١
إن ما يمكن أن نسميه بفلسفة التاريخ يدور دائمًا
حول ثلاثة أسئلة كبرى:
لقد طُرحت إجابات صريحة وضمنية على هذه الأسئلة
الثلاثة منذ الإنجيل وأشعار هوميروس وصولًا إلى
يومنا هذا، ومما يثير الدهشة أن الإجابات لم تتغير
إلا قليلًا.
وتُعد الإجابة الإيمانية أقدم الإجابات على
سؤالنا الأول، إنها إجابة الإنجيل وأشعار هوميروس؛
فثمة خطة للتاريخ، ولكن لا يمكن إدراكها إلا بصورة
مبهمة؛ لأنها ناتجة عن مشيئة الرب، أو الأرباب. ليس
من السهل أن ندرك كنهها، على الرغم من أنها قد لا
تكون مستغلقةً تمامًا، وعلى أية حال هناك شيء ما من
قبيل السر المطمور خلف سطح الأحداث، ولا بد من أن
ترتبط هذه الخطة بالثواب والعقاب بنوعٍ ما من
التوازن المقدس أو العدل الإلهي، على الرغم من أنها
عدالة لا يستطيع أن يتبين فعلها إلا ذوو البصائر
النافذة.
إنه توازن إذا اختلَّ عاد قافلًا كالبندول، وقد
لعب دوره مع هيرودوت الذي رأى اتجاه الناس شرقًا في
حرب طروادة تفسيرًا لقفول لاحق في حروب الفرس
باتجاه الناس غربًا، وهذه النظرية عينها سوف نجدها
حرفيًّا بعد ثلاثة وعشرين قرنًا في رواية «الحرب
والسلام» لتولستوي: اتجاه نابليون شرقًا إلى روسيا
قد توازن تلقائيًّا باتجاه الشعب الروسي نحو
الغرب.
ونسلم بأنه لا هيرودوت ولا تولستوي تقدما بطرحٍ
يعطي انطباعًا بنظرية إيمانية، بيد أن الخلفية
الإيمانية لا تخطئها العين، هذه الخلفية نظرية عن
التوازن المقدس للعدالة مسكوت عنها تقريبًا، وهي
فضلًا عن هذا خلفية تتوافق تمامًا مع بنية الفكر
الأوروبي بأسرها، والتي هي أساسًا بنية لاهوتية في
أصولها، تتشبث بتخطيطها الأوَّلي اللاهوتي، على
الرغم من الحركات المضادة للدين، وعلى الرغم من
الثورة الفرنسية، ومن انبثاقة العلم؛ ذلك أن ثورة
المذهب الطبيعي استبدلت اسم «الطبيعة» باسم «الرب»،
لكنها تركت كل شيء آخر تقريبًا من دون تغيير.
٣ وفيما بعد يأتي الدور على ربة الطبيعة،
ويحل هيجل وماركس ربة التاريخ محلها؛ هكذا نظفر
بقوانين التاريخ، بقوى التاريخ وحاكمياته واتجاهاته
وتصميماته وتخطيطاته، ونظفر بالحتمية الشاملة ذات
القدرة الشاملة والعلم الشامل. مرتكبو المعاصي في
حق الرب حل محلهم «المجرمون الذين يقاومون حركة
التاريخ سدى»، ونتعلم أن الحَكَم بيننا سيكون التاريخ.
٤
لقد أطلقتُ اسم «النزعة التاريخانية
historicism»
على النظرية التي تقول بوجود خطة للتاريخ، سواء
أكانت إيمانية أو إلحادية، وتعرض استخدامي لهذا
المصطلح لنقد شديد من قِبَل البعض، إلا أن نقدهم لا
يبدو لي ذا فاعلية؛ لأنهم يعتمدون على نظرية خاطئة
ترى أن الأسماء أو المصطلحات هي التي تعنينا،
والواقع أن اسم النزعة التاريخانية لا يعدو أن يكون
بطاقة اصطلاحية أقدمها كطريقة نتفق عليها للحديث عن
نظريات شتى متصلة معًا كنت أشرحها وأناقشها، وحين
تقدمت بهذا الاسم قلت كل ما أستطيعه (وفي معرض هذا
أوضحت أنني لم أكن أناقش مبدأ نسبية التاريخ الذي
أشير إليه بوصفه نزعة تاريخية
historism).
٥،٦
وأيضًا هوجم نقدي للنظريات التاريخانية بوصفه
ينتمي لعصر مضى، وقيل إنه لم يعد ثمة تاريخانيون،
لماذا أهاجمهم إذَن؟
من الصادق تمامًا الآن، خصوصًا في الآونة
الأخيرة، أن القلة الضئيلة هي التي تدافع علانية عن
التاريخانية. وفي هذا الصدد حتى أصوات الماركسيين
وأتباع البروفيسور أرنولد توينبي
A.
Toynbee أصبحت خافتة، إن لم
تكن غير مسموعة، ومع هذا لا أزال أشعر كما لو كنت
غارقًا في غمرٍ تاريخاني؛ فنحن نسمع باستمرار أننا
نحيا في عصر الذرة، وفي عصر الفضاء، وفي عصر
التلفزيون وفي عصر وسائل الاتصال الجماهيري، وأيضًا
نسمع باستمرار عن عصر التخصص الذي نعيش فيه، وفي
الوقت نفسه عن عصر الفن التجريدي الثوري، وهو
بالمناسبة لم يتغير إلا قليلًا بشق النفس منذ العام
١٩٢٠م، حين عُرض كل ما يُعد في حكم تشكيلاته في
الباوهاوس بفايمار.
٧ كان الفن التجريدي حينئذٍ حركة ثورية
تحتج على الركود والامتثال، لكنها منذ ذلك الحين
أصبحت حركة راكدة وتمتثل لنمط حركة ثورية تحتج على
الركود والامتثال.
وأعتقد أن كل هذا الحديث عن حركات واتجاهات، وعن
عصور وحقب (وعن «روحها») يشير إلى قبولٍ — بطريقة
ضمنية أو بأخرى — لنظريات لها طابع تاريخاني واضح:
مثلًا، نظريات عن التقدم المباطن للتاريخ أو التخلف
المباطن للتاريخ.
٨ ويتجلى هذا خصوصًا حين نستعمل أفكارًا
من هذا القبيل كما لو كانت حججًا على وجاهة الشيء
موضع التساؤل (مثلًا الطيران الأسرع من
الصوت).
إن «روح العصر» بالنسبة للتاريخاني كيانٌ يفسر
أفعال وأقوال الذين يعيشون في هذا العصر تفسيرًا
واسع النطاق أو على الأقل تفسيرًا جزئيًّا، وهذه
المقاربة تبدو لي خاطئة تمامًا، ولكن لا يعني هذا
عدم وجود مشكلة هنا؛ فيجب أن ندنو بروح العصر
لتقترب من وضع ظاهرة اجتماعية علينا أن نفسرها. ولا
بد من تفسيرها عن طريق وجود مشاكل ملحة ومواقف
المشكلة وعن طريق التفاعل بين الأفراد وتخطيطاتهم
وأهدافهم؛ وهذا يعني أن نفسر روح العصر بمصطلحات
منطق الموقف.
٩
وأنا على أية حال معايش لأخطار الركود، بما فيها
خطر حلول الركود بأفكاري أنا؛ لهذا لن أقول هنا
شيئًا أكثر من هذا ضد النزعة التاريخانية.
وعلى العكس، سوف أطرح ها هنا السؤال عما إذا كان
لا يوجد مثقال ذرة من الصدق في النزعة التاريخانية،
أو بدقة أكثر في فكرة التاريخاني عن وجود خطة
للتاريخ. بعبارة أخرى: أقترح أن نأخذ منظورًا
مستجدًّا لسؤالي الأول وإن كان
منظورًا شديد
الإيجاز، إنه السؤال هل هناك خطة للتاريخ؟ (أو خطة
للتاريخ الإنساني على الأقل؟)، بل وأن نرد عليه بأن
نقول إن الإجابة تبدو بشكل عام «أجل». (على الرغم
من أنني أود أن أوضح بمزيد من الجلاء أن هذا لا
يضعف أبدًا من شأن نقدي للنزعة التاريخانية، فما
زلت أعتبر التاريخانية خطأً فادحًا.)
ذلك أنه منذ اختراع التفكير النقدي والتدوين، قد
حدث شيء ما يمكن وصفه بأنه تنامي المعرفة، وأصبح
للمعرفة، وتناميها، تأثير متعاظم على حياة البشر
بصورة مباشرة وعن طريق التطبيقات التكنولوجية، وأنا
أفترض أن تأثير تنامي المعرفة لم يتضح تمامًا إلا
في غضون المائتي عام الأخيرة، ولكن إذا ألقينا نظرة
إلى الوراء ونحن نرابض في موقعنا الاستشرافي
الراهن، نستطيع — فيما أعتقد — المجاهرة بأن
معرفتنا هي شد ما يجعلنا نختلف اختلافًا بائنًا عن
الحيوانات الأخرى، ليس فحسب بل نستطيع أيضًا
المجاهرة بأن نمو المعرفة — ونمو المعرفة العلمية —
يشكل شيئًا ما يماثل خطة للتاريخ، وأقترح عليكم
أننا نستطيع أن نعتبر نمو معرفتنا استئنافًا للتطور
الحيواني (على الرغم من أنه تطور يجري بوسائل
مستجدة بالكلية). وهكذا حين ننظر إلى نمو المعرفة
من منظور بيولوجي، نستطيع أن نعتبره بمثابة الخطة
الأساسية لتطور الحياة.
هذا الأسلوب في النظر إلى تاريخنا واضح وأيضًا
أحادي الجانب إلى أبعد حد، وحتى أربعمائة عام خلت
لم يكن نمو المعرفة العلمية حقيقة تاريخية بل
بالأحرى حلمًا، إنه حلم النبي الزائف جدًّا فرنسيس
بيكون، وبعد أن أصبح حلم بيكون بشكلٍ ما برنامجًا
للبحث، غدَا بدوره نموذجًا للبدعة العقلية الشائعة،
ومع هذا أومن بأن اقتراحي معقول من منظورنا
المعاصر، ولكن لا ينبغي بطبيعة الحال التغاضي عن أن
مجرد بقاء الأنواع الحية حتى لحظة معينة لا يخول
لنا أن نقول أي شيء عن بقائها في المستقبل، نحن لا
نستطيع أن نشتق تنبؤات مستقبلية من تلك «الخطة»
للتاريخ الإنساني.
ولعلي بالغت في أطروحتي حين قلت إن هذا الأسلوب
في النظر إلى الأشياء واضح؛ ذلك أن معظم المؤرخين
المحترفين لا يتجاهلونه فحسب، بل أيضًا لا يبدون
إلا النزر اليسير من الاهتمام بتاريخ العلم، وكما
ذكرت في كتابي «المجتمع المفتوح»، تجاهل أرنولد
توينبي تاريخ العلم تمامًا في الأجزاء الستة الأولى
من كتابه الضخم «دراسة التاريخ»، وثمة كتاب آخر
واسع الانتشار لمؤرخ شهير جدًّا صدر في طبعته
الأولى عام ١٩٣٨م، يمكن أن تقرأ فيه هذه النبذة
التالية الغريبة حقًّا: «… لقد حدثت الثورة في
دراسة العالم المادي بتقرير جاليليو إن العالم يدور
حول الشمس.»
لقد اندهشت حين قرأت هذه النبذة؛ ذلك لأن هذه
الثورة المرصودة كما يعرف الجميع نشأت قبل هذا بقرن
كامل مع كوبرنيقوس، وبدا لي للوهلة الأولى أن كلمة
«تقرير» هنا ربما كان المقصود بها إعادة تقرير، بيد
أن الجملة التالية وبضع فقرات أخرى أبانت لي أن
المؤرخ أخطأ بالفعل بتصور جاليليو على أنه
كوبرنيقوس (أو العكس)، وتبدأ الجملة التالية بكلمات
لا لبس فيها: «قبل اكتشاف جاليليو»، إنها كلمات
تشير مجددًا إلى النبذة «تقرير جاليليو بأن الأرض
تدور حول الشمس»، ويمكن مضاعفة الأمثلة على
المؤرخين غير الملمين بأبسط خطوط تاريخ
العلم.
وفي هذا الصدد نجد كل العلماء المبدعين تقريبًا
لديهم معرفة وافية بتاريخ المشكلات التي يبحثونها،
ومن ثَم معرفة بالتاريخ، إنهم ملزمون: بأنك لن
تستطيع أن تفهم نظرية علمية فهمًا حقيقيًّا من دون
أن تفهم تاريخها.
ونأمل أن يكتشف المؤرخون قريبًا أنهم بدورهم
ملزمون بمعرفة شيء عن العلم وتاريخه؛ فلن يستطيع
أحد أن يتفهم أي تاريخ حديث، وأبسط ما في هذا
التاريخ السياسي والدبلوماسي، من دون أن يتفهم
شيئًا ما عن العلم، وفي هذا يمكنهم أن يتعلموا من
تشرشل، إذ يستطيعون أن يجدوا في كتابه «الحرب
العالمية الثانية» معالجة وافية لتطور
الرادار.
على أنني لا أرى مهمتي الآن هي الخوض في الشكوى
من الهوة بين «الثقافتين»
١٠ التي قُتلت بحثًا ونقاشًا؛ ولهذا دعوني
أعود إلى سؤالنا الأول، السؤال عن خطة
التاريخ.
وأزعم أن الإنسان خلق نوعًا جديدًا من المنتجات
أو المصنوعات، من شأنه أن يُحدِث مع مرور الزمن
تغييرات في تلك الزاوية من العالم التي يشغلها
الإنسان، وهي تغييرات تماثل في جرمها تلك التغييرات
التي حدثت بفعل أسلافنا، كإنتاج النبات للأكسجين،
أو بناء الجزر المرجانية، تلك المنتجات الجديدة
التي هي قطعًا من صنعنا نحن تتمثل في أساطيرنا
وأفكارنا وعلى وجه الخصوص نظرياتنا العلمية:
نظريتنا عن العالم الذي نحيا فيه، ويمكن أن ننظر
فعلًا إلى تلك الأساطير وهذه الأفكار والنظريات
بوصفها أخص نواتج النشاط الإنساني. إنها كالأدوات،
أعضاء تطورت خارج أجسادنا، إنها مصنوعات للإنسان
تنضح منه؛ ومن ثم نستطيع أن نعتبر «المعرفة
الإنسانية» على وجه التعيين من ضمن هذه النواتج
المميزة للإنسان، وتؤخذ كلمة المعرفة هنا بالمغزى
الموضوعي أو اللاشخصي، بحيث يمكن القول إنها
المعرفة المحتواة في كتاب، أو المخزونة في مكتبة،
أو المتمثلة في المقررات الجامعية.
سأحتفظ بهذا المغزى الموضوعي لكلمة «المعرفة»
كلما دار الحديث هنا عن المعرفة البشرية، وسوف يتيح
لنا هذا أن نفكر في المعرفة التي ينتجها الإنسان
كنظير للشهد الذي ينتجه النحل. إن النحل هو الذي
ينتج الشهد، والنحل هو الذي يختزنه، والنحل هو الذي
يستهلكه، وبشكل عام حين تستهلك نحلة منفردة شهدًا
فإنها لا تستهلك فقط الشهد الذي أنتجته بمفردها. إن
اليعسوب أيضًا يستهلك الشهد، وهو لا ينتج أيًّا منه
على الإطلاق، ويصدق هذا أيضًا مع تغيرات طفيفة
بالنسبة للبشر صانعي النظريات. نحن الآخرين لسنا
فقط منتجين للنظريات، بل أيضًا مستهلكين لها، ونحن
مضطرون لاستهلاك نظريات البشر الآخرين، وأحيانًا
نستهلك نظرياتنا نحن إذا ما كان لنا أن ننتج المزيد
من النظريات.
هكذا يستأنف تنامي المعرفة البشرية مسار تطور
الكائنات الحية الأخرى، بيد أن هذا التنامي للمعرفة
شيء ما مستجد وعلامة فارقة مميزة للتاريخ البشري؛
وذلك لأنه يكاد يكون متخارجًا بالكلية وينتقل عبر
التقاليد.
لقد حاولت أن أطرح إجابة عن سؤالنا الأول جاءت
موجزة جدًّا وشاملة إلى حدٍّ ما، وقد تبدو هذه
الإجابة وكأنها واحدية بدلًا من أن تكون تعددية:
فقد يبدو وكأنني أجاهر بأن تنامي المعرفة، وبتحديد
أكثر تاريخ العلم، هو لب التاريخ بأسره.
ولكن ليس هذا هو ما أعنيه، وكما نسلم جميعًا يؤثر
العلم الآن على حياة الناس أجمعين تأثيرًا عميقًا،
بيد أن تأثير الدين أيضًا (أو الأديان) على حياة
البشر أجمعين تأثير عميق. وتاريخ الدين له على أبسط
الفروض نفس أهمية تاريخ العلم، وقد ارتبط العلم
ذاته ارتباطًا وثيقًا بالأساطير الدينية: ولعلي
أميل إلى الإفصاح عن أنه لولا ثيوجونيا هيزيود
١١ لما وجد العلم الأوروبي، والأهم من هذا
أن كل شخص يتأثر بتنامي المعرفة، بينما يساهم فيها
عدد قليل نسبيًّا من البشر. أما العقائد الدينية،
من الناحية الأخرى، فيتقاسمها العديد الجم من البشر
ويتشاركون فيها بفعالية، كما أن ثمة بعضًا من
الحركات والطوائف المستحدثة حول آلهة السينما
والتلفزيون وأسطوانات الحاكي. كانت النجوم والكواكب
آلهة بالنسبة للإغريق والبولينيزيين،
١٢ وأصبحت النجوم والكواكب آلهة بالنسبة
للأوروبيين وبالمثل الأمريكيين.
هناك أيضًا تواريخ للأدب والفنون المرئية، وطبعًا
القوة السياسية والعسكرية، وللمؤسسات القانونية
وللتغير الاقتصادي، ولن نقول شيئًا عن علاقاتها
البينية المتداخلة.
وأزعم أن كل هذا يشير إلى نوع من التعددية
التاريخية: ثمة تعددية في المشكلات الثقافية، وفي
الاهتمامات، وربما كان الأهم هو التعددية في طبائع
الأفراد وأقدارهم الشخصية.
ولكي نختتم هذا الجزء، أود أن أضيف ملحوظة واحدة؛
قد تتعجبون بشأن علاقة هذا الذي ذكرته آنفًا بما
جاهرت به مرارًا وتكرارًا من نقدٍ للمبدأ القائل إن
مسار التاريخ يمكن التنبؤ به، أو إن التاريخ ذو
معني مباطن.
لقد أفصحت في موضع أسبق عن اعتقادي بأن ما أقوله
هنا ليس حلًّا توفيقيًّا مع انتقاداتي؛ فما الذي
أفعله إذَن، وما هي وجهة نظري؟
إنني أود أن تعتبروا ما أفعله هنا شيئًا ما يمكن
أن تجدوه في عموم كتاباتي: فحينما أتقدم بحجج ضد
وجهة نظر معينة، أتحقق بعد ذلك مما إذا كان يمكن أن
نستخلص من القضية الأصلية شيئًا ذا قيمة، وما إذا
كان يمكن إضافة تصويبات لنقدي.
١٣ (ويمكن وصف هذه المقاربة بأنها
ديالكتيكية.)
أجل، حتى في كتابي «عقم النزعة التاريخانية»؛ حيث
تقدمت بأول معالجاتي النقدية لشتى دعاوى النزعة
التاريخانية، أثرت بجلاء السؤال حول ما إذا كان لا
يوجد، بخلاف هذا شيء ذو قيمة في مطلب التاريخاني
«بعلم اجتماع يلعب دور التاريخ النظري، أو نظرية
للتقدم التاريخي».
١٤،١٥ اقترحتُ ثمة تحليل المواقف وتحليل
المؤسسات (تحليلًا مزودًا ببناء نماذج للمواقف
السياسية والحركات الاجتماعية)، هذا من ناحيةٍ، ومن
الناحية الأخرى اقترحت مبادئ للتأويل التاريخي،
ويمكن أن يفيد هذا وذاك في ردم الهوة التي انشقت
بفعل نقد التاريخانية.
وعلى هذا يمكن النظر إلى ما قلته آنفًا بوصفه
محاولة، من نوعية مختلفة قليلًا؛ لنتبين ما إذا كان
ثمة شيء يمكن أن نتدبره من الفكرة التاريخانية عن
وجود خطة مباطنة للتاريخ، هذا مع التسليم
بانتقاداتي للنزعة التاريخانية.
لقد زعمتُ
أن قصة تنامي مختلف أنواع المعرفة الإنسانية — ومن
قبلها قصة تطور الحيوانات والحياة الإنسانية — يمكن
أن يقول عنها المرء إنها خطة نستطيع استكشافها في
التاريخ، وإذ أقول هذا، أبغي أيضًا التأكيد على أن
هذه التطورات (التقدمية) هشة وغير متوقعة. أما أن
الأشياء كان لا بد من أن تحدث كما حدثت، فإن هذا
قليل الاحتمال إلى حد بعيد، ليس فحسب بل أيضًا كان
من السهل جدًّا أن تنتهي كل هذه التطورات.
وبهذا أعتقد أننا يمكن أن نرى مجددًا كيف أن معنى
التاريخ شيءٌ ما نحن الذين نختاره؛ إذ بينما تكون
هذه الخطة، أو هذه الخطط، نظرًا لاختلاف أنماط
المعرفة، شيئًا معطى لنا كنتيجة لاختيارات أسلافنا،
فمن الواضح جدًّا أننا نملك أن نفعل بها ما نشاء؛
نستطيع أن نتبناها ونتعهد بها ونعززها، أو أن نصرف
بالًا عنها، وبالتأكيد لا توجد ربة للتاريخ لتحمينا
من عواقب أفعالنا. أما أن اتجاه خطتنا قد توجد فيه
بعض المسارات البيولوجية الواهية، فتلك واقعة قليلة
الأهمية.
وبالكاد أود أن أضيف أنني إذا زعمت بضرورة التعهد
بتلك الخطة، فلست أحبذها أو أستصوبها لأنها هي
الكائنة التي حدثت بالفعل، بل لأنها تبدو لي جديرة
بالاختيار وبأن نجعلها خطتنا، بمعية الدافع نحو
التحرر بواسطة المعرفة.
٢
والآن سأنتقل إلى سؤالنا الثاني: ما فائدة
التاريخ؟
لقد تتبع البروفيسور جورج نادل
G.
H. Nadel تاريخ الإجابات عن
هذا السؤال في بحث ممتاز عنوانه «فلسفة التاريخ قبل
النزعة التاريخانية».
١٦ وفي طليعة هذه الإجابات تلك التي
أسماها نادل: نظرية العبرة في التاريخ: النظرية
القائلة إن التاريخ ذو قيمة تربوية، لا سيما في
التربية السياسية لرجل الدولة أو القائد.
يقتبس نادل من كوينتليان
Quintilian
قوله: «إن الإغريق أقوياء في المدركات، والرومان
أقوياء في العبرات، وهي شيء أعظم كثيرًا.» ويتصادف
أن يوافق فلبيوس
Polybius على
هذا، لكن يقلبه رأسًا على عقب: يشير إلى مطلب
أفلاطون بضرورة أن يصبح الفلاسفة ملوكًا ويصبح
الملوك فلاسفة، ويطالب بأن يصبح رجال الفعل
والإنجاز مؤرخين، ليس فحسب بل أيضًا يصبح المؤرخون
رجالَ فعلٍ وإنجاز، وإلا فلن يعرفوا هذا الذي
يكتبون عنه.
وبتأثير الرواقية
١٧ جرى اعتبار التاريخ وسيلة للتربية
الأخلاقية، أي التربية على الاستقامة.
لا يزال هذا التقليد قويًّا مع اللورد أكتون
١٨ ونشعر بتأثيره واضحًا في محاضرة السير
أشعيا برلين
١٩ الشهيرة «الجبرية التاريخية»، وأنا
أفترض أن تأثيره ماثلًا أيضًا في كتابي «المجتمع
المفتوح»، ويمكن أن نجد واحدًا من أقوى وأحصف
التعبيرات الحديثة عنه في عمل إرنست بديان عن
التاريخ الروماني والهلينستي.
يعطينا البروفيسور نادل تخطيطًا محيطًا بالنظريات
ذات الصلة، ويقول ديدروس الصقلي إن التاريخ يسترجع
الوحدة الكلية للجنس البشري، التي تتصدع بفعل
الزمان والمكان، والتاريخ بهذا يؤكد على نوع من
اللاأخلاقية، ويستبقي العبرة من البشر العظام
والأفعال العظيمة.
ومع هذا انهارت نظرية العبرة في التاريخ؛ أنكر
هيجل أن رجال الدولة يتعلمون فعلًا من العبرات
التاريخية، يقتبس البروفيسور نادل فقرة من كتاب
هيجل «فلسفة التاريخ»،
٢٠ ويمكن ترجمتها على النحو التالي:
وقد نوافق على أن عبرات الفضيلة تهذب
الروح وأنها ملائمة في الإرشاد الأخلاقي
للأطفال لكي نترك في عقولهم انطباعًا
بالمناقب، ولكن أقدار الناس والدول … لا
تنتمي لهذا المجال. ينزع القادة ورجال
الدولة والأمم إلى مَن يذكرهم بالتعاليم
المستقاة من خبرة التاريخ، ولكن ما نتعلمه
من الخبرة والتاريخ هو أن الشعوب والحكومات
لا تتعلم شيئًا قط من التاريخ، ولا تتصرف
أبدًا وفقًا للمبادئ المستنبطة منه.
٢١
ولكن بينما نجد نظرية العبرة لا تزال قوية مع
اللورد أكتون، فإنها من قبل مجيء أكتون كان قد تم
إخمادها بفعل أستاذٍ له، وهو ليوبولد فون رانكه
L. von Ranke
(وإن كان أكتون أقرب كثيرًا لدولينجر
٢٢ منه لرانكه). وكما أشار البروفيسور
نادل، حلت محلها نظرية احترافية خالصة: إنها وجهة
نظر مفادها أن التاريخ يوجد من أجل ذاته، وهذا يعني
في واقع الأمر أن التاريخ يوجد من أجل المؤرخين.
يقتبس نادل عبارة شهيرة لرانكه تعتبر عادةً بمثابة
البلاغ المبين عن هذا الموقف:
٢٣
نعزو للتاريخ المهام العليا للحكم على
الماضي وتوجيه الحاضر من أجل المستقبل. هذه
المهام تتجاوز طموحات المقال الراهن: إنه
يريد فقط أن يبين ما الذي حدث
بالفعل.
هذه هي القصة باختصار كما يرويها نادل، لكننا في
غير حاجة البتة لأن نستسلم لمقاربة رانكه أكثر مما
فعل أكتون، ومرة أخرى أقول إنني أقترح مقاربة
تعددية. وأؤكد أن التاريخ يمكن أن يكون مهمًّا في
حد ذاته، لكنه مهم بقدر ما يحاول أن يحل مشكلات
تاريخية مهمة. بعضٌ من هذه المشكلات قد تكون مهمة
لسببٍ يعود إلى اهتماماتنا الأخلاقية. وكأمثلة على
مشكلاتٍ من هذا القبيل: كيف اندلعت الحربان
العالميتان؟ هل كان من الممكن تفاديهما؟
ولا شك أن إجابتي عن هذين السؤالين على قدر كبير
من الخطورة بالنسبة للسياسي. وبمسايرة هيجل، يجد أن
السياسي لا يمكن أن يكون مُهيَّأً لوزارة الخارجية
ما لم يُلم بمعارف عن بعض الوقائع التاريخية وبعض
الحدوس الافتراضية التاريخية المتعلقة بالحرب
العالمية الثانية. إلى أي حد كان «دعاة التنازل والمهادنة»
٢٤ مذنبين؟ ماذا كان الغرض من حملات
ستالين للتطهير؟ كيف تم التوصل إلى قرار إلقاء
قنبلتين ذريتين على اليابان؟
٢٥
تلك مسائل ينبغي أن تشغلنا جميعًا، حتى ولو كنا
لا نطمح إلى منصب في وزارة الخارجية: إنها مشكلات
مهمة بصميم ذاتها، ولها أهمية خاصة حين نرغب في
تفهم العالم الذي نعيش فيه.
ولكن ليس كل ما في الأمر أن نفهمَ العالَمَ الذي
نعيش فيه ونفهم أنفسنا، نريد أيضًا أن نفهم أفلاطون
وجاليليو وثيودوسيوس.
٢٦ المؤرخ الجيد يزيد من حدة هذا التطلع،
وسوف يجعلنا راغبين في تفهم الناس والمواقف التي لم
نعرفها من قبل.
٣
وبكلمة «تفهم» نصل الآن إلى السؤال الثالث،
وأعتقد أنه أهم الأسئلة: إنه السؤال عن منهج
التاريخ، ولا سيما السؤال عن الفهم
التاريخي.
نوقش هذا السؤال باستفاضة في المائة عام الأخيرة،
وذلك تحت عنوان اختلاف المنهج بين العلوم الطبيعية
من ناحية، والعلوم التاريخية أو الاجتماعية من
الناحية الأخرى، وثمة ما يشبه الإجماع على الرأي
القائل بوجود هوة عميقة بينهما، ونشبت مشاحنات كبرى
حول تفاصيل تلك الهوة. هناك المنظرون الألمان
الذائعو الصيت، فندلباند وريخرت ودلتاي.
٢٧ ثمة المنظرون الإنجليز ويتقدمهم
كولنجوود، والبروفيسور تريفور-روبر
Trevor-Roper،
الذي يعترض على الاحترافية المهنية، ومن ثَم على
نفوذ العالِم الطبيعي، ويدافع عن النظرة القائلة إن
التاريخ من أجل الإنسان العادي. والسير أشعيا برلين
الذي ينهانا عن «بخس الفوارق بين مناهج العلوم
الطبيعية ومناهج التاريخ أو الحس المشترك».
٢٨
وإني لأتفق
مع ملحوظة برلين بأن مناهج التاريخ هي مناهج «الحس
المشترك»، وكنت دائمًا أتفق فعلًا مع هذه النظرة.
وأتفق مع البروفيسور تريفور-روبر في أنه لا شيء في
التاريخ أسوأ من الاحترافية الضيقة، وكنت دائمًا
أتفق فعلًا مع هذه النظرة، وأتفق مع كولنجوود ومع
دلتاي ومع هايك في أننا لا بد أن نحاول تفهم
الأحداث التاريخية، وأوافق على أن حاجتنا لفيلسوف
التاريخ ملحة من أجل التحليل والتفسير والتفهم الحق
للفهم التاريخي.
بيد أن دعواي على مدى سنوات عديدة كانت: كل أولئك
المؤرخين وفلاسفة التاريخ الذين يصرون على وجود هوة
بين التاريخ وبين العلوم الطبيعية لديهم فكرة عن
العلوم الطبيعية خاطئة بشكل جوهري، وليس لنا أن
نلومهم على هذا: إنها فكرة تعززت بفعل العلماء
الطبيعيين أنفسهم (وبفعل فلاسفة العلم الوضعيين)،
وبهذا يمكن أن نفهم جيدًا كيف أنها فكرة تكاد تكون
مقبولة بشكل عام، وقد لاقت توطيدًا عظيمًا بفعل
النتائج المذهلة للعلم التطبيقي، لا غرو إذن أن
يتقبلها العديد من الفلاسفة والمؤرخين.
وبالطبع لا
أحد ينكر أن العلم أصبح أساس التكنولوجيا، ولكن
النظرة الحقيقية للعلم في عرفي نجد التعبير عنها
على غلاف كتابٍ لفيزيائي عظيم حائز على جائزة نوبل
هو السير جورج طومسون، أحد مكتشفي الطبيعة الموجية للإلكترون.
٢٩ اسم كتاب طومسون «روح العلم
The Inspiration of
Science» — لاحظ العنوان! —
والبيان المطبوع على الغلاف يبدأ بالكلمات: «إن
العلمَ فنٌّ»، ويمضي ليتحدث عن «الجمال الداخلي
والروعة» في «أفكار الفيزياء الحديثة». علماء عظام
آخرون تحدثوا عن العلم بهذا الهوى الإنساني ذاته،
ولم يأبه بهم طلبة الإنسانيات إلا قليلًا، بل إن
البعض يذهب إلى أبعد من هذا ويعتقد، مثلما أعتقد
أنا، أن النظرة الاحترافية التقليدية للعلم الطبيعي
خاطئة تمامًا، على أنني حتى الآن فشلت في إقناع
أيٍّ من المؤرخين أو فلاسفة التاريخ، باستثناء
اثنين منهم، في أن فكرته الحدسية عن العلم خاطئة
وأن العلم يماثل التاريخ أكثر كثيرًا مما يتصور
المؤرخون، والاستثناءان هما البروفيسور جومبريش
والبروفيسور هايك.
إن البروفيسور هايك، بتعيين أكثر، قد كتب على مدى
سنوات عديدة كتابات تناهض أن يحذو العلماء
الاجتماعيين، ومن بينهم المؤرخون حذو العلوم
الطبيعية، وأطلق على الاتجاه نحو اقتفاء مناهج
العلوم الطبيعية اسم «النزعة التعالمية
scientism».
وأنا الآن مثله، معارض تمامًا لتلك الاتجاهات
التعالمية. وإني لأعارضها في العلوم الطبيعية أكثر
مما أعارضها في العلوم الاجتماعية؛ فكما أوضحت منذ
أكثر من عشرين عامًا خلت هذه الاتجاهات «التعالمية»
في واقع الأمر محاولات لاقتفاء فكرة خاطئة عن مناهج
العلوم الطبيعية يتمسك بها معظم الناس بدلًا من
المناهج الفعلية للعلوم الطبيعية، وهذه النظرة —
القائلة إن العلماء الاجتماعيين وفلاسفة التاريخ
يحاولون محاكاة ما يعتقدون عن خطأ بيِّن أنه مناهج
العلم الطبيعي — قد أسبغ عليها البروفيسور هايك
تأييده في فاتحة كتابه «دراسات في الفلسفة والسياسة والاقتصاد».
٣٠
لكن أي شخص آخر يبدو على ثقة تامة من أن
الاختلافات بين منهجية التاريخ ومنهجية العلوم
الطبيعية اختلافات شاسعة؛ فنحن على يقينٍ من أننا
في العلوم الطبيعية، كما هو معروف جيدًا، نبدأ من
الملاحظة ونسير عن طريق الاستقراء إلى النظرية. ألا
يبدو واضحًا أننا في التاريخ نسير في مسار مختلف
تمامًا؟
أجل أوافق على أننا نسير في مسار مختلف تمامًا،
ولكن في العلوم الطبيعية أيضًا.
إننا نبدأ في كليهما من أساطير، من انحيازات
تقليدية تكدرت بفعل خطأ: ومنها نواصل المسير عن
طريق النقد: عن طريق الاستبعاد النقدي للأخطاء. في
كليهما، دور البينة أساسًا في تصويب أخطائنا، أو
انحيازاتنا، أو نظرياتنا المبدئية، أي أنْ تلعب
دورًا في المناقشة النقدية، في استبعاد الخطأ.
وبتصويبنا لغلطاتنا نثير مشكلات جديدة. ولكي نحل
هذه المشكلات، نبتدع حدوسًا افتراضية، أي نظريات
مبدئية، نخضعها للمناقشة النقدية المتجهة صوب
استبعاد الخطأ.
ويمكن تمثيل العملية بأسرها عن طريق تخطيط مبسط
يمكن أن أسميه تخطيطًا رباعيًّا:
ويُفهم هذا التخطيط على النحو التالي: هب أننا
بدأنا من مشكلة ما م١، وقد
تكون مشكلة عملية أو مشكلة نظرية أو مشكلة تاريخية،
ثم نعمل على صياغة حل مبدئي للمشكلة، حل حدسي
افتراضي أو فرضي، نظرية مبدئية، ن د، حينئذٍ تخضع
لمناقشات نقدية، ق ق، في ضوء البينة، إن كانت
متاحة؛ وكنتيجة لهذا تنشأ مشكلات جديدة
م٢.
وللوهلة الأولى قد يقال إن هذا التخطيط يفرط في
تبسيط الأمور، فهنالك بشكل عام أكثر من مشكلة واحدة
للبدء منها، وسوف يُطرح العديد الجم من الحدوس
الافتراضية كحلول مبدئية لكل مشكلة، ومن المحتمل
أيضًا أن تُثار العديد من الانتقادات المختلفة، لا
سيما إذا اختبرنا حدوسنا الافتراضية عن طريق
المواجهة بينها وبين أدلة الملاحظة أو بين التوثيق
التاريخي. ويمكن تلخيص هذا في القول إنه من الأليق
أن يتخذ التخطيط شكل المروحة،
٣١ وأن تُبسط المروحة في اتجاه اليسار.
٣٢
وثمة نقطة أخرى تستحق التعليق الفوري عليها؛ فما
دامت الصياغة تسير من تلقاء ذاتها، إذا جاز
التعبير، تبدأ من مشكلة وتعود إلى مشكلة (على الرغم
من أن م١٢، بطبيعة الحال،
ليست هي ذاتها م٢)، فقد
يقال إننا يمكن أن نبدأ من أية بداية نشاء، أي أننا
نستطيع أن نبدأ أيضًا من النظريات المبدئية أو من
المناقشات النقدية مثلما نبدأ من مشاكل، ويمكن طرح
الحجة التالية في صالح هذه النظرة: بشكل عام، تنشأ
المشاكل في مواجهة خلفية من المعارف، إنها تفترض
قبلًا خلفية من الأساطير، من النظريات (المبدئية)
أو التراث التاريخي. وأيضًا تفترض قبلًا أن تلك
الأساطير والنظريات والتراث لم يتم قبولها بطريقة
لا نقدية، بل لوحظت بعض الصعوبات الكامنة فيها،
وعلى هذا يجوز القول إن المشكلات تفترض قبلًا كلًّا
من النظريات المبدئية والمناقشة النقدية. من ناحية
أخرى يبدأ هيرودوت من مشكلة، ويخبرنا مؤرخ معاصر
كاللورد أكتون أن ندرس المشكلات بدلًا من الحقب، أي
أن تبدأ دراستنا من مشكلة.
وفي الواقع يمكن إقامة الدعوى لكل طرف من أطراف
التخطيط الرباعي م أو ن د أو ق ق ليكون نقطة بداية
العلم أو التاريخ. وعلى الرغم من أن مسألة الاختيار
بين طرف أو آخر ليكون نقطة البداية، مسألة قليلة أو
عديمة الأهمية، من المنظور المنطقي، فإني أحبذ
القول إننا نبدأ من مشكلات.
أولًا وقبل كل شيء حين نقول إننا نبدأ من مشكلة
وننتهي إلى مشكلة أخرى، فإننا نعين درسًا بالغ
الأهمية، درس مفاده أنه كلما تنمو معارفنا ندرك
أكثر ضآلة ما نعرفه. يصدق هذا الدرس السقراطي في
العلوم الطبيعية مثلما يصدق في التاريخ: أن نظفر
بالتعليم هو أن نستلقط الأمارة على كثافة
جهلنا.
وفي الوقت نفسه، إذا جعلنا تخطيطنا الرباعي يبدأ
من م١، فإن ذلك يتيح لنا
القول إن المسافة — وغالبًا تكون شاسعة — بين
م١،
م٢ يمكن أن تفيد كمقياس
لتقدمنا في المعرفة: المسافة بين المشكلة التي
بدأنا منها والمشكلة التي نواجهها الآن.
وثمة سبب ثالث لتفضيل اختيار م كنقطة بداية، وهو
أننا غالبًا ما يدفعنا إلى أبحاثنا مشكلة عملية
معينة تفرض ذاتها علينا شئنا أم أبينا؛ وعلى هذا
يمكن القول إن الباعث للنظرية الاقتصادية الحديثة
وإلى حدٍّ بعيد
٣٣ جاء من الأزمة المالية في عهد وليم
وماري، من المحنة التي حلت بالوطن، من احتياج وليم
الملح للأموال (الذي بلغ ذروته في العام ١٦٩٦م)،
ومن الحجج النقدية التي تقدم بها جون لوك (وإسحاق
نيوتن) واستغلها مونتاجيو تحت قبة البرلمان،
٣٤ وكانت حججًا في صف الاقتراح بتثبيت
العملة، وضد الاقتراح المعارض الذي تقدم به وزير
المالية بتخفيض قيمة العملة بنسبة خمسة وعشرين في
المائة. ويحدث كثيرًا أن تكون المشكلة التي انبثقت
عنها النظرية في أول الأمر مشكلة عملية. فهكذا كانت
على الأقل بعض من المشاكل الشهيرة لأرشميدس، ولكن
فور أن يُطرح الحل، يضطلع النقد بالأمر، والنقد هو
القوة المحركة لنمو المعرفة، كما يبين تخطيطنا
الرباعي.
من الأهمية القصوى أن ندرك أن المشكلة السيئة
والحدس الافتراضي الخاطئ أفضل كثيرًا من لا شيء،
وفي الوقت نفسه لا بد أن ندرك أن الأمر هكذا لأننا
ننقد حدوسنا الافتراضية من منطلق صلاحيتها، أي
صدقها ودلالاتها ومواءمتها، وأن نضع نصب أعيننا
دائمًا صدقها ومواءمتها؛ فإن هذا على تمام التساوق
مع واقعة مفادها أن عديدًا من الحدوس الافتراضية
التي قد تبدو لنا صادقة في مرحلة ما، قد نكتشف في
مرحلة لاحقة أنها خاطئة. قد تدفعنا وثائق جديدة إلى
إعادة تأويل وثائق قديمة، أو أنها قد تثير مشكلات
جديدة، وفي ضوء مشكلة جديدة يمكن أن تتكشف لنا
دلالات غير متوقعة بالمرة لحفائر بدت في السابق غير
ذات دلالة.
وهذا يحل مشكلة منهجية شهيرة، وإن كنت لا أحسبها
مشكلة عميقة الأغوار، وهي مشكلة النسبوية
التاريخية. وكما نسلم جميعًا، تكون حدوسنا
الافتراضية بالنسبة لمشكلاتنا، وتكون مشكلاتنا
بالنسبة لوضع معرفتنا. وكما نسلم جميعًا، الوضع
الراهن لمعرفتنا قد يحفل بالعديد من الأخطاء، ولكن
هذا لا يعني أن الحقيقة نسبوية؛ يعني فقط أن
استبعاد الأخطاء والاقتراب من الحقيقة عمل شاق. ليس
هناك معيار للحقيقة/الصدق، ولكن هناك ما يشبه معيار
الخطأ: إن التصادمات التي تحدث داخل معرفتنا أو بين
معرفتنا وبين الوقائع تشير إلى أن هناك شيئًا ما
خطأً، وبهذه الطريقة يمكن أن تنمو المعرفة من خلال
الاستبعاد النقدي للخطأ، وتلك هي الطريقة التي يمكن
بها أن نقترب أكثر من الحقيقة/الصدق.
٣٥
وسوف ترون أنني يمكن أن أتفق تمامًا مع
البروفيسور تريفور-روبر، وهو في محاضرته الافتتاحية
المتحدية والمثيرة للسجال، يقيم الحجة على أننا
ينبغي أن نترك تيار الأفكار يتدفق من كل الروافد،
كما أسماها، وخصوصًا من الروافد العلمانية العادية.
٣٦
أنا نفسي أعتقد أن الإسهامات التاريخية لكلٍّ من
زومبارت وكينيز على خطأ. لست أومن ﺑ … «روح
الرأسمالية»، ولا أومن بأن تضخم الأرباح تأدى إلى
توسع أوروبا في القرن السادس عشر وأننا فزنا
بشكسبير حين بتنا قادرين على استقباله، ولكن ماذا
عنها؟ تلك الروافد العظمى التي نتجاهلها تأدت إلى
تطورات تاريخية هائلة في البلدان الأخرى، وإذا
استبعدناها نحكم على دراساتنا بالذبول. قد تقع
أخطاء، ولكن مجرد تصويب الخطأ ينطوي أول ما ينطوي
على دراسة مستجدة، ومن ثَم على اهتمام مستجد نشأ عن
هذا الخطأ، ويحدث في الدراسات الإنسانية أن خطأً
جديدًا يبعث الحياة أكثر من حقيقة قديمة، الخطأ
الخصيب وليس الدقة العقيمة.
وأنا أتفق مع البروفيسور تريفور-روبر إلا في نقطة
واحدة: معتقده البادي
٣٧ بأن ما يقوله يسري فقط على الدراسات
الإنسانية، وليس على العلوم الطبيعية. وكما نسلم
جميعًا، نحتاج إلى المتخصصين في كلٍّ من العلوم
والدراسات الإنسانية، ولكن التخصص ونزوع المحترف
نحو التفوق واستبعاد من هم خارج المجال أو الشخص
العلماني العادي لا بد أن يؤدي إلى تجفيف ينابيع
الدراسات الإنسانية والعلمية كليهما.
يدافع البروفيسور إلتون
Elton عن
الاحترافية في كتابه «ممارسة التاريخ
The Practice of
History»، ولكن هل هي في حاجة
إلى الدفاع؟ ألم يكسب رانكه هذه المعركة منذ مئات
الأعوام؟ يبدو لي بالأحرى أن الذي بات ضروريًّا
الآن هو أن نُذكِّر المحترفين العظام، والمتخصصين
سواء في التاريخ أو العلم أو الطب، أنهم عرضة
لارتكاب أخطاء، أي أخطاء مهنية. يعتبرون الوقوع في
الخطأ من الزلل بل ومما يبخس قدرهم، ولكن مَن ذا
الذي لا يقع في خطأ؟ قد يعتقد المؤرخ أن الفيزيائي
العظيم لا يرتكب غلطات في مجاله، ولكن إذا درس
تاريخ الفيزياء فسيكتشف على الفور أنه حتى
الفيزيائيين العظام ارتكبوا غلطات. منذ العام ١٩٠٥م
حتى العام ١٩١٥م عمل آينشتين في مشكلة الجاذبية قبل
أن يصل إلى النظرية التي يمكن أن تحل محل نظرية
نيوتن، ومن تلك السنوات العشر أمضى زهاء الأعوام
الثلاثة الأخيرة بجملتها فيما يمكن أن يوصف بأنه
مسار خاطئ بالكلية، وحتى بعد أن وجد معادلاته
للمجال، أخبره كريتشمان
Kretschmann
عام ١٩١٧م أن ما اقترحه كحجة جوهرية كانت خاطئة،
وعلى الفور اعترف آينشتين بالخطأ، ولكن ما قاله
حينذاك لكي يحل محل حجته (أشار إلى أن معادلات
نيوتن يمكن أن توضع في شكل الاختلاف المتشارك
covariant form
فقط بصعوبة بالغة) كان خاطئًا للمرة الثانية، كما
استبين في ذلك الحين.
٣٨
لا أحد مُستثنًى من الوقوع في الأخطاء، الشيء
العظيم هو أن نتعلم منها، وهذا ما نفعله عن طريق
النقد، وعن طريق اكتشاف مشكلات جديدة يأتينا بها
النقد.
وأحسب أن هذا ما جرى الاعتراف به ضمنًا في كتاب
إلتون؛ إنه يميز بين التحليل التاريخي — تحليل
المشكلات التاريخية — وبين الرواية التاريخية، إلا
أنه يجادل ضد نصيحة اللورد أكتون البارعة للمؤرخين
الشبان، المعطاة في محاضرته الافتتاحية العام ١٨٩٥م.
٣٩ بأنهم ينبغي أن «يدرسوا المشكلات في
تعيينها للحقب».
وأعتقد أن آراء اللورد أكتون في المنهج كآراء
كولنجوود أو البروفيسور تريفور-روبر، يمكن عرضها من
حيث إنها في جوهرها تتفق مع الآراء التي أدافع عنها
هنا، وعلى أية حال، يبدو أن إلتون لا يميل إليهما،
ولكن القراءة المتأنية لما يقوله تبين أنه يبدو على
اتفاق مع اللورد أكتون، ولأقتبس الفقرة التالية من
إلتون:
نصيحة اللورد أكتون التي تُقتبس كثيرًا
هي أن ندرس المشكلات وليس الحقب، وأولئك
الذين يستشهدون به ويصدقون عليه يفوتهم
إدراك أنه قد انقضت الآن حوالي سبعون عامًا
منذ أن نطق بتلك الكلمات المأثورة، وأنه
أثبت في واقع الأمر عجزه عن دراسة أيٍّ من
المشكلات أو الحقب ليخرج بنتيجة عملية. أما
المؤرخ المنهمك في السجلات وتواجهه مشاكل
معلقة، الواحدة تلو الأخرى، فبشكل طبيعي
يقنع نفسه أن الإنجاز الحقيقي يتوقف على
خوض غمار تلك الكيانات الغامضة.
أي
المشكلات، ويضيف إلتون على أن ذلك لا يعني أن المرء
ينبغي أن يسبغ نوط شرف على التحليل،
٤٠ وهذا يعني في ظاهره أن المرء لا ينبغي
أن يُعنى عناية خاصة بحل المشكلات. وكما سنرى، حتى
الآن لم تُطرح حجة ضد أكتون سوى أن كلماته «مأثورة»
ومرَّ عليها اثنان وسبعون عامًا.
٤١ ومع هذا، فإن الجملتين التاليتين
لإلتون في الحقيقة اعتراف بأن أكتون على صواب؛ نقرأ
في الأولى: «ما دام التاريخ سجلًّا للأحداث،
وللمشكلات التي تسري عبر الزمان، فلا يجب أن تكون
الرواية مشروعة فحسب، بل أيضًا مطلوبة بإلحاح». في
هذه الجملة نهيب ﺑ «المشكلات التي تسري عبر الزمان».
٤٢ ويصعب أن يفيد هذا كحجة ضد تأكيد أكتون
على المشكلات؛ لأن أكتون لم يقل أبدًا إنك لا ينبغي
أن تتبع مشكلاتك عبر الزمان، بل إن الجملة التالية
لإلتون أكثر وضوحًا: مرة أخرى نقول إن المسألة
الوحيدة التي تحدد الاختيار هي بُغية المؤرخ،
الأسئلة المطروحة عليه.
٤٣ وأنا أوافق تمامًا. إن الأسئلة
المطروحة عليه مسألة حاسمة، ولكن «الأسئلة المطروحة
على المؤرخ» مجرد رديف للمصطلح «مشكلة تاريخية»،
وهكذا نعود إلى تأكيد اللورد أكتون على
المشكلات.
وفي الواقع، يبدو أن عملنا لا يمكن أن يبدأ إلا
من مشكلات، وليس يصدق هذا فقط على ما يسميه إلتون
«تحليلًا» بل يصدق أكثر على ما يسميه
«رواية».
وربما تفيدنا الإشارة إلى أن ثورة ليوبولد فون
رانكه الاحترافية الشهيرة في التاريخ تحمل في
طياتها أكثر من مجرد مسحة مما أسماه هايك «النزعة
التعالمية». إن المنهج المزعوم للعالم المحترف هو:
يبدأ من ملاحظات، ويلاحظ، ويواصل الملاحظة؛ والمنهج
المزعوم للمؤرخ المحترف هو: يبدأ من الوثائق، يقرأ
الوثائق، يواصل قراءة الوثائق.
المنهجان المزعومان متماثلان تمامًا، وكلاهما
توجيهات لا يمكن تنفيذها: إنهما مستحيلان منطقيًّا.
أنت لا تستطيع أن تبدأ من الملاحظة: فعليك أن تعرف
أولًا ماذا سوف تلاحظ؛ أي أنك يجب أن تبدأ من مشكلة.
٤٤ علاوةً على ذلك، لا يوجد شيء من قبيل
ملاحظة غير مؤولة؛ كل الملاحظات مؤولة في ضوء
نظريات، والمثل يصدق تمامًا على الوثائق. هل تذكرة
سفري بالقطار إلى لندن وثيقة تاريخية؟ أجل وكلا.
إذا كنت متهمًا في جريمة قتل، يمكن أن تفيد التذكرة
لتأييد الدفع بغيابي عن مسرح الجريمة، ومن ثَم تغدو
وثيقة تاريخية مهمة (كما حدث في رواية دروثي سييرز
D. Sayers «خمس
من سمكات الرنجة الحمراء»)، ومع هذا لا ينبغي لي أن
أنصح مؤرخًا بأن يبدأ عمله بجمع تذاكر السكك
الحديدية المستعملة.
حتى الآن كنت أحاول توليد حجج تبين أن ثمة
تشاركًا بين المنهج الفعلي للعلم والمنهج الفعلي
للتاريخ أكثر مما يتصور معظم المؤرخين، بل إن
التماثل يمتد إلى سوء التأويلات التعالمية
للمنهجين، كما بينت ملحوظاتي الأخيرة.
ولكن أليس هناك اختلاف أساسي: اختلاف يتصل بمشكلة
تفهم التاريخ؟
سوف أعرض بإيجاز شديد نظرية كولنجوود في الفهم
المعايش، أو كما يمكن أن نسميه «الفهم المتعاطف»،
التي نجدها في كتابه المنشور بعد وفاته «فكرة
التاريخ». يمكن طرح نظرية كولنجوود باختصار على
النحو التالي: تتوقف المعرفة التاريخية، أو الفهم
التاريخي، على إعادة معايشة
٤٥ المؤرخ للخبرة الماضية. ودعوني أقتبس
فقرة من كتاب كولنجوود، وهي فقرة أتفق معها إلى
حدٍّ بعيد:
«هب [أن مؤرخًا] يقرأ الشرائع الثيودوسية، وأمامه
مرسوم معين من الإمبراطور. إن مجرد قراءة الكلمات
والقدرة على ترجمتها ليس معناه أنه يعرف مغزاها
التاريخي؛ لكي يبلغ هذا لا بد أن يتصور الموقف الذي
كان الإمبراطور يحاول أن يعالجه، ولا بد من أن
يتصوره كما كان الإمبراطور يتصوره، عليه بعد ذلك أن
يفكر بنفسه، كيف يمكن أن يعالجه، كما لو كان موقف
الإمبراطور موقفه هو شخصيًّا: يجب عليه أن يدرس
البدائل المتاحة، والأسباب التي تدفع إلى اختيار
بديل، دونًا عن الآخر، ومن ثَم لا بد من أن يمر بكل
الأدوار التي مرَّ بها الإمبراطور حتى اتخذ طريقًا
معينًا، هكذا يعيد في ذهنه معايشة خبرة الإمبراطور،
وفقط على قدر ما يفعل هذا تكون المعرفة التاريخية
التي يظفر بها، من حيث هي معرفة متميزة عن مجرد
المعرفة اللغوية، بمعنى المرسوم.
أو هب مجددًا أنه يقرأ فقرة لواحد من الفلاسفة
القدامى. هذه المرة يجب عليه أن يعرف اللغة في
أصولها، وأن يكون قادرًا على فهم محملها، ولكن إذ
يفعل هذا فإنه لم يفهم بعد الفقرة كما ينبغي أن
يفهمها مؤرخ الفلسفة، ولكي يبلغ هذا لا بد من أن
يدرك ماذا كانت المشكلة الفلسفية التي يطرح المؤلف
حلًّا لها في تلك الفقرة، لا بد من أن يفكر بنفسه
في تلك المشكلة، ويرى الحلول التي يمكن طرحها لها،
ويعرف لماذا اختار هذا المؤلف حلًّا بالذات دونًا
عن الآخر، وهذا يعني أن يعيد في ذهنه تفكير المؤلف،
ولا شيء دون ذلك يمكن أن يجعله مؤرخًا لفلسفة ذلك المؤلف.»
٤٦
إن ما يصفه كولنجوود هنا حاولت أنا وصفه في «عقم
النزعة التاريخانية»، وفي «المجتمع المفتوح»، وفي
أعمال أخرى لي تحت عنوان: منطق الموقف، أو تحليل الموقف.
٤٧ واقترحت أن ما ينبغي علينا هو إعادة
بناء موقف المشكلة الذي وجد الشخص الفاعل نفسه فيه،
وأن نرى كيف ولماذا شكَّل تصرفه حلًّا للمشكلة كما
تراءت له.
على أنني ذكرت آنفًا اتفاقي مع فقرة كولنجوود فقط
إلى حدٍّ بعيد؛ فلماذا لا أتفق معها كليةً؟
هناك اختلاف بين نظرية كولنجوود ونظريتي، إنه
يبدو اختلافًا طفيفًا، لكن معقباته بعيدة
المدى.
وهاك الاختلاف، أوضح كولنجوود أن الشيء الأساسي
في تفهم التاريخ ليس تحليل الموقف بقدر ما هو
العملية الذهنية لإعادة معايشته، ولا يفيد تحليل
الموقف إلا كمساعد لا غنى عنه لإعادة المعايشة.
٤٨ أما أنا، من الناحية الأخرى، فأزعم أن
عملية إعادة التمثل السيكولوجية ليست جوهرية، وإن
كنت أعترف بأنها يمكن أن تساعد المؤرخ مساعدة كبرى،
عن طريق تزويده بفحص حدسي لنجاح تحليله للموقف. إن
الجوهري، فيما أزعم، ليس إعادة المعايشة بل تحليل
الموقف: محاولة المؤرخ تحليل الموقف ووصفه لا تعدو
أن تكون حدسه الافتراضي التاريخي، نظريته
التاريخية. والمشكلة المحورية التي يحاول المؤرخ
حلها هي السؤال «ماذا كانت العناصر المهمة أو
الفعالة في الموقف؟» وعلى قدر ما يحل هذه المشكلة
يكون تفهمه للموقف التاريخي ولشطر من التاريخ يحاول
استيعابه.
إن ما يحاول أن يفعله بوصفه مؤرخًا ليس أن يعيد
معايشة ما حدث، وإنما في أن يطرح حججًا موضوعية
تؤيد تحليله للموقف. قد يكون قادرًا تمامًا على أن
يفعل هذا، سواء حدثت إعادة المعايشة أو لم تحدث؛
ذلك أن التصرف قد يتجاوز حدود المؤرخ من جهات
عديدة؛ قد يكون عملًا من أعمال القسوة أو من أعمال
البطولة يعجز عن إعادة معايشته، وربما يكون إنجازًا
في الفن أو الأدب أو العلم أو الفلسفة يتجاوز
قدراته، إلا أن كل هذا لا يحول بينه وبين إحراز
كشوفات تاريخية مهمة بين إيجاد حلول جديدة لمشكلات
تاريخية قديمة، أو حتى اكتشاف مشكلات تاريخية
جديدة.
إن المغزى الأساسي للفارق بين منهج كولنجوود في
إعادة المعايشة، ومنهجي أنا في تحليل الموقف، هو أن
منهج كولنجوود منهج ذاتي، بينما المنهج الذي أنتصر
له منهج موضوعي.
٤٩ ويبدو أن النقد الموضوعي النسقي للحلول
المتنافسة للمشكلات التاريخية سوف يغدو مستحيلًا
إذا اتبعنا كولنجوود؛ فنحن لا نستطيع أن نصبَّ جام
النقد العقلاني إلا على الحدوس الافتراضية
والمشكلات التي لم تصبح بعد جزءًا منا، بل يمكن
طرحها خارج أنفسنا، ومن ثَم يمكن أن يفحصها أيُّ
شخص آخر، خصوصًا أولئك الذين يستمسكون بنظريات
مخالفة. أما المنهج الموضوعي لتحليل الموقف، من
الناحية الأخرى، فيفسح المجال أمام المناقشة
النقدية لحلولنا المبدئية، لمحاولاتنا إعادة بناء
الموقف، وعند هذا الحد نجده عن حق منهاجًا شديد
الاقتراب من المنهج الفعلي للعلوم الطبيعية.
ولأضرب مثالًا بسيطًا؛ من المعروف جيدًا أن
جاليليو لم يرحب بنظرية تفسير المد والجزر بحركة
القمر، وأنه بذل جهودًا جبارة في محاولة لتفسيره
بنظرية لا قمرية، ومن المعروف أيضًا أن جاليليو لم
يبادل كبلر إيماءاته الودودة. هاتان الواقعتان
يتخلَّق عنهما مشكلتان، ويمكن أن ينشأ عنهما الحدس
الافتراضي التفسيري التاريخي التالي: كان جاليليو
معارضًا للتنجيم، للنظرية القائلة إن مواقع
الكواكب، بما فيها القمر، تؤثر على الأحداث
الأرضية. تبين الوثائق أن النظرية القمرية للمد
والجزر كانت بالفعل جزءًا من العتاد المعرفي
للتنجيم. وبطبيعة الحال كان جاليليو يعرف واقعة
مفادها أن كبلر احترف التنجيم.
وحين عاودت الآن قراءة كتاب «حوار حول النظامين
الرئيسيين للعالم» واضعًا هذا الحدس الافتراضي في
ذهني انتهيت إلى الفقرة التالية (آخر فقرة ذُكِرَ
فيها كبلر)، وهي تعزيز لذلك الحدس الافتراضي:
٥٠
كل شيء [يتعلق بحركة المد والجزر] جال في
حدس افتراضي للآخرين سابقًا يبدو لي خاطئًا
بالكلية، ولكني مندهش بإزاء كبلر أكثر من
أي شخص آخَر ضمن أولئك العظام الذين فلسفوا
ذلك الأثر اللافت؛ فعلى الرغم من عقليته
المتفتحة والثاقبة، وعلى الرغم من أنه ملك
طوع بنانه الحركات المعزوة للأرض، فإنه مع
ذلك أسلم القيادة لهيمنة القمر على المياه،
والصفات الخفية وتلك التوافه
الصبيانية.
وما يحدث حين كنت أقرأ هذه الفقرة فيما مضى أنني
لا أتفهم الدلالة الكاملة للإشارة إلى «الصفات
الخفية»: لقد تفهمت هذه الفقرة تمامًا فقط بعد أن
انشغلت بهاتين المشكلتين، وخرجت بحدسي
الافتراضي.
ومن الواضح أن هذه الشذرة الضئيلة من حل مشكلة
تاريخية بالغة البساطة يسير بما أسميته منطق الموقف
أو تحليل الموقف. ومنهج التحليل هذا يساعدنا في
تفسير اتجاهين لجاليليو — اتجاه إزاء مشكلة علمية،
واتجاه إزاء شخص — وذلك عن طريق إعادة بناء حدسية
افتراضية لموقف المشكلة، كما تراءى له، إلا أن
إعادة البناء هذه ليست إعادة معايشة حقيقية بمغزى
كولنجوود، إنها ليست إعادة معايشة لأفكار وتصرفات
جاليليو التي تعنينا هنا، ولا هي إعادة خلق لنظرية
جاليليو في المد والجزر (وهذا فعل أعجز عنه
تمامًا)، ولا هي إعادة معايشة لتواني جاليليو عن
الرد على بعض خطابات كبلر (على الرغم من أن التواني
في الرد على خطاب أو حتى خطابين شيء أستطيعه
تمامًا).
من الواضح الآن أن تواني جاليليو عن الرد على
كبلر ليس إلا واحدًا من تلك الأشياء التي لا تستحق
إعادة المعايشة: إنه في حد ذاته تصرف (أو بالأحرى
عدم تصرف) لا يقدم ولا يؤخر، ولكنه قد يكون مهمًّا
بوصفه علامة، وفي ارتباطه بمشكلة تاريخية أخرى، وهو
هكذا من منظور تشخيصنا للموقف.
ومن هنا زعمت أن تحليل الموقف نظرية للتفهم
التاريخي أفضل من نظرية كولنجوود في إعادة
المعايشة، إنها أقل تزمُّتًا، وليست كنظرية
كولنجوود محصورة في إعادة معايشة العمليات الفكرية
الواعية، بل تسمح بإعادة بناء مواقف المشكلة التي
لم يفهمها الفاعل تمامًا، وعلاوةً على ذلك، تفسح
مجالًا لإعادة بناء وتحليل المعقبات غير المقصودة
وغير المتوقعة لأفعالنا، وهذه النقطة في حقيقة
الأمر بالغة الأهمية، وتسمح لنا أن نعطي في تحليلنا
للموقف التقدير الكامل ليس للأفراد فحسب، بل أيضًا
للمؤسسات. بعبارة أخرى: هذه النظرية أرحب، أو
لعلِّي أقول عنها إنها أكثر تعددية، وأكثر كثيرًا
حتى من نظرية كولنجوود الذي بتشديده المتين على
المشكلات قد تناول التاريخ بروح تعددية أكثر كثيرًا
من أيٍّ من سابقيه. في عرف كولنجوود، إعادة معايشة
أي تفكير يمكن أن تغدو مشكلة. وفي عرف منطق الموقف،
إعادة بناء أي موقف، بما في ذلك الموقف الناتج عن
موقف آخر، يمكن أن تغدو مشكلة، وعلاوةً على هذا،
يعني منطق الموقف كثيرًا بالموقف من حيث هو خبرة
مرَّت بها الذات الفاعلة تمامًا بقدر ما يعني
بالموقف الموضوعي كما حدث بالفعل، ومن ثَم بالأخطاء
الموضوعية التي وقعت فيها الذات الفاعلة.
وهذا يفضي بي إلى أهم فارق بين مقاربتي ومقاربة
كولنجوود. إن المعرفة عند كولنجوود، كما هي عند كل
الفلاسفة تقريبًا، تتكون أساسًا من الخبرات الحية
للذات العارفة، وينطبق هذا بالطبع على المعرفة
التاريخية. أما بالنسبة لي، فإن المعرفة تتكون
أساسًا من الصنائع المتخارجة، أو المنتوجات، أو المؤسسات.
٥١ (والذي يجعلها قابلة للنقد العقلاني هو
اتصافها بأنها متخارجة عنا.) هناك معرفة بغير ذات
عارفة، مثلًا المعرفة المخزونة في مكتباتنا؛ ومن
ثَم يمكن أن تنمو المعرفة بغير أي نماء في وعي
العارف، بل ويمكن أن يشكل نمو المعرفة الخطة
الأساسية لتاريخنا، ومع هذا قد لا يكون ثمة تزايد
مناظر لا في المعرفة الذاتية ولا في قدراتنا، بل
وقد لا تتغير اهتماماتنا. المعرفة البشرية قد تنمو
خارج الكائنات البشرية.
وعلى هذا يمكن أن نفرق بين تطور الإنسان (بصيغة
المفرد)، أي تطور النوع البشري والمعرفة المتخارجة
منه، وبين تاريخ الإنسان الفرد المختلف (الإنسان في
صيغة الجمع). ولا شك عندي في أن القيمة الأساسية
والخاصة الأساسية لذلك الموضوع الذي نسميه التاريخ،
وحقيقةً دونًا عن كل الموضوعات الإنسانية، هي أن
التاريخ رحيب بما يكفي لكيلا ينشغل فقط بتطور الجنس
البشري ومؤسساته، بل أيضًا بقصص الناس المنفردين
(في صيغة الجمع) وصراعاتهم مع مؤسساتهم، ومع بيئتهم
المتطورة، وبالمشكلات التي يطرحها تطور الإنسان
ومعرفته.
والتاريخ على هذا تعددي، لا يتعامل فقط مع
الإنسان، بل مع الناس. وفوق كل هذا يسمح لنا بإثارة
مشكلة إلى أي حدٍّ — ضاق أم اتسع — تأثر الناس بنمو
المعرفة، وبتاريخ الفن، وتطور الإنسان، وأزعم أن
هذه المشكلة واحدة من كبريات مشاكل التاريخ.