المسألة الشرقية ومؤتمر باريس

١٨٥٦

حرب القرم ومؤتمر باريس مرحلة من مراحل المسألة الشرقية، وهنا يجدر بنا أن نتفهم ماهية المسألة الشرقية وتطوراتها. لا نريد الرجوع إلى الماضي كثيرًا، إلى العصور القديمة أو العصور الوسيطة، بل نكتفي بالرجوع إلى قيام الدولة العثمانية كدولة عظمى تسيطر على جنوب أوروبا الشرقي في القرن السادس عشر، وطالما كان العثمانيون دولة عظمى؛ أي قوة مهاجمة، وطالما كانت الدولة العثمانية في دور الفتوح والاتساع لم تكن هناك مسألة شرقية، وإنما كانت المشكلة مشكلة أوروبا؛ مشكلة استطاعة أوروبا الوقوف أمام هجمات العثمانيين العنيفة. لقد استطاع العثمانيون القضاء على الإمبراطوريات البلقانية الكبيرة؛ فقضوا على إمبراطورية الصرب، وإمبراطورية البلغار، ودمروا الدولة البيزنطية، واستولوا على عاصمتها، وجعلوها عاصمة للإسلام، واستولوا على ولايتي الأملاق والبغدان والقرم، وأصبح البحر الأسود بحيرة تركية، كما استطاعوا القضاء على دولة المجر، وأصبحت المجر ولاية عثمانية من أهم الولايات العثمانية.

وإنما أخذت مسألةٌ شرقية في الظهور حين أخذت موجة الفتح التركي في الانسحاب، وأخذ الأتراك يتقهقرون تدريجيًّا من ولاياتهم المتطرفة، وخاصة من أواسط أوروبا، فظهر الأمل يقوى بالتدريج في أوروبا في انسحاب العثمانيين يومًا ما من وسط أوروبا وشبه جزيرة البلقان.

لا نريد هنا الدخول في الأسباب المتعددة التي دعت إلى ضعف الدولة العثمانية، وتقهقر النفوذ العثماني الإمبراطوري، ولكنا يمكننا أن نشير إلى انحلال النظم العثمانية ذاتها منذ القرن السابع عشر، هذه النظم التي كانت من أسباب القوة العثمانية؛ فلقد كانت مركزة حول شخصية السلطان إلى حدٍّ كبير، ولها صلة كبيرة بقوَّته وبطشه، فلما ضعفت شخصيات السلاطين، عادت نظم الحكم التي كانت قوةً للدولة العثمانية نقمةً عليها، ووقفت عقبة كَأْداء في طريق الإصلاح مدة طويلة، وخاصة نظام الرِّقِّ الذي نشأت على أساسه الهيئة الحاكمة وقوة الجيش العثماني، فلكي تستطيع الدولة البقاء كان لا بدَّ لها من محاولة القضاء على نظام الرق هذا.

فعوامل ضعف الدولة العثمانية ترجع كما هو ظاهر إلى ظروف داخليَّة، وأخرى خارجية، لا تقل عنها أهمية، ومن أهم العوامل الخارجية ظهور النمسا والروسيا كدولتين حديثتين مهاجمتين متوسعتين، فلقد غدت هاتان الدولتان في حالة حرب تكاد لا تنقطع مع الدولة العثمانية، حتى استنفدت قوة الدولة العثمانية وحيويتها. هاتان الدولتان في ظل عائلتي الهابسبرج ورومانوف أخذتا في الظهور والتوسع على حساب ممتلكات الدولة العثمانية في وسط أوروبا، في حوض الدانوب وعلى حدوده، وعلى سواحل البحر الأسود.

أخذت المسألة الشرقية تظهر بشكل واضح إذن في القرن الثامن عشر، وأخذت تظهر القوميات البلقانية المسيحية التي هيَّأت لها سياسة الدولة «الملية» وسائل المحافظة على لغتها وعاداتها وتقاليدها ودينها ونظمها، وأخذت الدول الكبرى الأوروبية تتخذ لها مواقف معينة من نمو هذه القوميات: إما مناصرة لها، أو عاملة على تحديد أطماعها، أو راغبة في مدِّ نفوذها وسلطانها عليها.

بدأت تثور المسألة الشرقية إذن بشكل واضح في الربع الأخير للقرن الثامن عشر، حين اضطرت الدولة العثمانية أمام الضغط الروسي والنمساوي إلى الاعتراف بنفوذ الروس في شمال البحر الأسود، وبسيطرة الهابسبرج على وسط أوروبا، ومنذ ذلك لم تُعْطَ الدولة العثمانية فرصة طويلة للاستجمام أو لاستعادة قوتها، ولاقت الدولة من باشاواتها الثائرين عليها أو شبه المستقلين مثلما لاقت من أعدائها التقليديين، من استبعاد لنفوذها وقضاء على سيطرتها، وتمزيق لأوصالها.

ولم ينقذ الدولة حقيقة من عدوَّتيها الكُبْرَيينِ الروسيا والنمسا إلا ظهور روح المنافسة بينهما؛ فالدولة النمساوية بصفة عامة بعد أن استرجعت المجر من الدولة العثمانية وأمَّنت حدودها في حوض نهر الدانوب من ناحية العثمانيين أخذت تلحظ بعين القلق تقدُّم النفوذ الروسي في البحر الأسود، وخاصة في بولونيا، وأخذت تخشى بعض الشيء صلات الجنس الصقلي التي تربط بين روسيا وبين شعوب البلقان الصقلية، وسرعان ما شُغِلت بحروبها مع بروسيا ثم مع الثورة الفرنسية ونابليون في غرب أوروبا، وفي الميدان الإيطالي، فاضطُرت أن تغادر بصفة عامة سياسة العداء بإزاء الدولة العثمانية.

كما أن الدولة العثمانية شعرت من ناحيتها بحاجتها للإصلاح، وقامت محاولات للإصلاح وخاصة في نظام الجيش، وكانت هناك محاولات في القرن الثامن عشر قام بها بعض السلاطين المصلحين؛ لإصلاح النظام الحربي العثماني، وعرف محمود الثاني أن الإنكشارية التي عزلت سليمًا من قبلُ وقتلته، هم أعداؤه وأعداء الدولة وأعداء التقدم، فلقد كانوا أكبر عناصر الفوضى في الدولة؛ لفسادهم وسوء نظامهم واستمرار ثوراتهم، لقد أثبتت التجارب أنهم أصبحوا عنصرًا لا قيمة له في ميدان الحرب، في الوقت الذي أصبحوا فيه خطرًا كبيرًا على سلام الدولة وأمنها وطمأنينتها. حاولت الإنكشارية إشعال الثورة على السلطان المصلح، ولكنه لم يكن لهم نظام ولا زعماء، قد ملَّ الناس غطرستهم وتكبرهم وغرورهم وانحلالهم حتى رجال الدين أنفسهم رأوا في القضاء عليهم إنقاذًا للإسلام؛ ولذا لم يقم أحد سلاحًا، حين أمر السلطان بمهاجمتهم وتدميرهم ومحو اسمهم ونظامهم.

وحلت محلهم العساكر المحمدية، اهتم السلطان بإنشاء جيش جديد قوي، فهو عصب الدولة التي حلت بها الكوارث من كل جانب، وضاقت المنطقة التي كان للسلطان فيها حكم فعلي، فما كان للسلطان إلا اسم من سلطة في سوريا أو أرمنية أو العراق أو الموصل أو مصر، وكان باشاوات حلب وعكا وبغداد قد رفعوا راية الثورة، وحاول محمود بسطَ سلطانه على بعض الولايات الثائرة، وتم له إخضاع العراق والقضاء على المماليك والإنكشارية فيها.

وكان جهد محمود الحقيقي مركزًا في إصلاح الجيش، وكان من الصعب إيجاد الضباط وتدريبهم؛ لتفشي الجهل بين الناس، فاستعان محمود بالبروسيين والفرنسيين، وأحرز بعض التقدم في تنظيم الجيش والبحرية، ولكنه فشل في اختيار قواد جيشه، ومن هنا كانت هزائمه أمام قوات واليه محمد علي. لقد حاول محمود إصلاح نُظُم الدولة الأخرى مثل المالية؛ فحاول إدخال النزاهة والأمانة، وعمل على زيادة موارد الدولة، وخاصة بعد معاهدة أدرنة التي فرض فيها الروس عليه غرامة حربية كبيرة، ووضع نظام الوقف تحت إشراف الدولة، ولكنه اتبع سياسة الاحتكار مما جعل إنجلترا تحتج على هذه السياسة. فإنجلترا في ذلك الوقت كانت تتبع سياسة حرية التجارة؛ عندئذٍ أعاد محمود النظر في هذه السياسة، وخاصة في العلاقات التجارية بين دولته وبريطانيا، وكان نتيجة ذلك إمضاء اتفاقية أغسطس ١٨٣٨ وبها أُلغيت كل الاحتكارات في كل ولايات الدولة (بما فيها مصر).

عُنِي ذلك السلطان عناية خاصة بتوكيد علاقاته بالغرب، فحاول تحسين حالة رعاياه المسيحيين، وأعلن نفسه نصيرًا للتسامح، ولكن محمودًا لم يجد له مساعدين مخلصين، ومع ذلك فإن كان قد فقد مصر وسوريا إلا أنه استطاع أن يسترجع للدولة إبيروس وألبانيا وسيواس وديار بكر والموصل وبغداد.

•••

لقد تولى السلطان عبد المجيد بعد موت السلطان محمود، ولم تكن له شخصية محمود القوية، ولكنه أظهر كسالفه رغبة في التجديد والاقتباس من الغرب. فاستدعى رشيدًا من لندن ليكون وزير الخارجية، وليستمر في سياسة الإصلاح، وكان رشيد من المؤمنين بقيمة الإصلاح السياسي، فهو من الشخصيات العثمانية المتعلمة في ذلك الوقت المستنيرة. كان نزيهًا إذا قيس برجال الدولة الآخرين، فهو يكره الرشوة ويمقت الفساد، ويرى أنه لا بقاء لتركيا بغير الاقتباس من الغرب، لقد كان رشيد من الساسة الذين أقنعوا محمودًا بالقضاء على سياسة الاحتكار، لكنه كان على نقيض محمود؛ فهو يعتقد في النظم النيابية، ولا يعضد سياسة الاستبداد، لقد كانت الثقة متبادلة في وقت من الأوقات بينه وبين السفير الإنجليزي Stratford canning الذي كان يعضد سياسة الإصلاح في الدولة بكل قواه.

وصل عبد المجيد إلى العرش، وكانت الدولة العثمانية على شفا جُرف من الانهيار بعد انهزامها أمام القوات المصرية في موقعة نزيب، لم يكن لدى السلطان الجديد لا جيش ولا بحرية ولا مال؛ فلقد دُمِّر الجيش وسلم الأسطول لمحمد علي وفرغت خزائن الدولة، ولم يكن منتظرًا تأييد إنجلترا للدولة العثمانية في محنتها إلا إذا رضيت الدولة العثمانية باتباع سياسة إصلاحية.

ولذا ستكون باكورة أعمال السلطان الجديد إصدار مرسوم جلخانة (التنظيمات) مقتبسًا من النُّظم الغربية إلى حدٍّ كبير، ولإرضاء أوروبا قبل كل شيء. سجلت هذه التنظيمات حقوق الرعية في الحياة والملكية والمحافظة على الشرف، وقررت المحاكمة قبل الحكم، وحاولت إصلاح النظام القضائي، كما حاولت وضع قانون جنائي، وقررت تنظيم أمر الضرائب، فرضها وحمايتها، كما قررت تنظيم الخدمة العسكرية، وجعلت التجنيد إلى حدٍّ ما إجباريًّا، واعترفت هذه التنظيمات بمساواة كل الأديان أمام القانون.

وأُعلِن هذا الإصلاح في احتفال مشهود، وذُكر أن فيه «إحياء الدين والدولة والحكومة والشعب». ولم يقتصر السلطان على ذلك؛ فقد وعد باتباع سياسة تنسجم مع هذا الإصلاح، وترفع من شأنه في الغرب، ولكنه بقيت سلطة السلطان كما كانت في الماضي استبدادية. لم يكن لهذا الإصلاح أثر كبير من الناحية الداخلية، ولكن أثره على الناحية الخارجية كان عظيمًا، وخاصة في الدول الصديقة للدولة العثمانية، فرأى فيه بونسنبي، سفير إنجلترا في القسطنطينية:
A Victorious answer to those who say that this Empire cannot be saved by its anciént government.

لقد كان لصدور هذا القانون أثر كبير في تأييد الدول الأربع لتركيا ضد خطر محمد علي الجارف الذي هدد حياة الدولة العثمانية، وحين انتهى الخطر الخارجي، أعاد الرجعيون كرتهم، يدسون للنظام الجديد ويعملون على فشله، وسقط رشيد؛ ولذا أصبح القانون الجديد إلى حد كبير حبرًا على ورق.

وكان لا مناص بعد سقوط رشيد باشا أن يتولى الوزارة رجال يتصفون بالرجعية، فعاودوا السياسة القديمة الاستبدادية، واضطهدوا المناصرين لحركة الإصلاح، ولكنهم أصروا على ضرورة الإصلاح العسكري، فلقد خبروا تجربة الثلاثينيَّات؛ ولذا حاولوا تنفيذ التجنيد الإجباري في سنة ١٨٤٣ وأدى ذلك التصميم على الإصلاح العسكري إلى قيام الثورة في كثير من جهات الدولة، فزاد تعقد الأمور.

•••

لم يكن من السهل في مثل ظروف الدولة العثمانية في الأربعينيَّات القيام بأية إحصائية دقيقة لسكان الدولة، وكانت حالة الجيش بصفة عامة سيئة، فكان عدد كبير من الجنود لا يصلحون مطلقًا للخدمة العسكرية، وكان الكثير منهم يُؤْخَذون من قراهم بالقوة أو من السجون أو من المساجد أثناء تأدية الصلاة، ويُؤخذون إلى حيث لا يُعرف لهم مصير. لقد بيَّن الإحصاء الذي عُمِل في ذلك الوقت أن بالدولة حول أربعة عشر مليونًا من المسلمين، ولم يُرِد الرجعيون في ذلك الوقت تجنيد المسيحيين؛ لشكهم فيهم وعدم الاطمئنان لإخلاصهم للدولة، وقاوم المسيحيون أنفسهم فكرة تجنيدهم، فهم لا يرون التضحية بأنفسهم في سبيل الدولة، وعلى هذا جندت الدولة المسلمين فقط، وجندت منهم حول ربع مليون جندي، قام بتدريبهم بعض الضباط الألمان، وسار الجيش التركي على أسلوب الجيش المصري؛ ولذا تحسنت حاله كثيرًا عن ذي قبل، وأثبت الجيش التركي بالفعل في حرب القرم وقبلها في حروب البلقان كفاية أعظم بكثير من ذي قبل، أعظم مما أظهر في حرب سنة ١٨٢٨ و١٨٢٩ مع الروس.

كذلك نجحت الدولة إلى حد كبير في إصلاح البحرية والارتفاع بمستواها، وإن كانت لم تستفِد منها استفادة حقيقية في حرب القرم، فلقد انهارت البحرية العثمانية عند أول صدمة، والواقع أن الدولة العثمانية لم تستفد من قوَّتها البحرية كثيرًا إبَّان القرن التاسع عشر، فلقد دُمِّرت في نوارين، ودُمِّرت في سينوب، ولم تَقم بدور كبير يُذكر في حرب سنة ١٨٧٧.

•••

لقد عمل إصلاح جلخانة على تدخل أوروبا في صالح الدولة العثمانية ضد محمد علي، وكانت نتيجة سياسة الرجعيين قيام الثورة في البوسنة وفي لبنان.

ففي لبنان قام الصراع حادًّا شديدًا بين المارونيين والدروز، فلقد أراد المارونيون — تؤيدهم البابوية وفرنسا — القضاء على ما للدروز من حقوق إقطاعية على رعاياهم من المارونيين، واغتبط الأتراك لذلك الصراع بين رعاياهم ليكفوا شر الاثنين، وبينوا للدروز أنهم لن يؤيدوا المارونيين ضدهم. لقد كانت الدول الأربع في تدخلها في سنة ١٨٤٠ قد وعدت سكان لبنان بحكمٍ خير من الحكم المصري؛ ولذا رأت الدول الكاثوليكية بالذات التدخل لحماية المارونيين من الدروز، فسببُ الثورة اللبنانية في نظر بعضهم هو عدم قيام الدولة العثمانية بالتزاماتها وتنفيذ سياسة الإصلاح.

لقد تدخل السفير الإنجليزي ستراتفورد كاننج وممثلو الدول الأربع لوقف اعتداءات الدروز على المسيحيين، واقترح ستراتفورد تقسيم الجبل إلى قسمين؛ منطقة مارونية إلى الشمال، ومنطقة درزية في الجنوب، وقبِلَ الأتراك ذلك بعد تردُّد، وبالرغم من ذلك، سار الباب العالي على سياسة استغلال النزاع بين الطائفتين، وتدخلت الدول الأوروبية في ذلك النزاع؛ فرنسا والنمسا يعطفان على المارونيين ويتصلان بهم، كما حاول الروس الاتصال بالأرثوذكس والدروز، وعملت إنجلترا كما تقول على حفظ التوازن بين عناصر الجبل، وأخيرًا اضْطُر الأتراك إلى السماح للجبل ببعض الحكم الذاتي، وغادروا فكرة الحكم المباشر واطمأنت الحالة في لبنان بعض الشيء إلى أن انفجرت الثورة مرة أخرى في سنة ١٨٥٨.

وأما في البوسنة فلقد قامت الثورة فيها في سنة ١٨٥٣ مباشرة قبل حرب القرم، لقد كان خط جلخانة منقذًا لتركيا من محمد علي، ولكنه كان السبب المباشر لقيام الاضطراب في البوسنة؛ فلقد كانت أكثر الولايات العثمانية محافظة، ومعنى تنفيذ الإصلاح قيام الثورة. كانت الأمور في هذه الولاية في يد أرستقراطية إسلامية تمتعت بشيء من الاستقلال عن الآستانة، بحيث كانت سلطة الباب العالي محدودة إلى حد أنه لم تسمح هذه الأرستقراطية للباشا والي السلطان بالإقامة بسراييفو، وكان لهذه الأرستقراطية من النبلاء الرجعية اهتمام كبير بالمحافظة على أتباعها وقصورها وحصونها، وأما البقية من السكان فبعضها مسيحي كاثوليكي، والبعض أرثوذكسي، وكان هؤلاء المسيحيون يكرهون بني جنسيتهم من المسلمين أكثر من كرههم للأتراك.

لقد حاول السلطان محمود إدخال شيء من النظام في هذه البلاد، فوجد معارضة شديدة من الأرستقراطية الصربية الإسلامية. فقامت ثورة على رأسها حسين أغا تطالب بحرب مقدسة ضد السلطان «الكافر» في نظرها، وامتدت الثورة إلى بلغاريا وألبانيا، ولكن حسينًا هذا فشل أخيرًا في ثورته وهرب إلى النمسا.

وتكرر قيام الثورة حين حاول رشيد باشا استئناف سياسة الإصلاح، وامتدت الثورة إلى جبل الأسود، فأرسل الباب العالي عمر باشا للقضاء على ثورة البوسنة والجبل الأسود، وتمكن عمر باشا وهو من قواد الدولة الممتازين من قمع الثورة في البوسنة، وهدم كثيرًا من حصون الأرستقراطية، وبذا انتهى عهد بكوات البوسنة الإقطاعيين ومن هناك تقدم إلى الجبل الأسود، حينئذٍ تقدمت النمسا بإنذار للباب العالي بأنها لن تسمح بالقضاء على الجبل الأسود، وتطالب بسحب عمر باشا، وأمام الإنذار النمساوي الذي كانت تؤيده روسيا، اضطر الباب العالي إلى سحب عمر باشا من الجبل الأسود والبوسنة، فكان هذا إذلالًا لتركيا شجَّع روسيا فيما بعد على أن تتقدم هي الأخرى بإنذار للباب العالي مما سيكون سببًا في إثارة حرب القرم.

لقد أخذت الدولة النمساوية تلقي نظرة طمع إلى البوسنة والهرسك في حالة ازدياد النفوذ الروسي في شرق البلقان؛ ولذا رأت في سياسة عمر باشا الإصلاحية القوية ضياع الفرص أمام التدخل النمساوي، وكانت الحكومة النمسوية تعمل على انتهاز الفرصة للانتقام من الدولة العثمانية؛ لإيوائها اللاجئين المجريين؛ ولذا سارعت إلى الاحتجاج على سياسة عمر باشا، وحين هاجم عمر باشا الجبل الأسود، تقدمت الحكومة النمساوية بإنذارها تطلب عزله تؤيدها الحكومة الروسية كما ذكرنا.

•••

وسيكون التدخل الأوروبي الأجنبي من عوامل فشل حركة الإصلاح في الدولة العثمانية إلى جانب الرجعية — وهناك عوامل أخرى، منها الامتيازات الأجنبية والقضاء القنصلي في الأمور المدنية والجنائية — حقيقة بُدئ في إنشاء محاكم مختلطة في الآستانة منذ سنة ١٨٤٧، وكان أعضاؤها من الأجانب الذين اشْتُهروا بالفساد والتحيز، ثم أُنشئت محاكم مختلطة أخرى في زمير وبيروت ودمشق وحلب، ولم تشتهر هذه المحاكم أبدًا بالعدالة أو النزاهة، وازداد تدخل القناصل في أمور الدولة.

حقيقة قامت محاولات للإصلاح وتكونت لجنة لإصلاح التعليم في سنة ١٨٤٥، وقُرِّرت مرتبات للمدرسين، وأخذت الدولة في إنشاء بضع مدارس ثانوية، وأُنْشئت مدارس فنية لتخريج الموظفين من مدنيين وعسكريين، وأُخذ في إنشاء جامعة في سنة ١٨٤٦، فلما قامت ثورات سنة ١٨٤٨ الجامحة في أوروبا، واشترك فيها طلبة الجامعات، أُوقف إنشاؤها، وفي سنة ١٨٥٠ ألغت الدولة نظام الرق، وأعادت تنظيم نظام الضرائب، واقتبست من القانون النابليوني قانونها الجنائي، كما وُضع قانون تجاري.

ولقد حاول ستراتفورد كاننج السفير الإنجليزي إقناع السلطان بمعاملة المسيحيين على قدم المساواة مع المسلمين، أمام القانون وفي الشهادة، ولكن محاولات ستراتفورد لم تنجح، فلم يمتزج المسيحيون والمسلمون ليكونوا شعبًا واحدًا، وما كان ذلك أمرًا ممكنًا؛ فلقد رفض ساسة الدولة تجنيد المسيحيين، ولم يكن المسيحيون من ناحيتهم ليقبلوا ذلك النظام بعد أن كانوا مُعْفَينَ منه، وقامت محاولة لإدخال شيء من حسن الإدارة في الولايات، وأصبح من الممكن نظريًّا محاكمة الباشاوات إذا أساءوا التصرف، وتحسَّن نظام القضاء في الولايات نسبيًّا. لقد وضع رشيد نظامًا من شأنه إنشاء مجلس بجانب كلِّ والٍ يمثل الهيئات المختلفة من مسلمين ومسيحيين للاستشارة في الأمور المحلية، وكان للعناصر التركية بطبيعة الحال أكبر تمثيل فيه، فعملت على حماية مصالحها دون سواها.

وبالرغم من تدخل الدول، وتدخل القناصل فلقد تحسنت نسبيًّا أحوال الرعايا المسيحيين في الدولة، وازدادت ثروتهم لاشتغالهم بالأمور الإنتاجية في الزراعة والصناعة والتجارة.

•••

لقد خارت قوى الإصلاح بصفة عامة بعد رشيد أمام تدخل الدول، وتدخل القناصل، والمحاكم المختلطة، والقضاء القنصلي، وتغلب العناصر الرجعية، ولم يستطع الشعب التركي أن يتابع سياسة الإصلاح التي نادى بها رشيد، فلم يكن له من وسيلة للتعبير عن آرائه؛ إذ لم يكن هناك تعليم بالمعنى الصحيح، ولم تكن هناك صحافة، فلم يتكون إذن رأي عام تركي يؤيد سياسة الإصلاح.

وأما الحالة المالية، فازدادت سوءًا على سوء، ولم تجد الدولة من يقرضها بشروط معقولة، وأخذت الدولة في التدهور والانحدار، ولم تُفِدْ كثيرًا سياسة الإصلاح إلا في نواحٍ محدودة، ولم تَعُد تركيا لسياسة الإصلاح مرة أخرى إلا في سنة ١٨٥٣، حين اشتد الخطر الخارجي، فأزمة مصر أدت إلى خط جلخانة، وأزمة سنة ١٨٥٤ إلى الخط الهمايوني، وسيكون وراء حركة الإصلاح في كل من الأزمتين السفير الإنجليزي في الآستانة ستراتفورد دي ردكلف.

•••

وأما علاقات الدولة العثمانية بروسيا، فبحكم اعتناق الروسيا للمذهب الأرثوذكسي المسيحي الشرقي كانت ترى نفسها وريثة للدولة البيزنطية، ويحلم قياصرتها بذلك اليوم الذي يستطيعون فيه دخول القسطنطينية، وكانت مصالحها الجغرافية والمادية والاستراتيجية تقضي بضرورة تحديد علاقاتها بالدولة التي تسيطر على المضايق، البوسفور والدردنيل، إما عن طريق القضاء عليها، أو السيطرة عليها أو على الأقل ضمان حرية المرور في كل الأوقات لسفنها التجارية والحربية وإغلاق هذه الممرات أمام سفن أعداء الروسيا. كانت سياسة الروسيا بصفة عامة في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر العمل على انحلال الدولة العثمانية، وتشجيع شعوبها البلقانية على الاستقلال عنها، وانتزاع ما يمكن انتزاعه من ممتلكاتها. لم يكن من سياسة روسيا إعطاء الدولة العثمانية فرصة للاستقرار أو اتخاذ سياسة الإصلاح، فهدف روسيا في هذه الفترة هو الإسراع بالدولة العثمانية في طريق الانهيار والدمار. عملت روسيا بلا ريب على توسيع حدودها في البلقان وفي القوقاز، واستطاعت أن تنجح في القوقاز، ولكنها أُصيبت بالفشل في البلقان، فلقد وقفت القوميات الناشئة في البلقان في طريقها عقبة كَأْداء. كان يعترضها في النفوذ إلى البلقان ولايتا الدانوب، الأفلاق والبغدان (ولاشيا وملدافيا)، وكانتا تخشيان النفوذ الروسي وتمقتانه.

لقد اهتم القيصر الروسي في مؤتمر فينَّا ١٨١٥ برفض الفكرة التي قُدِّمت بضمان ممتلكات السلطان العثماني لتكون له حرية العمل بإزاء الدولة العثمانية وليستطيع اتباع سياسته العدوانية الاستفزازية.

•••

ويهمنا هنا أن نعرض لعلاقة الدولة العثمانية بالدول الأخرى وبإنجلترا بصفة خاصة؛ لأن إنجلترا ستضع سياسة تقليدية بإزاء الدولة العثمانية تتبعها مدة طويلة، وعلى موقف إنجلترا سيتوقف إلى حد كبير نجاح تركيا في رد دسائس الدول الأخرى وفي البقاء إلى حين.

اهتمام إنجلترا بتركيا يرجع إلى القرن التاسع عشر، وقبل ذلك القرن كانت إنجلترا أكثر اهتمامًا بصداقة روسيا منها بصداقة الدولة العثمانية إلى أن جاءت وزارة بت، فوجد الوزير الإنجليزي أن في تقدُّم روسيا إلى الجنوب خطرًا واضحًا على مصالح إنجلترا السياسية والتجارية.

لقد وجهت الحملة الفرنسية على مصر اهتمام الإنجليز بصداقة تركيا حتى يستطيعوا رد غائلة فرنسا، ووضع حد لأطماعها في البحر الأبيض المتوسط والشرق. كانت إنجلترا كما رأى السياسي الإنجليزي فوكس Fox في وقت من الأوقات أنه إذا لم تستطع المحافظة على سلامة تركيا، فعلى إنجلترا أن تحتلَّ حمايةً لمصالحها جزيرة كريت وثغر الإسكندرية (نشأت هذه الفكرة حين احتل بونابرت مصر وهدَّد طريق الهند).

ولكن إنجلترا لم تجد من مصلحتها تقسيم الدولة العثمانية، وإنما المحافظة عليها، وعقدت حلفًا معها ضد الفرنسيين هدفه إخراج قوات فرنسا من مصر. كانت إنجلترا ترى تنمية صداقتها مع الأتراك طوال فترة الحروب النابليونية، وساعد على توطيد العلاقات بين الدولتين اتفاق نابليون مع القيصر الروسي في تلست على مبدأ تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية.

على أن ثورة اليونان ستكون الفرصة في العشرينيَّات التي ستضع فيها إنجلترا سياستها التقليدية بالنسبة للدولة العثمانية. ثورة اليونان هي التي أثارت أوروبا لأهمية المسألة الشرقية، فروسيا تبغي مساعدة اليونان الأرثوذكس، والنمسا كانت تخشى الثورات بجميع أنواعها، وترى أن هدف روسيا هو الاستيلاء على الآستانة، وإنجلترا وفرنسا يخشيان تقدم النفوذ الروسي إلى البحر الأبيض المتوسط؛ ولذا سيضع كاننج سياسة إنجلترا بإزاء المسألة الشرقية، لقد رفض كاننج في سنة ١٨٠٧ حين هددت الدولة العثمانية ضمان ممتلكات تركيا، ولكنه وضع مبدأ المحافظة على سلامة الدولة العثمانية، وهذا المبدأ أصبح في خطر من جراء ثورة اليونانيين.

ربما كان من الممكن إقناع روسيا بعدم التدخل لصالح اليونانيين، لو أن مصر لم تتدخل لمساعدة السلطان في القضاء على الثورة اليونانية، ولكن تدخُّل المصريين أثار أوروبا؛ إذ ما كانت تسمح أوروبا بالقضاء على الثورة اليونانية، رأت إنجلترا أنْ تتدخَّل لمنع روسيا من التدخُّل وحدها، فهذا وحده هو الطريقة المثلى في نظرها لوضع حد لأطماع روسيا.

وعلى هذا الأساس اتفقت إنجلترا وفرنسا وروسيا على الضغط على الدولة العثمانية ومصر لوقف القتال ومنح الإغريق استقلالًا ذاتيًّا، وأُرسلت أساطيل الدول الثلاث، وكانت موقعة نوارين في أكتوبر ١٨٢٧.

في هذه الأثناء جاء القيصر نيكولاس من بعد الإسكندر، وهو يصمم على حل المسألة الإغريقية لغير صالح الدولة العثمانية، فيعلن الحرب على تركيا، ولم تستطع إنجلترا — وكان يتولى سياستها ولنجتن Wellington ولم يكن سياسيًّا من طراز كاننج — منْع الروس من إعلان الحرب.

لم تقدم إنجلترا أية مساعدة للدولة العثمانية؛ ولذا اضطُر السلطان محمود إلى عقد معاهدة أدرنة (٤ سبتمبر ١٨٢٩) مع روسيا أعطى فيها امتيازات لروسيا في بلاد الشركس، وفي وادي الدانوب، بحيث أصبحت ولايتا الدانوب، ولاشيا وملدافيا، تحت رحمتها.

وهنا تتطور مطامع روسيا بالنسبة للدولة العثمانية؛ ففي عهد كاترين نجد عداءً سافرًا للدولة العثمانية، وفي عهد الإسكندر نجد سياسة حث السلطان على تحسين حال رعاياه المسيحيين، ثم سياسة العمل على القضاء على الدولة العثمانية وإنشاء دول صقلبية وإغريقية مكانها، وأما في عهد القيصر نيكولاس فلم تكن سياسته دولية الصبغة وإنما قومية بحتة، ومن بعد هذه الحرب سيكوِّن نيكولاس رأيه فيما يختص بالسياسة التي يتبعها بإزاء الدولة العثمانية.

لقد كوَّن نيكولاس لجنة من سبعة لوضع سياسة روسيا تجاه الدولة العثمانية، ويهمنا آراء نسلرود Nesselrode وداشكوف Daskov التي سُطرت سنة ١٨٢٨. رأت هذه اللجنة أولًا أنَّ طرد الأتراك من أوروبا سيدعوهم إلى التركز في آسيا الصغرى حيث يجددون قوَّتهم، ومن ثَمَّ يستطيعون تهديد روسيا والقوقاز. ثانيًا أنه إذا عملت روسيا على تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية فازت الدول الكبرى بنصيب كبير منها، وستصير جيرانًا لروسيا بدلًا من تركيا الضعيفة، ولم تستفِد روسيا كثيرًا من إعلان الآستانة مدينة حرة؛ لأن فرنسا وإنجلترا ستستطيعان النفوذ إلى البحر الأسود.

فيقول نسلرود: إن طرد الأتراك من الآستانة وإعادة كنيسة أياصوفيا جميل، وسيُخلِّد التاريخ اسم روسيا، ولكن ما الذي تستفيده روسيا من القضاء على جار ضعيف وإحلال جيران أقوياء وخطرين محله؟ وبنى على هذا أن ليس من صالح روسيا العمل على سقوط الدولة العثمانية، بل من صالحها المحافظة على الحالة الراهنة في تركيا، وعدم خلق الظروف التي تنهار فيها؛ ولذا فسياسة العمل على تقسيم تركيا فيها أخطار جسيمة على روسيا، وعلى هذا الأساس وُضِعت معاهدة أدرنة، فتمد روسيا نفوذها إلى الصرب وإلى الولايتين الدانوبيتين، وربما إلى اليونان. أما العمل على إسقاط الدولة، ففي نظر روسيا يؤدي إلى احتلال النمسا للدانوب ونفوذ أساطيل إنجلترا وفرنسا إلى البحر الأسود.

وعلى هذا الأساس أيضًا بنى القيصر سياسته تجاه اعتداء محمد علي على تركيا. فهذا الاعتداء سيؤدي في نظر القيصر إلى مواقف معقدة لا قِبل لروسيا بها، وروسيا تفضل بقاء السلطان في الآستانة على مجيء محمد علي إليها.

ولذا كان موقف إنجلترا بإزاء حركة الاستقلال اليونانية إنشاء دولة يونانية قوية لتستطيع الوقوف على قدميها دون الالتجاء إلى معونة روسيا، وتم ذلك في سنة ١٨٣٢.

وكان مجيء بالمرستون إلى وزارة الخارجية حادثًا مهمًّا من حيث سياسة إنجلترا بإزاء الدولة العثمانية. كان بالمرستون أعظم شخصية سياسية إنجليزية منذ عهد كاننج إلى مجيء ديزريلي. فكاننج عقلية ممتازة من حيث السياسة الخارجية، فهو يضع خطط السياسة بعد عناية وتمحيص ونظر إلى المستقبل، وهو الذي وضع أساس السياسة الإنجليزية التقليدية بالنسبة للدولة العثمانية. فهو لا يرى ضمان سلامتها، ولكنه يرى حماية تركيا عن طريق احتلال بعض النقط المهمة، ولكنه عدل بعد ذلك في سياسته، فتدخَّل مع روسيا في المشكلة اليونانية لمنعها من التدخل وحدها.

ولكن بالمرستون بدأ حياته في إدارة الشئون الخارجية بإعلان ضرورة المحافظة على سلامة تركيا، ويرى ضرورة تأييدها بالقوة ضد روسيا. فكاننج لم يكن مستعدًّا إلى حد الدفاع عنها بعكس بالمرستون. كان بالمرستون ذا حيوية وجرأة منقطعة النظير، ولم يكن لديه مانع من استخدام التهديد والوعيد لتنفيذ سياسته. لم يكن بالمرستون رجل مبادئ بقدر ما اهتم بحماية مصالح إنجلترا السياسية والتجارية، وكان يهتم دائمًا بإرضاء الرأي العام وضمه إلى جانبه في تنفيذ سياسته، وكان بالمرستون يشير دائمًا إلى ما لإنجلترا من تفوُّق بحري وإلى تصميم إنجلترا على حماية مصالحها بالقوة.

كان بالمرستون يرى أن في أوروبا معسكرينِ؛ أحدهما يحمي المبادئ الاستبدادية، ويشمل روسيا وبروسيا والنمسا، والآخر يناصر المبادئ الدستورية وتتزعمه إنجلترا وفرنسا، ووقف بالمرستون صريحًا إلى جانب تأييد المبادئ الدستورية، في الوقت الذي كان فيه كاننج يرى ضرورة حفظ التوازن بين الجانين. أما بالمرستون فرأى في الدول الدستورية حلفاء إنجلترا الطبيعيين، ومن هنا كان عداؤه لروسيا، فهو يمقت سياسة القيصر الروسي، وخاصة بعد استخدامها القسوة والعنف في القضاء على الثورة البولونية.

وفي المسألة الشرقية كان بالمرستون يفضِّل بلا ريب التعاون مع فرنسا على الاتفاق مع روسيا، واهتم اهتمامًا خاصًّا بفصل فرنسا عن روسيا. لقد رأى بالمرستون في المسألة الشرقية أهم مشكلة في السياسة الدولية؛ لاتصالها بمصر وفرنسا وتركيا وروسيا وإنجلترا، ولما للقوة البحرية من أثر في معالجتها والبت في أمرها.

حقيقة أن بالمرستون لم يمنع محمد علي من احتلال سوريا، وهذا ربما كان راجعًا إلى أن إنجلترا قد اتخذت ضد فرنسا خطة حاسمة في بلجيكا والبرتغال وتونس، ولم يكن بالمرستون قد كوَّن بعدُ رأيه النهائي في محمد علي.

لقد أيَّد بالمرستون الدولة العثمانية من الناحية السياسية لا الحربية، وكان لا يزال يرى ضرورة التعاون مع فرنسا في المسألة المصرية، ولكن الذي أزعجه حقيقة وحفزه إلى وضع سياسة حاسمة بالنسبة لمصر ومحمد علي؛ هو الخطر الروسي، فلقد تدخَّل القيصر نيكولاس لنجدة السلطان ضد محمد علي بعد موقعة قونية وعقد معاهدة انكيار سكلي.

تفوق النفوذ الروسي إذن في القسطنطينية في سنة ١٨٣٣، وقدِمت حملة روسية إلى البوسفور عسكرت على الشواطئ الآسيوية لحماية السلطان من واليه الثائر.

فسنة ١٨٣٣ سنة مهمة إذن؛ لأنه فيها سيطرت الروسيا للمرة الأولى والأخيرة على القسطنطينية، لقد ذهب خطر محمد علي مؤقتًا، وبقي خطر الروس، وبالغ بالمرستون في هذا الخطر أو خُيِّل له أن ذلك الخطر أعظم مما هو، فلقد ظل نيكولاس مخلصًا لسياسته التي استنَّها بعد درس وبحث، وهي أنه خير للروسيا أن يكون لها جار ضعيف، ولكن القيصر لم يكُفَّ عن العطف على العناصر المسيحية في الدولة، هذه الدولة الآخذة في الانحلال فهو يقول:
I have no power to give life to the dead, and the Turkish empire is dead I have no confidence in this old body preserving life, it is in dissolution from all sides.

كان هذا رأي القيصر الشخصي، ولكنه كان عليه أن يسير على السياسة التي وُضِعت. أعلن القيصر أنه لم يعد يسير على سياسية كاترين الثانية، ولكنه سيعمل بقدر الإمكان على المحافظة على الدولة العثمانية، ولكن إذا حدث وانهارت الدولة العثمانية، فيجب أن تعُدَّ روسيا للمستقبل، وخاصة أمام ما اعتقده دسائس إنجلترا وفرنسا في الآستانة. كان نيكولاس يود كل جهده منع التدخل الإنجليزي الفرنسي في شئون تركيا، وكان يكره اجتماع المؤتمرات الأوروبية للنظر في المسائل العثمانية، ويرى لو اقتصرت هذه الاجتماعات على الروسيا والنمسا والمجر.

وكما احتج بالمرستون على معاهدة انكيار سكلسي، فهو يعترض على سياسة محمد علي في فرض المطالب المصرية بالقوة على تركيا، فبالمرستون كان يعتقد في قيمة الدساتير وفي الملكية الخاصة والتجارة الحرة والتطوع في الجندية، وكل هذه الأشياء لم يكن يؤمن بها محمد علي، فهو معضد لسياسة الاستبداد والاحتكارات وحماية التجارة والتجنيد الإجباري. لا عجب إذن إذا حدث الاصطدام بين الرجلين، خاصة وأن بالمرستون لم يكن يرى في محمد علي أكثر من:
An ignorant barbarian who by cunning and boldness and mother-wit has been successful in rebellion. (a) greattyrant and oppressor as ever made a people wretched.

وساعد بالمرستون على تنفيذ سياسته بالنسبة للمسألة المصرية في سنة ١٨٣٩ أن محمد علي لم يكن يستطيع التنازل عما أخذ، والسلطان يريد الانتقام واستعادة ممتلكاته، ولقد بيَّن بالمرستون لمحمد علي بكل صراحة أن إنجلترا ستقف ضده إذا عمل محمد علي على تنفيذ رغباته وقامت حرب بينه وبين تركيا، وأن الموقف الدولي الأوروبي ليس في صالحه.

كان الدافع الأكبر لبالمرستون في الأزمة المصرية هو مصالح إنجلترا في الشرق، وفكرة التوازن الدولي في الغرب، ولم تكن تخدعه تصريحات روسيا، فهو يعتقد أنها تسعى للتوسع نحو الجنوب، ويرى أنها تحيك الدسائس في تركستان وفارس، وهو يخشى أن يمتد نشاطها إلى الهند؛ ولذا فهو حريص على منع الاتصال المباشر بين روسيا ومحمد علي، ويرى منع الروسيا من التوسع نحو الجنوب ومنع محمد علي من إقامة إمبراطورية عربية تتوسع ناحية الشرق والشمال.

وحين أرسل القيصر قواته الحربية والبحرية لحماية الدولة لم تكن لديه فكرة احتلال دائم أو ضم جزء من أجزاء الدولة لروسيا، وإنما كانت تعليماته لأورلوف Orlov إقناع الباب العالي بقبول تحالف روسي تركي دفاعي، وتم ذلك في معاهدة انكيار سكلسي (٨ يوليو ١٨٣٣).

رأت إنجلترا في معاهدة انكيار سكلسي خطرًا كبيرًا على تركيا، وبالتالي على مصالح إنجلترا في حالة فتح البوسفور للسفن الروسية وإغلاق الدردنيل أمام سفن الدول الأخرى، وكانت إنجلترا تخشى أن تكون هناك مواد أخرى سرية تسمح للسفن الروسية بالوصول إلى البحر المتوسط، وكان يشارك إنجلترا في ذلك الموقف فرنسا بالرغم من إنكار نسلرود لأي مواد من هذا النوع، وكان الباب العالي نفسه يعمل على خلق جو من الشك للاستفادة من النزاع القائم بين الدول الأوروبية.

ولقد احتجت بالفعل إنجلترا وفرنسا على هذه المعاهدة التي كانت تعتقد فيها الدولتان تدميرًا لاستقلال تركيا وبسطًا لحماية روسيا عليها. رأى بالمرستون بالذات أن صداقة روسيا لتركيا أخطر بكثير من عداوة محمد علي للباب العالي، وعلى أي حال هو يفضل أن يرى في الآستانة السلطان لا محمد علي ولا نيكولاس.

ولذا فبالمرستون أو على وجهٍ أعم إنجلترا ستقف بالمرصاد أمام كل محاولة من شأنها تقسيم الدولة العثمانية أو فرض حماية عليها، سواء أكانت هذه المحاولة من جانب روسيا أو من ناحية محمد علي.

ومنذ الوقت الذي عقدت فيه روسيا معاهدة انكيار سكلسي زاد حقد بالمرستون على روسيا، وزاد شكه في سياستها، فهي دولة في نظره.
A power strong enough to be formidable, but not too strong to be resisted, still more ambitious than strong and not less wily than ambitious.
وكان سفير بالمرستون في القسطنطينية في الثلاثينيَّات وهو بونسنبي Ponsonby أكثر شكًّا منه في سياسة روسيا، ولقد أيد الرأي العام الإنجليزي سياسة هذين الرجلين إلى حد كبير، وأعلنت كثير من الصحف في إنجلترا روسيا:
As an able treacherous, corrupt, ambitious and extra ordinarily dangerous power.
ولقد أكد بالمرستون سياسته في أكثر من موقف فهو يقول:
The maintenance of the Turkish Empxe ought to be the basis of our policy.

فهو يرى في بقاء الدولة العثمانية ضرورة لحفظ التوازن الدولي في أوروبا للمحافظة على استقلال النمسا وبروسيا نفسيهما؛ لأنه لا يمكن القضاء على الدولة العثمانية إلا بحرب عامة تخوض غمارها كل دول أوروبا.

ولم تكن صداقة روسيا لإنجلترا في سنة ١٨٣٩ لتعني أن إنجلترا تخلت عن سياستها، وإنما الذي حدث أن روسيا في هذه السنة حاولت العمل على مجاملة إنجلترا وتأييدها في سياستها في وقف محمد علي عند حده. هذا في الوقت الذي تخلت فيه فرنسا عن إنجلترا وأيدت مطالب محمد علي الاستقلالية.

لقد أرسلت روسيا بعثة برونو Brunnow (سبتمبر ١٨٣٩) للعمل على تحسين العلاقات الإنجليزية الروسية على أساس الاتفاق على الخطوات التي تُتخذ ضد محمد علي، وعلى أساس موافقة روسيا على إلغاء معاهدة انكيار سكلسي، اعترفت إنجلترا وروسيا بأن السلطان هو وحده Master. A guatdian of the two Straits، واتفقتا على اعتبار البحر الأسود وبحر مرمرة بحارًا مقفلة، وعلى احترام مبدأ المحافظة على الإمبراطورية العثمانية وسلامتها.
لقد حاول بالمرستون ضم فرنسا إلى مشروعه في حل الأزمة المصرية التركية، ولكن فرنسا رفضت إلا استقلال محمد علي، فرأى بالمرستون أن الحل هو في استخدام القوة ضد محمد علي، وعُقِدت معاهدة لندن اشتركت فيها إنجلترا والروسيا والنمسا وبروسيا للضغط على محمد علي وإرغامه، ووُكِل إلى إنجلترا والنمسا أمر اتخاذ الإجراءات التنفيذية لإرغام والي مصر، ولما رفض محمد علي عروض الدول الأربع لجأ بالمرستون إلى استخدام القوة، فأُرْسِلت التعليمات إلى قوى إنجلترا البحرية برياسة Stopford لقطع المواصلات البحرية والبرية بين مصر وسوريا، وأرسل تعليمات إلى بونسنبي سفيره في الآستانة بإشعال نار الثورة ضد محمد علي في الشام، وقطع قناصل الدول الأربع في مصر علاقاتهم السياسية وغادروا مصر.
ولم تقلق الضجة الكبيرة التي قامت في فرنسا بالمرستون طالما كانت روسيا مؤيدة لسياسته، فكل ما كان يهمه في هذا الوقت هو عزل فرنسا من الناحية السياسية، وإن كان مستعدًّا لاستصلاحها بجعل مصر وراثية في أسرة محمد علي، وفي ١٦ يناير ١٨٤١ وصلت بالمرستون أخبار من ستبفورد بخضوع محمد علي، وبذا فرض بالمرستون سياسته على محمد علي بأن اتخذ من سياسة الدول الثلاث روسيا والنمسا وبروسيا مطية له، واستطاع في نفس الوقت إلغاء معاهدة انكيار سكلسي من الناحية الفعلية، ثم تمكن من إقناع الدول الأربع ومعها فرنسا بإمضاء اتفاقية المضايق The Straits bonvenlion في ١٣ يوليو سنة ١٨٤١.

ولقد أكدت اتفاقية المضايق حقوق روسيا كما تذكرها معاهدتا كينارجي وأكرمان، ولكن أُلغيت في نظير ذلك شروط اتفاقية انكيار سكلسي، وبذا أصبحت تركيا تحت حماية الدول الكبرى لا تحت حماية روسيا وحدها. أغلقت اتفاقية المضايق أمام السفن الحربية، وتعهدت الدول باحترام هذه الاتفاقية.

•••

وقبل تتبُّع المسألة الشرقية في عهد القيصر نيكولاس يحسن أن نعرف ماذا كانت عليه الحالة في روسيا لنستطيع مقارنتها بحالة الدولة العثمانية.

لقد حكم نيكولاس روسيا مدة ثلاثين عامًا بالقسوة والعنف والسيف، فلقد كانت تدور في خلده دائمًا ذكريات الثورة الفرنسية، وما تمَّ فيها من القضاء على الملكية والأرستقراطية، كان نيكولاس يؤمن قبل كل شيء بنظرية التفويض الإلهي للملوك، ويرى الأخذ بناصر الملكية والأرستقراطية، لا في روسيا وحدها بل في كل أجزاء أوروبا. كان نيكولاس محدود العقلية والتعليم، فلم يسمح بحرية التفكير أو النقد، وكان عهده عهد حكم البوليس السياسي في روسيا. كانت تهمه أطماعه قبل كل شيء؛ فهو مستعد أن يضحي في سبيلها بكل شيء في روسيا بالشعب والجيش، كما ظهر في حرب القرم.

كانت مُثُل نيكولاس الأتوقراطية أولًا ثم الأرثوذكسية، ثم القومية الروسية التي فهم منها قبل كل شيء تميُّز روسيا عن غرب أوروبا.

حاول نيكولاس سياسة الإصلاح على طريقته الخاصة، فحاول إنقاذ روسيا من الفوضى، فلم يكن فيها قانون حقيقي، ومن نظام رق الأرض، فجُمِعت في عهده القوانين الكثيرة المتناقضة في قانون موحد أكثر من ذي قبل، وعُدِّل وأُضيف إليه، ولكن الإصلاح في النواحي الجنائية كان غير كافٍ، مما شجع الفساد والرشوة، وزاد الحالة سوءًا عدم كفاية مرتبات الموظفين والقضاة، ولقد وُضعت بعض إصلاحات في نظام البوليس حتى يتلاءم وحاجة القيصر، وأما الجيش فكان الاهتمام فيه قائمًا على التدريب الشكلي، ولكنه لم يوجه عناية إلى التسلح أو رفع مستوى الجندي، بالرغم من أن نيكولاس كان ينفق على الجيش حول ٤٠٪ من ميزانية الدولة.

ولم تكن مالية روسيا في مستوًى تُحْسَد عليه. فعِبْءُ الضرائب والتجنيد كان في الواقع واقعًا على كاهل الطبقات الفقيرة، وكانت الحكومة تلجأ في كثير من الأحيان عند عجز الإيرادات إلى عقد قروض محلية، ثم لا تتورع أن تلغي هذه القروض دون أي تعويض للدائنين.

لم تحاول الحكومة الروسية القيام بأي إصلاح لنظام الضرائب، واتبعت في بعض الأحيان سياسة الاقتصاد إلى حد عدم القيام بمشروعات خطوط السكك الحديدية المهمة؛ ولذا فلم يُنْشأ خط حديدي بين موسكو وبطرسبرج إلا في سنة ١٨٥١، ولكنه بالرغم من ذلك فلقد أخذت روسيا تدخل مرحلة التصنيع فتحولت موسكو إلى مدينة صناعية.

وكانت الكنيسة الأرثوذكسية تتمتع في عهد نيكولاس بنفوذ كبير، وأخذت في محاربة الأديان والمذاهب المسيحية الأخرى والقضاء على الإلحاد، ولقد أهملت دراسة الفلسفة والأخلاق على أساس أن الدين المسيحي كافٍ لتوجيه الطلبة، ولاهتمام نيكولاس بفكرة الجامعة الصقلبية عُنِي بتشجيع دراسة التاريخ واللغات الصقلبية، ونُظِّمت الرقابة على الفكر تنظيمًا دقيقًا، ونُفي الناس تباعًا إلى سيبريا لمجرد الشك، دون محاكمة ليعملوا في المناجم في ظروف غير إنسانية، وحرم على الباحثين في العلوم الطبيعية دراسة بعض أجزاء جسم الإنسان، كما حرم على الصحف نشر أخبار المخترعات، وكُوِّنت اللجان المختلفة لمراقبة الرقابة نفسها، فانتشر الخوف والشك في كل ربوع روسيا، ووصلت الرقابة إلى حد مراقبة المؤلفات الموسيقية حتى لا تكون رموزًا لأشياء لا ترضاها الحكومة.

وأما رقيق الأرض، فكان في سنة ١٨٣٨ يكوِّن ٤٤٪ من السكان، وكان عليهم عبء التجنيد وعبء الضرائب، فقاموا بثورات متعددة استمرت طوال عهد نيكولاس تقريبًا، ولم تأخذ الحكومة أية خطوة جدية لتحرير العدد الأكبر من السكان، وإن كانت قد وضعت إصلاحات على الورق لم تنفذ، ولم تكن حال العمال بأحسن حال؛ فكانت المصانع إما ملكًا للنبلاء أو الدولة، وكانت الحكومة تأخذ إنتاج المصانع وتضع الضرائب الجمركية العالية لحماية ذلك الإنتاج، وكما كان الفلاح مرتبطًا بالأرض مدى حياته، كان العامل مرتبطًا بالمصنع لا يسمح له بترك الخدمة فيه مدى حياته أيضًا.

وكان أصحاب المصانع يشترون ما يلزمهم من العمال من أرستقراطية الإقطاعات، وذلك إلى سنة ١٨١٦، ومن بعد هذا التاريخ عمل في المصانع عدد كبير من الشحاذين والجنود والمجرمين وأسرى الحرب والأطفال، كما أن زوجات الجنود كنَّ في كثير من الأحيان يُرسَلن إلى المصانع، وكانت الدولة مسئولة نظريًّا عن تحديد الأجر وساعات العمل وظروفه.

ولكنه من الناحية الفعلية، اقتصر اهتمام الحكومة على أصحاب المصانع؛ ولذا تعددت الإضرابات، وكان السبب الأساسي للإضراب ضآلة الأجور، وكثرة ساعات العمل. لقد كان نظام الرق في الأرض والمصنع العقبةَ الكبرى في سبيل تقدُّم روسيا في ذلك الوقت.

لم تكن حال روسيا من الناحية الحضارية والإنسانية أحسن من حال الدولة العثمانية، ومع ذلك فقد استطاعت التوسع الخارجي في الوقت الذي أخذت فيه الدولة العثمانية في الانكماش. توسعت روسيا ناحية الشرق والجنوب، توسعت في سيبريا إلى أن وصلت إلى المحيط الهادي، على أن التوسع الحقيقي كان بعد حرب القرم، وأما في آسيا الوسطى فلقد أخذ النفوذ الروسي يتغلغل فيها منذ أواخر العشرينيَّات للقرن التاسع عشر.

•••

وللعودة إلى المسألة الشرقية من حيث العلاقات بين الدول الكبرى نقول: إن القيصر نيكولاس كان مغتبطًا باتفاقه مع إنجلترا في أزمة ١٨٣٩-١٨٤٠ ضد محمد علي، فالانتصار على محمد علي كان انتصارًا على فرنسا التي كانت تمثل في نظر القيصر كل ما يكره. فلقد طردت فرنسا الملك صاحب الحق الشرعي شارل العاشر، ووضعت محله لوي فيليب الذي أعلن وزراؤه العطف على الأماني البولونية — كانت فرنسا تمثل الثورة؛ ولذا رأى القيصر واجبًا عليه الوقوف أمامها بالاتفاق مع إنجلترا، وبالاتفاق مع إنجلترا يمكن للقيصر الوقوف أمام الثورات التي تثيرها فرنسا في أوروبا.

كان القيصر يود لو استطاع عقد حلف «مقدس» مع إنجلترا ضد فرنسا وضد الثورة، ولكن إنجلترا بينت له أن برلمانها لا يقر مثل هذه المحالفات، وعدل نيكولاس مطلبه بعقد اتفاق مع إنجلترا ضد فرنسا، إذا قام الفرنسيون بحرب ثورية، ولكن رد بالمرستون كان صريحًا بأن إنجلترا لا يمكنها اتباعًا للخطة التي وضعها كاننج التدخل في شئون الدول الداخلية إلا إذا عملت هذه الدول على الإخلال بالتوازن الدولي، وأضاف بالمرستون إلى أن الحكومة الإنجليزية لا تستطيع إقرار تفاهم سري لا يعرف عنه البرلمان شيئًا.

حاول نيكولاس ذلك الأمر مع إنجلترا مرتين أخريين أو ثلاث، المرة الثانية كانت في سنة ١٨٤٤ مع لورد أبردين Aberdeen، حين زار القيصر إنجلترا وأدخل عنصر المسألة الشرقية، فبيَّن «أنَّ إنجلترا وروسيا لهما مصلحة في المحافظة على الحالة الراهنة في تركيا، في استقلالها وفي حماية ممتلكاتها، ولكنه من الصعب إقناع الحكومة التركية بحسن معاملة رعاياها المسيحيين إلا إذا اتفقت الدول، وأن الدولة العثمانية تحوي كثيرًا من عناصر الانحلال، وأنه يمكن التعجيل بسقوطها، ومن هنا كان على الدولتين التفاهم والاتفاق إذا حلت الكارثة».
هكذا وضحت مذكرة المستشار الروسي نسلرود، ولم يجد أبردين مانعًا من قبول هذه المذكرة، خاصة وأن النمسا وروسيا قد وافقتا عليها في منشنجراتس Münchengrâtz، ولو أن أبردين قبِل فكرة القيصر إلا أن موقف إنجلترا كان فيه شيء كبير من الحيطة، فإنجلترا لم تكن تعتقد في ذلك الوقت أن الدولة العثمانية على وشك السقوط، ولم تُرِد تبادل الآراء في هذا الموضوع، وفي الواقع لم تعرض مذكرة نسلرود لا على مجلس الوزراء ولا على البرلمان.

وحين جاء بالمرستون إلى وزارة الخارجية في ١٨٤٦ لم يكن مستعدًّا لقبول مثل هذه الأفكار الروسية، بالرغم من محاولته توطيد الصداقة بينه وبين الحكومة الروسية، وإن لم يكن كذلك موافقًا على تدخل الروس في ولايتي الدانوب ولا على تأييد الروس للنمساويين في مسألة اللاجئين المجريين والبولونيين، بل بيَّن لروسيا والنمسا بأنه سيؤيد تركيا في رفضها للإنذار الذي قدمتاه؛ الأمر الذي أدى إلى انتهاء هذه الأزمة بسلام.

كان بالمرستون يسعى دائمًا إلى إقناع الأتراك بالاستمرار في سياسة الإصلاح، واستمرت علاقة بروسيا ودية بعد انتهاء أزمة سنة ١٨٤٩، وإن كان قد أخذ يعود إليه شكه في سياسة القيصر الروسي، وفرح الروس كثيرًا لسقوطه في سنة ١٨٥١، وتنفسوا الصعداء، فالسفير الروسي في الآستانة برونو Brunnow كان يرى فيه عدوًّا كبيرًا لروسيا، ومقلقًا للسلام الأوروبي، ومثيرًا للاضطرابات الثورية، وازداد التقارب بين روسيا وإنجلترا في سنة ١٨٥٢ ولم يسئ النزاع على الأراضي المقدسة إلى العلاقات الإنجليزية الروسية، وإن كان قد أساء كثيرًا إلى العلاقات الروسية الفرنسية. حاول القيصر جاهدًا توكيد علاقاته بإنجلترا وعزل فرنسا من الناحية السياسية.

ولذا حاول القيصر محاولته الثالثة مع إنجلترا، فأخذ على عكس نصيحة نسلرود له الاتصال بالساسة الإنجليز من أمثال أبردين وسيمور، خاصة وأن القيصر لم يكن مدربًا على فن المفاوضة والسياسة.

ولذا فهو في حفلة استقبال في ٩ يناير سنة ١٨٥٣ يبدأ حديثه المشهور مع ممثل إنجلترا Seymour وطلب إليه حمله إلى أبردين ورسل Russell. عبر عن رغبته في توكيد علاقات الصداقة مع إنجلترا، ولم يتحدث عن علاقاته مع تركيا ولا تحركات الجيوش الروسية في ملدافيا، وكانت النتيجة أن انقاد القيصر إلى تصريحاته المشهورة:
Yurkey seems to be falling to pieces, the fall will be a great misfortune, It is very important that lngland and Russia should come to a perféctly good understanding and that néilher should take any decisive step of which the other is not aprized. We have a sick men on our hands, a man gravely ill, it will be a great misfortune if one of these days he slips through out hands, especially before the necessary arrangements are made.
وأمام ذلك اقترح سيمور أن من الخير معاملة الرجل المريض معاملة طيبة، وفي الحق كانت تصريحات القيصر بالنسبة لتركيا خالية من اللياقة السياسية فنص تصريحه الذي حُذف من الكتاب الأزرق هو:
The bear dies, the bear is dying. You may give him musk, but musk will not keep him alive.

تكلم القيصر لكل الناس عن «الدب المريض»، ولم يكن نسلرود براضٍ عن تصريحات رئيسه، ولا عن كثير من آرائه فيما يختص بالدولة العثمانية.

وحين قابل القيصر سيمور مرة ثانية، وضَّح له أنه لا يستطيع إهمال موضوع سقوط الدولة العثمانية، فهو لا يستطيع أن يتجاهل مصير هؤلاء الملايين من المسيحيين الخاضعين لهذه الدولة، وبيَّن سيمور من ناحيته أن إنجلترا لا تستطيع أن تتكهن بسياسة بإزاء ما قد يحدث في المستقبل، ثم هي لا تتوقع نهاية حليف لها وصديق، ولمَّح القيصر بأنه إذا لم تتعاون معه إنجلترا ربما اضطر إلى احتلال القسطنطينية.

وكان من رأي سيمور أن توضح الحكومة الإنجليزية موقفها الحقيقي للقيصر، وعلى أي حال لم تكن الحكومة البريطانية على استعداد لبحث العواقب التي قد تنشأ عن سقوط الدولة العثمانية، وإذا كان لها أن تبحث ذلك فلا بد من مشاورة النمسا وفرنسا.

وكرر القيصر عباراته السابقة لغير سيمور في ظروف متعددة، بأن إنجلترا تكون مخطئة إذا اعتقدت أن الرجل المريض لن يموت بسرعة، وأشار إلى أنه لا يرى قيام دولة إغريقية محل الدولة العثمانية لسوء حالة الإغريق المالية، كما أنه لا يسمح بتقسيم الدولة العثمانية إلى جمهورية تكون ملاذًا لأمثال كوشوط وماتسيني، وذكر أن فرنسا تطمع في تونس، وأنه سيجد نفسه مضطرًّا إلى إرسال منشكوف Menchikov في بعثة سياسية إلى الآستانة، وأضاف إلى أنه في حالة سقوط الدولة تستقل ولايتا الدانوب، وكذلك الصرب وبلغاريا، ولكن تحت حماية روسيا، وأما إنجلترا فتستطيع أخذ مصر إذا أرادت، وتأخذ فرنسا كريت، وتكون الآستانة ميناءً حرًّا، وتعسكر الجنود الروسية في البوسفور والنمساوية في الدردنيل.

وتناقضت تصريحات القيصر، الأمر الذي جعل سيمور يعتقد أن كل ما يبغيه القيصر هو تدمير الدولة العثمانية.

ولم يَرُق هذا الموقف الحكومة الإنجليزية، ولم تُسرَّ لتطور العلاقات الروسية الفرنسية، وخاصة وأن النمسا كما صرح وزيرها Buol تؤيد الحالة السياسية الراهنة في تركيا.

•••

وسيؤدي النزاع بين فرنسا وروسيا على أمور تتعلق بالأراضي المقدسة إلى نشوب حرب القرم.

ففشل تركيا في سياسة الإصلاح، وثورة البوسنة، والإنذار النمساوي، كل هذا أدى إلى تفاقم المسألة الشرقية، وجاءت مشكلة الأراضي المقدسة فزادت الطين بلة، وعقَّدت الأمور بين تركيا وروسيا وتركيا وفرنسا، فكما يقول الأستاذ تمبرلي في كتابه The brimea:
A diplomtie defeat over a religous dispute could not be risked alike, by France or Russia.

فالقيصر الروسي يجد لزامًا عليه حماية الأرثوذكس في الدولة، والإمبراطور الفرنسي يرى ضرورة حماية رجال الدين الكاثوليك في الدولة العثمانية، وكلا الطرفين لم يكن مستعدًّا لقبول المساومة أو التحكيم.

لقد تفوق الإغريق والكنيسة الأرثوذكسية في الأراضي المقدسة خلال الثلاثينيَّات؛ نتيجة للأموال التي كانت تغدقها روسيا، والحجاج الروس والدعاية الروسية الكبيرة. نشأ عن ذلك أن انتقل بطريرك بيت المقدس الأرثوذكسي إلى القدس بعد أن كانت القسطنطينية مقر إقامته.

وأمام ذلك، ضعف نفوذ فرنسا منذ قيام الثورة الفرنسية وإهمالها أمور الكثلكة، ولم يهتم نابليون، ولا الملكان اللذان جاءَا بعده بالأراضي المقدسة، ولكن الأزمة المصرية في سنة ١٨٤٠ وجهت نظر فرنسا إلى شرقي البحر الأبيض، فعينت فرنسا أول قنصل لها في القدس في سنة ١٨٤٣، وعني ذلك القنصل بمحاولة بسط حمايته على اللاتين والكاثوليك في هذه المناطق؛ ولذا عاد نشاط الكاثوليك الديني إلى هذه المناطق، ودعم ذلك النشاط أن أرسل البابا بيوس التاسع بطريركًا كاثوليكيًّا ليقيم في القدس، وأضاف البابا إلى ذلك بأن أعلن عدم اعترافه بالكنيسة الشرقية، ورد عليه بطارقة الكنيسة الشرقية بأن البابا لا يعرف الحقيقة، ولا يريد أن يعرفها، وقام النزاع حادًّا بين الرهبان الكاثوليك والإغريق في القدس، إلى درجة الاصطدام المسلح بالصلبان والقناديل، وكان الإغريق أكثر تنظيمًا لصفوفهم ودعايتهم من اللاتين وأكثر نجاحًا منهم، فأشرفوا على كثير من الأماكن المقدسة، فاضطُر نابليون إلى التدخل لإرضاء الحزب الكاثوليكي الفرنسي الذي كان يعتمد على تأييده، فلقد جعل الحزب الكاثوليكي من مسألة الأراضي المقدسة مسألةَ كرامة قومية، لا تقبل التراجع، فلا يمكن لفرنسا في نظر هذا الحزب أن تعترف بتفوق النفوذ الروسي في الدولة العثمانية في هذه الناحية.

وعلى هذا في سنة ١٨٥٠ تقدمت الحكومة الفرنسية إلى الباب العالي تبيِّن له تمسك فرنسا بامتيازاتها وفق معاهدة سنة ١٧٤٠، وأن هذه الامتيازات التي مُنِحت للفرنسيين لا تلغيها الامتيازات التي مُنِحت لغير الفرنسيين بعد هذا التاريخ، ولكن روسيا لم تكن مستعدة للتنازل عما اكتسبته الكنيسة الأرثوذكسية من حقوق.

ولكن أنَّى للباب العالي إرضاء مطالب الفريقين، وسيخضع بطبيعة الحال للفريق الذي يستطيع الضغط عليه، فلفرنسا أسطول قوي في البحر المتوسط، تستطيع تهديد ممتلكاته، ولكن روسيا أسرعت فاحتلت ولايتي الدانوب، وأصبحت مطالبها خطرًا كبيرًا يهدد حياة الدولة نفسها، ولم يكن الباب العالي ليستطيع أن ينسى كيف أيدته فرنسا وإنجلترا أمام الإنذار النمسوي الروسي.

ومع هذا حاولت حكومة الباب العالي إرضاء الطرفين، فكوَّنت لجنة لبحث المطالب الفرنسية، ورأت هذه اللجنة أن تشترك فرنسا وروسيا في الإشراف على الأراضي المقدسة، ولكن القيصر الروسي رفض مثل ذلك الوضع، وهدَّد باستخدام القوة، وأمام هذا هدَّد السفير الفرنسي، لافاليت La Valette باستخدام القوة أيضًا إذا أقر الباب العالي موقف روسيا.
حاول الترك إيجاد حل وسط لإرضاء الفريقين المتنازعين كما يقول الأستاذ تمبرلي:
The Turks granted the Latins Two keys to the great door of the church of Bethlehem, but gave a secret assurance to the Russians a few days later that the Latins should not pass through the great doot of the church of Bethlehem.

ولكن إذا كانت روسيا مستعدة لاستخدام القوة، فكذلك كانت فرنسا مستعدة لاستخدام أسطولها، وإرسال سفنها إلى الدردنيل، وخرق معاهدة المضايق ١٨٤١، وعلى أساس هذا فكانت مسألة الأراضي المقدسة ممهدة للحرب.

وفي ٤ ديسمبر سنة ١٨٥٢ وصل رئيس الجمهورية الفرنسية إلى مركز الإمبراطورية، ولم يكن مستعدًّا لترك الامتيازات التي نالتها فرنسا، ولكنه كان ينتظر قبل كل شيء اعتراف ملوك أوروبا به، واعترف ملوك أوروبا به فيما عدا القيصر الروسي الذي لم يستطع أن يخاطبه إلا ﻛ «صديق» لا ﻛ «أخ»؛ إذ كان يرى أن هنري الخامس هو ملك فرنسا الشرعي لا نابليون، فنابليون لم يرث العرش من الله كبقية ملوك أوروبا، فهو مجرد رجل ثوري أصبح حاكمًا لفرنسا بحكم الواقع، وما كان نيكولاس يعترف بإمبراطور منتخب عن طريق استفتاء الشعب؛ وبذا زاد بُعد الشُّقة بين فرنسا وروسيا.

•••

وفي المسألة العثمانية بالذات كان القيصر يفضل التفاوض مع الدول الكبرى مع كل دولة منفردة، لا في مؤتمر عام يجمع الدول، وظن في سقوط وزارة داربي Derby، ومجيء وزارة صديقه أبردين Aberdeen؛ تحقيقًا لآرائه في حل الأزمة الشرقية، خاصة وأن أبردين كان صديقًا أيضًا لسفير روسيا في لندن برونو. أخذ القيصر يكرر على إنجلترا أن فرنسا لها مطامع كبيرة في البحر الأبيض، وأن نابليون مجرد Parvenu، دعيٌّ يعمل على الإساءة إلى العلاقات التركية الروسية (عملت روسيا إذن على استغلال مخاوف أبردين).
ولكن وزارة أبردين جاء فيها لورد جون رسل Russell وزيرًا للخارجية وبالمرستون وزيرًا للداخلية، وهما شخصيتان لا يستطيع أبردين إقناعهما بسهولة. في أوائل عهد هذه الوزارة صرَّح القيصر بتصريحاته المشهورة السابقة لسيمور، وسيظهر للقيصر وسفيره برونو أن وزارة أبردين ليست أداة طيعة في أيديهما؛ فلم يكن أبردين بالذي يستطيع إصدار الأوامر إلى زملائه.
ولذا أمام موقف فرنسا القوي فيما يختص بحقوقها في الأراضي المقدسة قرر القيصر القيام بمناورات حربية على الحدود التركية، وإرسال بعثة منشكوف Menschikov للآستانة.
وفي تعليمات القيصر لمنشكوف. بَيَّن القيصر أن ليس له مطامع شخصية في الدولة العثمانية، وإنما هو يريد تحقيق مطالب رعاياه. أرسل القيصر منشكوف في بعثة سلمية في الظاهر، ولكن كان الغرض منها هو تهديد السلطان، حتى لا يستجيب لمطالب فرنسا، وكان القيصر يريد فرض حماية روسية على رعايا السلطان الأرثوذكسي، ولخص السفير الروسي برونو الموقف في عبارته المشهورة:
Russia is strong. Turkey weak. That is the preambule of all treaties. This epitaph is inscribed already on the tomb of the Turkish Empire.

ولم يكن منشكوف يمتاز بالكياسة واللباقة، وكانت مهمته كما رأينا انتزاع فرمان من الباب بإرجاع الحالة في الأراضي المقدسة إلى ما كانت عليه قبل فبراير ١٨٥٢، وأخذ فرمان آخر أو «سند» بتأكيد حقوق الرعايا الأرثوذكس، وحماية الروسيا لهم، وفي حالة اعتراض فرنسا أو تهديدها للباب العالي يعقد منشكوف مع الدولة العثمانية معاهدة دفاعية سرية.

كانت التعليمات إلى منشكوف بألا يغفل سياسة التهديد للباب العالي، وأن يُرِيَ استعداد روسيا للحرب، وأن تركيا لا تستطيع الصمود أمام جيوش روسيا، ووصل منشكوف على سفينة حربية إلى الآستانة، وكان منشكوف رجلًا متكبرًا متغطرسًا، يرمي قبل كل شيء إلى إذلال وزراء السلطان؛ ولذا وجد من مهمته العمل على طرد فؤاد باشا من وزارة الخارجية، فكان في هذا امتهانٌ واضحٌ للسلطان والوزراء وللحكومة العثمانية.

ولم ينسَ الأتراك ذلك، ولكن استقالة فؤاد كانت عاملة على إثارة مخاوف فرنسا، فأسرع سفيرها بندتي Benedetti بطلب إرسال الأسطول إلى المياه التركية، ولم يستفِد منشكوف كثيرًا من غياب ستراتفورد دي ردكلف السفير الإنجليزي الذي سرعان ما عاد ليستأنف نشاطه المعتاد ضد روسيا.

وأرسل وزير الخارجية الفرنسية الأسطول الفرنسي إلى سلاميس استعدادًا للطوارئ، بالرغم من أن إنجلترا لم توافق على هذه الخطوة من جانب فرنسا.

كان ستراتفورد رجلًا قويًّا، ولكنه لم يكن محبًّا للحرب، وكان من رأيه تأييد الأتراك ضد السياسة الروسية التي ترمي إلى تدمير الدولة العثمانية، ولكن الوزارة الإنجليزية لم تكن لتلقي اهتمامًا كبيرًا لسياسة روسيا في الأراضي المقدسة لا بتأييدها ولا بمعارضتها.

وعلى أية حال لم يهدأ نشاط منشكوف، وأخذ في تقديم مطالبه الواحد تلو الآخر، وكان من بين مطالبه تعيين البطاركة الأربع الأرثوذكس في الدولة مدى الحياة، وهو يرمي من وراء ذلك ألا يكون للسلطان سلطة في إبعادهم أو عزلهم، لاسيما وأنه كان لهؤلاء البطاركة نفوذ سياسي كبير إلى جانب نفوذهم الديني.

لم يستطِع الأتراك قبول مطالب منشكوف، وخاصة بعد عودة ستراتفورد، «وكانت هذه ثالث مرة يعود فيها إلى القسطنطينية سفيرًا»؛ فقد رأى فيها السفير الإنجليزي عملًا من جانب روسيا يرمي إلى تقسيم الدولة وانهيارها. لكنه كان يرى محاولة إقناع روسيا بالعدول عن مثل هذه المطالب، وإلا فمثل هذه المحاولات قد تؤدي إلى تكتيل الدول ضد روسيا.

ولقد أجَّل منشكوف إرسال إنذاره للسلطان حتى تتم استعدادات روسيا على نهر بروث، على الحدود الروسية التركية، فلما تمت، قدَّم إنذاره للسلطان بطلب «ضمانات» وجدتها الحكومة الإنجليزية حتى أبردين نفسه «غير معقولة»، ووجد فيها ستراتفورد خطرًا كبيرًا على استقلال الدولة العثمانية نفسها.

وعاد منشكوف يُصِر على إغلاق الدردنيل أمام سفن فرنسا وإنجلترا، ويهدد بالانسحاب إذا لم تُجَب مطالبه، وبقي إلى يوم ١٣ مايو، طالب فيها في مقابلته للسلطان بعزل رئيس الوزارة ووزير الخارجية، وخضع السلطان وعزل الاثنين، محمد علي باشا ورفعت باشا، وإن كان قد بقي نفوذهما، وتحت ضغط منشكوف كذلك عيَّن السلطان رشيد باشا وزيرًا للخارجية.

كان منشكوف يرى في رشيد خادمه المطيع، ولكن رشيدًا لم يكن سياسيًّا هينًا، كما كان يظن المبعوث الروسي، ولم يكن أداة طيعة في يد روسيا، فطلب من منشكوف التريث بضعة أيام حتى يُتاح له النظر في المقترحات الروسية، ولكنه عاد إلى المندوب الروسي بمقترحات جديدة تُفقِد المطالب الروسية أهميتها، فرفضها منشكوف، وأعلن أنه سيغادر القسطنطينية مباشرة، ولكنه انتظر مؤملًا في استطاعة رشيد إقناع «مجلس الدولة العثماني» بقبول مطالب روسيا.

ولكن ستراتفورد من ناحيته حاول إفساد هذه الخطة على منشكوف بأن دعا إلى عقد اجتماع من ممثلي النمسا وفرنسا وبروسيا للنظر في الأزمة التركية الروسية، وحاول فعلًا ممثلو هذه الدول التوسط، ولكن منشكوف رأى أن تُجاب مطالبه كاملة، وهدَّد بالانسحاب إذا لم تُجَب هذه المطالب، ولكنه كالعادة لم يفِ بوعده، فلقد خشي تدخُّل أوروبا. فهِمَ منشكوف تمامًا أن ستراتفورد يريد أن يجعل من الأزمة الروسية التركية أزمة دولية، فنصح ستراتفورد الأتراك برفض مطالب روسيا واستصلاح منشكوف!

ولم يكن أمام المبعوث الروسي منشكوف غير ترك الآستانة في ٢١ مايو بعد أن رفض الأتراك مطالبه، فلقد وجدوا في هذه المطالب تعارضًا مع استقلال تركيا، وخطرًا على مستقبلها، وتناقضًا مع معاهدة المضايق في سنة ١٨٤١.

•••

وفي أواخر مايو أمر القيصر جيوشه باحتلال ولايتي الدانوب، فأرسلت إنجلترا وفرنسا أسطوليهما إلى خليج بيسيكا Besika خارج الدردنيل، واحتجت الدول على احتلال الروس للولايتين الدانوبيتين، فلم يكن لهذا الاعتداء سند قانوني، ورأت إنجلترا في طريقة منشكوف «طريقة الدب قبل أن يقتل فريسته.» وساد في لندن سوء الظن في سياسة القيصر حتى إن أبردين نفسه، رأى أن مطالب منشكوف «غير معقولة ويجب مقاومتها»، ورأت كثير من الصحف الإنجليزية أن على إنجلترا اتخاذ موقف حاسم أمام روسيا؛ لمنع وقوع الحرب، وحبذت إرسال الأسطول الإنجليزي لتحذير روسيا عواقب سياستها، وعواقب احتلالها ولايتي الدانوب، ووثَّقت إنجلترا صلاتها بفرنسا.

ورأى بالمرستون بصفة خاصة توكيد هذه السياسة بتحذير روسيا من عواقب سياستها الاعتدائية بأن تبيِّن لها إنجلترا أن احتلال الروس للولايتين الدانوبيتين فيه خرق تام لاتفاقية المضايق، وعلى هذا، فالدول تعتبر الآن أن المضايق مفتوحة لسفنها الحربية، ما دام الروس لا يزالون معسكرين في الولايتين الدانوبيتين، وتتوقف حركات أساطيل الدول بعد ذلك على الظروف.

كان بالمرستون يرى أن مثل ذلك الإنذار إذا قُدِّم لروسيا سيجعل القيصر يتريث ويعيد النظر في موقفه، فاتخاذ الحكومة الإنجليزية موقفًا حاسمًا سيؤدي في نظره إلى المحافظة على السلام في جنوب شرقي أوروبا.

ولكن الوزارة البريطانية لم تكن تجرؤ على تنفيذ مقترح بالمرستون، بالرغم من أن ذلك المقترح كان يجد تأييدًا من نابليون الثالث ووزرائه، ورأت الوزارة البريطانية اتباع سياسة أنصاف الحلول، فرفضت إرسال الأسطول إلى البوسفور؛ لأن في هذا تحرشًا بروسيا، فلقد كانت لا تزال تؤمل في السلام وفي ارعواء القيصر عن غيِّه.

وفي ٣١ مايو أرسل نسلرود بناءً على تعليمات سيِّده إنذارًا إلى تركيا، بأن الجيوش الروسية ستحتل الولايتين الدانوبيتين إذا لم تُجِب مطالب روسيا كاملة، ووصل الإنذار إلى القسطنطينية في ١٠ يونيو، وقبل وصول الإنذار، كانت تركيا، لتفسد على الروس خطتهم؛ قد اعترفت بحقوق رعاياها الأرثوذكس، ورفض رشيد باشا الإنذار الروسي في ١٦ يونيو، وبذا اضْطُر بقية أعضاء السفارة الروسية في القسطنطينية إلى مغادرتها غير مأسوف عليهم من أحد، على الأقل لا من الأتراك ولا من الإنجليز أو الفرنسيين.

وفي ٧ يوليو وصلت تركيا أخبار عبور الجنود الروس حدودها، ومع ذلك فلم يعتبر السلطان ذلك الاعتداء سببًا للحرب.

في هذه الأثناء تصدر مذكرة فينَّا، ويقبلها نسلرود، ولكن الأتراك لم يستطيعوا قبولها، ولتفصيل ذلك الموضوع نقول:

حين أرسلت فرنسا وإنجلترا أساطيلهما إلى خليج بيسيكا لم تكن عندهما نية للدخول في حرب ضد روسيا؛ فلقد كانتا تظنان أن روسيا ستسلِّم بمطالبهما، ولما لم تستسلم روسيا، فكرت الدولتان في إعادة التحالف الأوروبي القديم، ولكن في هذه المرة ضد روسيا، ولكن حوادث سنة ١٨٥٤ بينت أن مثل ذلك التفكير قائم على غير أساس عملي في ميدان السياسة الدولية.

ففي الدولة النمساوية، وهي الدولة التي سيتوقف عليها التوازن الدولي في السنتين القادمتين؛ وُجِد فريق على رأسه وزير الخارجية بول Buol يؤيد التحالف مع إنجلترا وفرنسا، فهذا في نظره من شأنه حماية مصالح النمسا في مصب الدانوب، ولكن القواد النمساويين كانوا على غير رأيه، فكانوا يرون أن التحالف سيكون معناه وقوع الحرب على كاهل النمسا وحدها، إذا قام نزاع مسلح بين الدول الغربية والروسيا، ولكنهم كانوا يعتقدون أن الحالة تختلف إذا كان من الممكن إقناع بروسيا بالتدخل إلى جانب النمسا. فعلى الأقل تطمئن النمسا إلى أن بروسيا لن تقوم بعدوان ضدها في ألمانيا، ثم إن بروسيا تستطيع تهديد روسيا فعليًّا في ممتلكاتها البولونية.

وإرضاءً لهذا الفريق من رجال الحرب أجَّل بول فكرة التحالف مع الدول الغربية إلى أن يصل إلى اتفاق مع بروسيا.

ولكن البروسيين كانوا يرغبون في الاتفاق مع النمسا مسوقين بدافع آخر يختلف عن الدافع النمسوي؛ هو إقناعها باتباع سياسة الحياد بين الفريقين المتخاصمين؛ لأن بروسيا كانت تعرف أنه إذا دخلت النمسا في حرب مع روسيا، فستجد بروسيا نفسها مضطرة إلى تأييدها وتجشُّم غمار حرب لا فائدة حقيقية لها منها. حقيقة لقد كان فريق في بروسيا يؤيد الدولتين الغربيتين، وعلى رأس ذلك الفريق ولي العهد، ولكنه استُبعد نفوذه ولم يُؤخذ برأيه.

وعلى أي حال، وضع بول مذكرة فينَّا التي وافقت عليها الدول، وقبِلها نسلرود، ولكن كما قلنا وجد الأتراك ضرورة رفضها؛ إذ وجدوا فيها مساسًا بكرامتهم، فلقد حُرِّرت هذه المذكرة دون الرجوع لرأيهم، كما يقول رشيد باشا، ومن ناحية ثانية، لم تقُل المذكرة شيئًا عن انسحاب الروس من الولايتين الدانوبيتين. لقد عملت مذكرة فينَّا بلا ريب على إثارة روح المقاومة عند الأتراك، ولكن الذي أثار روح المقاومة أكثر من مذكرة فينَّا كان وصول القوات المصرية إلى الآستانة. فرفض الأتراك إذن مذكرة فينَّا بالشكل الذي قُدِّمت به واقترحوا تعديلات فيها في صالحهم.

ولقد أثار رفض الأتراك للمذكرة حيرةَ الساسة الأوروبيين، وخاصة بعد أن قبِلها القيصر الروسي، وسرعان ما ظهر لإنجلترا أنَّ فهْم القيصر للمذكرة مختلف كثيرًا عن فهْم إنجلترا وفرنسا لها؛ ولذا ستضطر إنجلترا وفرنسا إلى التخلي عن مذكرة فينَّا في ١٧ سبتمبر، واتباع سياسة مستقلة عنها.

وبالرغم من ذلك لم يضِع الأمل في المحافظة على السلام، فكان معروفًا أن اجتماعًا سيُعقد بين القيصر النمساوي والروسي في ألمتس Ulmütz في نهاية سبتمبر، وظنت الدول أنه ربما خفَّف هذا الاجتماع من حدة التوتر الدولي.

وأما في الآستانة فلقد ثار الرأي العام العثماني ثورة عنيفة ضد روسيا مطالبًا بالحرب.

ومع هذا ظل أبردين على تحفُّظه، فهو غير ميَّال إلى اتخاذ موقف حاسم، والدخول في غمار حرب كبيرة، ولكن الإمبراطور الفرنسي كان ميالًا إلى القيام بعمل مسرحي درامتيكي؛ فاقترح ذهاب أساطيل الدولتين إلى القسطنطينية، فرفضت إنجلترا، وفضَّلت الانتظار حتى تعرف موقف القيصر الروسي من التعديلات التي اقترح الأتراك إدخالها، ولكن القيصر رفض هذه التعديلات.

حينئذٍ اضْطُرت إنجلترا إلى اتخاذ خطة عدائية صريحة ضد روسيا، خاصة وأن الصحافة والرأي العام الإنجليزي كانا عنيفين في ثورته ضد القيصر الروسي، وطالبت الصحافة الحكومة البريطانية باتخاذ إجراءات صارمة ضد روسيا؛ عندئذٍ قررت الوزارة الإنجليزية إرسال الأسطول الإنجليزي إلى الآستانة وخاصة حين رأت أن فرنسا قد وجدت نفس الضرورة لإرسال الأسطول الفرنسي إلى المياه العثمانية.

وأما في ألمتس، فلقد حاول القيصر الروسي بعد أن رأى إصرار إنجلترا وفرنسا على مقاومة نفوذه؛ إصلاح موقفه بعض الشيء، وتعهد بالانسحاب من الولايتين الدانوبيتين (الأمر الذي كان يهم النمسا بطبيعة الحال قبل كل شيء)، وحاول تفسير موقفه من مذكرة فينَّا، واقترح على النمسا تقديم مقترح بول Buol يحدد فيه موقف روسيا، وكان مشروع بول محاولة جدية لصيانة السلام، ولكن إنجلترا وجدت رفضه، وكذلك وجدت فرنسا، لاسيما وأن الأتراك قد أعلنوا فعلًا الحرب على روسيا في ٤ أكتوبر.

ولقد حاول ستراتفورد، بالرغم من إعلان الترك للحرب، منع وقوع أعمال عدوانية من جانب الباب العالي، حتى يكتسب عطف الدول الأوروبية.

وفي ٨ أكتوبر طلب رشيد باشا دخول الأسطولين الإنجليزي والفرنسي الدردنيل، ولم يكن بُدٌّ إذن من الحرب، بعد أن هاجم عمر باشا قوات الروس في الولايتين الدانوبيتين، وبدأت الحرب فعلًا في ٢٣ أكتوبر.

في هذا الشهر نفسه، كانت الوزارة الإنجليزية منقسمة على نفسها، فلقد كان الخوف شديدًا من جانب بعض الوزراء، من دخول الحرب، أو إحراج الإمبراطور الروسي، وكان على رأس هؤلاء الخائفين الوزير أبردين، وعلى رأس المطالبين بالحرب بالمرستون ورسل، وأخذ نفوذ أبردين يتضاءل بسرعة أمام نفوذ هذين الوزيرين.

ولقد حاول ستراتفورد في القسطنطينية محاولة أخيرة للمحافظة على السلام، وذلك بناءً على أوامر حكومته فلم يفلح، وجاء الرفض من جانب الأتراك، فلم يكونوا مستعدين لقبول السلم بأي ثمن، وخاصة بعد أن كسبت جيوشهم انتصارات على الجيوش الروسية في أواخر شهر نوفمبر.

وكان القيصر الروسي نيكولاس قد أعلن أنه لن يهاجم الترك إلا إذا هاجموا قواته، ولكن قوة بحرية روسية كبيرة قابلت قوة بحرية تركية صغيرة عند سبنوب ودمرتها؛ فأثارت هذه الكارثة عاصفة من السخط في إنجلترا ضد روسيا. ففي إنجلترا أُطلق على تلك الموقعة Massacre of Sinope، ورأى ستراتفورد ضرورة دخول الأساطيل الإنجليزية والفرنسية البحر الأسود لوضع حدٍّ لاعتداءات وحركات الأسطول الروسي، واستقال بالمرستون من الوزارة، واضْطُرت إنجلترا إلى أن تعلن للقيصر الروسي بأنه إذا عبرت جيوشه الدانوب فستدخل إنجلترا الحرب ضد روسيا، وأرسلت الحكومة الإنجليزية تعليمات واضحة إلى أسطولها في المياه التركية بحصار الأسطول الروسي، ورأى نابليون الثالث أن لا مناص من تطهير البحر الأسود من السفن الروسية الحربية، وأن فرنسا مستعدة للقيام بهذه المهمة وحدها. فخشيت الحكومة الإنجليزية أن تنفصل عن فرنسا، وخشيت سيطرة فرنسا على البحر، وحين صممت الحكومة البريطانية على اتخاذ خطة حاسمة في ٢٤ ديسمبر ١٨٥٣ عاد بالمرستون إلى الوزارة، وقررت إنجلترا وفرنسا دخول الحرب ضد روسيا وأعلنتاها في مارس سنة ١٨٥٤.

وفي ١٠ أبريل عقدت حكومتا إنجلترا وفرنسا حلفًا رسميًّا ضد روسيا، وبذا أصبح نابليون الثالث حليفًا لملكة إنجلترا، ولو أن الدولتين أعلنتا الحرب على روسيا، إلا أنهما كانتا في حيرة من حيث مهاجمة روسيا، فكل ما يجب عمله في ظنهما كان إرسال حملة حربية للدفاع عن القسطنطينية، ولكن هل هذا كان كافيًا؟!

ولكن الجيوش الروسية لم تهاجم تركيا حربيًّا، فأولًا لم يستطع القيصر إلا تكوين جيش مكون من ٣٥٠ ألف جندي بدلًا من ٨٠٠ ألف جندي الذين كان يجاهر باستطاعته جمْعهم. كذلك لم يستطع الروس تهديد القسطنطينية، بل لم يستطيعوا حماية مركزهم في الولايتين الدانوبيتين؛ لأنهم كانوا في شك من نيَّات النمسا، فما كان الروس يستطيعون التقدم في البلقان أمام تحركات الجيوش النمسوية، وكانت النمسا من ناحيتها في أول الأمر غير مطمئنة إلى مركز روسيا في الولايتين الدانوبيتين، ولكن لما أعلن الحلفاء الحرب على روسيا، لم يجد النمساويون مبررًا للقيام بأي عمل ضد روسيا فلقد اطمأنوا إلى جانبها لعلمهم أن الجيوش الروسية لن تستطيع مهاجمة الحدود النمسوية.

وعلى ذلك كانت بروسيا مستعدة للموافقة على عقد تحالف مع النمسا، على شرط ألا تدخل النمسا في حلف مع دولة غير جرمانية، وأراد بول أن يضع في ذلك الحلف شرطًا، تؤيد فيه بروسيا النمسا في الولايتين الدانوبيتين إذا رفضت روسيا الانسحاب منهما، ولكن بروسيا أصرت على أن تقف النمسا موقف الحياد التام، وبذا عُقِدت المحالفة بين فينَّا وبرلين في ٢٠ أبريل، وكان هذا انتصارًا واضحًا للسياسة النمسوية، التي استطاعت بلا شك الاستفادة من النزاع الناشب بين روسيا من ناحية وغرب أوروبا من ناحية أخرى.

ولقد حاولت روسيا من ناحيتها ضمَّ النمسا إلى جانبها بإثارة موضوع خطر الثورة على النظام الملكي، ولكنها لم تنجح في هذه المحاولة، وطلب النمساويون في ٣ يونيو من روسيا إخلاء ولايتي الدانوب، فكانت هذه خطوة حاسمة من جانب النمسا.

ورأت الحكومة الروسية أنه لا سبيل لها في حرب في البلقان مع الجيوش النمسوية في الوقت الذي تهددها فيه أساطيل حلفاء البحر الأسود، وأمام نصح بروسيا لروسيا بالانسحاب من ولايتي الدانوب، وافق القيصر إذا وعدت النمسا بمنع الحلفاء من احتلالهما. خشيت روسيا من انضمام بروسيا إلى جانب النمسا، وفي الواقع أن الروس كانوا مضطرين إلى ترك الولايتين تحت ضغط الجيش التركي قبل كل شيء.

وفي ظل الحرب طلبت النمسا من الحلفاء معرفة أهدافهم من الحرب، حتى تستطيع إذا دخلت معهم ألا تخدم المبادئ الثورية، ووجد هذا الكلام أذنًا صاغية من وزير الخارجية الفرنسية المحافظ درون دي لوي Drouyn de Lhuys، ولكن بريطانيا لم تُرِد التقيد بشيء، ورفضت تحديد أهدافها من الحرب؛ إذ كان كل ما يهم الوزارة الإنجليزية هو كسب الحرب وإرغام أنف روسيا، ولكن هذا لم يُرجِع الوزير الفرنسي عن رأيه في التفاوض مع النمسويين والوصول إلى اتفاق معهم، ونتيجة لذلك وضعت النقط الأربع بين الطرفين الفرنسي والنمسوي خلف ظهر بريطانيا، وهذه النقط الأربع هي التي سيرت دبلوماسية حرب القرم.
وقالت هذه النقط إنه لا يمكن إنشاء علاقات طبيعية بين تركيا وروسيا إلا على الأسس الآتية:
  • (١)

    وضع ضمان أوروبي لولايتي الدانوب محل حماية روسيا لهما.

  • (٢)

    تقرير حرية الملاحة في نهر الدانوب.

  • (٣)

    إعادة النظر في اتفاقية المضايق ١٨٤١ لصالح توازن القوى في أوروبا.

  • (٤)

    ترْك الروس ادعائهم حق حماية الرعايا المسيحيين للدولة العثمانية، وبدلًا من هذا تأخذ دول أوروبا وعدًا من السلطان بتحسين حالة رعاياه المسيحيين.

وقامت حرب القرم في الواقع على أساس النقطة رقم ٣؛ إذ إن القيصر الروسي وافق على النقط الأخرى تقريبًا. قامت حرب القرم بخصوص تفوق قوة روسيا البحرية في البحر الأسود، فهذا له أثره بلا ريب على تركيا، وعلى توازن القوى في أوروبا، واضطرت الحكومة الإنجليزية إلى قبول النقط الأربع بعد تردد كبير ورفض، ولكن في الوقت الذي وصلت فيه فينَّا موافقة إنجلترا على هذه النقط الأربع وصلتها أيضًا أخبار انسحاب الروس من ولايتي الدانوب؛ عندئذٍ رفض بول إمضاء ذلك الحلف الذي اقترحه، ودخلت قوات النمسا الولايتين الدانوبيتين، وبذلك نجح بول دون أن يرفع أصبعًا في طرد الروس من ولايتي الدانوب، وعرف أهداف الحلفاء الحربية، وحدد هذه الأهداف.

وترك انسحاب الروس الحلفاء في حيرة، فلقد دخلوا الحرب لوقف أعمال روسيا العدوانية، وانتهى بالفعل اعتداء روسيا، فلم تقف الجيوش الروسية في ولايتي الدانوب انتظارًا لهجوم جيوش الحلفاء، فمن أين يهاجم الحلفاء روسيا بعد ذلك؟

لم يكن مفر أمام الحلفاء بعد هزيمتهم السياسية الكبيرة أمام النمسا إلا خوض غمار الحرب ضد روسيا. لقد كان نابليون يرغب في بعث بولونيا من جديد على نطاق كبير، ولكن الظروف الحربية ما كانت تسمح بذلك، خاصة وأن إنجلترا لم تكن راغبة للدخول في حرب في مصلحة الثورة، فهي لا تريد إغضاب النمسا وبروسيا، وبعد ذلك فدرون دي لوي يرى ضرورة المحافظة على رضاء فينَّا وبرلين.

ولذا فالحل الفعلي هو قيام الحلفاء بحرب بحرية وبرية ضد قاعدة الروس في سباستبول، وبذلك يقضون على قوة روسيا البحرية وينفذون النقطة رقم ٣.

لا داعي للتطويل هنا في وصف العمليات الحربية التي قامت بها جيوش الحلفاء أو قامت بها جيوش الروس. لقد استطاع الحلفاء إنزال حول ٣٥ ألف جندي في شبه جزيرة القرم، وفي ٢٠ سبتمبر حاول الروس منع الحلفاء من التقدم، ولكنهم انهزموا هزيمة منكرة في موقعة ألما، ثم حاصروا مدينة سباستبول، ولم يكن حصار القاعدة حصارًا بالمعنى الصحيح، فكانت على اتصال مباشر بروسيا؛ تأتيها الإمدادات باستمرار، وكان منشكوف في نفس الوقت يقود جيشًا كبيرًا إلى شرقي المدينة، وكان دائبًا على مقاومة قوات الحلفاء، مكبدًا إياهم خسائر جسيمة، ولم تَقم البحرية المتحالفة بالرغم من تفوقها الكبير بدور مذكور في الحرب والحصار؛ فلقد أغرق الأسطول الروسي عند مدخل سباستبول، فلم تستطع مدافع أساطيل الحلفاء إصابة القاعدة، وكان تفوق الحلفاء البري أيضًا لا شك فيه، ولكن مرت مدة طويلة، أُنْهِكت فيها قوة الحلفاء إنهاكًا كبيرًا.

وحاول الروس مرتين طرد الحلفاء ففشلوا، وخاصة في موقعتي بلاكلافا وإنكرمان Balaklava & Inkerman (في شهري أكتوبر ونوفمبر ١٨٥٤)، ولكن الحلفاء لم يستطيعوا أخذ سباستبول، كما لم يستطع الروس طرد الحلفاء، وظل الأمر على ذلك إلى يونيو سنة ١٨٥٥، ظل الموقف الحربي جامدًا، وكان معنى هذا العودة إلى ميدان السياسة.

•••

كان من العسير، كما رأينا، اختيار منطقة يمكن فيها ضرب الروسيا ضربة قاتلة، خاصة وأن الأمراض، ولاسيما الكوليرا، فتكت بجنود الحلفاء فتكًا ذريعًا، وكانت جيوش فرنسا وإنجلترا غير مستقرة لمواجهة كثير من المشاكل التي نشأت في الموقف.

وحين قرر الحلفاء مهاجمة روسيا في قاعدتها البحرية الكبرى في البحر الأسود، سباستبول، كانوا يظنون أن الأمر هين؛ نظرًا لتفوقهم البحري، وأن روسيا سرعان ما تجثو على قدميها، وكانوا يظنون أن تدمير سباستبول فيه تدمير لمركز الروس البحري في البحر الأسود، كان هذا من أهداف الحرب بلا ريب، وعلى ذلك نزلت جيوش الحلفاء في إيباتوريا Eupatoria شمال سباستبول، وكان على رأس القوات الإنجليزية راجلان Raglan، أحد رجال ولنجتون القدماء، ليس لديه علم كبير بما تطور إليه فن الحرب، وعلى رأس الجيش الفرنسي سانت أرنو St. Arnaud، وكان قائد الجيش الروسي منشكوف، ولم يهاجم الحلفاء القاعدة في سباستبول مباشرة، ولو هاجموها مباشرة لسقطت في أيديهم، كما يقول القائد الروسي العظيم تودليبن Todleben، ولكنهم بعد موقعة ألما التي سبق ذكرها زحفوا جنوبًا، وفي هذه الأثناء استطاع تودليبن أن ينظم الدفاع عن القاعدة بحيث استطاع الوقوف أمام الحلفاء سنة كاملة (من سبتمبر ١٨٥٤ إلى سبتمبر ١٨٥٥).

نعود إلى مركز السياسة في أوروبا في ذلك الوقت إلى فينَّا — لقد حاول الحلفاء الاستغناء عن تأييد النمسا بكسب حربي على الروس — ولكن الحلفاء الآن، يستطيعون البقاء في القرم أمام هجمات الروس المتكررة، وكان لا بد لهم من تأييد النمسا، وهذا لا يكون إلا إذا وافقت النمسا على تهديد الروس حربيًّا وإجبارهم على وضع جيش روسي كبير على حدود جاليسيا. وأما الروس فقد رحبوا من ناحيتهم بمحاولة السياسة، فهم لم يستطيعوا طرد الحلفاء من القرم، فانتظر الطرفان إذن ما تتخذه النمسا لحل الموقف.

كان وزير خارجية النمسا بول يرى إجبار روسيا على الخروج من الحرب بإعلان عزمه على التحالف مع الحلفاء، على أساس شروط تسهل لروسيا الاستسلام، ولكنه كان يريد التأكد أولًا من أن قبول التحالف مع دول الغرب ليس معناه دخول النمسا في غمار الحرب. فهو إذن يحاول إقناع روسيا بقبول النقط الأربع، وحاولت بروسيا من ناحيتها تأييده للوصول إلى هذا التحالف.

ونظرًا لأن سياسة النمسا في هذا الموضوع كانت مرتبطة بسياستها في إيطاليا، فبول الذي كان يعرف الكثير عن ماضي نابليون الثالث في إيطاليا، وعطفه عليها، كان يخشى دائمًا نوايا الحكومة الفرنسية بالنسبة لإيطاليا، فهو لذلك لا يشدد في الضغط على الروس، ولم يكن الإنجليز يريدون التقيد كثيرًا بسياسة بول، ولكن الفرنسيين الذين وقع عليهم العبء الأكبر في حرب القرم؛ جعلوا استمرارهم في الحرب مشروطًا بالحلف النمسوي، وبذا عقد بول معاهدة تحالف مع إنجلترا وفرنسا، بها — إذا لم يتم الصلح أواخر ذلك العام — تتناقش الدول الثلاث فيما يجب عمله للوصول إلى هدفهم. كان هذا في ٢ ديسمبر، وفي ٢٩ ديسمبر أعلن الروس قبولهم للنقط الأربع، وطرب نابليون للحلف النمسوي. لقد كان الفرنسيون مستعدين لتثبيت الوضع الراهن في إيطاليا إلى حين؛ حرصًا على صداقة النمسا وتأييدها.

ومن هنا حثت إنجلترا وفرنسا سردينيا على إرسال قواتها للقرم؛ حتى لا تستخدم هذه القوة ضد النمسا في إيطاليا، وقبِل الوزير السرديني كافور Cavour فكرة الاشتراك مع الحلفاء، بالرغم من رفض زملائه في الوزارة لها، فهو يحرص على صداقة الدول الغربية، ولو أدى هذا إلى التعاون مع النمسا عدوة إيطاليا، ولكن زملاءه رفضوا الاشتراك، ولم يجدد الحلفاء طلبهم إلا في نوفمبر، وكان كافور يرمي إلى إسماع صوت إيطاليا في مؤتمر الصلح، فأراد وضع شروط، منها: عقد اتفاق سري بين فرنسا وسردينيا، ولكن الحلفاء رأوا إلا اشتراك سردينيا دون قيد ولا شرط من جانبها، وأُمضيت اتفاقية حربية في يناير ١٨٥٥.

وكان هذا انتصارًا واضحًا لسياسة بول، ومع هذا إذا كانت إنجلترا وفرنسا في الاتفاقية السابقة الذكر لم تتعهدا بتأييد مطالب إيطاليا، فهما لم تتعهدا بخذلانها، ولم يحارب كافور إلى جانب النمسا؛ لأنه كان يعتقد اعتقادًا تامًّا أنها لن تدخل الحرب.

وأما بروسيا فقد أعلنت موقف الحياد، فالمسألة الشرقية لا تهمها كثيرًا، ولكن حيادها كان مهمًّا لروسيا؛ إذ استطاع القيصر أن يطمئن من ناحية حدوده الغربية. وتبع السياسة البروسية في الحياد كل ألمانيا؛ إذ إن ألمانيا كانت مستعدة للدفاع عن النمسا كدولة جرمانية لا كدولة بلقانية.

والواقع أن الدولتين إنجلترا وفرنسا لم تلقيا بالًا كبيرًا لموقف بروسيا، فكل ما كان يهم الدولتين هو موقف الحكومة النمسوية، وكانت الدولتان تظنان أن الحلف النمسوي سيرغم النمسا على دخول الحرب إلى جانبهما. على أي حال جعلت معاهدة الحلف المفاوضة على أساس نقطة ٣، وأصر الإنجليز من ناحيتهم على تدمير سباستبول، وتحديد أسطول روسيا في البحر الأسود إلى أربع سفن، ولكن الفرنسيين ذكروا أن النمسا لن تقبل ذلك، فالحلفاء لم يأخذوا سباستبول بعد، وفي حالة أخذ سباستبول لا محل لتدميرها.

وأخيرًا اتفق الحلفاء مع النمسا على تفسير نقطة ٣ بأن يُوضع حد لتفوق روسيا في البحر الأسود، وكان الحلفاء يودون عدم قبول روسيا لذلك التفسير، فتضطر النمسا إلى دخول الحرب في صف الحلفاء، وقبِل مندوب روسيا جورتشاكوف التفسير الأخير، واضْطُر الحلفاء إلى قبول عقد مؤتمر في فينَّا.

ولكن موقف الفرنسيين سرعان ما تغير، فأصبحوا يرون الاستمرار في الحرب لا عقد الصلح، فنابليون كان يرى أن كرامة فرنسا تستلزم عدم الدخول في صلح إلا بعد أخذ سباستبول، فلقد كان في أشد الحاجة إلى نصر خارجي، وأصر على الذهاب إلى القرم بنفسه، ولكن أنصاره كانوا يخشون سقوط الإمبراطورية أثناء غيابه، وخاصة إذا انهزم في الحرب أمام الروس.

وفي ٣٠ يناير سقطت وزارة أبردين لفشلها في تسيير دفة الحرب، وكوَّن بالمرستون وزارة في ٦ فبراير، وكان بالمرستون مصممًا على الاستمرار في الحرب وقهر الروسيا.

كان الروس من ناحيتهم مستعدين لقبول الصلح، فلقد ساءت حالهم الاقتصادية والحربية، ومات نيكولاس في ٢ مارس، وبذلك زالت أكبر عقبة في سبيل الصلح، فلقد كان خليفته الإسكندر الثاني أكثر اهتمامًا بمصالح روسيا الحقيقية من اهتمامه بمكافحة الثورات في أوروبا.

ولقد عُقِد مؤتمر للصلح في فينَّا بالرغم من كل شيء في ١٥ مارس، وفيه رفض الروس تحديد قوَّتهم البحرية في البحر الأسود، واقترح درون دي لوي تفسير نقطة ٣ بحيدة البحر الأسود، وأُجِّل المؤتمر شهرًا ثم عاد إلى الانعقاد في ١٧ أبريل، ووجد الحلفاء أن روسيا لن توافق على تفسيرهم، وظهر أيضًا أن النمسا ليست مستعدة للدخول في حرب لفرض هذا التفسير على روسيا، ولكنها — أي النمسا — وضعت مشروعًا جديدًا بأن يسمح لروسيا بأسطول كبير في البحر الأسود، وأن يسمح في نفس الوقت لأساطيل الحلفاء بدخول ذلك البحر، وقبِلت الدولتان المتحالفتان ذلك الرأي، ولكن زيارة نابليون لإنجلترا ومشورة المارشال فيانت Vaillant بيَّنت له أن قبول أي صلح ليس في صالح فرنسا.

ولذا في ٤ يونيو رفض الروس في مؤتمر فينَّا مقترحات الحلفاء في تحديد قوات روسيا البحرية في البحر الأسود؛ ولذا انفرط عقد المؤتمر، ولم تدخل النمسا الحرب؛ انتصارًا لحلفائها.

فشلت الدبلوماسية إذن، واضطرت إنجلترا وفرنسا إلى العودة إلى الحرب وهاجم الحلفاء سباستبول، فسقطت في ٨ سبتمبر، وبذا انتصرت الدولتان في حرب القرم، ولكن الحلفاء كانوا في حيرة، كيف يهاجمون روسيا بعد ذلك، ولم يكونوا يدرون ماذا ستكون طلباتهم بعد كسب انتصارات أخرى.

فكَّر الحلفاء في مهاجمة قواعد روسيا الأخرى في البحر الأسود والبحر البلطي، وحرمان روسيا من شواطئها.

كان بالمرستون لا يرى بأسًا من استمرار الحرب حتى تقهر روسيا تمامًا، ولكن نابليون الثالث كان قد ملَّ الحرب، ويريد استصلاح روسيا. فكر نابليون في مبدأ الأمر في إثارة موضوع بولونيا، ولكنه وجد أن إثارة هذا الموضوع سيضم بروسيا والنمسا إلى جانب روسيا، ويعيد إحياء الحلف المقدس من جديد.

وكان مورني Morny، أحد المغامرين المحيطين بنابليون، يرى استصلاح روسيا، وعقد حلف معها، فحلف مع روسيا سيطلق يد فرنسا في أوروبا، ولما علم بول بهذه المحاولة؛ محاولة التفكير في عقد حلف روسي فرنسي، أسرع وقرر أن تفرض النقط الأربع كما فسرها الحلفاء، على روسيا، وقدَّم بذلك إنذارًا إلى روسيا، وقرر اشتراك الدول الثلاث في ضمان سلامة الدولة العثمانية، وقبِل الإنجليز والفرنسيون ذلك الموقف، وفسَّر بول النقطة الأولى في صالح النمسا، فتُقتطع بسارابيا من روسيا، وبذلك تبعد روسيا من مصب الدانوب، وفسرت النقطة الثالثة بحيدة البحر الأسود، كما أراد درون دي لوي، فلقد اختفت القوة البحرية الروسية في البحر الأسود، وقرر الحلفاء أيضًا ألا تكون لتركيا قوة بحرية في البحر الأسود ببعض التحفظات، وأُرْسِل الإنذار النمسوي إلى روسيا في ١٥ ديسمبر، وحاول الروس المساومة فرفضها بول في ٥ يناير ١٨٥٦، واجتمع المجلس القيصري في ١٥ يناير، وبيَّن ملك بروسيا للقيصر الروسي أهمية التسليم، واقترح الوزير الروسي جورتشاكوف رفْض الإنذار النمسوي، ولكن نسلرود رأى عكس ذلك وضرورة قبول شروط النمسا. كانت النمسا تخشى من اتفاق روسيا وفرنسا أن يصبح الفرنسيون أحرار التصرف في إيطاليا، وكان هذا الدافع وراء الإنذار النمسوي الذي قُدِّم لروسيا.

وقررت روسيا التسليم وأُمضيت مقدمات الصلح في أول فبراير سنة ١٨٥٦ وبذلك انتهت حرب القرم.

والواقع أن روسيا لم تخسر كثيرًا بقبول النقاط الأربع، فلقد دُمِّر أسطولها بالفعل، ولم تَعُد لها قوة بحرية في البحر الأسود حتى تعارض جديًّا في حياده، وقُبِل طلبها في إنشاء سفن صغيرة للأعمال البوليسية في شواطئها، وبذا قبلت النقطة التي رفضتها في فينَّا.

أما مسألة الرعايا المسيحيين فهذه استدعت بعض المناقشة، واتُّفق أخيرًا على أن يُصدر السلطان وعدًا بالعمل على المساواة التامة بين رعاياه المسلمين والمسيحيين.

وأصبحت الملاحة حرة في كل حوض نهر الدانوب.

ومُنِحت ولايتا الدانوب استقلالهما تحت سيادة suzerainty السلطان، وضم جزء من بسارابيا إليها.

وعادت الحدود بين تركيا وروسيا في آسيا إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وأصبحت تركيا تتمتع بكل الحقوق في ظل القانون الدولي، واتفقت الدول المتعاهدة على احترام ممتلكات الدولة العثمانية والمحافظة عليها، كما اتفقت إنجلترا وفرنسا والنمسا على أن أي اعتداء على تركيا سيكون معناه دخولها الحرب.

بينت حرب القرم ما عليه روسيا من وهن، فلقد كانت الدول تظن أن روسيا أقوى بكثير من حقيقتها. كانت هذه الحرب غزوًا من جانب غرب أوروبا لروسيا، ولم يَعُد لروسيا بعد حرب القرم قيمة كبيرة في مسائل أوروبا، ولم تستعِد مركزها في أوروبا إلا في سنة ١٩٤٥، وتصرَّفَ في مسائل أوروبا دول غرب أوروبا ووسطها.

•••

أما مؤتمر باريس، فلقد افتُتح في ٢٥ فبراير سنة ١٨٥٦ تحت رياسة الكونت Wolweski ابن نابليون الأول غير الشرعي، ووزير خارجية نابليون الثالث.
ومثَّل إنجلترا وزير خارجية إنجلترا لورد كلارندن Clarendon، وسفيرها في باريس لورد كولي Cowley.
ومثَّل النمسا والمجر بول Buol، هبنر Hübner.
ومثَّل روسيا برنس أورلوف Orlov.
ومثَّل سردينيا كافور Cavour.

وأما تركيا فلقد مثَّلها عالي باشا وفؤاد باشا.

ولم تُدعَ بروسيا إلى حضور المؤتمر إلا بعد افتتاحه، فقد أصرت بريطانيا وقتًا على منعها من الاشتراك؛ لاتباعها سياسة الحياد، وكان في هذا إذلال ظاهر لبروسيا.

وأُمضيت معاهدة باريس في ٣٠ مارس سنة ١٨٥٦، ولكن ظل اجتماع المؤتمر إلى ١٦ أبريل، فلقد تحول إلى اجتماع أوروبي.

وقبل إمضاء المعاهدة، أصدر الباب العالي خطًّا همايونيًّا ضمنه حقوق الطوائف المسيحية الموجودة في الدولة، وأعلن رغبته في إدخال تنظيمات جديدة، كما أعلن المساواة التامة بين الأديان والجنسيات المختلفة، وأخذ المؤتمر علمًا بهذا العهد.

كان مؤتمر باريس أول مؤتمر أوروبي بعد مؤتمر فيرونا سنة ١٨٢٢؛ فكل الاجتماعات الدولية السابقة له كانت لحل مشكلة معينة، وأما مؤتمر باريس فقد اجتمع لحل مشكلة الشرق الأدنى، لا لحل المشكلات الأوروبية العامة، وفي الواقع بعد ما وافق الروس على الإنذار النمساوي، لم تكن هناك صعوبات بشأن شروط الصلح، وقبِل الروس على غير ما يظن البريطانيون حياد جزائر آلاند Aaland، ولكن الروس حاولوا الاحتفاظ ببسارابيا على أساس تنازلهم عن ثغر فارس الذي فتحوه عنوة قبل الهدنة مباشرة.

ولكن كان يهم النمسا ألا يحتفظ الروس ببسارابيا، كما كان من صالح الإنجليز ألا يحتفظ الروس بفارس، ولكن نابليون الثالث ما كان مهتمًّا بالمسألتين بقدر اهتمامه باستصلاح روسيا.

ولقد حُلَّت مشكلة العلاقات الروسية التركية في ثلاثة أمور: (١) فلقد وعد السلطان بالإصلاح. (٢) وأعلن حياد البحر الأسود. (٣) واستقلت الولايتان الدانوبيتان عن حماية روسيا، وكان فرض حياد البحر الأسود على روسيا أول شرط من نوعه منذ صلح فينَّا بين نابليون الأول وبروسيا في سنة ١٨٠٧، فلقد اعتبرت إنجلترا وفرنسا في ذلك الوقت دولة نصف آسيوية.

وكان أهم شرط في معاهدة باريس هو تحرير رومانيا، وجعلها دولة مستقلة، وتوقَّف استقلالها على التنافس والتحاسد بين روسيا والنمسا، وكان على الجيوش النمسوية أن تنسحب منها عقب إبرام الصلح، وأثارت مسألة رومانيا بعض المناقشة عقب الصلح بشأن حدود بسارابيا، ثم نُوقشت علاقة رومانيا بتركيا، هل تظل لتركيا السيادة الاسمية على رومانيا أم لا؟ وفي الواقع عضد استقلال هذه الدولة الجديدة لتكون حاجزة بين تركيا وروسيا، ولتقف أمام مطامع النمسا في السيطرة على وادي الدانوب كله.

وفي أثناء اجتماع المؤتمر، حاول نابليون معالجة مشاكل أوروبا كمسألة بولونيا واليونان وإيطاليا، ولكن الممثل الروسي أرلوف احتج بأنْ ذكر أنَّ أي شيء عن بولونيا سيجرح شعور القيصر، وسيجعل القيصر يعدل عن الامتيازات التي يفكر في منحها لبولونيا، وأما فيما يختص باليونان، فالجنود التي تحتلها كانت إنجليزية فرنسية؛ ولذا فلم يكن على المؤتمر مهاجمة الدولتين المنتصرتين، وأما فيما يختص بإيطاليا، فكان نابليون يريد إبعاد الأفكار عن وجود الجنود الفرنسية في رومة قبل كل شيء.

ولكن الشيء المثير في المؤتمر كان في جلسة ٨ أبريل؛ فقد حمل كلاندن حملة شعواء على الحكم البابوي في رومة، فتعدى بأنه a disgrace to Europe، وهو يرمي بهذا إلى تأييد البروتستانت له في إنجلترا، ولكن إيطاليا لم تستفِد شيئًا من جلسة ٨ أبريل، ولكن هذه الجلسة كانت بالرغم من ذلك خطيرة بالنسبة للنمسا، فلقد وضح أن الدول الغربية لا تؤمن بمهمة النمسا في إيطاليا، فحكمها — أي النمسا — كان قائمًا على القوة قبل كل شيء.

وفي ١٥ أبريل أمضت إنجلترا وفرنسا معاهدة للمحافظة على كيان الدولة العثمانية، كما أن الدول المجتمعة في المؤتمر أعلنت أنها لن تتدخل مجتمعة ولا منفردة بين السلطان ورعاياه، ولا في الإدارة الداخلية للدولة العثمانية، وإذا قامت صعوبات أو استجدت مشاكل بين تركيا وغيرها من الدول المتعاهدة، فقبل الالتجاء إلى استخدام القوة يجب الاحتكام إلى الدول الأخرى الموقعة على هذه المعاهدة، فجعلت مسألة الدولة العثمانية رسميًّا مسألة أوروبية.

كانت معاهدة باريس أول معاهدة يوقعها السلطان، لا يكون فيها أي انتقاص لممتلكاته أو إضعاف لقوته، لقد جعلت معاهدة باريس لتركيا مركزًا أكثر امتيازًا من ذي قبل، وضمنت على الأقل نظريًّا انضمام الدول الأوروبية الغربية إلى جانبها ضد روسيا لحين من الدهر، وجعل أمر استقلالها في أمورها الداخلية جزءًا من القانون الدولي والدبلوماسية الأوروبية، كما دمرت قوة روسيا الحربية عدوة تركيا التقليدية لمدة عشرين عامًا.

ولم تغنم النمسا شيئًا كبيرًا من هذه الحرب؛ لقد أبعدت حقيقة خطر الروسيا عن مصب نهر الدانوب وشرق البلقان، ولكنها خسرت صداقة روسيا إلى الأبد، ولقد حاولت النمسا أن تقنع نابليون الثالث بالاعتراف بالحالة الراهنة في إيطاليا، كما اعترفت النمسا بالحالة الراهنة في الشرق الأدنى، ولكنها لم تنجح في هذه الناحية، بل سنجدها مضطرة أن تقف بمفردها أمام الفرنسيين في شمال إيطاليا.

ويرى بعض المؤرخين المحدثين من أمثال تيلور Taylor أن مؤتمر باريس:
Proved a disappointment to all who attended it: only the Prussians who came late and expected nothing had their hopes fulfilled.

فهو يقول إن البريطانيين كانوا يرون أن روسيا لن تستطيع النهوض قبل مرور وقت طويل، وإن كافور لم يُصِب أي نجاح في المؤتمر، فلم يحصل على شيء من الامتيازات التي كان يؤمل فيها نظير اشتراكه في الحرب، ولم يتغير أي شيء في إيطاليا، فلم تُعامَل سردينيا كدولة كبرى، ولم يُسْمَح لها بالانضمام إلى معاهدة ضمان تركيا في ١٥ أبريل، وسرعان ما فتر حماس البريطانيين بالنسبة لإيطاليا، بل إنه بعد عام نصحت الحكومة الإنجليزية كافور بأن يخفف من حدة التوتر في إيطاليا، وذلك بأن يُعْلِن احترام تسوية فينَّا لسنة ١٨١٥، كما أنه في ذلك الوقت لم يكن نابليون الثالث يفكر في القيام بحرب لتحرير إيطاليا، كذلك لم يحقق مؤتمر باريس كثيرًا من آمال نابليون في إعادة بناء أوروبا. حقيقة كما يرى تيلور أن المؤتمر اجتمع في باريس تحت إشراف نابليون الثالث، ولكن أوروبا في سنة ١٨٥٦ لم تتغير كثيرًا عن سنة ١٨١٥، فكان عجيبًا أن مؤتمرًا يجتمع تحت رئاسة ابن نابليون الأول ولوسكي البولوني من ناحية أمِّه، ولا تُثار فيه مسألة بولونيا، ولا يُعمل فيه شيء لمصلحة إيطاليا.

لم يكن مؤتمر باريس اعترافًا حقيقيًّا بالإمبراطورية الفرنسية الثانية، وكل ما نجح فيه نابليون الثالث هو الاتفاق مع إنجلترا، ولكن هذا لم يكن نتيجة لحرب القرم، ولا لمؤتمر باريس، فلقد كان ثمن صداقة إنجلترا التخلي عن معظم المشروعات النابليونية في أوروبا. لقد كانت الدولة التي ظفرت بأكبر نجاح حقيقةً هي بروسيا، فنظرًا لحيادها في هذه الحرب ستجد تأييدًا فيما بعد من جانب روسيا على نهر الرين على حساب كلٍّ من النمسا وفرنسا.

وبالنسبة لروسيا، لم تَعُد هذه الدولة كما قلنا تهتم كثيرًا بمسائل أوروبا لمدة خمسة عشر عامًا، بل أهملتها إهمالًا يكاد يكون تامًّا، لامتهان الدولتين الغربيتين لكرامتها في البحر الأسود والشرق الأدنى، وكان موضوع البحر الأسود والشرق الأدنى من أهم المسائل التي تُعْنى بها روسيا منذ القرن الثامن عشر، فأجبرتها إذن الدولتان على التخلي عن مركزها، وأصبح مستقبل روسيا هو في الإمبراطورية وفي التوسع في آسيا الشمالية، وآسيا الوسطى، واقتصر اهتمامها بالبحر الأسود على الناحية الدفاعية فحسب.

كرست روسيا جهودها كما تقول تعليمات جورتشكوف إلى كسيليف Kiselev إلى إلغاء هذه الشروط في معاهدة باريس التي تمس البحر الأسود وبسارابيا، ولهذا الغرض لم يكن مفر أمام روسيا من أن تعمل على الفصل ما بين فرنسا والنمسا، وفرنسا وإنجلترا، ولم يكن الأمر الأول بالشيء الصعب، ولكن الفصل بين فرنسا وإنجلترا كان أمرًا مستحيلًا؛ لأن ما كان يفكر فيه نابليون الثالث هو إعادة بناء أوروبا على أساس اشتراك فرنسا مع إنجلترا وروسيا.

لقد كان سفير نابليون في بطرسبرج مورني يؤيد قبل كل شيء فكرة التحالف الروسي، وذلك على أساس بغضه للتحالف الإنجليزي، فهو يرى أن تعمل فرنسا على أن يكون لها المركز المالي الأول في أوروبا، ويظهر أن مورني أعطى الروس أملًا أكثر من اللازم في تأييد فرنسا لهم، فحاولوا التملص من تنفيذ المعاهدة، ولكن إنجلترا أجابت على محاولة روسيا تلك بإرسال أسطولها إلى المياه العثمانية، فتراجعت روسيا، وحاولت أن تطلب من نابليون حمايتها ضد النمسا وإنجلترا، ولكن نابليون كما بينَّا لم يكن يستطيع التخلي عن صداقة إنجلترا، وإن كان ميالًا لمغادرة صداقة النمسا.

وفي الوقت الذي كان فيه مورني يعمل على إنشاء تحالف روسي فرنسي، كان السفير الفرنسي في لندن برسني Persigny يعمل على تقوية دعائم التحالف الفرنسي الإنجليزي، ويحذر نابليون من عواقبِ سياسةٍ كسياسة لوي فيليب، ونجحت مجهودات السفير الفرنسي في لندن في منع نابليون من عقد معاهدة سرية مع روسيا، ضد إنجلترا.

ولذا تخلى الروس عن تأييد نابليون الثالث في حربه مع النمسا في إيطاليا. لقد أظهر الروس فعلًا لنابليون عدم موافقتهم على سياسته لإيطاليا.

لم يكن مؤتمر باريس قد وافق على مسألة توحيد الولايتين الدانوبيتين، ولم يفِد إخلاص نابليون لفكرة القومية أمام خشية تركيا ضياع صلة الولايتين الاسمية بها، وأيدت النمسا تركيا، فلقد كانت فينَّا تخشى قيام دولة موحدة بجانب ترانسلفانيا، ولكن روسيا أيدت اتحاد الولايتين، ولو أنه في غير صالحها، وأيدت إنجلترا التقسيم، فستراتفورد لم يكن مستعدًّا للعمل على انحلال الدولة العثمانية، وأقنع برسني نابليون الثالث بأن ليس من مصلحة فرنسا العمل على انحلال تركيا الأوروبية، وأخيرًا فاز رأي إنجلترا وتركيا، ولكن سكان الولايتين قرروا في سنة ١٨٥٩ الاتحاد.

ويظهر أن السلطان لم ينفِّذ وعده بخصوص تحسين مركز رعاياه المسيحيين.

وأما حيدة البحر الأسود، فلقد استمرت إلى سنة ١٨٧٠.

وأما بسارابيا، فلقد عادت لروسيا في سنة ١٨٧٨.

وأما حماية الدولة العثمانية، فلم يهتم بها أحد بعد ذلك، بل هُوجمت الفكرة نفسها في السنة التالية.

بينما ستُنفذ بالتدريج السياسة التي أشار إليها نيكولاس، فلقد احتلت إنجلترا قبرص ومصر في سنتي ١٨٧٨، ١٨٨٢، ولكن ما أخطأ فيه نيكولاس هو إنشاء دول بلقانية تحت حماية روسيا، فهذه الدول ستعمل على التحرر من النفوذ الروسي القيصري، ولم تستطع روسيا الاقتراب من الآستانة، وما زالت مشكلة المضايق مشكلة باقية إلى الوقت الحاضر.

وهنا يحسن أن نبدي بعض الملاحظات العامة على ظروف أحاطت بحرب القرم. فالقيادة للمحاربين لم تكن بذات كفاية، فقائد الحملة الإنجليزية راجلان Raglan كان قد بلغ من الكِبَر عتيًّا، وترك الخدمة العاملة مدة أربعين عامًا، وكانت سنُّه خمسة وستين عامًا. هذا في الوقت الذي كان فيه قائد الحملة الفرنسية مريضًا على وشك الموت.

كذلك لم تكن القيادة الفرنسية أو الإنجليزية لتدري هدفها الحقيقي من الحرب، فكانت لديها فكرة غامضة عن منع الروس من احتلال القسطنطينية وطردهم من ولايتي الدانوب، كيف ذلك؟ لم يكن أحد في إنجلترا وفرنسا في الهيئات الحكومية يعرف جوابًا نهائيًّا لهذا، وكانت معلومات الحلفاء عن تحصينات الروس وقواعدهم في البحر البلطي أو الأسود أو قواتهم العسكرية لا تكاد تكون شيئًا، ولم يكن هناك تناسق بين الخطط الحربية حتى ولا في أذهان رجال الحرب، وكانت نتيجة هذا أن قاسى جنود الحلفاء ويلاتٍ ومِحنًا كبيرة في منطقة بلغاريا، لاسيما مرض الكوليرا والملاريا، هذه الأمراض التي فتكت بجنودهم فتكًا ذريعًا، خاصة وأنه لم تكن هناك ترتيبات صحية أو طبية كافية أو شافية. كذلك كانت وسائل النقل، نقل الجنود، سيئة للغاية مما عطل وعرقل الأعمال الحربية، وربما كان معنى التأخير بقاء الجنود شتاءً آخر، بما يعنيه الشتاء الروسي من برد وثلوج، لجنود ليس لديهم الغذاء أو الكساء الكافي الذي يقيهم زمهرير البرد. كذلك حين هاجم الحلفاء سباستبول كان لا يزال أمامهم طريق طويل إذا أرادوا الوصول إلى قلب روسيا وضربها ضربة قاضية.

وكانت الوزارة البريطانية (وزارة أبردين) حائرة ضعيفة مترددة منقسمة على نفسها، لا تعطي لقيادتها الحربية التأييد الكافي أو التعليمات الواضحة، وكانت التعليمات تصل في كثير من الأحيان متأخرة عن الوقت المناسب، ولم تكن الصحافة البريطانية لتسهل موقف الحكومة أو قيام الحكومة بواجبها، وكثيرًا ما أفشت صحيفة التيمز الأسرار الحربية البريطانية على صفحاتها، هذه الأسرار التي كان يتسنى عدم إفشائها.

كذلك لم تكن لدى الحلفاء، وخاصة الفرنسيين، السفن اللازمة لنقل جنودهم وتموينها، فلقد ازدحم الجنود الفرنسيون على سفنهم بشكل عطَّل عمل السفن عن الناحية الحربية، ثم كان هناك الخلاف المستمر بين القيادتين الإنجليزية والفرنسية (بين راجلان وسانت أرنو)، وبالرغم من قوة روسيا وفرنسا الحربية، فلقد كان عدد الجيوش التي خاضت المعركة قليلًا، فالجيش الروسي في شبه جزيرة القرم لم يكن يتجاوز ثمانين ألفًا، منهم خمسون ألفًا من الجنود العاملين، والجيش الفرنسي ٣٠ ألفًا، والإنجليزي حول ٢٦ ألفًا، وخمسة آلاف من الأتراك، وكان الروس يستطيعون تحصين مواقعهم وقاعدتهم في سباستبول بسهولة، بالرغم من وجود قوات الحلفاء في القرم.

ولم يكن الجيش الإنجليزي الذي خاض غمار حرب القرم مدربًا على أمور الحرب، فلقد مر عليه أربعون عامًا لم يشترك فيها في حرب، ولم يكن تموينه خيرًا من تدريبه، ولكن هذه الحرب بالرغم من ذلك أثارت اهتمام الرأي العام البريطاني للآلام الكثيرة التي قاساها الجنود خلال هذه الحرب.

كانت حياة الجندي الإنجليزي رخيصة قبل ذلك، وظلت رخيصة إلى حدٍّ ما، ولكن الرأي العام أخذ يعرف عن الحرب وأهوالها وظروفها الشيء الكثير، فكانت أول حرب ذهب إلى ميادينها مراسلو الصحف، وأرسلوا بتقاريرهم إلى صحفهم، كذلك كانت الخدمة البريدية خيرًا من ذي قبل، وأخذ ينمو وعي الرأي العام وانتقاده لأعمال الحكومة وإدارتها للحرب، ومسائل نقل الجنود، وإيوائهم، وتسليحهم، وتموينهم، والعناية لصحتهم، وكان الرأي العام قد نسي في الواقع الحروب السابقة، فآخر حرب خاضتها إنجلترا كان قد مر عليها أربعون عامًا، وازداد الاهتمام بقيمة الحياة الإنسانية.

شعر الرأي العام الإنجليزي بأن الحرب لم ينلها تطور حقيقي يخفف من ويلاتها وبؤسها، ولم يعمل رجال القيادة العامة الإنجليزية شيئًا في هذه الناحية، فلم يُعنوا بمسائل التدريب، بل ونسوا كثيرًا من خبرات الحروب الماضية، ووُجِّه بعض اللوم إلى البرلمان الذي لم يهتم بأمور الحرب إلا من ناحيتها المالية، ولم يوجه أية عناية إلى تحسين حالة الجندي.

فلقد كان السجين المجرم يُعامَل خيرًا من الجندي، وكان كثير من الجنود يهلكون لسوء معاملتهم وعدم تحسين أحوالهم. فلم يُهتم بملبس الجندي، ولا غذائه، ولا مشربه، ولا مسكنه، ولا معاملته كإنسان من حيث مسائل التسلية والترفيه، فانتشر بين الجنود السكر والأمراض المعدية والسرية. ولم تكن كفاية الضباط خيرًا من كفاية الجنود، فكان ضباط المشاة والفرسان يشترون وظائفهم ودرجاتهم العسكرية، وأيَّد هذا النظام ولنجتن وراجلان، ولم يُلغَ ذلك النظام إلا في ١٨٧١، وكان الضباط يؤخذون من طبقة خاصة، قد تخرجوا من المدارس الخاصة، واقتصر تدريبهم على دروس اللغة اللاتينية واليونانية والحساب.

They were content to be gentlemen and to leave the technical questions to those who were not gentlemen.

وكان الجنود يوزَّعون للقيام بأعمال بوليسية في وقت السلم، فلم يكن نظام البوليس بشكله الحالي قد وُضع بعدُ.

ولم تكن المسئولية الخاصة بالأمور الحربية قد نُظِّمت بعد، فكان يتولاها وزير الحربية ووزير المستعمرات، ولم تعين حدود مسئولية كل منهما، وكذا كان الشأن في الوظائف الحربية الأخرى، وكان المتطوعون تحت إشراف وزارة الداخلية، وأما مسائل التموين والنقل الحربي، فكانت تحت إشراف وزارة الخزانة.

واهتمام البرلمان بالنواحي المالية فقط ساعد على إهمال أمور الجيش، وعدم تطور نظمه، وكان معظم ما يُطلب قبل هذه الحرب (القرم) للجيش هو زيادة عدده، وكانت مثل هذه الطلبات تلاقي معارضة شديدة بالرغم من زيادة مسئوليات إنجلترا الحربية كأولى الدول الاستعمارية.

ولقد كانت بروسيا أكثر الدول استفادة من هذه الحرب، وهي دولة لم تشترك في حرب القرم كما رأينا، فلقد تأكد بسمرك أن ليس لدى إنجلترا جيش قوي تستطيع إنزاله من سفنها الحربية؛ ولذا لم يعبأ كثيرًا بتهديد إنجلترا في مسألة شلزفيج هلشتين حين هددت إنجلترا بإرسال قوة لمساعدة الدنمرك.

ومع هذا فقد حاولت الحكومة الإنجليزية نتيجة لحرب القرم ولما قاساه جنودها من ويلات، ونتيجة لاهتمام الصحافة والرأي العام بحياة الجنود، عملت على زيادة الاهتمام برجال الجيش؛ بالنواحي الصحية، ودراسة الأمراض التي يتعرض لها الجنود، وبإنشاء المستشفيات الحربية، وكان لمس نيتنجيل Nightingale أثر كبير في هذه الناحية، كما بدأ الاهتمام بتنظيم مرتبات للجنود وإعداد وسائل التسلية والترفيه والتثقيف لهم.

ولم تكن أمور البحرية البريطانية قبل هذه الحرب لتجد عناية كبيرة من البرلمان؛ إذ كان كل ما يهم البرلمان هو الاقتصاد في النفقات بقدر المستطاع، فلم يهتم البرلمان كثيرًا بأحوال رجال البحرية بعد انتهاء الحروب النابليونية، وسُرح كثير من رجالها، كانت البحرية الإنجليزية تتكون من الضباط والبحارة والسفن، وكان الضباط يجمعون البحارة من المواني والثغور، وفي كثير من الأحيان من المهربين والمجرمين واللصوص والمساجين التي تريد السجون أن تتخلص منهم.

لم تتطور البحرية كثيرًا في المدة السابقة لحرب القرم، ولم يكن هناك تدريب منظم بالمعنى المعروف في الوقت الحاضر، ولكن على أي حال كانت حال البحرية أحسن من حال الجيش، وأُنْشِئت كلية بورتسموث للتدريب في أمور البحر منذ ١٨٣٠.

ولو أن وزارة البحرية Admiralty كانت أحسن تنظيمًا من وزارة الحربية، ولكنها ما فتئت تشكو من نُظُم الروتين العتيقة، والاقتصاد المبالغ فيه، وفي سنة ١٨٤١ كان سن معظم ضباط البحرية أكثر من سبعين عامًا، ومعنى هذا عدم الاهتمام بتدريب جيل ناشئ، واشتكى أحد كبار رجال البحرية من قذارة رجال البحر الإنجليز (إلى وظيفة كابتن)، وكانت المعارضة شديدة أمام كل تجديد أو تغيير، وخاصة حين فكر في صنع السفن من الحديد.
ثم حدث تطور كبير في بناء السفن فأُخذ في إنشاء السفن الحديدية، وخاصة السفن الحربية، وبدأ ظهور المدرعات lronclads. بدأت إنجلترا في ذلك في سنة ١٨٥٨، لقد أنزلت فرنسا أول سفينة حربية حديدية وهي La Gloire في سنة ١٨٥٩ قبل أن تنزل إنجلترا سفينتها the Warrior، وخدمت الحرب الأهلية الأمريكية تجربة بناء السفن من الحديد، ولم تُصنع سفينة كبيرة من الخشب بعد سنة ١٨٦٦. فكان ذلك تطورًا هامًّا في الحرب البحرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢