الفصل الأول

التصادم بين المبادئ العاطفية والمبادئ الدينية والمبادئ العقلية

(١) العراك بين أنواع المنطق في الحياة اليومية

عبَّرنا عن عوامل الآراء والمعتقدات بأنواع المنطق المختلفة، وقد بيَّنا أوصافها في الفصول السابقة، ونظرًا لما بين هذه الأنواع من الاختلاف فإنها في الغالب تعترك، فكيف يُفصل هذا العراك؟

لا يبدو العراك المذكور في الواقع إلا على وجه استثنائي؛ إذ يوجد في الحياة اليومية توازن بين ما تناقض من اندفاعات أنواع المنطق، ويرضي مزاجنا النفسي بأن يسيطر عليه أحد تلك الأنواع بحسب الوقت والبيئة والأحوال، وليس هذا التوازن اندماجًا لأنواع المنطق بعضها في بعض، بل هو عبارة عن تنضدها على أن يحافظ كل منها على تأثيره وعمله.

وبتراصف أنواع المنطق المختلفة في المرء نفسه نجيب عن سؤال مهم وهو: كيف أن أرباب العقول النيرة الذين تعودوا أساليب العلم، وطرقه الدقيقة يؤمنون بمعتقدات دينية، أو سياسية، أو سحرية، أو غيرها من المعتقدات التي ينهزم جيشها أمام المنطق العقلي الخالص؟ حقًّا يسهل الجواب عن ذلك، فالمنطق العقلي هو دليل هؤلاء الأرباب في مبادئهم العلمية، وأما في معتقداتهم فإنهم ينقادون لقواعد المنطق الديني أو المنطق العاطفي، والعالم ينتقل من دائرة المعرفة إلى دائرة المعتقد كما ينتقل من مسكن إلى آخر، وإذا ذهب في الغالب ضحية الخطأ فذلك لمحاولته أن يطبق في تفسير مظاهر المنطق الديني أو العاطفي من معتقد وغيره تفسيرًا علميًّا مناهج المنطق العقلي.

ومتى ينقطع التوازن بين أنواع المنطق فإنها تعترك، ويندر أن يغلب المنطق العقلي في ذلك العراك؛ إذ يسهل التنكيل به واستعباده من قبل بعض المبادئ الصبيانية، وهذا هو السبب في كون الدليل العقلي لا ينفع في أمر المعتقد دينيًّا كان أم سياسيًّا أم أخلاقيًّا، ولا تفعل إقامة الحجة العقلية على رأيٍ مصدره العاطفة أو التدين سوى استفزاز رب الرأي المذكور وتهييجه، وكذلك المرد لا يستطيع بعقله أن يتغلب على رأي فيه ناشئ عن المشاعر والعقيدة إلا إذا بلغ هذا الرأي من البلى والدروس مبلغًا ذهب بقوته.

ولا تتجلى لنا نتائج العراك بين المنطق الديني والمنطق العقلي إلا بالمَثَل الذي ضربه (باسكال) وفحصناه تفصيلًا في فصل آخر، فمن العبث أن نطنب الآن فيها.

وسنقتصر فيما يلي على البحث في تصادم المنطق العاطفي والمنطق العقلي، فأيضًا هذان الطرفان ليسا متكافئين قوةً، وإنما يستطيع العقل في أثناء ذلك التصادم أن يسلط بعض المشاعر على الأخرى متذرعًا بأنواع الحيل كي يتمكن من التغلب على التي يود قهرها.

(٢) التصادم بين المبادئ العاطفية والمبادئ العقلية: تأثير الأفكار في المشاعر

تؤثر المشاعر التي تقود الإنسان في أفكاره كثيرًا مع أن هذه لا تؤثر في تلك إلا قليلًا، وليس الفكر سوى نتيجة أحد المشاعر التي تطورت تطورًا غير شعوري مجهول لدينا.

وعلة كون العقل لا يؤثر في المشاعر هي أن حياة المشاعر خافية علينا، وإذا أردنا أن نعرف درجة تطور مشاعرنا على وجه لا تأثير لإرادتنا فيه فلننعم النظر في أنفسنا، حينئذ نرى أنها تنبت نباتًا ريِّثًا متباطئًا، كالنبات الذي أجاد في وصفه الشاعر الفيلسوف (سوللي برودوم) في قصيدته المشهورة التي عنوانها «الإناء الكسير»، فالكلمة أو الإشارة الواحدة التي لا أهمية لها عند صدورها تستطيع على مر الأيام أن تحول الصداقة إلى ضدها.

وشأن العقل في المشاعر التي يتكون الخلق منها هو أن يفصلها بعضها عن بعض، وأن يحركها بإحدى الصور النفسية، وأن يجعلها على هذا الوجه قادرة على كبح شيء من اندفاعاتنا، وهو بذلك يرفع الرجل ولو مؤقتًا إلى درجة أعلى من درجته.

إذن يقدر العقل بتأليفه بين المشاعر والمعقولات أن ينتفع بالمشاعر انتفاع البناء بالحجارة التي يعرف أن يقيم بها نفسها مباني شتى، وليس تأثير العقل في المشاعر لا حد له، بل يظهر أنه محصور؛ لأن الاختبار يدلنا على أن العقل يفقد سلطانه عندما تكون المشاعر شديدة، وقد تصل بعض المشاعر في قوتها إلى حد لا يستطيع العقل، وأكثر منافع المرء وضوحًا أن يؤثرا معه فيها، وسنورد أمثلة كثيرة على هذا الأمر في فصل المعتقدات.

لا تتحول المشاعر مباشرةً إلى أفكار، ولكنها تولد أفكارًا لا تلبث أن تستدعي مشاعر، فكلا الطرفين مع محافظتهما على استقلالهما يؤثر أحدهما في الآخر تأثيرًا متواليًا، وعلى ذلك فإن الأفكار ذات تأثير لا يسعنا إنكاره في حياتنا الفردية والاجتماعية، وهذا التأثير لا يتم أمره إلا إذا استندت الأفكار إلى دعائم عاطفية.

ولمَّا كانت المشاعر مصدرًا للأفكار فإن ما يقع بين الأفكار من عراك هو بالحقيقة يقع بين المشاعر، والشعوب التي يظهر أنها تتقاتل من أجل بعض الأفكار هي تتقاتل في الواقع من أجل بعض المشاعر التي تشتق منها تلك الأفكار.

وتفقد أحوال الإنسان العاطفية قوتها، لا ذاتها، إذا لم تسمح له الفرص بإظهارها، كما تفقد الأعضاء قوتها لعدم تمرينها. على هذه الصورة توارت في إنكلترا وفرنسا صفات الإشراف الخلقية التي كانت ضرورية للقيام ببعض الوظائف عندما ألغيت هذه الوظائف، وإذا لم تنمِّ تلك الطبقات التي خسرت صفاتها الخلقية ذكاءها أصبحت دون ما كانت سائدة له من طبقات أخرى، ويظهر أن هذا الناموس الذي يجهله مربُّونا كثيرًا والقائل إن المشاعر التي لم تتمرن تنفصم، لناموس عام، فتاريخ الأمم حافل بالأمثلة المؤيدة له، ومن تلك الأمثلة كون غرائزنا الحربية التي نمت كثيرًا أيام الثورة الفرنسوية وفي الدور الإمبراطوري لم تلبث بعد هذين الدورين أن أخذت تتقلص مفسحة مجالًا لمذهب سلمي داعٍ إلى نزع السلام، منتشر كل يوم بين الجموع حتى بين العقلاء، وقد نشأ عن ذلك التضادُ الآتي، وهو: «كلما صارت الشعوب سلمية أمعنت حكوماتها في التسليح.»

وسبب هذا الشذوذ الظاهري هو أن الأفراد يخضعون لحكم أثرتهم الشخصية، مع أن الحكومات مرغمة على الاهتمام بمصالح المجتمع، فالحكومات بما نالته من تجارب واختبارات متتابعة تعلم أكثر من الجموع وخطبائها أن الأمم التي تهن لا تلبث الأمم المجاورة لها١ أن تغزوها وتستولي عليها، وهذه سُنَّة قد أجرت حكمها على جميع الأمم حديثة كانت أم قديمة؛ فالبولونيون، والمصريون، والترك، والصرب … إلخ لم يتجنبوا ما ينتج عن غزوات الشعوب الأخرى من تخريب إلا بتنازلهم عن جميع أراضيهم، أو عن جزء منها.

يحدث تطور المشاعر الذي أشرنا إلى بعض نتائجه بفعل كثير من المؤثرات، ونعدُّ من هذه المؤثرات البيئةَ على الخصوص، فالإنسان كي يلائم البيئة مكرهٌ على تنويم قسم من مشاعره والانتفاع بقسم آخر يجعله التمرين قويًّا متينًا، والتمرين المذكور لا يكون إلا بالتربية التي تهتم بإنماء صفات الخلق الأساسية، ولا سيما مَلَكة الاستنباط والشجاعة والإرادة، وغيرها من الصفات التي تعارضها مشاعر أخرى، فالخوف من التبعة يلاشي ملكة الإقدام، ويزول الإخلاص لمنافع المجتمع في الحال إذا قُيِّدَ بالأثرة الشخصية … إلخ.

(٣) تنازع المشاعر: العوامل الزاجرة

جميع من هم على الفطرة من همج وحيوان يميلون إلى السير بغرائزهم، ولكن متى عاش الهمج في قبيلة وأصبح الحيوان داجنًا فإن الضرورة تلجئهم إلى زجر بعض تلك الغرائز، ولا يكون هذا الزجر إلا بجعل بعض مشاعرهم القوية — كالخوف من العقاب، والطمع في الأجر — تقاتل مشاعرهم الأخرى المندفعة، والقدرة على قهر الاندفاعات العاطفية هي عنصر أساسي للحضارة، فلولا هذا العنصر الذي هو ركن الأخلاق الركين لكانت الحياة الاجتماعية مستحيلة.

وليست العوامل الزاجرة التي تثبت العاداتُ وعلمُ الأخلاق والقوانينُ أمرَها كنايةً عن عراك بين المشاعر والعقل، بل هي كما بيَّنت آنفًا عبارة عن صراع بين ما يتقابل من المشاعر بفعل العقل. ولم يكن للقوانين المدنية أو الدينية غاية سوى التأثير في مظاهر بعض المشاعر تأثيرًا رادعًا.

وكل حضارة تتضمن ضغطًا وقسرًا، فالفطري عندما تعلَّم بتأثير ناموس العقود الاجتماعية الأولى كيف يرد جماح اندفاعاته قليلًا تحرَّر من طور الحيوانية ودخل في طور إنساني متأخر، ولما أُكرِه على ردع نفسه أكثر من ذي قبل دخل في طور الحضارة التي لا تقوم إلا بكبح الإنسان نفسه.

ويتطلب الضغط المذكور سعيًا مستمرًّا، ويتعذر استمرار هذا السعي إذا لم يسهل أمره كأن يصير لاشعوريًّا بفعل العادة التي ثَبَّتتها التربية، ومتى أصبح الوازع النفسي على شيء من التقدم فإنه يحل مكان الوازع الخارجي، ولكن إذا لم يستطع الرجل أن يجعل لشخصه وازعًا نفسيًّا فعليه أن يذعن للوازع الثاني، فلو تجرد الإنسان من هذين الوازعين لرجع إلى طور الهمجية الأولى. نعم إن المشاعر هي التي تقودنا، غير أن المجتمعات لا تعيش إذا لم يتعلم أفرادها الحدود التي يجب على مشاعرهم أن تقف عندها، والتي يؤدي تجاوزها إلى الفوضى والانقراض.

ولا تقل إن المشاعر التي ردعتها مقتضيات الاجتماع المدونة في القوانين عفا أثرها ودرس رسمها، فمتى تنفلت هذه المشاعر ذات الاندفاع من ربقة الزواجر تظهر من عالم الخفاء، وهو سر المظالم التي تُقترف أيام الثورات حيث يصبح المتمدن متوحشًا.

هوامش

(١) لقد أوضح رئيس الوزارة الألمانية هذه الحقيقة في خطبة ألقاها في شهر مارس سنة ١٩١١ أمام (الرخستاغ)، وإليك بعضها:

إن مسألة نزع السلاح هي عند كل خبير مجرب مشكلة يتعذر حلها ما دام الإنسان إنسانًا والدول دولًا، فمهما يفعل الضعاف فإنهم سيكونون فريسة الأقوياء لا محالة، والشعب الذي لا يريد أن ينفق على تسليح نفسه ينزل إلى الدرجة الثانية كي يحل مكانه شعب أقوى منه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١