الفصل الثالث عشر

قال لها الشيخ متولي: أنا خجلان أن أريك وجهي كأنني أنا الذي عملت ما عمله ابني.

– أعوذ بالله يا عمي، وأنت ما ذنبك؟

– ذنبي أنه ابني.

– أنا متأكدة أن أسفك لما عمله أشد من أسفي أنا وابنه وابنته.

– ولهذا قررت أمرًا لا رجعة لي عنه، أولًا أن تعتبري بيتي بيتك، وأنا لن انقطع عن زيارتكم بل سأكثر من هذه الزيارات، واعتبريني مسئولًا عنكم مسئولية الأب عن أبنائه، وأنتم أبنائي فعلًا؛ فالقدماء يقولون إنني ولدت أبناء ابني مرتين لا مرة واحدة، توكلي على الله ثم عليَّ.

– والله يا عمي أنا أضعك في مكان والدي تمامًا، وأعرف تمامًا مكانتي وأنا وأبنائي عندك.

– انتظري لم تعرفي بعدُ ما قررته.

– تحت أمرك يا عمي.

أنا أعرف أن ربنا فاتحها عليك وأنك لا تحتاجين إلى مال إلا أنني ملزم أن أساهم، وأنا أمام الله المسئول عن هذا ولو أدى الأمر أن أرفع القضايا باسمكم على وحيدي جزاه الله، وأنا لا أملك إلا اثني عشر فدانًا كما تعلمين، توكلت على الله وسأبيعها لأمجد وفضيلة بالميراث الشرعي على أن يأخذ ريعها بعد وفاتي أنا وتفيدة.

– يا عمي لا داعي لهذا فنحن مستورون والحمد لله.

– أنا أعرف ذلك ولكن لا بد أن يعرف ابني كم أنا غاضب عليه ورافض لما فعله حتى إني منعته أن يرثني، ولا تحاولي مناقشتي في هذا الأمر، وللأسف لا أملك إلا هذا التصرف بالنسبة لك ولأحفادي.

•••

وحين عاد الشيخ متولي إلى زوجته نقل إليها كل تصرفاته مع ابنه ومع سعاد والعجيب أن تفيدة أيدته في بيع الأرض لحفيده وحفيدته. وبدأ من غده في اتخاذ الإجراءات حتى تمت على الوجه الأكمل.

•••

بدأ شهاب حياته الزوجية بشراء شقة فاخرة توخَّى أن يكون الاستقبال فيه متسعًا غاية الاتساع، وفرشت فتنة الشقة فرشًا فاخرًا؛ فقد تعلمت الذوق من كثرة البيوت التي دخلتها. وفرضت فتنة على شهاب أن يكون أوائل المدعوين هم رجال الصحافة والإعلام على أن تكون تلك الاستقبالات فردية حتى يظن الصحفي المشرف على الصفحة الفنية في جريدته — والمدعو إلى بيت فتنة لا شهاب — أنه وحده المقرب عند الراقصة، ولا بأس أن يفوز بعض هؤلاء المدعوين بهدايا قيمة أيًّا كان نوع هذه الهدايا وحجمها. ونفَّذ شهاب ما أرادته فتنة، وما هي إلا أسابيع قلائل حتى تصدَّرت صورة فتنة الصحف وأحاديث الإذاعة والتليفزيون وتم لها ما دبرت له في نجاح منقطع النظير، وحينئذٍ قالت لشهاب: الآن تستطيع أن تدعو من تشاء من رجال الأعمال الذين تحاول أن تقيم بينك وبينهم صلات اقتصادية.

وهكذا أقام شهاب وفتنة حفل عشاء فاخرًا كان المدعوون فيه رهطًا ضخمًا من رجال الأعمال، وفي نفس الوقت من الصحفيين والصحفيات والعاملين والعاملات بميدان الإعلام، ولبَّى أغلب المدعوين الدعوة وكثير منهم اجتذبه أن فتنة الشهيرة هي ربة البيت، وتوثقت صلة شهاب بثلاثة من العاملين بسعة في الميدان الذي يشرف عليه في الوزارة.

كان أول الثلاثة وأهمهم هو نبيل فواز الملط ولو أنه أخفى لقب الملط هذا من اسمه تمامًا فأصبح لا يعرفه عنه إلا الذين يعرفون أصله الأول، وكان أكبر مستورد للأسمدة الزراعية والمواد المبيدة لحشرات النبات.

وكان نبيل فواز رجلًا في الخمسينيات من عمره، شديد العناية بمظهره وملبسه، وطبعًا لم يكن حاصلًا على شهادة تجاوز الابتدائية، وقد مارس السوق في السنوات الأولى من حياته وكان ذلك عن طريق التاجر الذي يبيع لهم الأسمدة في قريته النكارية بالشرقية. ولاحظ التاجر في الفتى الصغير نبيل ذكاءً وتفتحًا فضمه إليه، وحين تأكد نبيل أنه أصبح على علم بأسرار السوق وخوافيه تشجَّع أن يطلب من عمه عبسي الملط يد ابنته نبوية التي لم يكن يجرؤ على طلب يدها من قبل؛ فعمه صاحب ثلاثة أفدنة وفواز الملط أبو نبيل لا يملك إلا عشرة قراريط، وقبل عبسي طلب نبيل على حرف؛ فلم يكن مطمئنًّا إلى أن نبيل قادر أن يفتح بيتًا، وكانت نبوية صبوحة الوجه يظلمها من يقول عنها جميلة، وكانت وحيدة أبويها عبسي وخيرية؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن يدخلها أبوها إلى المدرسة الإلزامية وتتعلم القراءة والكتابة العاجزة.

وقد كان نبيل شغوفًا بها وكانت هي تدري ذلك، ولكنها أخذت من حب ابن عمها لها موقفًا محايدًا لا هو بالمقبل ولا هو بالرافض؛ ولهذا لم تكن فرحة نبوية غامرة حين أبلغها أبوها عن خطبة نبيل لها وقبلت في غير حماس ولا عزوف، وبعد أن تم الزواج راجت تجارة نبيل واتسعت حتى شملت الشرقية جميعها، وبفضل حذقه ومهارته تخطت جهوده الشرقية إلى محافظات أخرى كثيرة، فما هي إلا سنوات حتى أصبح أكبر تاجر في المواد التي يتاجر فيها، وبلغت أمواله الملايين، ولكن كل هذا لم يجعله يرضى عن زوجته فهو حين يقارن بينها وبين النساء اللواتي يحتم عليه عمله أن يلتقي بهن يجد الفرق شاسعًا في كل شيء سواء في الجمال أو الحديث أو التصرفات، فإن يكن نبيل قد أفاد من علاقاته ثقافة في الكلام أو المعاملة فإن نبوية ظلت على حالها الذي كانت عليه يوم تركت بيت أبيها عبسي.

ولهذا لم يكن عجيبًا أن يبهر نبيلًا جمالُ فتنة في الدعوة التي دعاه إليها شهاب وخاصة حين عقد المقارنة بينها وبين زوجته؛ لهذا ظل نبيل في ذيل فتنة طوال العشاء ولو أنه لم يكن وحده الذي نهج هذا النهج، وكان شهاب سعيدًا غاية السعادة بإعجاب هؤلاء الأساطين بزوجته؛ فلهذا تزوجها ولهذا نفسه أقام هذا الحفل الفاخر.

أما ثاني الثلاثة فهو صفوت بك رمزي، وهو تاجر قديم من عائلة متوسطة الحال وزوجته من نفس المستوى، وهو حاصل على شهادة التجارة وعمل في اثنين من البنوك الكبرى في القاهرة، وتمرس بالأسهم والسندات وعمل بالتجارة التي يعمل بها نبيل وحقق أرباحًا واسعة، وإن كان نبيل قارب الستين من عمره فإن صفوت لم يكن تجاوز الخمسين، وهو أيضًا أُعجب بفتنة غاية الإعجاب ولم يخفِ إعجابه بل أعلنه وصارح به زوجها الذي سعد بهذه المصارحة غاية السعادة، وإن لم يكن صفوت في مثل ثراء نبيل ولا هو يضاهيه في سطوته على السوق.

أما ثالث الثلاثة فهو أسامة البدري، وهو في الأربعين من عمره وشبابه أو قربه من الشباب يجعله أكثر نضارة من التاجرين الكبيرين وإن كان يجعله أيضًا أقل ثراءً، وهو أيضًا لم يحاول أن يطوي في صدره إعجابه بفتنة مع أنه متزوج من ابنة عمه راوية منذ سبع سنوات فقط، وقد تحرَّى ألا يقدم على الزواج إلا بعد أن يضع قدمه في تمكن على طريق الثراء، وهو خريج حقوق ولكنه لم يشتغل بالمحاماة وإنما عمل مع فريد السعيد صديق والده، وهو رجل أعمال ضخم الثراء، وقد عمل معه أسامة في الشئون القانونية، ومن طوايا الملفات شرب التجارة فما هي إلا سنوات ثلاث حتى كان له ميدانه الخاص، وقد اختار تجارة الأسمدة والمبيدات الحشرية في الزراعة.

وكان شهاب قد تعرَّف على هؤلاء الثلاثة وغيرهم من خلال مكتبه في الوزارة، ولكنه انتقى هؤلاء الثلاثة ليوطد صلاته؛ فقد تعرَّف على ميولهم وما قد يثير اهتمامهم وما لا يثيره، واستطاع أن يعرف أن فتنة تستطيع بجمالها أن تكون ذات تأثير فادح على مشاعرهم، وهكذا دعاهم إلى العشاء، وما لبث بعد ما رآه من اهتمامهم الشديد بفتنة أن يدرك أنه كان صادق الحدس مع ثلاثتهم، أما فتنة فقد أدركت ما يهدف إليه زوجها فبذلت حفاوتها بهم ومدت بينها وبينهم الوشائج وإن كانت وهي تمدها تهدف إلى شيء آخر؛ فقد انتوت أن تقاسم زوجها في الأرباح التي سيجنيها من جمالها، وإن كانت قد حزمت أمرها على أن يكون ذلك بعد أن يحقق زوجها الثمار الواسعة من جمالها.

أما شهاب فلم يضع وقتًا بل حادث ثلاثتهم في الأمور التي تمكنهم من ربح طائل هو شريك فيه لا شك بحكم منصبه وجمال زوجته الفاتن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١