إلى الطريق

إلى الطريق عاد صديقَه، ولكن أيُّ عودة؟ لقد ترَكَه على حمارٍ مُتهالِك لا يجد قُوتَه ثم عاد إليه يمتطي صَهوةَ حِصانٍ صافنٍ أصيل أَجردَ شبعان، وقد تركه وهو أَشْعثُ أَغْبَر لا يَستُر جَسدَه إلا أخلاقٌ بالية مُركَّبة عليه تركيبًا وهو يعود إليه أنيقًا وضيئًا مَلْبَسُه من ثمين الخَزِّ ورقيق الحرير وقد فُصِّل عليه تفصيلًا، وقد تركه وهو شاعرٌ خامل لا يكاد يُحِسُّ به حماره الذي يحتمله وعاد إليه الوزير الفذَّ والشاعر الضخم صديق الملوك ورفيق المعتمد، ابن عمار.

عودةٌ ميمونة تلك التي يعودها ابن عمار إلى الطريق؛ فهو اليوم مليء الجيب آمن عوادي الطريق والتواءات الملوك وارتفاع الأنوف؛ فلقد أصبح هو نفسه ممن يسمعون شعر المديح فيَلْوون رءوسهم من الكِبْر، وترتفع أنوفهم من العظمة، فليعُد إذن ولكن وزيرًا يعود.

ذهب ابن عمار إلى أقصى الأندلس ومن هناك أَرسَل شعره إلى المعتمد ليصل مستقبله بمستقبل أمير اليوم ومَلِك الغد، وليعرف المعتمد أين استقَر بشاعره المقامُ فيصله إن أراد وَصْله أو يطلبه إن عفا عنه أبوه، أرسل إليه قصيدةً من خير قصائده يقول فيها:

عليَّ وإلا ما بُكاء الغمائم؟
وفيَّ وإلا ما نُواح الحمائمِ؟
وعني أثار الرعد صرخةَ طالبٍ
لثأرٍ وهَزَّ البرق صفحةَ صارمِ
وما لَبِسَت زُهْر النجوم حِدادَها
لِغِرٍّ ولا قامت له في مآتمِ

ثم هو يميل إلى المعتضد يمدحه وإن له في مدحه لمذاهبَ، فهو يترضَّاه وهو يظهر للمعتمد خضوعه مهما يفعل به المعتضد، وهو يمدح الأب لابنه عالمًا أن مدح الجريح لجارحه يُعلي من شأن المادح، فهو يتقرب من نفس الابن ويُرضي فيه حُبه لأبيه ويُبدي مشاركته له في هذا الحب؛ يقول ابن عمار عن المعتضد:

أبى أن يراه الله إلا مُقلَّدًا
حَميلةَ سيف أو حِمالةَ غارمِ

وتصل القصيدة إلى المعتمد فيبكي مع الغمائم الباكية ويكاد ينوح مع الحمائم لولا الرجولة والشهود، ويعلم من الرسول أين مكان ابن عمار فيصل بكل ما يستطيع أميرٌ صديق أن يصل، ويعود الرسول يحمل إلى ابن عمارٍ المال خيرَ دليلٍ على حُبٍّ مقيم وصداقةٍ ما زالت أصيلة الجذور في نفس المعتمد، يعلم الله وحده مدى ما تأدَّت إليه في نفس ابن عمار. ويعود ابن عمار فيكتب شعرًا جديدًا يبدؤه بغزلٍ رائع ويُرسِل بالقصيدة:

جاء الهَوى فاستَشْعروه عارهُ
ونعيمُه فاستَعذِبوه أوارهُ
لا تَطْلبوا في الحب عزًّا، إنما
عُبْدانُه في حُكْمه أحرارهُ
قالوا أضَرَّ بِكَ الهوى فأجبتُهم
يا حبَّذاه وحبَّذا أضرارهُ
قلبي هو اختارَ السقامَ لجسمِهِ
زِيًّا فخَلُّوه وما يختارهُ
عيَّرتموني بالنحُول وإنما
شَرفُ المهنَّد أن تَرِقَّ شِفارهُ
وشمتُّمُ لفِراقِ مَن آلفتهُ
ولربما حجَب الهلالَ سِرارهُ
أحسبتُمُ السلوان هبَّ نسيمهُ
أو أن ذاك النوم عادَ غِرارهُ
إن كان أعيا القلب من حَرِّ الجَوَى
خَذَلَته من دمعي إذن أنصارُهُ

والقصيدة بعد ذلك مُفضِيةٌ إلى مدح المعتضد، وما يكاد المعتمد يقرؤها حتى يُجنَّ بها ويرتاح إلى هذه الخطَّة التي انتهجها ابن عمار في مدح أبيه، ويمتد أمله إلى صَفْح أبيه عن ابن عمار إن هو قرأ هذا الشعر؛ فهو يعلم أن أباه يطرب للشعر الجميل ويرتاح إليه. ويدعو المعتمد رسولًا يهمُّ أن يبعث به إلى أبيه حاملًا القصيدة، ولكنه ما يكاد حتى يسمع ضجيجًا عاليًا وصخبًا يقترب من حُجرته إلى أن يبلُغها، ويُفتَح الباب ويدخُل رسول من عند المعتضد يلهث يُخبِر المعتمد أن أباه قد اشتَد به المرض وأنه يدعوه، فيقومُ المعتمد من مجلسه إلى حِصانِه فلا يتزوَّد بشيء حتى ولا بنظرة من إعتماد. ويَغمِز المعتمد الحصان ويصل إلى أبيه فيجده ينتزع أنفاسه الأخيرة فيمثُل أمامه فيُوصي الأب ابنه بما يوصي به الملك خليفته. ويموت الملك المعتضد ويصير المُلك إلى المَلِك أبي القاسم محمد بن عباد المعتمد آخر ملوك بني عباد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠