الفصل الأول

عرضٌ يُرفَض

«أخشى أنني لا أفهمُك يا سيد لاين.»

نظرَت أوديت رايدر بجدِّية إلى الشاب الذي كان منحنيًا على مكتبه. كانت بَشَرتُها الصافية مخضَّبةً بلون وردي هادئ، وكان ثَمة وميضٌ في الأعماق الرصينة لهاتين العينَين الرماديتين كفيلٌ بأن يُحذر أيَّ رجل أقلَّ إيمانًا بعبقريته وقدرته على الإقناع من ثورنتون لاين.

لم يكن ينظر إلى وجهها. كانت عيناه تتفحَّصان باستحسان قَوامَها المثالي، ملاحظًا استقامةَ قدِّها، واتزانَ رأسها الرائع، ورشاقة يدَيها النحيلتين.

أزاحَ شعره الأسود الطويل عن جبهته إلى الوراء وابتسم. كان يُسعده اعتقادُ أن وجهه كان مصبوبًا في قالَبِ مثقَّف، وأنه يُمكن وصف شحوب بشرته الباهتة غير الصحية إلى حدٍّ ما بأنه «شحوب الفِكْر».

أشاحَ بوجهه عنها على حين غِرَّة ونظر عبر النافذة البارزة الكبيرة التي تُطل على الطابق السفلي المزدحم لمركز لاين التجاري.

بُني هذا المكتبُ في الطابَق الأوسط المنخفض، ووُضِعت النافذة بحيث يستطيع في أيِّ لحظة الإشرافَ على القسم الأهم الذي كان من حُسن حظه أنه كان مسئولًا عن إدارته.

بين الحين والآخر، كما رأى، كان ثَمة رأسٌ يلتفت ناحيتَه، وكان يعلم أن انتباه جميع الفتيات مُنصبٌّ على هذا المشهد الصغير، الذي كان مرئيًّا بوضوحٍ من الطابق السفلي، والذي تُشارك فيه إحدى الموظَّفات على غير رغبتها.

كانت هي أيضًا مُدركةً لهذه الحقيقة، مما زاد انزعاجها وارتباكها. تحركَت حركة بسيطة، كما لو كانت ستذهب، لكنه أوقفها.

قال: «أنتِ لا تفهمين يا أوديت.» كان صوته رقيقًا ورخيمًا، كما لو كان يربِّت عليها. ثم سألها فجأة: «هل قرأتِ كتابي الصغير؟»

أومأت برأسها إيجابًا.

وقالت بينما تزداد خدودها حُمرة: «نعم، قرأتُ بعضًا منه.»

ضحك ضحكة خافتة.

سألها: «أعتقدُ أنكِ ارتأيتِ أنه من الغريب أنَّ رجلًا في مثل مكانتي يزعج رأسه ويكتب شعرًا، أليس كذلك؟ كتبتُ معظمه قبل أن آتيَ إلى هذا المتجر اللعين يا عزيزتي … قبل أن أتحول إلى تاجر!»

لم تُحِر جوابًا، فنظر إليها بفضول.

سأل: «ما رأيكِ فيه؟»

كانت شفتاها ترتجفان، ومرةً أخرى أخطأ في تفسير الدلالات.

قالت بصوت منخفض: «أرى أنه كان فظيعًا للغاية.»

رفعَ حاجبيه. وقال:

«فظيع!»

ثم استأنف ساخرًا: «يا لكِ من تجسيد للطبقة المتوسطة التي تنتمين إليها يا آنسة رايدر!» ثم تابعَ قائلًا: «تلك الأبيات قد أشادَ بها عددٌ من أفضل النقاد في البلاد باعتبارها تُجسد كلَّ مَواطن جمال الشعر اليوناني القديم.»

شرعَت في الحديث، لكنها منعت نفسها ووقفت دون أن تنبس ببنتِ شَفة.

هزَّ ثورنتون لاين كتفَيه وسار إلى الطرف الآخر من مكتبه المُجهَّز بأثاث فاخر.

قال بعد فترة: «الشِّعرُ مثل الخِيار، لا بد أن تتعلَّمي تذوُّقَه.» ثم تابعَ: «يجب أن يصل مستوى تعليمِكِ إلى تذوقِ نوعٍ معين من الأدب. أكاد أجزم أنه سيأتي وقتٌ تكونين فيه ممتنةً لأنني منحتُك فرصةَ الاطلاع على خواطرَ جميلة متأنقة في حُلَّة من اللغة الجميلة.»

عندئذٍ تطلعَت إليه.

سألت: «هل لي أن أذهب الآن يا سيد لاين؟»

أجاب بهدوء: «ليس بعد.» ثم استطرد قائلًا: «قلتِ الآن إنكِ لم تفهَمي ما كنتُ أتحدث عنه. سأعرض الأمرَ بوضوحٍ أكثرَ هذه المرة. أنت فتاة جميلة جدًّا، كما تعلمين غالبًا، ومن المرجح جدًّا أن يكون قدَرُك أن تتزوَّجي شخصًا عاديًّا جدًّا ذا عقلية متواضعة كأبناء الضواحي، وتعيشي معه حياةً تنحدر إلى مستوى العبودية. هذه هي حياة نساء الطبقة المتوسطة، كما تعلمين على الأرجح. ولماذا ترضخين لهذه العبودية؟ ببساطةٍ لأن شخصًا يرتدي معطفًا أسودَ وياقة بيضاء تلا عليك بعض الكلمات — كلمات ليس لها معنًى، كما أنها ليس لها أهمية بالنسبة إلى أيِّ شخص ذكي. لن أُكلف نفسي عناءَ المرور بمثل هذه المراسم الحمقاء، ولكنني سأتكبَّد عناء أن أجعَلَكِ سعيدة.»

مشى نحوها ببطءٍ ووضع يده على كتفها.

تراجعَت بدافع غريزي، فضحك.

«ما رأيُكِ؟»

دارت حوله وعيناها تستعران، لكن صوتها تحت السيطرة.

قالت: «تصادفَ أنني واحدةٌ من هؤلاء الحمقى ذَوي التفكير المتواضع كأبناء الضواحي، الذين يُعطون أهميةً لتلك الكلمات الغامضة التي كنتَ تتحدث عنها. ومع ذلك فأنا واسعةُ الأفق بما يكفي للاعتقاد بأنَّ مراسم الزواج لن تجعلك أكثرَ سعادةً أو تعاسةً سواءٌ جرى أداؤها أو جرى التغاضي عنها. لكن، سواءٌ كان زواجًا أو أيَّ نوع آخر من الارتباط، فأنا على الأقل أحتاج إلى رجل.»

عبَسَ وجهه.

وسألها، وقد تغيرَت نبرة صوته الناعمة: «ماذا تعنين؟»

كان صوتها مخنوقًا بدموع غاضبة عندما ردَّت عليه:

«لن أرغبَ في مخلوقٍ غريبِ الأطوار يصوغ مشاعرَ مروعةً في أبيات باردة. أُكرر، أريد رجلًا.»

ظهرَ الغضب على وجهه.

وقال رافعًا صوته: «هل تعرفين إلى مَنْ تتحدَّثين؟»

قالت بأنفاس متلاحقة: «أنا أتحدث إلى ثورنتون لاين، صاحب متاجر لاين، ربِّ عمل أوديت رايدر الذي تتقاضى منه ثلاثةَ جنيهات في الأسبوع.»

كان ينفث غضبًا.

قال لاهثًا: «كوني حذرة!» ثم كرَّرها: «كوني حذرة!»

واصلَت حديثها بسرعة: «إنني أتحدث إلى رجلٍ حياته كلُّها عارٌ على مُسَمَّى «رجل» ذاته!» وأضافت: «رجل لا يُخلص في شيء، ويعيش على عقل أبيه وسُمعته، وعلى المال الذي اكتُسب من خلال العمل الشاق الذي أدَّته سواعدُ رجالٍ أفضل.»

وصاحت بازدراءٍ بينما كان يخطو نحوَها: «لا يُمكنك تخويفي.» ثم قالت: «أوه، نعم، أعلم أنني سأتركُ عملك، وسأغادر الليلة!»

جُرِح الرجل وشعَر بالمهانة وكاد يسحقُه ازدراؤها. وأدركَت هي ذلك فجأةً وأوقفَ تعاطفُها النسائيُّ السريع أيَّ إحساس زائد بالمرارة.

قالت بنبرةٍ أكثرَ رقة: «أنا آسفةٌ لأنني كنت قاسيةً للغاية.» ثم أضافت: «لكنك قد استفزَزْتَني يا سيد لاين.»

كان عاجزًا عن الكلام ولم يستطِع إلا أن يهزَّ رأسه ويُشير إلى الباب بإصبَعٍ مرتعشة.

قال هامسًا: «اخرجي.»

خرجَت أوديت رايدر من الغرفة، لكن الرجل لم يتحرَّك. ثم فجأة تحرَّك إلى النافذة ونظر إلى الطابق السُّفلي، ورأى جسدَها الرشيقَ يتحرك ببُطء عبر زحام الزبائن والموظفين ويعتلي الدرجاتِ الثلاثَ المؤديةَ إلى مكتب مدير الحسابات.

همهم قائلًا: «ستدفعين ثمنَ هذا يا فتاتي!»

لقد جُرِح جُرحًا لا يُغتفَر. كان ابنَ رجلٍ ثريٍّ وعاش بطريقةٍ ما حياةً مَصونة بعيدةً عن أي إحباطات. لقد حُرِم المَيْزة التي كان يُمكن أن تمنحَها له المدرسة العامة، وذهب إلى مدرسة خاصة محاطًا بالمتملِّقين والمتكلِّفين أمثالِه، ولم يشعر قطُّ ببرودة رياح النقد موجَّهةً إليه، إلا فيما اعتاد على وصفه ﺑ «صِحافة الزَّواحف».

لعقَ شفتَيه الجافتَين، وسار إلى مكتبه، وضغط جرسًا. وبعد انتظار قصير، ذلك أنه كان قد أرسل سكرتيرته بعيدًا عن قصد، دخلَت فتاة.

سأل: «هل جاءَ السيد تارلينج؟»

«نعم يا سيدي، إنه في غرفة الاجتماعات. إنه ينتظر منذ ربع الساعة.»

أومأ برأسه.

قال: «شكرًا لكِ.»

«هل أُخبره …»

قال لاين: «سأذهبُ إليه بنفسي.»

أخرجَ سيجارة من عُلبته الذهبية، وأشعل عودَ ثقاب وأشعلها. كانت أعصابه مهتزة، ويداه ترتجفان، لكن العاصفة في قلبه كانت في سبيلها إلى الهدوء تحتَ تأثير هذه الفكرة العظيمة. تارلينج! يا له من إلهام! تارلينج، بسُمعته المعروفة عن بَراعته وذكائه الذي يكاد يكون خارقًا. ماذا يمكن أن يكون أكثرَ روعةً من هذه المصادفة؟

مرَّ بخطواتٍ سريعة عبْر الممر الذي يربط بين عرينِه الخاصِّ وبين غرفة الاجتماعات، ودخل إلى هذه الغرفة الفسيحة مادًّا يدَيه.

قد يكون الرجل الذي استدار ليُحيِّيَه في السابعة والعشرين أو السابعة والثلاثين من عمره. كان طويلًا، لكنه رشيقٌ وليس عريضًا. كان وجهه بلون الماهوجني، وتطلَّع إلى لاين بعينَين زرقاوين غامضتَين ولا يحملان تعبيرًا. كان هذا هو الانطباعَ الأول الذي تلقَّاه لاين.

أخذَ يد لاين في يده — كانت ناعمةً مثل يدِ امرأة. وبينما هما يتصافحان لاحظ لاين شخصًا ثالثًا في الغرفة. كان تحت الطول المتوسط، وجلسَ في الظِّل الذي ألقاه أحدُ أعمدة الحائط. وقفَ هو أيضًا، لكنه أحنى رأسه.

قال لاين ناظرًا إلى هذا الشبح غير المتوقَّع بفضول: «صيني، ها؟» ثم انتبه قائلًا: «آه بالطبع يا سيد تارلينج، كِدتُ أنسى أنك أتيتَ من الصين لتوِّك. هَلَّا جلست؟»

فعل كما فعل الآخَر، وألقى بنفسه على كرسيٍّ وعرض عُلبة سجائره عليه.

قال: «سأناقش العمل الذي سأطلبه منك لاحقًا.» ثم استدرك قائلًا: «ولكن يجب أن أوضح أنني كنتُ منجذبًا إليك جزئيًّا بواسطة الوصف الذي قرأته في إحدى الصحف بخصوص الطريقة التي استعدتَ بها جواهرَ دوقة هينلي، وجزئيًّا من خلال القصص التي سمعتُها عنك عندما كنتَ في الصين. أنت لا تعمل لصالح سكوتلاند يارد، أليس كذلك؟»

هزَّ تارلينج رأسه.

أجابَ بهدوء: «بلى.» ثم تابعَ: «كنت أعمل بانتظام مع الشرطة في شنغهاي. وكنت قد انتويتُ الانضمام إلى سكوتلاند يارد؛ في الواقع، لقد جئتُ لهذا الغرض. ولكن حدثَت عدة أمور جعلَتني أفتح مكتبَ تحقيقاتٍ خاصًّا، وكان أهم هذه الأمور هو أن سكوتلاند يارد رفضت أن تُطلِقَ يدي في التصرف كما طلبت!»

أومأ الآخر برأسه بسرعة.

لقد ذاعَ صيت إنجازات جاك أوليفر تارلينج في الصين، أو كما أُطلق عليه في عالَم الجريمة الصيني «صياد الرجال».

كان لاين يحكم على الناس كافةً بمعاييره الخاصة، ورأى في هذا الرجل غيرِ العاطفي أداةً محتملة، وعلى الأرجح شريكًا محتملًا.

قامت قوة المباحث في شنغهاي بأشياءَ غريبةٍ بكلِّ المقاييس، ولم تكن دقيقةً للغاية فيما يتعلَّق بالالتزام بالنصِّ الحرفي للقانون. حتى إنه كانت هناك شائعاتٌ بأن «صياد الرجال» لم يتورَّع عن تعذيب سجنائه، إذ كان بذلك يستطيع انتزاع الاعترافات التي يُمكن أن تُورِّط واحدًا من أعتى المجرمين. لم يعرف لاين، ولم يستطِع أن يعرفَ كلَّ الأساطير التي انتشرت حول اسم «الصياد» ولم يكن من المتوقَّع من حيث المنطقُ أن يُفرِّق بين الحقيقة والزيف.

وتابع تارلينج ببطء وبنبرة حاسمة: «أعرف جيدًا سبب إرسالك من أجلي.» ثم أردف: «لقد أعطيتَني ملخَّصًا تقريبيًّا في رسالتك. كنتَ تشكُّ في أن أحد موظفيك لا يزال يسرق الشركة لسنواتٍ عديدة. كان اسمه السيد ميلبرج، وهو رئيس القسم.»

أوقفه لاين بإشارة وخفض صوته.

قال: «أريدك أن تنسى ذلك لبرهة يا سيد تارلينج.» ثم تابعَ: «في الواقع، سوف أُقدم إليك ميلبرج، وربما يستطيع ميلبرج مساعدتَنا في مُخطَّطي. أنا لا أقول إن ميلبرج صادق، أو إن شكوكي كانت بلا أساس. لكن في الوقت الحاليِّ لديَّ مهمةٌ أكبرُ من ذلك بكثير، وسأكون مَدينًا لك إذا نسيتَ كل الأشياء التي قلتُها عن ميلبرج. سوف أتصل به الآن.»

مشى إلى طاولة طويلة امتدَّت نحو نصف طول الغرفة، ورفعَ سماعة هاتفٍ كان موضوعًا عند أحد طرَفَيها، وتحدَّث إلى عامل الهاتف.

قال: «قل للسيد ميلبرج أن يأتيَ إليَّ في غرفة الاجتماعات، من فضلك.»

ثم عاد مرة أخرى إلى ضيفه.

قال: «مسألة ميلبرج يمكن أن تنتظر.» ثم أضافَ: «لا أظن أنني سوف أمضي قُدُمًا فيها. هل أجريتَ تحرياتٍ بشأنها؟ إذا كنت قد فعلت، فالأحرى بك أن تُخبرني بإيجازٍ بما وجدتَه قبل أن يأتيَ ميلبرج.»

أخذ تارلينج بطاقةً بيضاءَ صغيرة من جيبه ونظر إليها.

«ما الراتبُ الذي تدفعه إلى ميلبرج؟»

أجاب لاين: «تِسعَمائة جنيه في العام.»

قال تارلينج: «إنه يعيش براتبِ خمسةِ آلاف.» ثم استدرك: «بل ربما حتى أكتشفُ أنه يعيش براتبٍ أكبرَ بكثير. لديه منزلٌ يُطِل على النهر، ويعيش ببذخ شديد …»

لكنَّ الآخرَ تجاهل التقريرَ بنفادِ صبر.

وهتفَ به: «لا، دَعْ هذا ينتظر.» ثم أوضحَ: «أقول لك إن لديَّ عملًا أهمَّ بكثير. ميلبرج قد يكون لصًّا …»

«هل أرسلتَ في طلبي يا سيدي؟»

استدار بسرعة. كان الباب قد انفتح بدون ضجيج ووقف رجلٌ على عتبة الغرفة، تعلو وجهَه ابتسامةٌ عريضة، ويداه لا تنفكَّان تتشابكان وتتلويان بلا انقطاع وكأنه يغسلهما بصابونٍ خفي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١