثنوية وغيرهم، باتخاذ الشاهد (= العالَم ونظامه) أصلًا للتدليل على الغائب (= العقائد).

وهذه عقلية بيانية؛ أي إنَّ آليتها أو أداتها لإنتاج المعرفة هي البيان الذي هو أصلًا آلية لغوية، هي آلية التشبيه التي تؤسس البلاغة العربية. إن علوم اللغة والبلاغة لها ريادتها المعروفة للعقل العربي بحكم لغوية الحدث القرآني، إنه بيان.

وقد تكوَّن العقل العربي في العصر العباسي الأول — عصر التدوين — من خلال تشييده لعلوم البيان، وأعلاها تقعيده لقواعد اللغة العربية، وأبدع في هذا إبداعًا قلَّ مثيله في تاريخ الفكر البشري،١٢ واحتل أوسع رقعة في الثقافة العربية.

يطلب الجابري على هذه المرحلة، وهي التي شهدت نشأة ثم ازدهار علم الكلام، اسمَ مرحلة العقل البياني؛ لأنَّ الخطاب العربي فيها يؤسسه فعل عقلي واحد؛ أي آلية ذهنية واحدة قوامها ربط أصل بفرع لمناسبة بينهما: إنه القياس بتعبير النُّحاة والفقهاء، أو هو استدلال بالشاهد على الغائب بتعبير المتكلمين؛ لذا أسماه الجابري النظام المعرفي البياني، يتلوه المرحلة أو النظام المعرفي البرهاني (= الحكمة) حيث المعقول الأرسطي، ثم النظام المعرفي (= سيادة الأشعرية والتصوف) حيث الغنوصيات المشرقية.

ويهمنا الآن أنَّ هذه الآلية البيانية أو قياس الغائب على الشاهد أو دليل الحدوث هو صلب الطبيعيات وهيكلها، والذي جعلها تدور في دائرة مغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا … وبالعكس … هذه الدائرة المغلقة حالت دون نماء بذور واعدة احتواها تصور أسلافنا للطبيعيات. على أية حال بدأ هذا التصور بدليل الحدوث الذي شقَّ طريقه ورسم مساره وحدَّد معالمه.

•••

في هذا الدور الرِّئاسي لدليل الحدوث في تصور الطبيعيات نجدُ العالم الطبيعي حادثًا؛ أي مخلوقًا؛ لأنَّه متغير، القديم فقط هو الذي لا يتغير؛ لذلك كانت أولى المشاكل الطبيعية التي بحث فيها المتكلمون؛ هل العالم ثابت أم متغير؟ وعلى طريقتهم الجدلية — بمعنى الخطابية — كما يريدون من طرح هذا السؤال إثبات أن العالم متغير.

ودائمًا المعتزلة هم المنشئون الحقيقيون لقضايا علم الكلام، وكان شيخهم أبو الهذيل العلاف (١٣٥–٢٢٦ﻫ/٧٥٢–٨٤٠م) أوَّل من يبحث في هذا السؤال، فكان أوَّل من يخوض في الطبيعيات، وأول من يفسح المجال للفلسفة كي يستعين بها الكلام، هادفًا إلى بيان عمل القدرة الإلهية «في محيط أهم مقدور لها وهو العالم»،١٣ ولكي يثبت العلَّافُ أنَّ العالم متغير، وبالتالي حادث والله هو القديم الأوحد ذو العلم والقدرة الشاملَيْن، استعان بالمذهب الذري المعروف بالهند القديمة، ومع لوقيبوس وديمقريطس والأبيقوريين، بعد أن وضع له اسمًا أو مُصطلحًا إسلاميًّا هو «مذهب الجوهر الفرد». وسرعان ما أخذه من العلَّاف كل المعتزلة باستثناء النظَّام القائل بالكمون والطفرة، أخذه أيضًا الأشاعرة، بل إن المذهب اكتمل تمامًا مع الأشعري والباقلاني. لقد فرض هذا المذهب نفسه واستبد بالأنطولوجيا الكلامية، بل ظلَّ مصطلح الجوهر وأعراضه يتردد كثيرًا بوعي وبغير وعي حتى في طبيعيات الفلاسفة، وهُم قد رفضوا الجوهر الفرد ووضعوا بدلًا منه الفيض أو الهيولي الأرسطي، والذي رفضه المتكلمون بدورهم؛ لأنَّ الهيولي سلب مطلق وينفي عملية الخلق من العدم.
على الإجمال؛ أصبح الجوهر الفرد حجر الزَّاوية والممثل الرَّسمي للطبيعيات الكلامية، وأكثر نظرياتهم اكتمالًا وثراء، ومن المعالِم المميزة لعلم الكلام بأسره، حتى إنَّ هنري كوربان يقول عن علم الكلام إنه أصبح اسمًا لمدرسة فلسفية تقول بمبدأ الذرة،١٤ ولكن لم يكن الجوهر الفرد مجرد نقل للذرة، بل إنَّه يحمل كل خصائص وتوجهات علم الكلام، ويمثل قدرته على الاستفادة من الثقافات الأخرى دون الذوبان فيها، وبالمثل تمامًا نجد المتكلمين يستعملون مصطلحي أرسطو الشهيرين الجوهر وأعراضه بطريقة تكاد تختفي منها المعالم الأرسطية.

فقد كانت الذَّرة مُحاولة لتفسير العالم الطبيعي وفهمه، أمَّا الجوهر الفرد فمُحَاولة لتفسير علاقة الله بالعالم، تبدأ من وجود الله وتنتهي إلى إثبات قدرته وعلمه الشاملين في دائرة مُغلقة من الثيولوجيا إلى الأنطولوجيا وبالعكس: الله ← العالم ← الله.

الذرة مع الإغريق أزلية لامتناهية، تتحرك حركة لامتناهية في فراغٍ لامتناهٍ، حركته تجعل الكون آليًّا ميكانيكيًّا تتكون موجوداته من التقاء الذرات، فيستغني عن الألوهية وعن فعل الخلق، أمَّا مع متكلمي الإسلام — المعتزلة والأشاعرة على السواء — فقد أصبح الجوهر الفرد مخلوقًا حادثًا مُتناهيًا، الله هو الذي أحدثه وأوجد فيه الوجودَ والعدمَ والحركةَ والسكون.

فقد أضاف العلَّاف إلى الحركة الذَّرية الإغريقية السكون الذي نفاه ديمقريطس. كان السكون مع العلَّاف رفضًا لفكرة التقاء الذرات وإقرارًا بفعل الخلق، فحدوث العالم يقتضي حدوث الحركة، «وهذا يعني أنَّ الحركة متناهية لها أوَّل وآخر، فتكون مسبوقة بكون ومنتهية به، حتى إنه انتهى بانقطاع حركات أهل الخلدين (الجنة والنار)؛ لأنها ستنتهي إلى سكون مطلق.»١٥ إلى كل هذا الحد لم يكن الجوهر الفرد إلا إثبات الوجود لله، بل وتأدى معهم إلى نوع من الخلق المستمر امتد من الكلام إلى الحكمة حتى قال به ابن رشد.

بادئ ذي بدء، أثبت الجوهر الفرد صلب عَقيدة الإسلام: التوحيد. فمن أجل إثبات أنَّ الله هو اللامتناهي الوحيد ذو العلم الشامل الذي أحصى كل شيء عددًا، كان لا بُدَّ وأن يكون العالم مُتناهيًا، وبالتالي لا يمكن أن ينقسم الجسم إلى ما لا نهاية، لا بدَّ من نهاية لانقسامه هي أجزاء لا تتجزأ، هي الجوهر/الذرات هي متناهية لها كل وجميع، وكان تناهي المادة هو دليل المتكلمين الاستقرائي على القدرة الإلهية التي تشمل هذا العالم المتناهي مثلما يشمله العلم الإلهي.

أهم صفات الجوهر الفرد هي التحيز، بل هو شرطه «لا يصح أن يوجد الجوهر من دون التحيز لأجل أن هذا الشرط لا ينفك عما هو مؤثر فيه، وهو كون الجوهر جوهرًا.»١٦ التحيز يكاد يُطابق ما يُسمى بالمصطلحات الحديثة «الكينونة»، وبمصطلحات القدماء «الكون»؛ لذلك كان وجود الجوهر مضمنًا بالتحيز، بوجود الكون أو الكينونة من حيثُ إنه لا يوجد إلا وهو متحيز ولا يكون مُتحيزًا إلا وهو كائن.١٧ الكون يحل المحل؛١٨ أي إنَّ الجوهر يشغل حيزًا واحدًا لا يُشاركه أو يتداخل معه فيه جوهر آخر، الأكوان مُتماثل ومختلف، قد يخلو الجوهر من اللون والطعم والرَّائحة؛ لأنَّ الله خلقه ابتداء دون أن يُخلق فيه شيء من هذا،١٩ لكن لا يخلو أبدًا من الاجتماع أو الافتراق والحركة أو السكون. وإذا حصل بقرب الجوهر جوهر آخر سُمِّي ما فيهما مُجاورة أو اجتماع، ومتى كان على بُعد منه سُمِّي ما فيهما مفارقة ومباعدة.٢٠ وهذا يبين أنَّ الجوهر لا يخرج عن التحيز؛ إنَّ الاجتماع لا ينفي التحيز.
التحيز يُوجب كون الجوهر كائنًا في جهة، متى حصل عقيب ضده فهو حركة، إذا بقي كائنًا في جهة أزيد من وقت واحد فهو في سكون، «والدليل على حدوث الجسم استحالة خلوه من الحركة أو السكون»؛٢١ لأنهما حدوثان، وبالتالي الجسم حادث مثلهما، وما دام لا يخلو منهما فلن يُوجد قبلهما ليكون دونهما قديمًا غير حادث إن «الجواهر لم تتقدم المحدثات في الوجود».٢٢
الجوهر لا ضِدَّ له؛ لأنه بلا صفات كيفية، بلا لون أو طعم أو ثقل الكيفيات والتغيرات التي نراها هي من الأعراض التي تحل في الجوهر؛ لذلك قيل في تعريف الجوهر إنه: «المتحيز وما له حجم ويقبل العرض.»٢٣
يتكون المحسوس/العالم الطبيعي من جواهر وأعراض، الأولى محل الثانية. ومن حلول الأعراض في الجواهر تتكون الموجودات الطبيعية. إنَّ العالم متناهٍ، «وكل متناهٍ محدود، وكل محدود فإمَّا حامل أو محمول»؛٢٤ أي إما جوهر أو عرض، فلن نجد في العالم إِلَّا قائمًا بنفسه حاملًا، أو قائمًا بغيره محمولًا،٢٥ شاغلًا لمكان أو غير شاغل له. الأوَّل هو الجوهر، والثاني مُتغير معدوم هو العرض. وهذا لا يعدو أن يكون انعكاسًا للإيمان بوجود الثابت وراء المتغير أو الله وراء العالم، فيقول ابن حزم الأندلسي: «فعلمنا يقينًا أنَّ الذي عدم غير الذي وجد، وعلمنا يقينًا أنه غير الجسم الحامل له، أنه لو كان إياه لعدم الجسم بعدم كون الأوَّل، فدلَّ بقاؤه على أنه غيره بلا محالة؛ إذ لا يكون الشيء معدومًا وموجودًا في وقت واحد.»٢٦
إنَّ الأعراض هي الكيفيات. فكانت مقولة الكيف لب مبحث الأعراض تشمل نصفه تقريبًا، تأتي بعد الكيف مقولات الكم والنِّسبة، ثم الإضافة، وتنقسم الكيفيات استقراءً لها إلى أربع: المحسوسة والنفسانية والمختصة بالكميات والاستعدادات؛ أي إنَّ الكيفيات تشمل الظواهر النفسية والجسمية معًا.٢٧
والمهم في الأمر أنَّ الأعراض هي ما يطرأ على الجواهر كالألوان والطعوم والرَّوائح والعلوم والقدر والإرادات الحادثة وأضدادها والحياة والموت، وهي متعاقبة متضادة، وبالتالي معدومة، والعدم نقيض القدم، إذن الأعراض حادثة وأجرام العالم جواهر لا تخلو من الأعراض، وما لا يخلو من الحادث حادث؛ أي له أوَّل وبداية، إذن فالعالم حادث لا صانع موصوف بالاقتدار والاختيار، خالق لجميع الحوادث، مريد لما خلق، قاصد إلى إبداع ما اخترع.٢٨

وإمعانًا في إثبات هذا جعلوا المكان أيضًا جواهر/ذرات/نقاط منفصلة. والزَّمان مجموع جواهر ذرات/آنات مُنفصلة بين كل اثنين فراغ، لا ديمومة ولا اتصال. الحركة أيضًا مُقَسَّمة كالمكان والزمان إلى أجزاء لا امتداد لها، يفصل بين كل جزء وجزء أو كل حركة وحركة سكون إذا قصرت فترة السكون كانت الحركة سريعة، وإذا طالت كانت بطيئة. هكذا يتبدى الوجود منفصلًا مفتتًا متغيرًا دائمًا.

وعلى الرغم من أنني أُحَاوِلُ قدر الإمكان رسم صورة عامة للطبيعيات الكلامية تتماهى فيها الخلافات الجزئية، إلا أنه لا بدَّ من الإشارة إلى إبراهيم بن سيار النَّظام الذي عاصر أزهى عصور المعتزلة، وساهم في تأسيس علم الكلام؛ إذ خالف جمهور المتكلمين ورفض مذهب الجوهر الفرد وتناهي التجزئة، وكان الوحيد القائل باللاتناهي، وأيضًا الوحيد الذي نفى السكون ورأى الأجسام كلها في حركة دائمة؛ لأنَّ الحركة هي العرض الوحيد الباقي في الكون بعد رفض الجواهر، إمَّا حركة اعتماد وإما حركة نقلة، وما يبدو سكونًا هو حركة في مكان واحد، وقال بنظرية الكمون والطفرة؛ الكمون يعني أنَّ الله خالقُ العالم دفعة واحدة لا متقدم ولا متأخر، أكمن المخلوقات في بعضها، يتوالى صدورها في وقتها، أمَّا الطفرة فهي الانتقال من مكان إلى آخر دون المكان المتوسط بينهما، وهي لتبرير قطع المتناهي للَّامتناهي. والمتكلمون بدورهم — المعتزلة قبل الأشاعرة — رفضوا نَظَرية النَّظام؛ لأنها تمس من حدوث العالم، ورأوا قوله بلاتناهي العالم، الذي رفضه حتى الفلاسفة، مروقًا غير مقبول ومخالفًا للقرآن، بل شركًا؛ لأنَّ الله هو اللامتناهي الوحيد.

ومع هذا أخذ بعضُ أصحاب الجوهر الفرد من النظَّام فكرة الطفرة لتفسير الحركة — معقله الأثير — فقالوا إنَّ الحركة طفرة من نقطة لأخرى، والزمان طفرة من آنٍ إلى آنٍ في الفراغ أو الخلاء الذي تتحرك فيه الذرات أو الجواهر الفردة.

•••

هكذا تكتمل نظرية الوجود المنفصل المتغير دائمًا، كمُقدمة لهدم العالم عن طريق تقنيته، «حتى تتدخل الإرادة الإلهية المشخصة من خارج، وكأنَّ غرضها: فَرِّقْ تَسُد.»٢٩ وتأكدت انفصالية العالم بنفي بقاء العرض زمانين أو آنين، إنه يخلق في كل لحظة، مما يجعل الخلق مستمرًّا، فيُحقق الله بتدخله المباشر اتصال هذا العالم. التدخل عمودي وليس أفقيًّا، الله خالق العالم، مبدع لجميعه، يبقى فعالًا فيه دائمًا، فلا تعود الطبيعة مجالًا للفعل الإنساني؛ لأنه: «ليس للقدرة الحادثة أي تأثير في إيجاد أي شيء.»٣٠

هكذا يُظهر تصور الطبيعة القدرة الإلهية، وكأنَّ إثباتها لن يتأتَّى إلا على حساب العالم والعلم وليس لحسابهما! وقد كان المتكلمون من أجل هذا على استعداد دائم للتضحية بالطبيعة، فهم — مثلًا — يرفضون النظرية الضوئية في الإدراك البصري حرصًا على تفسير صفات السمع والبصر في الله بلا حاسة أو شعاع أو شيء، وهذا الاستعداد للتضحية بالطبيعة وضع تعقلها في موضع هامشي، مما فتح الباب لتقلص الفكر الموضوعي، فينفسح المجال للإيمان بالمعجزات وخوارق الأولياء وكَرَاماتهم في تسخير وهمي للطبيعة، يعني في حقيقة الأمر انفلاتها من بين يدَي العقل الإسلامي، من حيثُ يعني تلاشي العقل ذاته.

هذه التضحية بالطبيعة وتهميشها ساعد عليها أن تواضع الوسائل التجريبية والحصائل الهزيلة للعلوم الطبيعية في عصرهم البعيد لم يكن ليشحذ عزمًا للزود عنها، ولكن الآن بعد أن تبدَّلت العصور وتخلَّقت أطر معرفية جديدة، لا تنقصنا الذرائع للاعتراض على طريقهم والقطيعة المعرفية معهم وتأكيد احترام الطبيعة وضرورة إدراك قوانينها وتسخيرها لإرادة الإنسان ومن أجل صالحه، فلم يَعُد هذا في عصرنا شرط التقدم فحسب، بل شرط البقاء.

•••

في مقابل ولع النظام بالحركة يقول زميله في الاعتزال معمر بن عباد السلمي إنَّ الأجسام مُتحركة في اللغة ساكنة في الحقيقة. السكون هو الكون لا غير ذلك، وأنْ تكون الحركة في اللغة فقط فهذا بُعد من أبعاد «المذهب الأسمى»، الذي انتشر في علم الكلام خصوصًا بين مُعتزلة بغداد وأتباع معمر القائلين بمذهب المعاني، بمعنى أنَّ الكليات مُجرد أسماء أو معانٍ في الأذهان ولا وجود لها في الأعيان.

والحق أنَّ نفي بقاء الأعراض يؤدي إلى نفي الكلي. في الخارج أو في الأعيان لا يوجد إلا الجزئي، يقول ابن حزم الأندلسي: «إنما جعلت الأسماء عبارات وتمييزًا بين المعاني والأشياء والمطلوبات، ولا فائدة في الاسم أكثر من هذا.»٣١

إنه نفي الكليات والإقرار بأنطولوجية الجزئي فقط، ولئن كان قد عاد إلى الظهور بقوة في الفَلسفة المعاصرة خُصوصًا مع الوضعية المنطقية، وفي المنطق الرِّياضي الحديث، فإنه مع المتكلمين أدى إلى نتائج وبيلة هي نفي المعقوليات، فليس للجوهر امتداد ولا كمية ولا عدد، كلها اعتبارات ذهنية أو ذاتية لا موضُوعية تبتدعها المخيلة ويفترضها الفكر، وأوَّل ما أنكروه من الكليات والمعقولات هو المقدار؛ لأنَّ الجسم مكون من أجزاء لا تتجزأ فلا تكميم ولا قياس، وتلك من الضربات القاتلة للطبيعيات الكلامية.

لقد كان نفي المعقولات والكُلِّيات من الخطورة بحيثُ شقَّ خندقًا بين الطبيعيات وبين المعرفة أدى إلى الانفصال البائن بينها وبين المشكلة الإبستمولوجية، لتبقى أنطولوجية أولًا وأخيرًا، والأنطولوجيا الكلامية لم تكن إلا ثيولوجية.

(٢) الحدوث في محنة المعتزلة وكارثة الأشاعرة

كان هذا هو الطريق الذي سار فيه الأشاعرة إلى آخر المدى، أو بالأحرى إلى قاع الهاوية، إلى نظرة تدميرية للعالم، تُسرف في تأكيد عجز الذات العارفة مُقابل تأكيد القدرة الإلهية التي تجري وفقها الأحداثُ في كل لحظة.

الأحداث كلها مع الأشاعرة مُستندة إلى الله ابتداء بلا وجوب، فلا قوانين ولا طبائع ولا حتمية ولا نظام في الطبيعية، وكما هو معروف، نفوا أي ترابط سببي عليٍّ بين الأحداث؛ لأنهم رأوا العلية كقوة محدثة شركًا؛ إذ تُعطِّلُ عملَ الخالقِ، فضلًا عن خطرها على فكرة المعجزة. وللتخفيف من وقع المصادفة التي ما كان العقل الطبيعي يتقبلها آنذاك وضعوا نظرية الاقتران والعادة.

فنحن نفسر الاقتران بين الأحداث على أنه تلازم عليٍّ؛ لأننا «اعتدنا» رؤيته دائمًا، العادة فقط هي التي تظهر الكون في امتداده، بينما هو في تغير مُستمر غير قابل لتعقل الإنسان، وبهذا رفع العقل يده تمامًا عن عملية المعرفة بالطبيعيات.

لم يكتفِ الأشاعرة بإخراج الطبيعيات من الإبستمولوجيا، بل إنهم ببساطة حذفوا المشكلة الإبستمولوجية أصلًا ونفوا إمكانية ومشروعية ومصداقية وجدوى المعرفة الطبيعية، إيذانًا بدليل عجز العقل الإسلامي أمام الواقع والوقائع.

•••

هل يبرأ المعتزلة من هذا؟ أجيب بتحفظ أقرب إلى النفي، هذا على الرغم مما يسود الفكر المعاصر في توجهاته العقلانية والتحديثية من إسراف وإفراط في تمجيد المعتزلة، حتى يذهب حسين مروة إلى أن انتكاسة الحضارة العربية برمتها بسبب محنة المعتزلة، ولولاها لكان من المفترض — بحكم ظاهرات التقدم العلمي في القرن التاسع الميلادي — أن تتجه الحركة العقلية الفلسفية بخاصة اتجاهًا أكثر واقعية وأكثر ارتباطًا بنتائج تطور العلوم التطبيقية في ذلك العصر.٣٢
إنَّ التوجه عام نحو تمجيد المعتزلة ونزعتهم العقلانية، مُقابل الإدانة المطلقة للأشاعرة فيما أسماه جورج طرابيشي: «دراما المعتزلة والأشاعرة.»٣٣

إنَّ هذا الإسراف لا يلتفت إلى جدلية العلاقة بين الفكر والواقع؛ فالواقِعُ الذي بدأ في التفكك والتردي منذ العصر العباسي الثاني كان يحمل في ذاته عوامل النكوص، رُبَّما من حيث كان يحمل عوامل سؤدد الأشعرية. لعل الأشاعرة مكرِّسُوه، لكنهم بالتأكيد ليسوا خالقيه أو صانعيه، بل إنهم في حقيقة الأمر أيديولوجيون مُرتبطون بالواقع أكثر من المعتزلة، أو هم أكثر تعبيرًا عن الموقف العام للجماهير، ولا نستطيع إنكار أنهم استقطبوا الجماهير لوقوفهم موقفًا وسطًا فض النزاع الضارب بين غلاة النقليين ويمثلهم الحنابلة وغلاة العقليين ويمثلهم المعتزلة.

إن هي إلا صفحات قلائل وأقوم بدوري في إحقاق حق المعتزلة وتقدير مواطن تألقهم وعطائهم، ولا يمنع هذا من رفض المنطق الانفعالي والحكم الحدِّي بالصواب والخطأ … الأبيض والأسود … نعم ولا، ليكون الأشاعرة هم كل الشر يحملون وحدهم مسئولية كل تخلُّف، ويكون المعتزلة هم كل الخير حاملون المفاتيح الذاتية الصنع لفراديس التقدم السبع المعلقة، فلا يدانيهم الخطأ ولا الملام من بين أيديهم ولا من خلفهم، وكل ما يعوزنا مد طريقهم إلى يومنا هذا، وما سيتلوه بلا حاجة للإضافة أو الإبداع، ناهيك عن القطع المعرفي.

لقد حرصت على الانطلاق من مواطن لقائهم مع الأشاعرة، وعلى أساسها، ويكفي تلاقيهم في الجوهر الفرد الذي هو صلب الطبيعيات الكلامية، والذي كان الأداة الفعالة لتدمير الطبيعة، وسوف أعود مجددًا وختامًا لمواطن اللقاء تلك، ولا يمنع هذا من الإقرار قبلًا بأنهم — في مُقابل الأشاعرة — أضمروا اعتقادًا بقوانين طبيعية تجري وفقها الأحداث، وكانوا بحق — كما بينت في بحث سابق لي — من حملة لواء الحتمية في العصور الوسطى.٣٤
قلة من المعتزلة كأبي بكر الأصم أنكرت وجود الأعراض، وقال معظمهم: إن الله لم يخلق إلا الجواهر، ولم يخلق الأعراض إلا بالتوليد؛ أي إنها فعل ينشأ عن الفعل المخلوق (= الجوهر). ما يحل في الجواهر من أعراض من فعل الجسم؛ لذلك فالطبيعة فاعلة بذاتها وأفعالها خاضعة لقانون شامل، لحتمية علمية، ولا ينقض هذا الإرادة الإلهية إن لم يؤكدها؛ لأنَّ «أعراض الأجسام وطبائعها حاصلة بإيجاب خلق الله لها.»٣٥
ويبلغ اعتقادهم بالعِلِّية وقانونية الطبيعة ذروته في قول بعضهم بمذهب الطبائع، وكما يقول الخياط في كتاب «الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد»:
أصحاب الطبائع هم القائلون بطبيعة ثابتة لكل شيء يصدر بمقتضاها، فلكل مطبوع جنس واحد من الأفعال؛ النار لا يكون منها إلا التسخين، والثلج لا يكون منه إلا التبريد، وإن من تكون منه الأشياء المختلفة هو المختار لأفعاله لا المطبوع عليها.٣٦
هكذا لم يجعل المعتزلة من قانون الطبيعة نقضًا لفكرة الحرية كما فعل فلاسفة أوروبا، بل وضع المعتزلة فرقًا جوهريًّا بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان؛ الأول حتمي آلي «إرادة حتم»، والثاني يدخل فيه عنصر التمكين والاختيار الإنساني، أو هو إرادة تفويض.٣٧ وفيما بعد سأوضح تفصيلًا كيف كان المعتزلة فلاسفة الحرية والعقل من حيثُ هم أهل العدل والتوحيد.

على أنَّ مذهب الطبائع ليس حِكرًا على المعتزلة، وليس شاملًا لكل رجالاتهم، فقد رفضها العلَّاف ورفضها أيضًا القاضي عبد الجبار المعتزلي، قائلًا: إنَّ تعليق الحوادث بالطبع تعليق لها بما لا يعقل. أصحاب الطبائع في الواقع هم أصحاب النزعة المادية. قال بها من المتكلمين النظَّام، والجاحظ، ومعمر بن عباد السلمي، وثمامة بن الأشرس، وهشام بن عبد الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، قال بها أيضًا ابن رشد، ودعاة المنطق الحسي من الفقهاء، ويمكن أن نجدها بشكل ما في بعض تجليات وحدة الوجود الصوفية، التي تعود في أصولها الأولى إلى شكل ما من وحدة الوجود المادية المستندة على تجسيم الله كمذهب الكرامية أصحاب ابن كرام (ت٢٥٥ﻫ)، الذين أمعنوا في إثبات الصفات والعرش حتى ذهبوا إلى تصور جسم واحد قديم أزلي أبدي، ولا فرق فيه بين خالق ومخلوق، وتحدثوا عن حدوث العالم في ذات الله. وثمة هشام بن عبد الحكم وهو من رواد الطبائع وأيضًا من رواد التجسيم في الإسلام، ذهب إلى أن الله جسم مادي، مستندًا في هذا إلى ظاهر بعض الآيات القرآنية التي توحي بذلك نقليًّا أو سمعيًّا. أمَّا عقليًّا فقد استند على أنَّ الشبيه يدلُّ على الشبيه، وما دمنا نستدل على وجود الله من الأجسام الطبيعية الحادثة فلا بدَّ أن الله أيضًا جسم.

وبديهي أنَّ المعتزلة بنزعتهم التنزيهية الخالصة ونفي الصفات عن الذات الإلهية، قد جرَّدوا مذهب الطبائع من هذه الترهات وبلغ على أيديهم نضجًا رائعًا.

وأخيرًا يتقدم ابن خلدون الذي يكاد يكون أوَّل مفكر في العالم القديم — شرقًا أو غربًا — يُحاول مد فكرة الطبائع من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان أو بمصطلحاته عالم العمران، وكان ابن خلدون بهذا يحدث قطيعة مع التراث السابق عليه بأسره، والذي لم يتصور — بتأثير أرسطو وسواه — قوانين للتبدل أو طبائع تحكم عالم التاريخ. فعل ابن خلدون هذا على الرغم من أشعريته ومن مشاركته الأشاعرة في الهجوم على المعتزلة بغير أن يمنعه هذا من الاعتراف بفضلهم.

وبخلاف ابن خلدون، نجدُ الأشاعرة جميعًا ينهالون بنقد عنيف على مذهب الطبائع، بالرغم من اتساقه — الذي عني المعتزلة بتبيانه، كما اتضح فيما سبق — مع الإرادة الإلهية؛ فقد اعتبروا استغناء الأحداث عن الفاعل المختار وجريانها بمقتضى الطبيعة نوعًا من الشرك.

يقول الجويني الأشعري إمام الحرمين بنبرته الهادئة المتزنة: «يستحيل أن يكون مخصص العالم طبيعة كما صار إليه الطبائعيون؛ لأنَّ تلك الطبيعة إمَّا أن تكون قديمة أو حادثة، لو كانت قديمة لوجب قدم آثارها، وآثارها حادثة وتفتقر إلى طبيعة أخرى؛ الصانع المختار هو العلة والفاعل الأوحد.»٣٨

•••

وفي النِّهاية نجد الأشاعرة، بما آل إليهم من سطوة معرفية وسؤدد أيديولوجي، قد أزاحوا مذهب الطبائع من مسار الفكر الإسلامي، ولعله كان كفيلًا بتوجيه هذا الفكر إلى ما هو أفضل مما انتهى إليه حال الطبيعيات، لكنَّ الرفض السابق للأحكام الانفعالية الحدية والإصرار على النَّجاة من التطرف الذي يلهي عن تاريخانية ونسبوية كل مقولة، مهما كان نصيبها من الصواب، يجعلنا نقول: ليس صحيحًا أن عودتنا إلى أصحاب الطبائع من الاعتزاليين هي كل المنشود، مما قد يغني عن قطيعة معرفية.

أجل! مذهب الطبائع يكاد — إلى حدٍّ ما — أن يُرادف مبدأ الحتمية العلمية في الفلسفة الأوروبية، والذي كان الأساس الإبستمولوجي والأنطولوجي لنسق العلم الحديث والفيزياء الكلاسيكية، بل كانت الحتمية هي الأساس وأيضًا العماد والإطار والهدف للعلم، حتى أمكن القول إنها بمثابة: «لحمة العلم وسداها سائر النظريات والقوانين والفروض ومجمل النشاط العلمي.»٣٩ ويمكن بشيء من التطويع والتخريج أن نجد مكنون مبدأ الحتمية، أو بعض عناصره الأساسية، في مذهب الطبائع؛ فقد ارتبطت الحتمية بالفلسفة المادية التي يرتد فيها العالم فقط إلى المادة وطبائعها، فضلًا عن أنَّ الحتمية العلمية هي الوجه الآخر للسببية أو العلية، ومُصطلح العليَّة أدق وأفضل.٤٠ وقد كانت العلية هي نسيج العلم الكلاسيكي من حيثُ هو يقيني ضروري آلي اطرادي ميكانيكي … على الإجمال حتمي، فتلخص عمل العلماء في البحث عن علل الظواهر التي هي حتمياتها، استكشافًا للحتمية الشاملة التي هي هدف العلم النهائي، وكما هو معروف، لم يتنازل المعتزلة عن العلية أبدًا.
ثم اقترنت الحتمية العلمية في ذروة نضجها على مشارف القرن التاسع عشر بفكرة القانون العلمي الكامن في الطبيعة، التي حلَّت محل فكرة القانون المفروض عليها من أعلى؛ من الله. مع القانون الكامن يغدو نظام الطبيعة مُنبثقًا من ماهيات الأشياء وصفاتها الجوهرية، وبفهمنا لهذه الصفات نُدرك ما بينها من علاقات؛ وعندئذٍ نعلم أنَّ تلك العلاقات أو الرَّوابط التي تصل الأشياء ببعضها تجري على نسق مطرد، مكونةً ما نُسميه بالقانون العلمي، و«الطبيعة هنا تُفسر نفسها بنفسها؛ لأنَّ قوانينها صادرة عن ماهيات الأشياء أو طبائعها.»٤١
كل هذا صحيح، لكن ذلك المكنون لمبدأ الحتمية العلمية، أو بعض عناصره التي وجدناها في مذهب الطبائع، من قبيل المادية والعلية الضرورية والقانون الكامن … هذا كان ذا موضوع في الفيزياء الكلاسيكية التي تقوض عرشها مع مطالع القرن العشرين. والآن مع ثورة النسبية والكمومية وعلوم الذرة والإشعاع التي اجتاحت هذا القرن … مع فيزيائه اللاحتمية المعاصرة، التي علَّمتنا معنى القطيعة المعرفية، لم يَعُد هذا ذا موضوع. وتلك الفلسفة الطبيعية المادية أصبحت قرينة السذاجة بعد أن قاد لويس دي بروي L. De Broglie (+١٩٨٧) ثورة الميكانيكا الموجية والتفسير الإشعاعي للمادة، فارتدت إلى كهارب، لا إلى كتل ترتطم بالقدم في الفلسفة الطبيعية المادية. وقد انهارت دعائم العلية ولم يَعُد أحد من العُلماء يبحثُ عنها الآن، إنهم يبحثون عن مُعاملات الترابط الإحصائي لا العلل المحتمة، عن التفسيرات لا الأسباب، أمَّا فكرة القانون الكامن فقد تبخرت تمامًا واتَّضَحَ أنَّ القانون العلمي لا هو مفروض من أعلى ولا هو كامن من أسفل. القانون العلمي مجرد فرض عقلي ناجح، أَبْدَعه عقل إنسان مقتدر، دخل نسق العلم؛ لأنَّه أنجح من كل ما سبقه، إذن سيتلوه ما هو أنجح … وهكذا دواليك في متوالية التقدم العلمي الذي سيستبد بنا الطموح للحاق بها، وليس للعود إلى عصر الفيزياء الكلاسيكية، للحتمية أو الطبائع.

إنَّ الطموح في أن تبدأ طبيعياتنا من حيث انتهى الآخر الغربي، لا سيما وأنَّ مَسار العلم الطبيعي لا يسمح بغير هذا، فلا مندوحة عن القطع المعرفي مع طبيعيات علم الكلام القديم، وإن ازدهت بفكرة الطبائع.

ونعود إلى نسبوية وتاريخانية الأفكار، لنُسجل أنه كان جميلًا من المعتزلة — في عصرهم — الإيمان بالعلية وحتمية الطبيعة، والأجمل أن العلم عندهم نتيجة للتوحيد بينما هو عند الأشاعرة مُقدمة له، قال العلَّاف: إنَّ العقل هو القدرة على اكتساب العلم. وقال الجبائي: إنَّ العقل هو العلم نفسه. وفي كل حال كان الإيمان عندهم لا يُعد حقيقًا بدون العلم، بدون المعرفة؛ فاعتمدوا منطقًا حسيًّا لدراسة الطبيعة التي آمنوا بقانونيتها، واهتدوا إلى العلاقة بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية حين قالوا باستحالة تعري الجواهر عن الأعراض، وهذه الأخيرة — أي الأعراض — موضوع المعرفة الحسية القاصرة عن إدراك الجواهر، لكنها طريق صحيح لمعرفة العالم الخارجي. والمعرفة العقلية بالجواهر تأتي بعد اجتياز المعرفة الحسية بالأعراض؛ أي إنَّ لديهم تصورًا صحيحًا لعمل العقل النظري في تحويل الإدراكات الحسية إلى إدراكات عقلية، لكنهم لم يُحاولوا تطبيق هذا على دراسة عالم الطبيعة أو عالَم الإنسان؛ لأنهم لم يكونوا يبحثون في الطبيعة لذاتها،٤٢ بل للهدف الكلامي المعروف. من ثمَّ فإنَّ وجود تلك العناصر الواعدة لم ينفِ التوجه العام لطبيعياتهم، الذي يستوجب قطيعة معرفية لطريقهم … لمجمل طبيعيات علم الكلام القديم.

•••

في النهاية اتفق المعتزلة مع الأشاعرة على عدم بقاء الأعراض؛ من أجل تخصيص وصف البقاء للذات الإلهية فقط، فضلًا عن أنَّ قول المعتزلة بالتجويز أقرب بهم من لا عليَّة الأشاعرة؛ فكانت معظم التساؤلات الكلامية حول الجواهر والأعراض، سواء اعتزالية أو أشعرية، من أجل إثباتٍ صريح أو ضمني لقدرة مُطلقة مُشخصة؛ إثبات وجود الله.

يقول حنفي: «يعترف المتكلم صراحة بأنَّه يستخدم الطبيعة من أجل إثبات وجود الله، وليس لدراستها وتحليلها وفهمها على ما هي عليه؛ من أجل السيطرة عليها واستخدامها أو الانتفاع بها في حياته العملية. الطبيعة لديه مُجرد حامل لأفعال إرادة إلهية مُشخصة، وتتلخص دراسة الطبيعة في البحث عن هذه الأفعال والاستدلال بها على فاعلها الأوحد؛ فهو استخدام رأسي للطبيعة يذهب بها على ما بعد الطبيعة، وليس استخدامًا أفقيًّا للطبيعة يجعلها تاريخًا حيًّا وعالمًا للإنسان يسكن فيه ويتصل مع الآخرين ويحقق رسالته. الطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أعلى، كما أنَّ الإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أسفل.»٤٣

يستوي في هذا المعتزلة والأشاعرة. هكذا بدأنا من الالتقاء بينهما في المنطلقات والأسس وانتهينا إلى الالتقاء في الغايات والخواتيم، لنخلص إلى أنَّ الخلاف بينهما — أو تلك العناصر الواعدة في طبيعيات المعتزلة — لن يُقدِّم ولن يُؤخِّر في إنقاذ الوضع البائس للطبيعيات في حضارتنا، مما يستوجبُ قطعًا معرفيًّا لا محيص عنه إن رُمنا مثل هذا الإنقاذ.

ورُبَّ معترضٍ على هذا القطع بأنَّ الكلام لم ينتهِ بمحنة المعتزلة ولا بكارثة الأشاعرة، بل واصل نماءه في علوم الحكمة، والحكماء جميعًا أقروا بالعلية وثبوت الطبيعة والطبائع؛ فماذا عن هذا؟

(٣) تمام الكلام … في الحكمة

من منظور فلسفة العلوم في عصرنا تتبدى سلبيات علم الكلام، التي تفرضها الحدود الحضارية والقصورات المعرفية لذلك العصر البعيد، ولكن تبقى دائمًا إيجابيته العُظمى في أنَّه تشكل للعقل العربي الصميم، وكان — كما أشرنا في الفصل الأوَّل — الفلسفة الإسلامية الخاصَّة، التي شقت الطريق ومهدته نحو الفلسفة الإسلامية العامة أو الحكمة.

ولئن كان كلٌّ من الكلام والفلسفة طريقًا مُسْتَقلًّا نِسْبيًّا في سياق الحضارة الإسلامية، فإنَّ الحدود بينهما مموهة إلى حدٍّ ما، فلم يكن علم الكلام إلا مُمارسة للتفكير الفلسفي في القضايا التي أثارها نزول الوحي في المجتمع العربي. ومن حيثُ هي ممارسة متكفلة بمهمة التمثيل الأيديولوجي فقد اتخذت شكل البحث الديني في العقائد؛ لأنَّه الشكل الأيديولوجي المتفاعل والمثير للقضايا الفكرية والفلسفية التي شغلتهم. ثم استفاد علم الكلام من المنطق كثيرًا، فكان ينمو ويتطور حتى نضج بفعل أتون التفلسف العقلاني؛ أي المنطق.

فلم تكن الفلسفة في النِّهاية إلا تطويرًا لعلم الكلام، ظهرت بعد أن استوفى نضجه، إنَّ الفلسفة الإسلامية أو الحكمة تمثل دائرة أو مَرْحَلة فكرية أعلى من مرحلة التمهيد الكلامي، أصبح الفكر والواقع مهيئين لها. وكانت الفلسفة أو الحكمة أكثر اتصالًا بسيرورة العقل البشري، وفي حِلٍّ عن التمثيل الأيديولوجي المباشر الصريح، إن كانت بالطبع لن تتحلل من روابطها به، فتميزت من الكلام بأنها؛ أولًا: انطلقت من المفاهيم والمضمون الفكري، لا من القضايا المثارة في المجتمع/النص بصورة مباشرة. ثانيًا: لم تتخذ عن عقائد الدِّين أو من النَّص ذاته مُسَلَّمة أولية أو قاعدة مُباشرة للبحث.

وبصدد فضل علم الكلام في وصول العقل الإسلامي إلى بَرِّ الحكمة أو دائرة الفلسفة الخالصة، يتبوأ المعتزلة المنزلة الأعلى والفضل الأعم؛ فلم يكن علم الكلام المعتزلي بالذات إلا فلسفة صريحة، بل وفلسفة ناضِجَة. ومن حيثُ هم أهل العدل والتوحيد كانوا فلاسفة الحرية والعقل معًا في آنٍ واحد، ليس فقط بسبب ما أشرت إليه من قولهم بإرادة الحتم وإرادة التفويض، فأمرهم أعمق من ذلك.

إذ كان واضحًا دائمًا أنَّ الحرية الإنسانية — أو الاختيار بمصطلحاتهم — هو المضمون المحوري لمفهوم العدل المعتزلي، لكن لم يتضح أنَّ الحرية مضمون محوري للفلسفة بأسرِها إلا منذ القرن السابع عشر وما تلاه؛ حين استقام نجيب العقل الأثير — أي نسق العلم الحديث — عملاقًا واعدًا محصنًا بتلك الحتمية الإبستمولوجية الصارمة، يلقيها على الوجود بأسره أنطولوجيًّا لتنتفي حرية الإنسان، فكان التناقص بين العلم بحتميته والإنسان بحريته محورًا دارت بين رحاه الفلسفة الأوروبية الحديثة، أصابها بما أسميته شيزوفرنيا أو انفصامًا حادًّا بين عالمين أحدهما للحتمية العلمية والآخر للحرية الإنسانية.

فنجد العقل والمادة عند ديكارت، النومينا والفينومينا (كانط)، الإرادة والتمثل (شوبنهاور)، الأنا واللا أنا (فشته)، العقلي والواقعي (هيجل)، الفكر والوجود، الروح والطبيعة، العقل والعاطفة، النسبي والمطلق، الآلي والغائي … بعضًا من ثنائيات جمَّة دارت بين رحاها الفلسفة الحديثة، كلها معًا تجمعها بوتقة واحدة؛ الثنائية الأم والأصل والأساس: الحتمية العلمية والحرية الإنسانية.٤٤ إنَّه خيار الفلسفة الأوروبية العسير: إمَّا فلسفة العقل وإمَّا فلسفة الحرية، والذي تشكَّلت تحت وطأته توتراتها وتطوراتها. وقد بلغت الذروة في التنويرية. وكرد فعلٍ للتنويرية وإيمانها المفرط بالعقل والعلم، نشأت الرومانتيكية لترفع لواء الحرية، وتمخضت عن البرجسونية والوجودية، ورد الفعل على الوجودية بالبنيوية … وليس يصعب إدراك أن الحتمية العلمية التي هي إبستمولوجية وأنطولوجية معًا، كانت امتدادًا ممسوخًا وظلًّا باهتًا لمفهومَي العلم الإلهي الشامل (إبستمولوجيا)، والقدرة الإلهية الشاملة (أنطولوجيا)٤٥ في إثارتهما لمشكلة الحرية الإنسانية، لا سيما مع الكالفينية.

هذا عن العدل (= الحرية)، أمَّا عن التوحيد (= العقل) فقد أدَّى مع المعتزلة إلى نفي الصفات، وبالتالي التنزيه المطلق الذي استند على مبادئ فلسفية مُجردة، حتى تأتي بعض مناقشاتهم أحيانًا نسقًا مصمتًا من المفاهيم الفلسفية، وكلها في إطار العقل والحرية، بلا شيزوفرنيا أو انفصام كشأن الفلسفة الأوروبية. فماذا ننتظر أكثر من هذا لنعدَّهم فلاسفة روادًا وآباء شرعيين للفلسفة الإسلامية؟! بل هم أهلوها الأصلاء.

لذا يسهب ابن خلدون — على الرغم من أشعريته — في إيضاح أن المعتزلة «هم أصحاب الفضل في وضع العلاقة بين علم الكلام والفلسفة موضع الأمر الواقع التاريخي.»٤٦ ويذهب حسين مروة إلى أنَّ الفكر الفلسفي عاش طور الحضانة تحت جناحيهم، ثم كان شقهم لمجرى الفلسفة الإسلامية تحت تأثير قمعهم واضطهادهم٤٧ الذي تكالبت عليه كل التيارات المحافظة؛ حتى غفروا للخليفة المتوكل أفعاله الشنعاء، وزعموا أنَّ الله أيضًا غفر له؛ فقط لأنه قضى على المحنة الدَّهماء؛ أي الاعتزال. وعمل الكثيرون على تشويه آرائهم، خُصوصًا أبو المظفر الأسفراييني (ت٤٧١ﻫ/١٠٧٨م) الذي أفرد صفحات كثيرة من مصنفاته لهذا الغرض، فيما أسماه التعريف بفضائح منهج أهل البدع؛ هذا فضلًا عن محق نصوصهم حتى اندثر معظمها، مما حال دون التعرف على تراثهم كاملًا. وتحت تأثير القمع والاضطهاد رسم المعتزلة دائرة الحكمة، أو شقوا مجرى الفلسفة؛ ليكون موازيًا لمجرى عقلنة اللاهوت الذي شقه الأشاعرة وحدد مساره الغزالي. على أية حال كان المعتزلة دائمًا هم المؤسسون الحقيقيون والرواد المخلصون لعلم الكلام، وهم في النِّهاية ليسوا إلا جزءًا من كلٍّ هو الكلام الذي أدى إلى الحكمة.

وخلاصة هذا أنَّ الكلام والحكمة لا يُفهم أحدهما بدون الآخر كأصل أو كامتداد، وبالتالي لا بدَّ للمقاربة المتكاملة لأية قضية من قضايا التراث الإسلامي أن نبحث في أصولها الكلامية، أو في امتداداتها الفلسفية، ولكي يكتمل تناولنا لطبيعيات علم الكلام القديم لا بدَّ من متابعتها في طبيعيات الفلاسفة، أو في الحكمة الطبيعة. فماذا عن هذا؟ ما الذي طرأ على الطبيعيات الكلامية حين واصلت المسير وانتقلت من دائرة الكلام إلى دائرة الحكمة؟ في الإجابة على هذا السؤل بشكل عام نجد الطبيعة ومباحثها أكثر وضوحًا وتميزًا عند الفلاسفة منها عند المتكلمين، فقد سلموا جميعًا بأنها قسم من أقسام الحكمة الثلاثة: العقليات والطبيعيات والإلهيات، ثم تفرعت إلى فروعها عند كل منهم، أفردوا لها مصنفات أو رسائل أو فصولًا، إنها أصبحت عنوانًا للبحث وموضوعًا محوريًّا للحديث.

ولئن ناقش نفرٌ من أهلِ الاعتزال فكرةَ خلق القديم، فقد سلَّم المتكلمون جميعًا — من أولهم لآخرهم — بأنَّ: العالم حادث. بدأ الفلاسفة بالتسليم بهذه القضية، لكن بوصفها محل نظر ومحتاجة لبرهان «الكندي»، وتحت تأثير فلسفة الإغريق الذين عجزوا تمامًا عن تصور الخلق من العدم، وتأكيد أرسطو أنَّ العالم قديم غير مخلوق، راح فلاسفة الإسلام يتلمَّسون سُبل التعامل مع أطر قضية حدوث العالم. لجئوا إلى الفيض والصدور كبديل (الفارابي وابن سينا). ثم رفض ابن رشد هذا البديل وأسرف في تبيان أنَّ العالم قديم ومخلوق، هذا في فلسفته الطبيعية الأنضج نسبيًّا من حيث إنها المركب الشامل في تلك الصيرورة الجدلية: محدثة/فيض/قديمة.

في كل هذه التوترات المتتالية ظلت الطبيعة قابعة دائمًا في قلب الأنطولوجيا المتجهة أولًا وأخيرًا نحو المتجه الإلهي … نحو الثيولوجيا … أي إنه لا فَرْق.

لكن هذا الحكم الخطير ينطوي على تقييم جريء للتراث القديم برمته، ولا يمكن إسناده إلى تصور مُجمل أو إجابة بشكل عام، لا بدَّ من تفصيلها استكمالًا لصورة الطبيعيات في تُراثنا القديم … وهذا هو موضوع الفصل التالي.

١  ج. دي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ١٩٣٨، ص٦٢، ٦٣. ولاحظ حسين مروة أن إمبيريقية الجاحظ انعكست في آثاره العملية والأدبية وليس في الكلامية الاعتزالية، (النزعات المادية … ج١، ص٨٢٩).
٢  عبد الملك الجويني (إمام الحرمين)، لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة، تحقيق د. فوقية حسين محمود، المؤسسة العامة للتأليف والنشر، القاهرة، ط١، ١٩٦٥، ص٧٦.
٣  د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، المجلد الأول: المقدمة النظرية، ص١٥٥، ٥٢٥.
٤  الجويني، لمع الأدلة، ص٧٦.
٥  أمين الخولي (معد)، معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج٤، مجمع اللغة العربية، القاهرة، ١٩٦٨، ص١٤٠-١٤١.
٦  السابق، ص٢٤٨، ٢٤٥.
٧  حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج١، ص٧٣٦.
٨  د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، مج١، ص٢٥٨-٢٥٩.
٩  السابق، مج٢: التوحيد، ص١٢.
١٠  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، م. س، ص١٤.
١١  السابق، ص١٣٩.
١٢  الجابري، تكوين العقل العربي، ص٣٣٩.
١٣  د. علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة، ط٤، ١٩٦٦، ص٥٥٨.
١٤  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة عارف تامر ونصير مروة، بيروت، ١٩٦٥، ص٦٩.
١٥  حسين مروة، النزعات في الفلسفة العربية الإسلامية، ج١، ص٧٤٣.
١٦  أبو رشيد سعيد بن محمد النيسابوري، في التوحيد، تحقيق د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ١٩٦٩، ص٢٧.
١٧  السابق، ص٧٤.
١٨  الحسن بن متويه، التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض، تحقيق د. سامي نصر لطف ود. فيصل بدير عون، دار الثقافة، القاهرة، ١٩٧٥، ص٤٥٦.
١٩  د. محمد عمارة (محقق) رسائل العدل والتوحيد، دار الهلال، القاهرة، ١٩٧١، ج١، ص١٧٦.
٢٠  ابن متويه، التذكرة، ص٤٣٢.
٢١  النيسابوري، في التوحيد، ص٧٣.
٢٢  رسائل العدل والتوحيد، ج١، ص١٧٤.
٢٣  الجويني، لمع الأدلة، ص٧٧.
٢٤  ابن حزم الأندلسي، الأصول والفروع، تحقيق د. عاطف العراقي وآخرين، النهضة العربية، ١٩٨٧، ج١، ص١٥٦.
٢٥  المرجع السابق، ج١، ص١٤٦.
٢٦  المرجع السابق، ج١، ص١٤٦.
٢٧  حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، مج١، ص٥١٢-٥١٣.
٢٨  الجويني، لمع الأدلة، ص٧٧–٨٠، ٩٠.
٢٩  حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، مج١، ص٥٧.
٣٠  د. فيصل بدير عون، فكرة الطبيعة في الفلسفة الإسلامية، مكتبة الحرية الحديثة، القاهرة، ١٩٨٠، ص١٨٥.
٣١  ابن حزم الأندلسي، الأصول والفروع، ج١، ص١٤٧.
٣٢  حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج١، ص٨٣٤.
٣٣  جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: تحليل نفسي لعصاب جماعي، رياض الريس للنشر، لندن، ١٩٩١، ص٢٢٧.
٣٤  د. يمنى طريف الخولي، العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة ١٩٨٧، ص١٢٧ وما بعدها.
٣٥  د. فيصل عون، فكرة الطبيعة في الفلسفة الإسلامية، ص١٨٣.
٣٦  نقلًا عن: د. محمد عاطف العراقي، تجديد في المذاهب الكلامية والفلسفية، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٣، ص٦٢.
٣٧  رسائل العدل والتوحيد، تحقيق محمد عمارة، م. س، ج٢، ص١٨٣-١٨٤.
٣٨  الجويني، لمع الأدلة، ص٨٠.
٣٩  د. يمنى طريف الخولي، العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية، ص٤٤.
٤٠  المرجع السابق، ص٥٥–٥٧، حيث ناقشت هذه المسألة فيلولوجيا ترمينولوجيا.
٤١  محمد فرحات عمر، طبيعة القانون العلمي، الدار القومية، القاهرة، ١٩٦٦، ص٣١.
٤٢  مروة، النزعات المادية … ج١، ص٧٩٧ وما بعدها.
٤٣  حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، المجلد ٢: التوحيد، ص٦٣.
٤٤  د. يمنى طريف الخولي، الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، ١٩٩٠، ص١٢٢.
٤٥  د. يمنى طريف الخولي، العلم والاغتراب والحرية، ص٢٩١.
٤٦  حسين مروة، النزعات المادية … ج٢، ص١١.
٤٧  المرجع السابق، ص٤٩، ٥٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠