مع الملك

عاد ابن عمار إلى الملك يقُصُّ عليه ما قام به في رحلته تلك من أعمالٍ والمعتمد يستمع وكله إعجابٌ بوزيره العظيم، وكيف لا وابن عمار لا يقُصُّ غير ما يُرضي المعتمد؟ فهو لا يَرْوي له عن الرهينة التي ستكون ولده، وهو لا يَقُص له غير أن عشرة الآلاف مثقالًا ذهبًا سوف يُقدِّمها لريمون لينال بها مُلكًا جديدًا، وفتحًا مبينًا، ونَصرًا مُؤزَّرًا ومجدًا سامقًا.

سُرَّ المعتمد بهذا الاتفاق وعاهَد ابن عمار أن يجهز الجيش، وعاهَدَه كذلك أن يُؤدِّي المال إلى ريمون في الموعد المضروب. ولقد دُهِش المعتمد بعض الوقت حين وجد ابن عمار يُحذِّره أن يتأخر في أداء هذا المال، دُهِش أن وجده يُحذِّره من تأخير يومٍ واحد فما كان ليدري سببًا لذلك ومن أين له أن يدري؟!

وحين حاول الشكُّ أن يَسْري إلى نفس المعتمد مال إلى ابن عمار يسأله عما يضمن له أن «ريمون» سيُوفي بوعده فأطلَق ابن عمار بسمةً ساخرة وقال للمعتمد: مولاي أتعتقد أن ابن عمار يفُوته مثل هذا الأمر؟

- حسبتُكَ فعَلتَ.

- بل لا يا مولاي؛ ولهذا …

- ولهذا؟

- أحضرتُ معي ابن شقيق ريمون رهينةً عندي.

- بُوركت ابن عمار، بُوركتَ.

وسَدَّ سبيل الشك في نفس المعتمد وأصبح واثقًا أن الأمر سيدين له.

تلفَّت الملك حوالَيه يبحث عن قائدٍ للجيش وما كان بحاجة لهذا التلفُّت فهو يعلم أين هو ولكنه أغضى، نعم هو يعلم أن ابن عمار خيرُ من يقود الجيش ولكن كيف له أن يصبر عن بُعده مدةً أطول من تلك التي قضاها في السفر؟! ولكن ابن عمار يحتالُ وما أَيسَر ما يحتال ابن عمار على المعتمد ويتولى قيادة الجيش.

تهيأ ابن عمار للخروج من إشبيلية وأوصى المعتمد أن يُرسِل المال بمجرد وصول رسولٍ منه يخبره أن ريمون أوفى بوعده وأن الجيوش من قِبل ريمون قد اتَّحدَت مع جيش المعتمد. ولم يَنسَ ابن عمار أن يحتال مرةً أخرى فينالَ إذنًا من المعتمد بأن يَصحَبَ «الراشد» وَلدَه ليُمرَّن على الحرب وقيادة الجيوش، وما كان المعتمد ليمنع ابنه عن ابن عمار فما تَعوَّد أن يمنع عن ابن عمار شيئًا حتى وإن كان ابنه.

واتفَق المعتمد مع ابن عمار أن يُلاقيه في مرسية وضربا لذلك موعدًا، وقال المعتمد لابن عمار إنه سيَصحَب ابن شقيق ريمون معه إلى مرسية ليُسلِّمه مِن ثَمَّ إلى عمه.

خرج الجيش إذن وقائده الراشد بن المعتمد شكلًا وأميره في الواقع هو ابن عمار، وكان ابن عمار فَرِحًا أن وصل إلى ما قَدَّر لنفسه أن يصل؛ فابن المعتمد معه ووَعْدُ المعتمد بأداء المبلغ وَعدٌ مُؤكَّد مُوثَّق.

وما هي إلا أيام حتى اتَّحَد جيش ريمون وجيش المعتمد، وأرسل ابن عمار رسوله بذلك إلى المعتمد، ووعد ريمون أن المبلغ سيصل فور عودة الرسول من إشبيلية.

وفي انتظار الرسول زحف الجيشان على ولاية «مرسية» ولكن أيام الزحف طالت، أو إن ريمون في الواقع شاء لها أن تطول فإن المال لم يكن قد وصله بعدُ وهو لا يريد أن يفقد المال والرجال في وقتٍ معًا.

وكان المعتمد في طريقه إلى مرسية ليُلاقي ابن عمار كما اتفَقا، وجاءه الرسول من ابن عمار يُنبِّئه أن الجيشَيْن قد اتَّحدَا وأنه لم يَبقَ غَيْر أن يُؤدِّي المعتمد المال، ولكن إخراج المال عسير في كل وقتٍ، وما كان المعتمد ليعرف خطَر تأخُّره رغم تحذير ابن عمار، فإن ابن عمار لم يُبِن لتحذيره عن غاية. تراخى المعتمد في أداء المال، ولعله أزمَع في نفسه أن يُؤدِّي هو المال بيده حين يصلُ إلى مرسية.

وما كانت هذه الفكرة لتصل إلى ذهن «ريمون» الذي رأى أن تأخُّر المال دليل على شرٍّ يُبيَّت له، ورجح لديه أن ابن عمار خدَعه، وكَبُر عليه أن يُخدع، فما أسرعَ ما أمر جيشَه أن يَنسلِخ عن جيش المعتمد، وحين حاوَلَ ابن عمار أن يَستَمهِله أَمَر بالقبض عليه وعلى الراشد بن المعتمد معًا، وحاول الجيش، جيش المعتمد أن يذود عن أَميرَيه ولكنه ما لَبِث أن هُزم.

تَمَّ هذا جميعه والمعتمد في طريقه — ما زال — إلى مرسية يبني في نفسه الآمال الكبار عن مدينةٍ جديدة يَضُمُّها إلى مُلكه سيجدها مُفتَّحة الجوانب له ولحاشيته، ثم ما يَلبَث ذهنه أن يأخذ به إلى ابن عمار فيشكره في نفسه أن مَهَّد له هذا الفتحَ المبين، وما أكثر ما يَشكُر المعتمد ابن عمار في نفسه.

وأراد المعتمد أن يُطيل الأَمَد لهذه الفرحة التي تَغمُر نفسه وهو في طريقه إلى مدينته الجديدة فهو يُبطِئ في السير، فما يرى خميلةً إلا وقَف لديها وما يرى واديًا إلا بات فيه ليلةً أو أكثر، وما زال كذلك حتى بلغ ضِفاف «الوادي اليانع»، وكان وصولُه في مَوعِدِ فيَضانِ النهر فأقام لديه حتى يَنحسِر الفيضانُ فيَعبُر النهر.

ولكنه لم يكَد يضرب الخيام حتى شَقَّ الماء إليه بقيةُ جيشه الهزيم يصحبهما فارسان من فرسان ريمون ألقيا إليه النبأ جميعَه فانشطر فؤاده حزنًا على ولده الواقع في أَسْر، وحاول أن يخفف من بعض حزنه فوضع ابن أخي ريمون في الحديد، ولكن هَيهاتَ ما كانت نفسه لتهدأ بمثل هذا.

حينذاكَ فقط عَرفَ المعتمد لماذا أوصاه ابن عمار أن يُؤدِّي المال في الموعد وعرف لماذا اصطحب ابن عمار ولده، عَرفَ كل شيء ولكن لاتَ حين … فما يُغنِيه اليوم أَسفُه وما يُغنِيه اليوم غَضبُه على ابن عمار.

يعود المعتمد إلى إشبيلية وتُصيبه وجمةٌ تظل رانيةً عليه عشرة أيام لا يدري من أمر نفسه أمرًا، ولكن ابن عمار الذي أَلِف الصعاب وعَرَكَها كان سريع البديهة حاضر الذهن فما أسرع ما يلجأ إلى أحد أمراء الأندلس من أصدقائه ويُرسِل إليه أنه لائذٌ به فيتشفَّع هذا الأمير لدى ريمون، فيفُكُّ إسارَ ابن عمار ويُبقي على الراشد بن المعتمد حتى يضمن وصول المال.

ويَقْصد ابن عمار إلى المعتمد يكاد أن يَلْوي به الخوف ولكنه لا يضعُف إليه بل يقصد إلى إشبيلية، وحين يصل إلى أبواب القصر يُعاوِد قلبه طائفُ خوفٍ أن يكون المعتمد شديدَ الغَضبِ عليه فيترك القصر إلى بيته، ومن هناك يُرسِل إلى المعتمد قصيدته الضخمة:

أأسلُكُ قصدًا أم أعُوجُ عن الركبِ؟
فقد صرتُ من أمري على مركبٍ صعبِ
وأصبحتُ لا أدري أفي البُعد راحتي
فأجعلَه حظي أم الحظُّ في القرب؟
إذا انقدتُ في أمري مَشَيتُ مع الهوى
وإن أتَعقَّبْهُ نكَصتُ على عَقْبي١
على أنني أدري بأنكَ مُؤثِرٌ
— على كل حالٍ — ما يُزحزِح مِن كَرْبي
أهابُكَ للحقِّ الذي لكَ في دمي
وأرجوك للحُب الذي لكَ في قلبي
أَيُظلِمُ في وجهي لذا قَمرُ الدُّجَى؟
وتَنْبو بكفِّي صفحةُ الصارمِ العَضْب؟
حَنانَيكَ فيمن أنت شاهدُ نُصْحِه
وليس له غيرُ انتصاحِكَ من حَسْبِ
وما جئتُ شيئًا فيه بَغيٌ لطالبٍ
يُضاف به رأيٌ إلى العَجزِ والعُجبِ
سوى أنني أسلمتَني لِمُلمَّةٍ
فلَلْت بها حدِّي وكسَّرت من غَرْبي
وما أغربَ الأيام فيما قضَت به
تُرينيَ بُعدي عنكَ آنسَ من قُربي
أما إنه لولا عوارفُك التي
جرت جَرَيانَ الماء في الغُصُنِ الرطبِ
لَمَا سُمتُ نفسي ما أسُومُ من الأذى
ولا قلتُ إن الذنبَ فيما جرى ذنبي
سأستَمنِح الرُّحمى لدَيكَ ضراعةً
وأسألُ سُقْيا من تجاوُزِكَ العَذبِ
فإن نفَحَتني من سمائِكَ حَرْجَفٌ
سأهتُف يا بَرْدَ النسيمِ على قلبي

وهكذا أنشأ ابن عمار قصيدتَه تتسابق فيها السياسة مع الشعر فلا تدري لأَيِّهِما السبق؛ فهو يُمهِّد بالاعتذار والتودُّد والتخوُّف، وهو يُذكِّر بالحب والصداقة، وهو يُوحِي إلى المعتمد أنه صافحٌ مُؤثِرٌ ما يُزحزِح كرب ابن عمار، ثم هو في لَباقةٍ معجزةٍ يَحمِل المعتمد العبء فيما وقع بل هو يزيد فيَعتِب عَتْبًا رقيقًا فيُذكِّره أنه أسلمَه لِمُلمَّة فلَّت سيفه وحطَّمَت سلاحه، ولا ينسى ابن عمار أن يقول إنه لم يأتِ وِزْرًا وإنه ما فعل إلا ما يظنُّه الخير وإنه ما جاء شيئًا فيه بغي ولا ظلم، وبعد هذا الدوَران السياسي البارع يعود فيستَمنِح الرُّحمَى ويسأل السُّقْيا من الصفح الجميل والمعتمد — قبلُ — شاعرٌ يصل القصيد إلى قلبه أَسرعَ ما يصل ويفهم الخافي منه على أوضحِ فَهمٍ؛ فهو يُحِسُّ ما في قصيدة ابن عمار من خشية واعتذار وتذكير بصداقة، ويُحِسُّ أيضًا ما فيها من توجيه اللوم المهذَّب مشفوعًا بالعتاب، ثم يمَسُّ قلبه بعد هذا طلَب الصفح وتَدمَع عينه حين يَعجَب ابن عمار من الأيام فيما قضت به فأرته البعد عن المعتمد آنس من القرب إليه، فلا يملك نفسه أن يتناول قرطاسًا ويكتبَ به إلى ابن عمار:

لديَّ لكَ العُتْبى تُراح من العَتْبِ
وسعيُكَ عندي لا يُضافُ إلى ذنبي
وأعزِز علينا أن تُصيبكَ وحشةٌ
وأُنسُكَ ما نَدْريهِ فيكَ من الحُبِّ
فدَعْ عَنكَ سُوءَ الظن بي وتَعدَّهُ
إلى غَيرِه فَهْوَ المُمَكَّن في القَلبِ
قريضُكَ قد أبدى توحُّشَ جانبٍ
فراجَعتُ تأنيسًا وعِلمُكَ بي حَسْبي
تَكلَّفتُهُ أبغي به لكَ سَلوةً
وكيف يُعاني الشعر مُشتركً اللُّبِّ

وهكذا جاء الصفحُ أروعَ وأجملَ ما يكون الصفح، بل إنه لَيَزيدُ فيعترف بالخطأ منه حتى إذا فَرغَ ما يجيش بنفسه نحو اعتذار ابن عمار عاد إلى حُزنه المقيم، ذاكرًا لابن عمار أنه لم يكتب هذا الشعر على سَجيةٍ مُواتية، وإنما هو يَتكلَّفه تكلُّفًا يبتغي به سَلوةً لوزيره وصديقه؛ فما كان لمُشتركِ اللُّبِّ الحَيْران القَلِق على ولده أن يكتُبَ الشعر أو يُعانيه.

يهدأ رُوع ابن عمار ويَقصِد إلى المعتمد فيُلاقيه وقد بدت عليه علائمُ فرحٍ يُغشِّيه الحزن ولكن ابن عمار يُسرِع فيُدبِّر الأمر والمال الذي يطلُبه ريمون ويُرسِله إليه ليفُكَّ ابن المعتمد من أَسْره، ولكن ريمون يطمع فلا يقبل أن يفُكَّ الأسير بالآلاف العشرة التي انتهى إليها الاتفاقُ، وإنما هو يزيدها إلى ثلاثة أضعاف فيطلب ثلاثين ألفًا من خالص الذهب.

وحين يبلُغ هذا الطلبُ مَسْمع المعتمد ينشَق قلبُه من الغيظ والإشفاق على ابنه؛ فإن هذا القَدْر من المال لم يكن موجودًا لديه وإنما الموجود لديه هو ابن عمار رجل المُلِمَّات.

ولا يطول التفكير بابن عمار بل هو يأمر فتُضرَبُ مَسْكوكاتٌ جديدةٌ مزيفة ليس فيها من الذهب إلا القليل النادر الذي يكفي ليجعل ريمون يَظنُّها ذهبًا وما هي من الذهب إلا في اسمها.

وتجوز الحيلة على ريمون فيُطلِق الراشد من أَسْره ويعود إلى أبيه فرحًا أنه كان ذا أهميةٍ غير شاعر بما كان في نفس أبيه من ألمٍ وحسرة وخوف. ويعود ابن عمار إلى معتمده صديقَين أَخلصَ ما تكون الصداقة فرحَين بحيلتهما التي خالت على ريمون يُوهِم كلٌّ منهما الآخر أن النصر كان في جانبهما؛ فهكذا النفس إن رامت أمرًا كبيرًا ولم تنل منه إلا القليل أو ما هو أقل من القليل حاولَت أن تَقتنِع أن ما نالَته كان النصر مُؤزَّرًا، وما أكثر ما تُخادِع نَفسَها النفس.

١  يقصد أنه إذا اتبع القلب قصد إلى المعتمد، ولكنه إن فكر قليلًا تخلَّف ونكَص على عَقِبَيه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠