الفصل الثاني

الصيَّاد يرفض طريدته

قال لاين بحرَج: «هذا هو السيد ميلبرج.»

إذا كان السيد ميلبرج قد سمع الكلماتِ الأخيرةَ التي نطقها صاحبُ العمل، فإن وجهه لم يَشِ بهذه الحقيقة. كانت ابتسامته ثابتة، ولم تنفرج بها شفَتاه فحَسْب، ولكنها ملأت عينَيه الكبيرتين غيرَ اللامعتين. رمَقه تارلينج سريعًا بعينيه ووضعَ استنتاجاته الخاصة. كان الرجل خادمًا بالغريزة، ممتلئَ الوجه، أصلع الرأس، ذا كتفَين منحنيَين، وكأنه يعيش في إيماءة دائمة بالخنوع.

«أغلِق الباب يا ميلبرج، واجلس. هذا هو السيد تارلينج. السيد تارلينج محقِّق.»

«حقًّا سيدي؟»

أحنى ميلبرج رأسَه باحترامٍ في اتجاه تارلينج، بينما راحَ المحقق يُراقب عبثًا أيَّ تغيير في اللون أو ملامح الوجه أو أيًّا من تلك العلامات التي كثيرًا ما تشي بالمذنبين المُدانين.

قال في نفسه: «رجل خطير.»

نظر بزاويةِ عينه ليرى ما هو الانطباعُ الذي خلَّفَه الرجلُ على لينج تشو. بالنسبة إلى العين العادية، ظل لينج تشو مراقبًا محايدًا للمشهد، لكن تارلينج رأى هذه الانحناءةَ البسيطة للشِّفاه، والانتفاخَ غير الملحوظ تقريبًا للأنف، الذي يَظهر دائمًا على وجه مرافقه عندما «يشم» مجرمًا.

كرَّر لاين: «السيد تارلينج محقق.» ثم أضافَ: «إنه رجل نبيل سمعتُ عنه عندما كنتُ في الصين.» ثم سألَ تارلينج: «أنت تعلم أنني كنت في الصين لمدة ثلاثة أشهر عندما قمتُ بجولتي حول العالم؟»

أومأ تارلينج.

وقال: «أوه نعم، أعلم.» ثم واصلَ حديثه: «لقد نزلتَ في فندق «بند». لقد قضيتُ وقتًا طويلًا في الحي الأصلي، وكان لديكَ بالأحرى تجرِبةٌ غيرُ سارة نتيجةَ تجرِبة تدخين الأفيون.»

احمرَّ وجه لاين، ثم ضحك.

قال بنبرةٍ غاضبة: «أنت تعرف عني أكثرَ مما أعرفه عنك يا تارلينج.» ثم التفتَ مرة أخرى إلى مرءوسه.

قال: «لديَّ أسبابٌ للاعتقاد بأنَّ هناك أموالًا تُسرَق في هذه الشركة، من قِبَل أحد المحاسبين.»

قال السيد ميلبرج مصدومًا: «مستحيلٌ يا سيدي!» ثم أوضحَ: «مستحيل تمامًا! مَنْ يمكن أن يرتكب هذه الفَعْلة؟ وما أذكاك في اكتشاف ذلك يا سيدي! أنا دائمًا أقول إنك ترى ما يَغفُل عنه العجائز أمثالُنا على الرغم من أنه أمام أعيننا تمامًا!»

ابتسم السيد لاين برضًا عن النفس.

قال: «سوف يُثير اهتمامَك أن تعرف يا سيد تارلينج أنني أنا نفسي لديَّ بعضُ المعرفة والعلم بفئات المجرمين وأصنافهم. في الحقيقة، يوجد شخصٌ شقي أتعهَّده برعايتي وقد حاولت جاهدًا إصلاحه على مدار السنوات الأربع الماضية، وهو على وشك الخروج من السجن في غضون عدة أيام.» ثم أردفَ بتواضع: «لقد توليتُ هذا العمل لأنني أشعر بأن ذلك واجبنا نحن الذين نتمتَّع بحظٍّ أوفرَ في الحياة، أن نُساعد أولئك الذين لم تسنَحْ لهم الفرصة في المنافسة الشرسة في العالَم.»

لم ينبهِرْ تارلينج.

سأله: «هل تعرف الشخص الذي يسرقك؟»

«لديَّ أسبابٌ للاعتقاد بأنها فتاة فصَلتُها الليلة، وأُريدك أن تُراقبها.»

أومأ المحقِّق برأسه.

قال المحقق وعلى وجهه شبحُ أولِ ابتسامة خافتة تظهر منه: «إنها مهمة بسيطة إلى حدٍّ ما.» ثم سأله: «أليس لديك مُخبرٌ خاص بالمتجر يستطيع أن يتولَّاها؟ فالسرقات الصغيرة ليست من اختصاصي، وكنت أعتقد أن هذه مهمة أكبر …»

توقَّفَ عن الحديث؛ لأنه كان من الواضح أنه يستحيل شرحُ السبب في اعتقاده بأنها مهمةٌ كبيرة، في حضور الشخص الذي سلوكه، في الأصل، كان محلَّ تحقيقاته.

قال السيد لاين بعُمق: «قد يبدو الأمرُ بالنسبة إليك مسألةً صغيرة. أما بالنسبة إليَّ، فهو مهمٌّ للغاية.» ثم أردفَ قائلًا: «ها هي فتاةٌ تحظى باحترامٍ كبير من قِبَل جميع زميلاتها، ومِن ثَمَّ فإن لها تأثيرًا كبيرًا على أخلاقهن، ولديَّ أسبابٌ للاعتقاد أنها قد دأبَت على تزوير دفاتري وسرقةِ أموالٍ من الشركة بإصرار، وفي الوقت نفسِه تحظى بسُمعة طيبة وباحترام جميع مَنْ تتعامل معهم. من الواضح أنها أكثرُ خطورة من شخص آخر يستسلم لإغراءٍ مفاجئ. ولذا، قد يكونُ من الضروريِّ جعلُ هذه الفتاة عِبرة، لكني أُريدك أن تفهم بوضوح يا سيد تارلينج، أنني لا أملك أدلةً كافية لإدانتها، وإلا فربما لم أكن لأتصلَ بك.»

قال تارلينج بفضول: «هل تريد مني الحصولَ على الدليل، ها؟»

وفجأة طرح ميلبرج سؤالًا قائلًا:

«مَنْ هي السيدة، هل لي أن أجرؤ على السؤال يا سيدي؟»

أجابَ لاين: «الآنسة رايدر.»

«الآنسة رايدر!»

ظهرَت على وجه ميلبرج نظرةُ مفاجأةٍ فارغة، وهو يلهث بالكلمات.

«الآنسة رايدر … أوه، لا، مستحيل!»

فسأل السيد لاين بحِدَّة: «لماذا مستحيل؟»

تلعثمَ المدير وهو يقول: «حسنًا يا سيدي، قصدتُ أن أقول إن … هذا أمر مستبعَد جدًّا … فهي فتاة لطيفة للغاية …»

رمَقَه ثورنتون لاين بنظرةِ شك.

ثم سأله ببرود: «ليس لديك سببٌ معيَّن للرغبة في حماية الآنسة رايدر، أليس كذلك؟»

ردَّ السيد ميلبرج المرتبِك برجاء: «لا يا سيدي، على الإطلاق. أرجوك ألا تعتقدَ ذلك. كل ما هنالك أنه يبدو لي أمرًا غريبًا جدًّا.»

قال لاين باقتضاب: «كل الأشياء الخارجةِ عن المألوف تبدو غريبة.» ثم أضافَ: «سيكون الأمر غريبًا إذا اتُّهِمتَ أنت بالسرقة يا ميلبرج. فعلى سبيل المثال، سيكون أمرًا غريبًا جدًّا في الواقع إذا اكتشَفْنا أنك تعيش حياةَ رجلٍ يكسب خمسة آلاف جنيه بينما راتبُك تِسعمائة جنيه، ها؟»

فقدَ ميلبرج رِباطة جأشه للحظةٍ فقط. وارتجفت اليد التي وضعها على فمه، ورأى تارلينج، الذي لم تنزل عيناه قطُّ عن وجه الرجل، الجهدَ الهائل الذي كان يبذله لاستعادة رِباطة جأشه.

قال ميلبرج بثبات: «نعم يا سيدي، سيكون ذلك غريبًا.»

راودَ لاين غضبُه القديم، وإنْ كان يوجِّه لسانه اللاذعَ نحو ميلبرج، فإن أفكاره كانت تتمحور حول ذلك الوجه المتكبِّر والمحتقر الذي كان ينظر إليه باستعلاءٍ في مكتبه.

زمجر لاين بصوتٍ هادر: «سيكون من الغريب إذا حُكم عليك بالأشغال الشاقة نتيجةً لاكتشافي أنك كنت تسرق الشركة لسنوات. وأفترض أن كلَّ شخص آخر في الشركة سيقول نفسَ ما قلتَه أنت … يا له من أمر غريب!»

قال السيد ميلبرج، بابتسامته القديمة، وقد استعاد وميض عينيه، ويداه لا تتوقفان عن الفرك معًا وكأنهما في وُضوءٍ لا ينتهي: «أكاد أجزم أنهم سيفعلون يا سيدي.» ثم تابعَ: «سيبدو الأمر غريبًا، وسيكون غريبًا، ولن يُفاجَأ أحدٌ هنا أكثرَ من الضحية البائسة … ها! ها!»

قال لاين ببرود: «ربما لا.» ثم أردفَ: «أريد فقط أن أقول بضع كلماتٍ في وجودك، وأودُّ منك أن تستوعبَها جيدًا. كنتَ تشكو لي منذ شهر …» واستأنفَ بتآمُر: «حول ضياع مبالغَ صغيرةٍ من المال من مكتب الحسابات.»

لقد كان شيئًا جريئًا لقوله، وكان شيئًا متهورًا من نواحٍ كثيرة. كان يعتمد في نجاح خُطته التي حاكها على عجَل، ليس فقط على أن ميلبرج مذنِب، ولكن أيضًا على استعداد ميلبرج للاعتراف بذنبه. فإذا وافقَ المديرُ على مسانَدة هذه الكَذْبة، لاعترفَ بنفسه على اختلاساته، وبدأ تارلينج، الذي كان في البداية لا يفهم ما ستئول إليه المحادثة، يرى على نحوٍ غير واضح المنعطَفَ الذي تتَّخذُه المحادثة.

ردَّد ميلبرج بغباء: «أنا اشتكيتُ من ضياعِ مبالغَ مالية في الشهر الماضي؟»

تلاشت الابتسامةُ عن شفتَيه وعينيه. كان وجهه منهكًا — كان كأنَّه وقع في حفرة.

قال لاين وهو يُراقبه: «هذا ما قلتَه. أليست هذه الحقيقة؟»

ساد صمتٌ طويل، ثم فجأة أومأ ميلبرج برأسه.

وقال بصوت منخفض: «هذه هي الحقيقة يا سيدي.»

«وقد أخبرتَني أنك تشتبهُ في أن الآنسة رايدر هي المختلسة؟»

مرةً أخرى ساد الصمت، ومرة أخرى أومأ الرجل برأسه.

سأل لاين منتصرًا: «هل تسمع؟»

قال تارلينج بهدوء: «أسمع.» ثم تابعَ: «والآن ماذا تريد مني أن أفعل؟ أليس هذا أمرًا يخصُّ الشرطة؟ أعني الشرطةَ النِّظامية.»

تجهَّم وجهُ لاين.

وقال: «يجب تجهيز القضية أولًا.» ثم أضاف: «سأُقدِّم إليك كامل التفاصيل فيما يخصُّ عُنوان الفتاة وعاداتِها، وستكون مُهمتك أن تجمع مثل هذه المعلومات التي تُمكِّننا من وضع القضية في يد سكوتلاند يارد.»

قال تارلينج: «فهمت.» وابتسم مرة أخرى ثم هزَّ رأسه وقال: «أخشى أنني لا أستطيعُ أن أتدخَّل في هذه القضية يا سيد لاين.»

ردَّ لاين بدهشة: «لا تستطيع أن تتدخَّل؟» ثم سأله: «ولِمَ لا؟»

قال تارلينج: «لأن هذا ليس من نوع الأعمال التي أضطَلِع بها.» وواصل حديثه قائلًا: «في المرة الأولى التي التقيتُ فيها بك راودَني شعورٌ أنك ستقودني إلى واحدة من كبرى القضايا التي سأتعهد بها. وهذا يوضح لك كيف يُمكن أن يُضِلَّك حَدْسُك عن الطريق.» ثم ابتسم مرة أخرى، والتقط قبعته.

«ماذا تقصد؟ هل ستتخلَّى عن عميل قيِّم؟»

قال تارلينج: «لا أعرفُ كم من المحتمل أن تكون قيِّمًا، لكن في اللحظة الحاليَّة، فإن العلامات ليست مشجعةً للغاية. أقول لك إنني لا أرغب في الاشتراك في هذه القضية يا سيد لاين، وأعتقد أن الأمر يمكن أن ينتهيَ هنا.»

قال لاين ساخرًا: «أنت لا تعتقد أن الأمر يستحق الوقت، ها؟» ثم استدركَ: «ومع ذلك عندما أُخبرك أنني على استعداد لأن أعطيَك خَمسَمائة جنيه …»

قال تارلينج: «إذا أعطيتَني خمسةَ آلاف جنيه أو خمسين ألفًا، فسأظلُّ أرفض الاشتراك في هذا الأمر.» وكانت كلماته تحمل نبرةً باردة تُنهي النقاش.

سأل لاين بصوتٍ عالٍ: «على أي حال، يحقُّ لي أن أعرف لماذا لن تتولَّى هذه القضية. هل تعرف الفتاة؟»

قال تارلينج: «لم أُقابل السيدة من قبل، وربما لن أُقابلها أبدًا.» ثم تابعَ: «كل ما أعرفه أنني لن أُشارك فيما يُسمَّى «تلفيق التُّهَم».»

ردَّد الآخر: «تلفيق التهم؟»

«تلفيق. أعتقد أنك تعرفُ ما يعنيه … سأُوضح لك الأمر بصراحةٍ أكبرَ وفي حدود فَهمك. لسببٍ أو لآخرَ لديك ضغينةٌ مفاجئة ضد إحدى الموظفات لديك. لقد قرأتُ وجهك يا سيد لاين، وملامحُك توحي لي أنك لا تتعامل مع النساء الذين يعملون لديك بمنتهى النَّزاهة والأخلاق. وأنا أُخمن، ولست متيقنًا، أنك قد رُفِضتَ بحسمٍ وبصوت هادر من قِبَل فتاةٍ نبيلة، وبسبب إحساسك بالمهانة، تحاول أن تخترعَ تهمةً لا أساس لها من الصحة.»

ثم التفتَ إلى الآخر، ومرة أخرى توقَّف السيد ميلبرج عن الابتسام، وأردف: «السيد ميلبرج لديه أسبابُه الخاصة للامتثال لرغباتك؛ فهو مرءوس لك، علاوةً على ذلك، فإن تهديدك له بالأشغال الشاقة إذا رفض أمرٌ له وزنُه.»

استشاطَ ثورنتون لاين غضبًا.

وقال: «سأحرصُ على أن يجريَ الإعلانُ عن سلوكك على نطاق واسع.» ثم تابعَ: «لقد وجهتَ ضدي أبشعَ تهمة، وسأُوجِّه إليك تهمةَ القذف. الحقيقة هي أنك لستَ على مستوى المهمة التي انتويتُ أن أمنحَك إياها وتُحاول أن تجد عذرًا لعدم تولِّيها.»

أجاب تارلينج وهو يقضمُ نهاية سيجار أخذه من جيبه: «الحقيقة هي أن سُمعتي جيدة جدًّا بحيث لا يُمكنني المخاطرةُ بها بالمشاركة في مثل هذا العمل القذِر. أكرهُ أن أكون وقحًا وأكره بالقدْرِ نفسِه أن أرفض مبلغًا كبيرًا من المال، لكنني لا أستطيع أن أقبلَ مبلغًا كبيرًا مقابلَ عملٍ وضيع يا سيد لاين، وإذا كان لك أن تقبل نصيحتي، فسوف تتراجع عن هذا المخطَّط الغبيِّ للانتقام الذي اقترحَه كبرياؤك المجروح — فهذه من أسوأ عمليات التلفيق التي نُفِّذَت حتى الآن وأكثرِها حُمقًا — وسوف تذهب أيضًا وتعتذر من السيدة الشابة التي ليس لديَّ شكٌّ في أنك أهَنتَها إهانةً بالغة.»

أشار إلى رفيقه الصينيِّ ومشى على مهلٍ إلى الباب. راقبه لاين إلى أن كاد يُغلق الباب، وقد أعماه الغضب، وراحت أطرافُه ترتجف شاعرًا بعجزه كرجلٍ ضعيف، ثم فجأةً اندفع إلى الأمام بصرخة مخنوقة، وفتح الباب عنوة وانقضَّ على المحقق.

قبضَت يدا المحقق على ذِراعيه ورفعَته بأكمله إلى داخل الغرفة مرة أخرى، ودفعته إلى أسفل على كرسي. وحدَّق فيه المحقق بوجهٍ غيرِ قاسٍ، وجهٍ تَحرَّر من جدِّيته الشديدة بخطوطِ الضحك الصغيرة حول العينين.

قال تارلينج بصوتٍ ساخر: «إنك تضربُ مثلًا سيئًا للغاية لأصناف المجرمين يا سيد لاين. لحُسن الحظِّ أن صديقك المُدان في السجن.»

وبدون كلمة أخرى غادرَ الغرفة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١