الفصل الثالث عشر

موسى

وتتبدَّى شخصية النبي موسى في الفولكلور حاضرة على الدوام على عادة شخصيات أو آلهة الأساطير، مثل: أندرا، وزيوس، وبوذا، والخضر، والأقطاب الأربعة في الوجدان الطقوسي العربي.

فقد تجيء حكاياته أو أساطيره على النحو التالي:

سيدنا موسى، ماشي في يوم رايح يقابل ربنا، رجل فقير انتظره في الطريق وطلب منه أن يسأل له ربنا، فلان ابن فلانة، مالوش عندك رزق، أكثر مما هو فيه …

وتستمر الحكاية على هذا النحو في حوار بين الرجل الفقير والرب، والوسيط هنا هو موسى كليم الله.

وبرغم تواكل هذا النص الوعظي والآلاف غيره في الإشارة إلى أن الرزق لا يُعْطَى إلا للأتقياء، وربطه الأخير في أن الأوضاع الطبقية — من فقر لثراء — لا دخل فيها للإرادة وهكذا، إلا أن المُلفِت في هذا النص هو أنه أسطوريٌّ نادر ندرةَ الأساطير في التراث العربي الشفاهي المعاش.

فتتبدَّى شخصية موسى في هذه الحكايات كشاهد خفي أو قدري على ما يحدث، كما يتضح من حكاية «القاتل والمقتول وموسى».

وكيف أنه كان دائم التردد على جبل «الملاغاة» ليسأل: «يا رب جيت أسألك.» فظهر له ربنا وقاللو: «اسأل يا موسى.»

وهي عادةً ما تكون حكايات قاسمها المشترك هو القدر والقدرية كمَلْمَح جوهري لتراثنا العربي.

كما أن في مقدور موسى أن يتصل بعالم الموتى، ويقيم حوارًا مع الميت كما في حكاية «موسى والعبد».

وفي تصوري أنه نص عبري قد يرجع تاريخه إلى تواجد القبائل الرعوية العبرية في مصر حوالي منتصف الألف الثانية ق.م.

ذلك أن ملكًا أو فرعون قاسيًا كان ينكل بعبده الصالح المطيع؛ حيث ربطه في طاحون مهجور، أو كما يذكر راوي هذا النص: ربطه في هودية. وفي نص ثانٍ ينطقها الراوي أن الفرعون ربط عبده في «يهودية».

ويبدو أنها كانت بمثابة آلة تعذيب مرتبطة باليهود وأساليب تعذيبهم من قِبَل فراعين مصر، مع الأخذ في الاعتبار أن هؤلاء الفراعين كانوا في تلك الفترة دخلاء على حكم مصر.

المهم أن ذلك الملك مضى يعذِّب وينكِّل بعبده ليلَ نهارَ، إلى أن ظهر له سيدنا موسى ورثى لحاله، وطلب من الملك أو الفرعون الرحمةَ له فرفض، بينما أخبره العبد مستكينًا: «كله حايزول.»

ومرت الأيام إلى أن أصبح العبد ملكًا عن طريق حذر أو لغز تتردَّد تنويعاته كثيرًا في الحكايات المصرية، وإلى حد في نظائرها العربية، وهو حلول طائر في فمه خيوط من الزمرد، وحطه على رأس العبد الذي أصبح ملكًا حكَمَ قومَه إلى أن مات، وزار قبره موسى، وأخبره عن حاله فأخبره بأنه في نعيم دائم.

فمن سمات موسى في الشفاهيات السامية أنه دائم التواجد والحضور لإنصاف المظلوم والمقهور والمنكوب، كما أن له خاصية الخلود، مثله مثل مرافقه عبر الرحلات العبورية الخضر، إلا أن ما يميِّزه على الخضر وغيره من الشخصيات الطقسية هو خاصية ظهور الرب له وحواره معه، الذي قد ينمُّ في بعض النصوص عن تقريع الرب له، كما في «موسى والزانية» التي حملت في الحرام ووضعت طفلًا سفاحًا في خلاء الجبال، وحرقت المولود وذرَّته في الهواء.

وفي بكور اليوم الثاني خرجت لموسى في خلا الجبال وجلست له في طريقه وسألته: «رايح فين؟» قال موسى: «رايح أقابل ربنا، عندي ميعاد معاه.»

فطلبت منه أن يسأل لها الإله كيف تتصرف بعد أن حملت حرامًا وولدت وحرقت ابنها، وعندما ينسى موسى — أو هو يتناسى — بدافع الحياء والخشية أن يسأل لها الرب ثلاث مرات، يبادره الرب ذاته في المرة الرابعة: «يا موسى، لمَّا بني آدم يحمِّلك أمانة توصلها لي، لِمَ لا توصلها؟» وعندما برَّر له موسى خشيته، قال له الرب: «إنت اختشيت من البنت الزانية دي، وهيه ذنبها أخف من ذنب أمك.»

كما يحفظ هذا النص الشفهي١ «موسى والزانية» الاسمَ العربي لوالد موسى «أبو بكر».٢

وحكايات موسى بشكل عام مع الخطايا والزانيات تنتهي، خاصة النص الذي أورده بكثرة الكُتَّاب الكلاسيكيون العرب، مثل: الطبري والمقريزي والثعالبي عن الزانية الحامل التي استعان بها قريبه الغني صاحب الكنوز «التي تسد عين الشمس» قارون، لكي تواجه موسى يومًا وهو يخطب في الناس في الأسواق قائلًا: «لا تكذبْ، لا تَزْنِ.» وهنا تعترضه الزانية معرية بطنها وفرجها على رءوس الأشهاد ومواجِهَة بأنه «يخطب في الناس: لا تكذبْ، لا تَزْنِ، وابنك في بطني يا موسى.»

أما المرادف الشفاهي لهذا النص الذي جمعته من إحدى القرى المتاخمة لبحيرة قارون بالفيوم، فيَرِد على النحو التالي:
كان قارون صاحب بِرْكة٣ قارون، والقصر اللي جنبها راجل فقير، اتجوز سيدة قريبة لسيدنا موسى، وكانت تلك السيدة على علم بعلم الكيمياء، فتعلَّمَ منها صناعة الذهب، وأصبح غنيًّا عنده مال يسد عين الشمس، وكان موسى يخطب في الناس قائلًا: الزاني٤ يُجلَد مثل الزانية.

وتستمر الحكاية الشفاهية بعد ذلك دون اختلاف كبير عن نظيرتها المدونة في مواجهة الزانية له.

لكن ما يلفت النظر في نصوص الحكايات الاستطرادية التي تحكي عن صراع موسى مع فرعون الذي وُلِدَ في عصره، وكيف أن والد ذلك الفرعون كان اسمه «مصعب»، وأنه كان راعيًا للأبقار والأغنام إلى أن تنبَّأَتْ له بقرة بأن مولودًا من صلبه سيكون من أهل جنهم، وتحقَّقَتِ النبوءة حين ولدت زوجته ولدًا شقيًّا اسمه «عون»، عندما كبر أصبح قاطعًا للمقابر وفرض إتاوة على الموتى، إلى أن صارَعَ ملك مصر وقتله واستولى على العرش، وأصبح فرع: عون أو فرعونًا، ووصل به التكبر إلى حدِّ أنه طالب شعبه بالسجود له قائلًا: أنا ربكم الأعلى.

إلى أن رأى رؤيا مزعجة، فذهب إلى المعبِّرين٥ وعرف منهم بخبر الولد الذي سيُولَد لينتقم منه ويسلبه عرشه، وأمر بقتل عشرين ألف طفل.

ويُلاحَظ هنا أن هذا النص يحفظ لوالد موسى عمران أنه كان يعمل وزيرًا لفرعون ملازمًا له، حتى إنه ليلة مولد موسى خبَّرت السَّحَرةُ فرعونَ وحدَّدت له أن الولد الذي وُلِدَ في تلك الليلة هو قاتله، حتى هاجمت جيوشه بيت الوزير، فألقت أم موسى — وكانت تخبز — بابنها في شروقة الفرن المشتعل، وحين أخرجته عقب التفتيش كان يضحك لها، إلى أن صنعت له صندوقًا «على قده»، وألقت به في النيل (وهي كما يُلاحَظ جزئية أوزيريسية).

بإزاء شخصية الأم، لقد حاول مرارًا انتزاع الطفل موسى من أحضانها ليقدِّمه لفرعون بنفسه لكي يقتله.

لكن الأم خبَّأته في جحر أو غار مهجور،٦ حيث كان يستحلب أصابعه لبنًا وعسلًا، على عادة الأطفال القدريين.

كذلك يلعب لبن ثدي الأم دوره السحري كأثر — أو أتر — سحر المشاركة كشيء مستمر الاتصال بحسب تفسير فريزر.

فقبل أن تضعه الأم في الصندوق، طلبت من الله ثاكلة أن يردَّ لها لبن الدفاتن إلى أن استقر الصندوق بالطفل داخل سراية فرعون المشادة على النيل، وكيف أنه أشفى ابنة فرعون من برصها.

كذلك يكشف لنا هذا النص، كيف أن زوجة فرعون السيدة آسيا كانت على نقيضه، وأنها كانت «مسلمة» وأنها كانت جميلة، وكانت بكرًا «لها ٣٦٠ ضفيرة يعجبوا العايقين» بعدد أيام السنة القمرية.

بل هي نجحت في الدفاع عن طفولة موسى مرارًا وإنقاذه من فرعون وجنوده، حين نتف ذقنه، وحين كسر له السرير الذي ينامان سويًّا عليه نصفين، ثم كيف أن «طقة» أكل فرعون كانت جملًا صحيحًا يقف في صينيته مستويًا محمرًا، ثم كيف صرخ موسى في الجمل كما لو كان بطلًا شعبيًّا يستصرخ شعبه محرضًا: «أنت منتظر لما يأكلك، قوم على حيلك.» فما كان من الجمل إلا أن انتصب على قوائمه — على مشهد من فرعون المذهول — هائجًا وترك الصينية وجرى عبر ردهات القصر. وكان أن انطلق موسى بدوره جاريًا فارًّا — كما يذكر النص — إلى بلدٍ اسمها «مدين جنب جبل الطور»، وهي سيناء التي التقى فيها بشعيب،٧ وهو شيخ كفيف، ثم كيف رعى٨ غنمه — ١٢ ألف رأس — لمدة ثمانية أعوام، واتفقا على أن يأخذ شعيب ذكورها، بينما يقتصر موسى على الإناث.

وهنا يُرْسِي النص ملامح موسى كتاجر سامي، مثله مثل سالفه يعقوب مع خاله لابان بن ناحور، الذي اعتبره فريزر مثالًا للتاجر السامي الحريص على الكسب.

فلا يغفل هذا النص الشفهي الذي جمعته من رواة الفيوم، كيف أن اختيار موسى لإناث الغنم ملأ الدنيا عليه بالغنم والثراء.

كذلك لا يُغْفِل النصَّ الشارة السلفية لموسى، وهي عصاه التي أهداها له شعيب قائلًا: «دي عصا آدم اللي جبرين نزلو بها من الجنة، حافظ عليها يا موسى دي بالليل تغنيلك وتسليك وتنور لك طريقك وتنصرك على أعداءك.»

ويمتاز هذا النص باحتفاظه بأحداث وجزئيات مضافة على ما ورد، سواء في المدونات العبرية أو الإسلامية — فيما بعدُ — من ذلك ولادة زوجة موسى، حين أخذها عائدًا إلى مصر بجوار جبل الطور، وحين تركها ليبحث لها عن ماء أو نار، إلى أن ظهر له الرب على هيئة نار، وحادَثَه وطلب منه الذهاب لهداية فرعون، وكيف أنَّ عَجْزَ لسان موسى يرجع إلى جزئية الجمرة والتمرة التي جعلته يلثغ «بل أنا ثقيل الفم واللسان»، حين طلب من الرب اصطحاب أخيه هارون، الذي كان ما يزال يعمل في قصر فرعون ليلًا؛ حيث كان فرعون نائمًا، وهارون يسهر على حراسته.

وكيف قتل فرعون سَحَرته السبعين٩ بعد أن تفوَّق عليهم موسى بعصاه، فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم بعد أن آمنوا — وكبيرهم الأعمى — بموسى؛ لتفوُّقه عليهم كساحر.

وحين احتجت السيدة آسيا وماشطتها على صلب السَّحَرة والكَهَنة؛ ألقى بها داخل «صندوق مليء بالزيت المغلي ومعها أولادها وماشطتها».

بل إن الاختلاف والإضافات التي يجيء بها هذا النص، عما سبقه من مدونات عبرية وعربية، تصل إلى اللعنات العشر، ومغزاها خيانة فرعون وخبثه لوعده وكذبه، وجزئية الكذب أكثر صدقًا واتساقًا وانتماءً لملامح التراث المصري الفرعوني منه بالنسبة للسامي.

فكما هو متفق عليه، فإن حكايات الصدق والكذب الخرافية والمحلية — على السواء — تشكِّل ملمحًا تراثيًّا مصريًّا رئيسيًّا، مع الأخذ في الاعتبار أن تراث الحكايات المصرية في عمومه يُعتبَر واحدًا من أكبر الخزانات أو المخزون العالمي، جنبًا إلى جنب مع الآري الهندي والسامي العربي.

وأشهر هذه الحكايات الفابيولا البردية التي اكتُشِفَت عام ١٩٣٠ عن الصدق والكذب، وكيف أنهما كانا أخوين تنازعا فيما بينهما، على عادة نظائرها من الحكايات الخرافية.

ويمكن القول بأني جمعت مجموعةً لا بأس بها من تنويعات النماذج الأم — للبردية المصرية — التي ما تزال تعيش على الشفاه.

كما يُلاحَظ بوضوح تام أن الصراع بين موسى وفرعون صراع عقائدي أضفى عليه الراوي المسلم طبعًا أنه صراع بين الكفر والإيمان أو الإسلام.

يُضاف إلى كل هذا تأكيد شخصية موسى كبطل شعبي محوري يناصر الضعفاء، ويجمع — حين ينادي على الرحيل أو الخروج — ٧٠ أو ٨٠ ألفًا من مناصريه؛ أي اليهود المضطهدين.

كما يُلاحَظ أن للأرقام — التي تَرِد في هذا النص — دلالتها الأسطورية والتقويمية القمرية وليست الشمسية مثل الرقم ٣٦٠.

وفي النهاية يرجِّح هذا النص الاحتمال الشائع القائل بأن الفرعون الذي كان يحكم مصر في تلك الفترة منتصف الألف الثانية ق.م؛ كان ساميًّا، وَلْنَقُل: آسيويًّا دخيلًا بعامة.

من ذلك اسمه الذي يَرِد في المصادر العربية، على أنه كان يُدْعَى «الوليد بن مصعب»، يضاف إلى هذا جزئية ذقنه الطويلة، وفكرة أو مهانة «نتف الذقن»، وأكل لحم الجمل، وصلب أعدائه من سَحَرة وكَهَنة، إلى آخِر ما يضفيه عليه النص من ملامح سامية أكثر منها مصرية حامية.

أما فيما يتصل بجزئية طرح الطفل موسى في الماء — النيل — التي تَرِدُ بكثرة في الأساطير السامية وغير السامية، مثل: سرجون ملك بابل القرن الثالث ق.م، وتراخان ملك جيلجيت في الهملايا، ثم المسيح.

فأجدني أميل إلى اعتبارها فكرة مصرية؛ حيث إن لروح النيل — حابي أو أوجيجا — قدرةَ إيصالِ الغريب بلده أو شاطئه الآمِن كما حدث مع أوزيريس، وحسن المغني في بالاد حسن ونعيمة،١٠ وهو ما يخالف تفسير فريزر في أن «طرح الطفل في الماء إثر ولادته لإثبات شرعية بنوة الطفل أو عدم شرعيته، فإذا طفا الطفل فإنه يكون ابنًا شرعيًّا وإلا فإنه يكون ابن زنا».
وفي بعض البالاد التي جمعتها من مصر الوسطى، ما إنْ نزلت آسيا زوجة فرعون الثمانين سلمة الموصلة إلى النهر، ووجدت الصندوق الذي بداخله الطفل موسى حتى:
بشرَتْ بالماء وقالت: مَنْ أنت؟ مَنْ أنت؟ مَنْ أنت؟
فهمس موسى في أذنها قائلًا: «أنا صاحب الحفلة اللي تعلمي بيها.
لا يخفيك شورى ولا قولي … أنا موسى.»

وهنا تتخذ السيدة آسيا مكان الأم بالنسبة لموسى منذ أن انتُزِعَ من صدر أمه، وأحيل بينه وبين لبنها.

وهي جزئية تَرِد بكثرة وصاحبت مولد الآلهة والأبطال: روميلوس، وزيوس الكريتي، وليولياو، وإبراهيم الخليل، وسميراميس.

ففي كل الحالات يُنْتَزَع الطفل من أمه، وغالبًا ما تأخذ مكان الأم عيلة أو سرب من الحمام أو راع، ثم حالتنا مع السيدة الإلهة آسيا، فهي المرحلة التي يجتازها الطفل البطل القدري بادئًا بالتخلي عن الأم، والتي يفسِّرها فريزر بقتل الأم، مرورًا إلى القدسية أو البطركية، تبعًا لشعائر الانتقال الأخرى المصاحِبَة لنمو الطفل، وهو الاصطلاح الذي أرساه للمرة الأولى أرنولد فان جنب، مشيرًا إلى «الشعائر المصاحبة لكل تغيير مصاحب للبطل في المكان أو المكانة أو الوضع الاجتماعي أو العمر»، مثل ما صاحَبَ موسى من أطوار، بدءًا ببطن أمه وكيف كان يختبئ من وضع لآخَر، تبعًا لتفتيش أيدي جند فرعون — ونمرود في حالة سالفه إبراهيم — ثم انتزاعه من صدرها والحيلولة بينه وبين لبنها، إلى التعميد بالماء، وقصر فرعون، وقواه النامية كبطل مدهش في صراعه مع فرعون، لحين هروبه إلى سيناء للحصول على الشارة أو الطوطم السلفي وهي العصا، ومخاطبة الرب، والعودة لفرعون، ثم اللعنات أو الضربات العشر التي ألحقها موسى وأخوه الكاهن هارون بفرعون وطبقته من الكَفَرة وجنوده، وليس المصريين كما تشير وتُجْمِع المصادر الدينية من عبرية وعربية، بالإضافة طبعًا إلى الإسلامية.

وعبر شعائر انتقالاته يعود موسى إلى مكالَمة الرب طالبًا عونه من فرعون، ذلك الذي:

يفعل ولا يبالي،
يفرد بطون الحوامل،
ويقتل الأطفال،
ومنك لا يبالي،
لحين الخروج الذي يرى البعض أنه تمَّ عبر برزخ السويس.

ويقال إن موسى لم يحكم القبائل الإسرائيلية — منذ الخروج إلى سيناء — كملك أو أمير أكثر من كونه قاضيًا أو كاهنًا — أيْ بطرق — أو شيخ قبيلته، إذ إن طالوت كان أول ملوكهم.

ولا بأس هنا من الخروج قليلًا عن موضوعنا للتعرُّض السريع لهذا التراث العبري السامي، خاصةً وموضوعاته وجزئياته ستطالعنا كثيرًا من النصوص التالية:

فكان يشوع بن نون أول مؤسس لإسرائيل، وتروي أساطيرهم — المصاحبة للفتح واغتصاب أرض فلسطين عقب موت موسى — تاريخًا غيبيًّا غاية في الغرابة والتعقيد، منها أن يشوع أقام بهم في التيه أو سيناء ثلاثة أيام، إلى أن جاء بهم إلى نهر الشريعة — الذي هو أحد أفرع نهر الأردن — في العاشر من نيسان من السنة التي تُوفِّي فيها موسى، ولما لم يستطع عبور نهر الأردن هذا، أمَرَ حاملي تابوت العهد «الذي فيه الألواح الشرائح» بأن ينزلوا إلى حافة الشريعة، فوقفت مياه الشريعة حتى انكشفت أرضها، وعَبَرَ بنو إسرائيل بعد ذلك، «ثم نزل بهم يشوع فحاصَرَ أريحا» وصار في كل يوم يدور حولها مرة واحدة، وفي اليوم السابع أمرهم بأن يطوفوا حول أريحا سبع مرات، وأن يصوتوا بالقرون — الأبواق — فعندما فعلوا ذلك هبطت الأسوار ورسخت وتساوت بها، ودخل بنو إسرائيل أريحا بالسيوف وقتلوا أهلها،١١ وكانوا خليطًا من الأموريين — ١٢ ملكًا — والفرزيين والكنعانيين والجرجاشيين والحويين واليبوسيين، ثم سار بهم إلى يشوع إلى نابلس، إلى المكان الذي بيع فيه يوسف، ودفن عظام يوسف هناك.

فيقال إن موسى كان قد استخرج جثمان يوسف (من نيل مصر) وأخذه معه إلى التيه، فبقي معهم أربعين سنة التيه، إلى أن تسلمه يشوع عقب موت موسى.

وبعد أن تملَّك يشوع فلسطين وفرَّق عماله على مدنها، وبعد أن حكم الأسباط ٢٨ عامًا، مات ودُفِنَ في موضع يقال له كفر حارثة، وفي تاريخ ابن سعيد المغربي «أن يشوع مدفون بالمعرَّة،١٢ وخَلَفَه فنحاس بن هارون بن عمران، وطالب بن يوفنا»، فكان فنحاس بن هارون هو الكاهن المنحدر من سبط لاوي، وهي القبيلة التي نوطت بها الكهانة وسدانة بيت المقدس، مثلما كانت قبائل جرهم هي سدنة الكعبة عند العرب الحجازيين، بيدهم مفاتيحها، وعنهم توارَثَتْ قريش الكهانة وسدانة البيت.

وتقليد حصر الكهانة والاشتغال بالأمور اللاهوتية في قبيلةٍ أو سبطٍ، تقليدٌ موجود بكثرة عند كافة الأمم السامية وغير السامية، مثل كهنة آمون في مصر، والكلدانيين — أقدم سكان بابل — في العراق، كذلك قبيلة أو سبط الماجي عند الفرس الآريين المجوس.

فكان فنحاس بن هارون هو الكاهن المقدَّم على الحاكم الذي وقع اختياره من تحالف هذه القبائل ومعظمهم من الكلبيين.

ويقال إنهم عضوا وعبدوا الأصنام في عهد فنحاس بن هارون هذا، فتسلَّط عليهم وتملَّكهم كوشان ملك الجزيرة — جزيرة قبرص — وقيل: بل كان كوشان المذكور ملك الأرض، وكان من ولد العيص بن إسحق، فاستولى على بني إسرائيل واستعبدهم ثماني سنين، «بعدها تولَّى أمرهم أحد المنحدرين من سبط يهوذا، فعقد صلحًا مع صاحب الجزيرة، واستمر حكمه فيهم أربعين سنة، وبعد وفاته عادت القبائل الإسرائيلية إلى ارتكاب المعاصي وعبادة الأصنام، فتملَّكَهم١٣ «عفلون ابن ملك مواب من ولد لوط» وحكمهم لمدة ١٨ عامًا، إلى أنْ رسا الحُكْم فيهم ﻟ «أهوذ» — من سبط بنيامين — لمدة ثماني سنين، وخلفه «شمكار» الذي أعقب وفاته وقوع الإسرائيليين في أيدي أحد ملوك الشام واسمه «يابين»١٤ الذي تَرِد خرافاته ومأثوراته عن البغض، وكذا نكائده وشروره بكثرة، فاستعبدهم لمدة عشرين سنة طحنهم فيها طحنًا، وحوله نُسِجَت عديد من الخرافات والحكايات المتواترة التي ما تزال تحفظ له اسمه وهو «يابين»، أو «بمعنى الشؤم مرادف الكوارث والبلاوي»، إلى أن قام فيهم حاكم من سبط «نفتالي» يُدْعَى «بارق»، فقتل البين بمساعدة امرأة عاتية تُدْعَى «دبورة» كانت قاضية عليهم، فقهرا البين أو سيسرا،١٥ وحكما إسرائيل أربعين عامًا.
وتُعتبَر هذه القاضية الكاهنة «دبورة» أقدمَ شاعرةٍ في تاريخ الآداب العبرية، ولقد أنشدت قصيدةً معروفةً باسم «أغنية دبورة» تُعَدُّ أقدم نصوص الآداب والميثولوجيا اليهودية، فيُقدَّر عُمْر أغنية دبورة بحوالي ١٢٩٦ عامًا ق.م.١٦

وموضوع القصيدة حول ذلك النصر الذي أحرزوه على الكنعانيين الشوام، إذ إن امرأة عبرية تُدْعَى «ياعيل» تمكَّنت من قتل «سيسرا» ملك الكنعانيين، وفيها قالت دبورة: «تبارك على النساء في الخيام ياعيل، طلب ماءً فأعطته لبنًا في قصعة العظماء، قدمت زبدة أمدت يدها إلى الوتد، وضربت سيسرا وسحقت رأسه، شدخت وخرقت صدغه، وبين رجليها انطرح سقط اضطجع.»

لكن بعد هذه الفترة عادوا إلى الإغراق في الوثنية بلا حاكم لمدة سبع سنين، إلى أن غزاهم الكلدانيون المديانيون أو الإسماعيليون، «وإنه كان لهم أقراط ذهب لأنهم إسماعيليون» وأخضعوهم سبع سنين، فخلَّصهم «جدعون» وحكم أربعين سنة، وتمثَّلَ دور جدعون هذا في أنه حال دون تدخُّل الميديانيين،١٧ وكانوا أيضًا خليطًا من قبائل عربية وعبرية، منحدرين أسطوريًّا من رحم «قطورة» التي تزوَّجها إبراهيم الخليل عقب وفاة سارة، ومنها جاء هؤلاء المديانيون الذين تصدى لهم جدعون دون تسرُّبهم داخل الإسرائيليين أو الأسباط.

كما أن جدعون أخَّرَ انتقالَهم إلى الملكية، ورفض تقلُّدَ التاج إلى أن مات، وخلفه ابنه «أبيمالك»، ثم انتقل الحكم إلى سبط «يشوخر» لمدة ٢٢ عامًا، أغرقوا بعدها في ارتكاب المعاصي مما دفع بهم إلى أيدي العمونيين من بني لوط لمدة ١٨ سنة، إلى أن خلصهم أحد رجالهم ويُقال له «الجرمي»، فطرد اللوطيين «وقتل من بني عمون خلقًا كثيرًا» وحكمهم ست سنين.

وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب، وعبدوا البعليم والعشتاروت — جمع عشترت — وآلهة آرام، وآلهة صيدون، وآلهة موآب، وآلهة بني عمون، وآلهة الفلسطينيين، وتركوا الرب؛ فحمي غضب الرب على إسرائيل، وباعهم بيد الفلسطينيين وبيد بني عمون، وانتقل الحكم إلى سبط يهوذا، فحكَمَهم رجلٌ يقال له «أبصنؤ» سبعَ سنوات، وخلفه «ألون» من سبط زبولون لمدة عشر سنوات، وخلفه «عبدون بن هلال» ١١٣٠ق.م، من سبط إفرايم بن يوسف، ثماني سنين، ومن جديد تفتَّت شملهم، فتملَّكَهم الفلسطينيون لمدة أربعين عامًا، إلى أن خلَّصهم «شمشون بن مانوح» من سبط دان. وكان لشمشون قوة عظيمة، ويُعْرَف بشمشون الجبار، فصَدَّ الفلسطينيين ودبر بني إسرائيل عشرين سنة، ثم غلبه أهل فلسطين وأسروه ودخلوا به إلى كنيستهم، وكانت مركبة على أعمدة، فأمسك العواميد وحرَّكَها بقوة حتى وقعت الكنيسة، فقتلَتْه وقتلَتْ مَنْ كان فيها من أهل فلسطين، وكان منهم جماعة من كبارهم. بعدها ظلوا عشر سنوات بلا مدبر، إلى أن آل الحكم مرة ثانية إلى سبط لاوي، فملكهم علي أو «عالي بن هارون بن عمران»، ويقال إنه كان حاكمًا صالحًا، دبر أمرهم لمدة أربعين سنة، وخلفه صموئيل النبي لمدة ١١ عامًا، وبهذا انتهى حكم القضاة أو دولة القضاة التي حكمت إسرائيل لمدة ٤٩٣ سنة، منذ وفاة موسى الذي اتُّخِذَ بدايةً للتاريخ اليهودي.١٨

وتجيء بعد ذلك دولة ملوكهم، فملكهم «شاول» وهو طالوت بن قيس من سبط بنيامين — ولم يكن طالوت من أعيانهم، وقيل إنه كان راعيًا، وقيل سقَّاءً، وقيل دبَّاغًا — فملك طالوت سنتين، قاتَلَ خلالها جالوت أحد جبابرة الكنعانيين، وكان متملِّكًا على بعض جهات فلسطين، «وكان من الشدة وطول القامة بمكان عظيم، فلما برز للقتال لم يقدر على مبارزته أحد». وتجيء بعد ذلك فكرة أو تضمينة الإله أو البطل المحجب، ذلك الذي لا يمكن اختراق جسده وقتله إلا بمواصفات معينة، كأنْ يُضْرَب مرة واحدة لا غير — «ضربة الرجال ما تتناش» — مثلما يحدث بكثرة شديدة في خرافات الجان والخوارق، أو كأنْ يكمن مقتله في موضع معين من جسده مثل كعب أخيل، أو كأنْ يعلو رأسه موسى وقص الخصلات السبع من شعر شمشون، أو أنْ يصاب البطل بين عينَيْه، أو يُضْرَب بالعصا «التي في آخِرها رأس الثور» كما في الأساطير الفارسية، كما قد يكمن قتل البطل في تابو معين.

وأشار فريزر إلى وجود هذه الجزئية في ملحمة الملوك للشاعر الفارسي الفردوسي، خلال الصراع بين رستم بطل الفرس وخصمه أسفنديار، فكانت سهام أسفنديار لا تؤذي خصمه رستم؛ ذلك لأن زرادشت كان قد حجب جسده ضد كل أخطار أعدائه، إلى أن دلَّ طائر الرب أسفنديار على مقتل عدوه، وذلك بنشر النباتات في عينَيْه وإصابته.

وفي هذه الملحمة العبرية عن صراع طالوت وجالوت، والتي مهَّدت لظهور النبي الملك داود إلى الوجود كقاتل قدري محدد، كذلك البطل الأسطوري المحجب جالوت جبار الكنعانيين الفلسطينيين، فيقال إن النبي صموئيل «ذكر علامةَ الشخص الذي يقتل جالوت، فاختبر طالوت جميع عسكره فلم يكن فيهم تلك العلامة سوى داود».

كما أن «طلسم» أو «تابو» داود تمثَّلَ في قتله لعدوه المحجب جالوت عن طريق انتقائه، أو١٩ «انتخابه خمسة أحجار ملس من الوادي»، وتقدَّم داود مواجهًا عدوه جالوت وبيده عصًا لا غير، وكان قد سبق له رفض ارتداء ملابس الملك شاول وعدَّة حربه، حتى إنه عندما واجَهَ داود عدوَّه الفارس المحجب جالوت استفَزَّه جدًّا منظره، فصرخ في وجهه:٢٠ «أَلَعَلِّي أنا كلب حتى إنك تأتي إليَّ بعصا؟!»
وتَرِد جزئية الأحجار الخمسة التي انتقاها داود وقَتَلَ بها عدوه في الميثولوجي العربي بكثرة شديدة، مثل: الطبري والمسعودي والزمخشري وغيرهم، فتضيف الميثولوجيا العربية أن الأحجار الخمسة كانت تمثِّل: «الله وهارون والأنبياء الثلاثة».٢١ فمرَّ بحجر فقال: يا داود، خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل جالوت، فإني حجر يعقوب. ومشى إذ مر بحجر آخَر فقال: يا داود، خذني تقتل بي جالوت، فأنا حجر إسحق. فبينما هو ماشٍ مرَّ بحجر فقال: خذني، فإني حجر إبراهيم.

فكان صراع تلك القبائل العبرية الهابطة إلى أرض الميعاد — حوالي أوائل القرن العشرين قبل الميلاد — تحدوها أسطورة أبوية، تخطِّط لهم وترسم أرض «اللبن والعسل» في فلسطين المغتصبة مجالًا لصراعهم الدموي المتواصل مع جيرانهم من السكان الأصليين أو الوطنيين، وهم ما عُرِفُوا ﺑ «الأقوام السبعة» في ربع الشام وفلسطين والأردن، وهي ما كانت تُعْرَف قبلًا بأرض الكنعانية أو كنعان الأم، وطليعتها فينقيا أو بلاد الأموريين، وبقية جيرانهم من آراميين وأدوميين نسبةً إلى الرجل الأحمر: العيس بن إسحق، واللوطيين وأشقائهم العموينين والموابيين من رهط لوط، وهم الذين خلَّفوا اسمهم على العاصمة الأردنية عمان.

وكان لمصر بالذات اليد الطولى كمؤثر حضاري راسخ على طول شواطئ البحر المتوسط منذ أقدم العصور، إلى جانب لجوء العبريين إلى مصر والإقامة فيها أكثر من قرنين من الزمن قبل نزولهم واغتصابهم فلسطين الذي نحن بصدده.

بل إن هذه القبائل العبرية كانت تحت التأثير الحضاري العقائدي لسابقيهم من الكنعانيين والفلسطينيين، وما يتفرَّع عنهم من أقوام وقبائل منذ خروجهم من مصر، ونزولهم المدن والدويلات الفلسطينية، بمعنى أن التأثير المصري انتقل إلى الكنعانيين، وعنهم تواتر إلى هؤلاء العبريين، فلقد٢٢ «تركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر، وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها»، بل إنهم تزاوجوا بهم «فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحيثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين، واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساءً، وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم».
بل إن هناك مَنْ يرى أن ثمة٢٣ رابطة دموية محقَّقة كانت تربط هذه الهجرات للقبائل العبرية، وأنها كانت مزيجًا لأصول دموية مختلفة، من بينها الآرامي والعبراني والكنعاني والعربي والمصري، ويرى أصحاب هذا الرأي أنه كانت هناك قبائل عبرانية، إلا أنها كانت٢٤ أدنى منزلةً من حيث وضعها الحضاري والاجتماعي، وهم مَنْ تعارف عليهم بالرهط الواطي «عبريم».
وكانوا يُقِيمون خلف الأردن، ذلك بالإضافة إلى البدو الرُّحَّل من الأشدوديين والأدوميين والإسماعيليين، وهم أيضًا منحدرون من أصول عربية نصف عبرية، إلا أنهم تبادلوا الزواج بشكل أوسع بجيرانهم العبريين، مثل: الموابيين والعمونيين المنحدرين من لوط بن ناحور العبراني.٢٥
كما أنهم حاربوا٢٦ الهاجريين وخالطوهم بشكل متواصل، والهاجريون هم الفرع العربي المنحدر من هاجر، كما هو معروف، وكانوا يقيمون بالأردن، فيقال إنهم في أيام ملكهم شاول — الذي خلفه داود — «عملوا حربًا مع الهاجريين، فسقطوا بأيديهم وسكنوا في خيامهم في جميع جهات شرق جاماد».
ويجيء ذكر الهاجريين — أو تلك القبائل الهاجرية المستعربة — في أحد أسفارهم الممنوعة٢٧ هكذا «وبنو هاجر أيضًا، المبتغون للتعقل على الأرض وتجار مران وتيان، وقائلو الأمثال ومبتغو التعقل، لم يعرفوا الحكمة ولم يتذكروا سبلها».

ويلعب تابوت العهد بالنسبة لهذه القبائل السلفية دورًا يُفْضِي به إلى أنه كان بمثابة الطوطم السلف الأب حافظ عهد الآباء، ومفتقد ذنوب الآباء في الأبناء كشعار القبيلة المقدس، يتقدَّم القبيلة إلى ساحة القتال، ينتصر ويهزم ويَأْسِر، ويوقع الشر بأعدائه: «لنأخذ لأنفسنا من شيلوه تابوت عهد الرب، فيدخل في وسطنا ويخلصنا من يد أعدائنا.» وعندما سمع الفلسطينيون هتاف الإسرائيليين حول تابوت العهد، خافوا وقالوا: «ويل لنا.»

وذات مرة أُسِرَ ذلك الطوطم — أو تابوت العهد — ووقع في أيدي الفلسطينيين، حتى إن الإسرائيليين قالوا: «قد زال المجد من إسرائيل.» أما الفلسطينيون فأخذوه إلى بيت إلههم داجون، والمتوارث منذ السومريين اللاساميين، الألف الثالثة ق.م. وداجون كان إلهًا زراعيًّا عُرِفَ بإله الحبوب، أخذه الفينيقيون عن البابليين، وكانوا يرسمونه على نقودهم «ملتحيًا خصلات طويلة من الشعر، مُمْسِكًا بسمكة، وينتهي نصف جسمه الأسفل على هيئة ذيل سمكة مغطاة بالفلوس أو القروش، كما يبدو أن داجون في الميثولوجيا الفينيقية كان إلهًا بحريًّا، روى عنه عالِم الأساطير «فيلو الدمشقي» أنه كان أول مَنْ عُرِفَ بخواص الحبوب الغذائية واخترع المحراث».

فألحق تابوت العهد الأهوال بالفلسطينيين أو العرب الأشدوديين، وكيف أنه كان يُوقِع بسكان مدنهم، وكلما حلَّ مدينة حلَّ الذعر والأذى والأهوال، فكان تابوت العهد يُمِيتهم، ومَنْ لم يَمُتْ معهم٢٨ ضُرِبَ بالبواسير، فصعد صراخ المدينة إلى السماء، وبقي تابوت العهد عند الفلسطينيين سبعة أشهر.

وخلَّفت هذه الحادثة تضمينة متواترة وموجودة بكثرة لدى ميثولوجيا العرب الجاهليين، بل هي ما تزال تتواتر في تراثنا الشفاهي حتى اليوم، وتتصل هذه التضمينة بتقديس عتبات البيوت أو مداخلها.

فذات مرة بكَّر الفلسطينيون فوجدوا إلههم داجون «ساقط على وجهه على الأرض أمام تابوت الرب، ورأس داجون ويداه مقطوعة على العتبة؛ لذلك لا يدوس كهنة داجون وجميع الداخلين إلى بيت داجون على عتبة داجون في أشدود إلى هذا اليوم».

خلاصة القول أن بقايا الحكايات والأساطير الموسوية والعبرية بعامة، يمكن الحصول على تنويعاتها ومتناثرات مأثوراتها وجزئياتها على طول رقعة بلداننا العربية، سواء أكانت مدوَّنة أو شفاهية، ما تزال إلى أيامنا تواصل تواترها على الشفاه، خاصة مجموعة الحكايات أو بقايا الأساطير المتصلة بشخصية موسى.

ومن هنا فمثل هذه التَّرِكة المغلفة بشعائر الأنيمزم أو الروحانيات مجالي المستقبلي الوحيد هو الفولكلور بحكاياته ومأثوراته لا غير، ومعظمها سيطالعنا فيما يلي من نصوص مختارة ما بين حكايات خرافية، وبقايا أساطير، وحكايات فرفشة، وأخرى تعليمية وشعائرية.

حافظت قدر جهدي خلال سنوات جمعي الميداني لها على مجمل أبنيتها الخام أو التلقائية.

١  جميع هذه النصوص منشورة كما هي آخر هذا الكتاب.
٢  أما في الكلاسيكيات الإسلامية فيُذْكَر باسم «عمر بن قاهات بن لاوي».
٣  أيْ بحيرة قارون بالفيوم، أما القصر المشار إليه — والمعروف فعلًا باسم قصر قارون — فهو قصر اللابيرنت التاريخي الذي وضعه هيرودوت (٣٠٠ حجرة).
٤  بما يشير ويعني أنه حتى عصر موسى لم يكن يحقُّ جَلْد أو رَجْم الزاني، وقُصِرَ الرَّجْم على الزانية الأنثى.
٥  أي العبرانيين، ويبدو أنهم اشتهروا بالكهانة وتفسير الرؤى كيوسف الصديق.
٦  مثلما خبَّأت إيزيس طفلها حوروس في أحراش الدلتا.
٧  وهو شعيب (أو يثرون) بن نويت بن رعوائيل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم، وكان مبعوثًا إلى أهل مدين. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
٨  وفي بعض النصوص الشعرية — البالاد — أنه كان يُدْعَى الغنم عند قبائل بني سهل.
٩  وتذكر بعض المصادر أنهم كانوا من قرية «أبو صير» بالفيوم، وحيث توجد مجموعة من القرى، منها: الهوارات، وإطسا بلدة الكاتب صلاح حافظ، وقرى دمشقين الكالبيين، قديمين، السيليين.
١٠  عقب قطع رأسه وفصله عن الجسد، وعلى هذا النحو عالجته في كلا النصين: التراجيدي الذي أخرجه كرم مطاوع عام ١٩٦٤، والفارس الأقرب إلى كوميديا الفن المرتجلة الذي أخرجته د. ليلى أبو سيف عام ١٩٧٦. (شوقي عبد الحكيم)
١١  يشوع ٢٤.
١٢  هل يمكن اعتبار أبي العلاء المعري فلسطيني؟ … مجرد تساؤل. (المؤلف)
١٣  أردني.
١٤  انظر أشعاره ومأثوراته في المجلد الأول من الأعمال الكاملة لشوقي عبد الحكيم، هيئة الكتاب.
١٥  قضاة: ٥.
١٦  قضاة: ٤، ٥.
١٧  من أردنيين وسكان سيناء.
١٨  قضاة: ٨.
١٩  صموئيل الأول ١٧.
٢٠  صموئيل الأول ١٧.
٢١  المسعودي «١» ص١٠٧، الطبري «٢» ص٧٠–٣٦٩ «٣»، قضاة: ٢.
٢٢  قضاة ٢.
٢٣  مصر والشرق الأدنى القديم.
٢٤  صموئيل الأول.
٢٥  مع ملاحظة أن استنادنا هي لغوية إثنوجرافية صموئيل الأول.
٢٦  أخبار الأيام الأولى.
٢٧  نبوءة باروك، فصل ١.
٢٨  ص١٥٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤