الفصل الثاني عشر

سجل المستشفى

بينما كانت الممرضة تَرْعى الفتاة سعى تارلينج لإجراء مقابلة مع الطبيب المسئول عن المستشفى.

قال الطبيب: «لا أعتقد أنها تُعاني مشكلة كبيرة.» ثم تابعَ حديثه: «في الواقع، كان يُمكنها الخروج من المستشفى منذ يومين أو ثلاثة أيام، ولم نسمح لها بالبقاء إلا بِناءً على طلبها. هل أفهم أنها مطلوبةٌ بخصوص جريمة قتلِ أزهار النرجس؟»

قال تارلينج بصوتٍ عالٍ: «كشاهِد.» أدركَ أنه كان يقول شيئًا مثيرًا للسخرية؛ لأن حقيقةَ صدور أمرٍ بالقبض على أوديت رايدر يجب أن تكون معروفةً بشكل عام لدى السلطات المحلية. وأُعلِنَت أوصافها بعناية، ولا بد أن تكون هذه الأوصافُ قد أتت إلى رؤساء المستشفيات والمؤسسات العامة. وأكدت الكلمات التالية للطبيب على عِلمه.

قال بجفاف: «كشاهِد، ها؟» ثم أردفَ: «حسنًا، أنا لا أريد أن أُقحِم نفسي في أسرارك، أو على الأحرى في أسرار سكوتلاند يارد، ولكنها قادرةٌ على السفر بمجرد أن تريد.»

كان هناك طَرقٌ على الباب، ودخلت رئيسة التمريض إلى مكتب الطبيب.

قالت مخاطبة تارلينج: «الآنسة رايدر ترغب في رؤيتك يا سيدي.» وأخذ المحققُ قبعته وعاد إلى الجناح الصغير.

وجد الفتاةَ أكثر تماسكًا لكنها ما زالت في بياض الموتى. كانت خارجَ السرير، جالسةً على كرسيٍّ كبير بذراعَين، وملفوفةً في ثوبِ نوم، وأشارت إلى تارلينج ليسحب كرسيًّا إلى جانبها. انتظرت حتى بعد إغلاق الباب خلف الممرضة، ثم تحدَّثت.

«كان مِن السخف أن أُغمِيَ عليَّ يا سيد تارلينج، لكن الأخبار كانت فظيعةً للغاية وغيرَ متوقعة للغاية. ألن تُخبِرَني كلَّ شيء عنها؟ أنت تعرف أنا لم أقرأ أيَّ صحيفة منذ دخلتُ المستشفى. سمعتُ واحدة من الممرضات تتحدث عن جريمة قتل أزهار النرجس … هذه ليست …»

ترددَت، وأومأ تارلينج برأسه. لقد كان أخفَّ قلبًا الآن، بل ربما أقربَ إلى الابتهاج. لم يكن لديه شكٌّ في أن الفتاة بريئة، وتلوَّنَت الحياة باللون الوردي.

بدأ: «قُتِل ثورنتون لاين ليلةَ الرابع عشَر. آخر مرةٍ شُوهِدَ على قيد الحياة بواسطة خادمه حوالي الساعة التاسعة والنصف مساءً. ومبكرًا في صباح اليوم التالي عُثِرَ على جثته في هايد بارك. قُتِلَ بالرصاص وبُذِلَ جهدٌ لإيقاف الجرح في صدره بربطِ ثوبٍ نسائيٍّ حريري حول جسده. ووضَع شخصٌ ما على صدره مجموعةً من أزهار النرجس.»

كرَّرت الفتاةُ متسائلة: «النرجس؟» ثم أضافت: «ولكن كيف …»

استأنفَ تارلينج: «اكتُشِفَت سيارته على بُعد مائة ياردة من المكان. وكان من الواضح أنه قُتِلَ في مكانٍ آخَر، وجُلِبَ إلى الحديقة في سيارته، وتُرِكَ على الرصيف. في الوقت الذي اكتُشِف فيه لم يكن يرتدي معطفًا ولا صدرة، وكان على قدَمَيه شبشبٌ مصنوع من اللباد.»

قالت الفتاة الحائرة: «لكنني لا أفهم.» ثم تساءلت: «ماذا يعني ذلك؟ مَن الذي …» وتوقفَت فجأة ورأى المحققُ شفتَيها تنغلقان بإحكام، كأنها تكبح جِماح حديثها. ثم فجأةً غطَّت وجهها بيدَيها.

همست: «أوه، هذا فظيع، فظيع!» ثم قالت: «لم أتصوَّر قطُّ، لم يخطر ببالي قطُّ … أوه، هذا فظيع!»

وضعَ تارلينج يدَه برفق على كتفها.

قال: «آنسة رايدر، هل تشتبِهين في أنَّ أحدَهم ارتكبَ هذه الجريمة؟ هَلَّا أخبرتِني!»

هزَّت رأسها دون أن تنظر.

قالت: «لا أستطيع أن أقول شيئًا.»

حَثَّها تارلينج: «لكن ألا ترَين أنَّ الشك سوف يحومُ حولَكِ؟» ثم أردفَ: «وُجِدَت برقيةٌ بين متعلقاته تطلبُ منه الحضورَ إلى شقتكِ في ذلك المساء.»

نظرَت إليه بسرعة.

قالت: «برقية مني؟» ثم نَفت قائلة: «لم أُرسل أيَّ برقية.»

صاحَ تارلينج بحماس: «الحمد لله على ذلك!» ثم كرَّر: «الحمد لله على ذلك!»

«لكنني لا أفهم يا سيد تارلينج. أُرسِلَت برقية إلى السيد لاين تطلب منه أن يأتيَ إلى شقتي؟ هل ذهبَ إلى شقتي؟»

أومأ تارلينج.

قال بجدِّية: «لديَّ سببٌ للاعتقاد بأنه فعل. ارتُكِبَت جريمة القتل في شقتك.»

همست: «يا إلهي!» ثم قالت: «أنت لا تقصد ذلك! أوه، لا، لا، هذا مستحيل!»

باختصارٍ قصَّ عليها كلَّ اكتشافاته. كان يعلم أنه كان يتصرف بطريقة خاطئة وغير أمينة تمامًا من وجهة نظر أخلاقيات الشرطة. كان يضع في حوزتها كلَّ القرائن ويمنحُها فرصةً لدحضِ الأدلة التي جُمِعَت ضدَّها. أخبرها عن بُقَع الدمِ على الأرض، ووصف ثوب النوم الذي عُثِرَ عليه حول جثة ثورنتون لاين.

قالت ببساطة ودون تردُّد: «كان هذا ثوبي.» ثم أردفت: «أكمِل من فضلك يا سيد تارلينج.»

أخبرها ببصمات الإبهام الدامية على باب الخِزانة.

تابعَ: «ووجَدتُ على سريركِ حقيبةَ السفر نصفَ ممتلئة.»

مالت إلى الأمام، وألقت يدَيها وهي تتلمس طريقها كالأعمى.

«أوه، كم هو شرير، كم هو شرير! لقد فعلها، لقد فعلها!»

سألها تارلينج: «مَنْ؟»

أمسكَ بكتفَيِ الفتاة وهزَّها.

«مَنْ كان الرجل؟ يجب أن تُخبريني. حياتُكِ نفسُها تتوقف على ذلك. ألا ترَين يا أوديت، أريد مساعدتَكِ؟ أريد أن أُبرِّئ ساحتَكِ من هذه التهمة الرهيبة. أنتِ تشكِّين في شخصٍ ما. يجب أن تُعطيني اسمه.»

هزَّت رأسها وحوَّلت وجهَها المثير للشفقة نحو وجهه.

قالت بصوتٍ منخفض: «لا أستطيع أن أخبرك.» ثم تابعت: «لا أستطيع أن أقول أكثرَ من ذلك. لم أعرف شيئًا عن جريمة القتل حتى أخبرتَني. لستُ أدري … كرهتُ ثورنتون لاين، كرهته، لكنني لم أكن لأوذيَه … إنه أمرٌ مروِّع، مروع!»

ثم أضحَت أكثرَ هدوءًا.

قالت: «يجب أن أذهب إلى لندن في الحال.» ثم سألته: «هَلا أرجعتَني إلى هناك؟»

لاحظت إحراجه وسرعان ما فهمَت السببَ وراءه.

«أنت … لديك أمرٌ بالقبض عليَّ، أليس كذلك؟»

أومأ برأسه.

«بتهمة القتل؟»

أومأ برأسه مرة أخرى. نظرت إليه في صمتٍ لبعض لحظات.

قالت: «سأكون جاهزة خلال نصف الساعة.» ودون أن ينبس ببنتِ شفةٍ غادر المحقِّقُ الغرفة.

عادَ إلى غرفة الطبيب ووجد ذلك الرجلَ في انتظاره بصبرٍ نافد.

قال الطبيب: «إنَّ الحديث عن أنَّ هذه الفتاة مطلوبةٌ كشاهدة هو محضُ هُراء. راودَتْني شكوكي واطلعتُ على تحذير سكوتلاند يارد الذي تلقيتُه منذ يومين. إنها أوديت رايدر، وهي مطلوبة بتهمة القتل العَمْد.»

قال تارلينج: «فهمت الأمر في المرة الأولى.» واستلقى بإرهاق على كرسي. «هل تُمانع إذا دخَّنت؟»

قال الطبيب بكل أريحية: «على الإطلاق.» ثم سأله: «أفترضُ أنك ستأخذها معك؟»

أومأ تارلينج.

قال الدكتور سوندرز: «لا أستطيع أن أتخيَّل فتاةً مثل هذه ترتكبُ جريمةَ قتل.» ثم علَّل قائلًا: «لا يبدو أنها تمتلكُ اللياقة البدنية اللازمة لتنفيذ جميع خطوات الجريمة. قرأتُ التفاصيل في جريدة «مورنينج جلوب». الشخص الذي قتَل ثورنتون لاين يجب أن يكون قد حمَله من سيارته وأرقده على العُشب، أو أينما وُجِد — وتلك الفتاة لا تستطيع حمل طفلٍ كبير الحجم.»

هزَّ تارلينج رأسه موافقًا.

وتابعَ الدكتور سوندرز: «علاوةً على ذلك، فهي لا تمتلك وجهَ قاتل. لا أقصد أن أقول إنها كونها جميلةً لا تستطيع ارتكاب جريمة، ولكنْ هناك أنواعٌ معينة من الجمال أصلُها الجمال الروحي، والآنسة ستيفنز، أو رايدر، كما أفترض أنني يجب أن أدعُوَها هي واحدة من هذا النوع.»

قال تارلينج: «أنا معك في ذلك.» ثم أردفَ مؤكِّدًا: «أنا مقتنعٌ تمامًا أنها لم ترتكب الجريمة، لكن كل الملابسات ضدها.»

رنَّ جرس الهاتف، ورفع الطبيب السماعة وتحدَّث كلمات قليلة.

قال: «مكالمة بعيدة.» موضحًا التأخيرَ في استقبال المعلومات من الطرَف الآخر للمكالمة.

تحدَّث مرة أخرى في الهاتف ثم سلَّم الجهازَ عبر المائدة إلى تارلينج.

قال: «إنها لك.» ثم أوضحَ: «أعتقد أنها سكوتلاند يارد.»

وضعَ تارلينج السماعةَ على أذنه.

قال صوت: «هذا وايتسايد.» ثم أضافَ مستفسرًا: «هل هذا أنت يا سيد تارلينج؟ لقد وجدنا المسدس.»

سألَ تارلينج بسرعة: «أين؟»

جاءَ الرد: «في شقة الفتاة.»

بدَت على وجه تارلينج خيبةُ الأمل. لكن على أيِّ حال، لم يكن هذا شيئًا غيرَ متوقَّع. لم يكن لديه شكٌّ على الإطلاق في أن جريمة القتل قد ارتُكِبَت في شقة أوديت رايدر، وإذا سلَّمنا بصحة هذه النظرية، فإن التفاصيل تُصبح غيرَ مهمة، حيث لا يوجد سبب في العالم يمنع أن يوجد المسدس أيضًا بالقرب من مسرح الجريمة. في الواقع، كان الأمر سيُصبح غريبًا إذا لم يُكتشَف السلاح في هذا المكان.

سألَ: «أين كان؟»

قال وايتسايد: «في صندوقِ أدواتِ الحياكةِ الخاصِّ بالسيدة.» ثم أردفَ: «دُفِعَ إلى الأسفل وغُطِّيَ بالكثير من الصوف والأغراض ونهايات الأشرطة.»

سألَ تارلينج بعد لحظة صمت: «أيُّ نوع من المسدسات هذا؟»

كان الرد: «كولت آلي.» ثم استرسل الرجل قائلًا: «كانت هناك ستُّ خراطيشَ حيةٍ في الخِزانة وواحدةٌ في الثغرة. من الواضح أن الطلق الناري قد خرج من المسدس؛ لأن الماسورة كانت لها رائحة كريهة. وجدنا أيضًا الرصاصة الفارغة في المدفأة. هل وجدتَ الآنسة ستيفنز؟»

قال تارلينج بهدوء: «نعم.» ثم أوضحَ: «الآنسة ستيفنز هي أوديت رايدر.»

سمعَ صافرةَ مفاجأةٍ على الجانب الآخر.

«هل ألقيتَ القبض عليها؟»

قال تارلينج: «ليس بعد.» ثم سأله: «هَلا قابلتَ القطار القادم من آشفورد؟ سأغادر هنا بعد نصف الساعة.»

أغلقَ السماعة واستدار إلى الطبيب.

قال الطبيب المهتم: «أفهم أنهم وجَدوا السلاح.»

أجابَ تارلينج: «نعم، لقد عثَروا على السلاح.»

قال الطبيب، وهو يفرك ذقنه بتفكير عميق: «أمر سيِّئ جدًّا.» ثم نظر إلى الآخَر بفضول وسأل: «أيُّ نوع من الرجال كان ثورنتون لاين؟»

هزَّ تارلينج كتفَيه.

قال: «أخشى أنه لم يكن أفضلَ الرجال، ولكن حتى أسوأ الرجال يحميهم القانون، والعقوبة التي تقع على القاتل …»

ابتسم الطبيب وقال: «أو القاتلة.»

قال تارلينج باقتضاب: «قاتل.» ثم عقَّب قائلًا: «العقوبة لن تتأثر بشخصية القتيل.»

كان الدكتور سوندرز ينفخ بثباتٍ في غليونه.

وقال: «من الصعب جدًّا أن تتورط فتاةٌ مثل هذه في قضيةٍ بهذا الوصف.» ثم أضافَ: «أمر غريبٌ غايةَ الغرابة.»

نُقِرَ الباب نقرة خفيفة ثم ظهرَت رئيسة التمريض.

قالت: «الآنسة ستيفنز جاهزة.» ثم نهضَ تارلينج.

نهضَ الدكتور سوندرز معه، وذهب إلى أحد الرفوف وأنزل منه سجلًّا كبيرًا، ووضعه على طاولته، وفتحه وأخرج قلمًا.

قال وهو يُقلِّب الأوراق ويُمرِّر إصبعه على الصفحة: «يجب أن أُسجل خروجها. ها هي … آنسة ستيفنز، ارتجاجٌ وصدمة.»

نظرَ إلى الكتابة تحت يده ثم رفعَ عينَيه إلى المحقق.

سأل: «متى ارتُكِبَت جريمة القتل هذه؟»

«في ليلة الرابعَ عشر.»

كرَّر الطبيب بتفكيرٍ عميق: «في ليلة الرابع عشر؟» ثم سأله: «في أي وقتٍ بالضبط؟»

قال تارلينج بنفادِ صبرٍ واستعجالٍ أن يُنهي حديثه مع هذا الطبيب الثرثار: «الساعة غيرُ مؤكَّدة. في وقتٍ ما بعد الحادية عشرة.»

كرَّر الطبيب: «في وقتٍ ما بعد الحادية عشرة.» ثم أردفَ: «لا يمكن أن تكون قد ارتُكِبَت قبل ذلك. متى شُوهِد الرجل آخِرَ مرة على قيد الحياة؟»

قال تارلينج بابتسامة صغيرة: «الساعة التاسعة والنصف.» ثم سأله: «لا تنوي العملَ في التحقيق الجنائي، أليس كذلك يا دكتور؟»

ابتسمَ سوندرز قائلًا: «ليس بالضبط.» ثم تابعَ: «على الرغم من أنني سعيدٌ بطبيعة الحال لوجودي في موقفٍ يسمح لي بإثبات براءةِ الفتاة.»

سألَ تارلينج بسرعة: «تُثبت براءتها؟ ماذا تقصد؟»

«جريمة القتل لا يُمكن أن تكون قد ارتُكِبَت قبل الساعة الحادية عشرة. فقد شُوهِد القتيلُ لآخِر مرة على قيد الحياة في التاسعة والنصف.»

قال تارلينج: «حسنًا؟»

كرَّر الدكتور سوندرز: «حسنًا. عند الساعة التاسعة غادر قطارُ القارب تشيرينج كروس، وفي العاشرة والنصف سُجِّل دخول الآنسة رايدر بهذا المستشفى تُعاني من صدمةٍ وارتجاج في المخ.»

للحظةٍ، لم ينبس تارلينج ببنتِ شَفة ولم يُحرك ساكنًا. وقفَ كما لو كان قد تحوَّل إلى حجر، يُحدِّق في الطبيب فاغرًا فاه. ثم تقدَّم إلى الأمام، وأمسك بيد الطبيب المذهول وصافحَها.

قال بصوتٍ أجشَّ: «هذا أفضلُ خبرٍ تلقيتُه في حياتي.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١