الفصل الأول

العالم يقع في شراك الديون

رغم ظهور تفسيرات متنوِّعة للكساد الكبير، فإنها تشترك جميعًا في إدراك أن العالم الذي اهتزَّتْ أركانه تحت وطأة الأزمة في أواخر العشرينيات من القرن العشرين، يختلف أيما اختلاف عن العالم الذي نشأ في ربوعه أغلبُ الناس. ونظرًا لأن العالم كان يتمتع باقتصادٍ واحدٍ متكامِل، فقد مرَّ حينها بتغييرات عميقة نتيجةً للحرب العالمية الأولى؛ فقد صعَّبَتِ الحربُ على الناس والبضائع والأموال الانتقالَ حول العالم، كما أنها غيَّرت المسار الذي كانت تتدفَّق فيه كل هذه العناصر. وإلى جانب أن الحرب وضعَتِ الولايات المتحدة في قلب هذا النظام الجديد، فقد غيَّرَتْ أيضًا أمريكا، محولة الخصائص المميزة لأمة العالم الجديدة التي كانت نائيةً بنفسها في يوم من الأيام لتكون محور شواغل الكوكب. وليست هذه الأحداث، وقدرتها على أن تتسبب في كارثة، واضحة من منظورنا الحالي وحسب، بل رصدها بعض المراقبين وقتها تلوح في الأفق.

تنبَّأ الاقتصادي جون مينارد كينز — استشرافًا منه للمستقبل بعد معاهدة فيرساي في عام ١٩١٩ — بما ينتظر العالم الصناعي من «كساد يصيب مستوى معيشة سكان أوروبا لدرجةٍ ستعني مجاعةً فعليةً للبعض (وهي المرحلة التي بلغتها روسيا بالفعل والنمسا تقريبًا). والإنسان … في وقت الشدة قد يُسقِط البقيةَ الباقية من التنظيم ويقضي على الحضارة نفسها في سعيه لأن يُشبِع باستماتةٍ الحاجاتِ الفرديةَ المُلِحَّةَ.»1 وكتب كينز أن الكساد واليأس وتفكُّك الحضارة ستنجم عن «التبعات الاقتصادية المترتِّبة على السلام.» ومع أن كينز عَزَا — ربما على سبيل الخطأ — الكارثةَ الوشيكة جزئيًّا إلى نصوص المعاهدة، فقد انتقَدَ أيضًا إغفالاتها.2 فربما استعادَ قادة العالم في فيرساي النظامَ العالميَّ الذي كان سائدًا في الفترة ١٨٧٠–١٩١٤ وعملوا على تقنينه، وهو النظام الذي وصفه كينز بأنه «يوتوبيا اقتصادية». لكنهم لم يستغلوا الفرصةَ وخلقوا عالَمًا على النقيض تمامًا من اليوتوبيا.3

قبل عام ١٩١٤، كان الناس والبضائع والأموال يعبرون الحدود الوطنية متمتعين بحصانة نسبية. وبناءً عليه، كان متاحًا لهم أوسع نطاق ممكن للبحث عن مكان سيُثمِر عملهم فيه أعلى ربح ممكن، وكانت هذه الحركة عبر الحدود تعني إلى حدٍّ كبيرٍ تصديرَ دول أوروبا الصناعية للفائض لديها.

بين منتصف القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى، ارتحَلَ حوالي ٥٥ مليون شخص من أوروبا بحثًا عن فرصتهم لدى دول العالم الجديد، ولما كان أغلبهم من العمَّال الصناعيين الساعين وراء أجور أعلى في سوقٍ عالميَّةٍ مقابل عملهم، فقد أدَّتْ مغادرتهم أوروبا إلى انخفاض المتاح من الأيدي العاملة هناك؛ مما زاد من أجور العمَّال الذين خلَّفوهم وراءهم. وقد ساعَدَ وصولهم إلى دول العالم الجديد الغنية بالأراضي على توسيع مجال التنمية حتى الحدود، لكن لم تحدث هذه الهجرةُ دون عائقٍ تمامًا. إذا وصفنا الأسواق الدولية في القرن التاسع عشر بأنها أسواق عالمية بحقٍّ فهذا من باب المبالَغة، ويرجع ذلك في جزءٍ كبيرٍ منه إلى أن دول العالم الجديد فضَّلَتْ بعضَ أجزاء العالم على أجزاء أخرى عندما خلقت سوقًا عابرةً للحدود في مجال العمالة، على سبيل المثال. والجدير بالذكر أن الولايات الأسترالية في خمسينيات القرن التاسع عشر بدأت في تقييد هجرة الصينيين إليها، وبحلول مطلع القرن العشرين كانت الولايات المتحدة وكندا وأستراليا قد وضعَتْ عقباتٍ كبيرةً أمام الهجرة من كلٍّ من الصين واليابان؛ وفي عام ١٩١٧ لم تكتفِ الولايات المتحدة بإضافة «منطقة محظورة» منعَتْ هجرة جميع بقية سكان آسيا تقريبًا، بل استخدمت اختبارَ إجادة القراءة والكتابة لتخفيض عدد الوافدين، إلا أن هذه القيود سمحَتْ لملايين المهاجرين، لا سيما من جنوب وشرق أوروبا، بالانتقال إلى وظائف أفضل في العالم الجديد.

إبَّان الفترة نفسها، دعمت الإمبراطورية البريطانية حريةَ حركةِ البضائع عبر الحدود، وأتاح مرورُ البضائع المعفاة نسبيًّا من الرسوم بين العالم القديم والعالم الجديد لكلِّ دولةٍ أن تنتج الأنسبِ لها في الأساس. ومع أن البلاد في هذه الحقبة وضعَتْ حواجز أمام التجارة كما وضعَتْها أمام الهجرة — حيث فرضَتْ بلاد أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص تعريفاتٍ باهظةً — تحرَّكَتِ التجارة العالمية بحُريَّة نسبية، لا سيما بالمقارنة بالعشرينيات من القرن العشرين، وكان لبريطانيا الريادة في التشجيع على فرض تعريفات أقل.4
أكَّد المراقبون أن التجارة مع بريطانيا كانت مُثمِرةً خصوصًا بالنسبة لكثيرٍ من البلاد النامية؛ فقد دعمت البنوكُ البريطانية مَن يقومون بشَقِّ الطرق ومَدِّ خطوط السكك الحديدية وحَفْرِ القنوات، في الوقت الذي توسَّعَتْ فيه هذه البلاد واتجهت إلى مناطقها النائية ومروجها. جعلَتْ زراعةُ الحقول العالمَ الجديد أكثر إنتاجيةً، وساعَدَ البلادَ النامية بيعُ المنتجات الزراعية إلى المُقرِض — بريطانيا — على سداد ديونها. وخلقَتْ حركة الأموال، مقترِنةً بحركة البضائع والناس، دائرةً من المنافع، على الأقل بقدر ما كانت أوروبا معنية. وكما كتب اقتصادي بريطاني في عام ١٩٠٩: «من خلال استثمارنا لرأس المال في بلاد أخرى، نحن بذلك، أولًا: نكون قد زوَّدنا البلاد المقترِضة بالمال الذي منحَها القدرةَ على شراء البضائع التي تحتاجها من أجل التنمية. ثانيًا: نكون قد مكَّناها من رفع معدلات إنتاجها لمعدلات كبيرة، بحيث تسنَّى لها سدادُ الفائدة والأرباح المستحقة على أموالنا، وأيضًا شراء كميات ضخمة متزايدة من البضائع البريطانية.»5
كان كينز يكنُّ قدرًا كبيرًا من الاحترام لهذا النظام البائد؛ لأنه سمح لأوروبا للمرة الأولى بأن تخفِّف من الضغط الذي تفرضه زيادةُ السكان على موارد الطعام على نحوٍ تتعذَّر السيطرةُ عليه. ويشرح كينز وجهة نظره قائلًا: «مع نمو عدد سكان أوروبا، زاد عدد المهاجرين لفلاحة الأرض بالبلاد الجديدة من ناحية، ومن ناحية أخرى زاد عدد العمَّال المتاحين في أوروبا لإعداد المنتجات الصناعية والسلع الإنتاجية التي كان من شأنها أن توفِّر الضروريات للسكان من المهاجرين في أوطانهم الجديدة، ولبناء خطوط السكك الحديدية والسفن التي ستساعد على الوصول إلى الطعام والمواد الخام من المصادر البعيدة في أوروبا.»6 إلا أن الحرب عطَّلَتْ هذا النظام، ولم يَعُدْ باستطاعة الناس أو البضائع التحرُّك بحُريةٍ، وتحوَّلَتْ طاقتهم التي كانت مُنتِجة في يوم من الأيام نحو الدمار، وغذَّت الأموال الجبهة الغربية في الحرب بدلًا من أن تذهب إلى حدود العالم الجديد، والأسوأ أنه بعد أن وضعَتِ الحربُ أوزارها لم يساعد السِّلْم على استعادة العالم المفقود. يقول كينز متأفِّفًا: «لم تتضمن المعاهدة أيَّ نصوص بخصوص إعادة التأهيل الاقتصادي لأوروبا … أو إدخال تعديلات على أنظمة العالم القديم أو الجديد.»7
كتب المؤرخ البريطاني إي إتش كار مُستعرِضًا أحداث ما قبل ثلاثينيات القرن العشرين: «ذهبت زعامة العالم في عام ١٩١٨، بالإجماع تقريبًا، إلى الولايات المتحدة … إلا أنها رفضتها.»8 الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة رفضَتْ أن تقود العالم في إعادة خلق الاقتصاد القديم المفتوح، بل تحرَّكَتْ في الاتجاه المعاكس في واقع الأمر.
حاولَتِ الولايات المتحدة الحدَّ من الهجرة إليها قبل الحرب، ولكنها اضطلعت بالمهمة في عشرينيات القرن العشرين بمزيدٍ من الهمة، وحقَّقَتْ فيها قدرًا أكبر من النجاح؛ فقد حدَّدَ الكونجرس الحدودَ القصوى للمهاجرين بموافقته على قانونَيْ ١٩٢١ و١٩٢٤، في حين منعَتْ بلادُ العالم الجديد الأخرى الهجرةَ بطرقها الخاصة؛ فبعضها انضمَّ للولايات المتحدة في حظر الراديكاليين السياسيين وفئات المجرمين أو الفقراء أو المعاقين، وحاوَلَ البرازيليون توجيهَ الهجرة إلى المزارع، بدلًا من المدن. وأتاح قانون الهجرة بكندا لعام ١٩١٩ للمسئولين حَظْرَ «المهاجرين … الذين يُعتبرون غير مناسبين بسبب تقاليدهم، وعاداتهم، وأنماط حياتهم».9 وصعَّبَتْ هذه القيودُ على الأوروبيين إيجادَ فرص خارج بلادهم، كما تنبَّأ كينز في عام ١٩١٩.
كما تباطأَتْ حركةُ البضائع بسبب القوانين المقيدة أيضًا؛ حيث رفعت الولايات المتحدة التعريفات في عامَيْ ١٩٢١ و١٩٢٢، وبدأت بلاد أخرى تحذو حَذْوها. وعقد الدبلوماسيون المنزعِجون من هذه الإجراءات مؤتمراتٍ دَعَتِ الوفودُ التي حضرَتْها إلى رفع هذه العوائق، وآلَ الأمرُ في النهاية إلى عقد المؤتمر الاقتصادي العالمي الذي دَعَتْ إليه عصبةُ الأمم في عام ١٩٢٧، والذي أعلَنَ معارضتَه الشديدة للتعريفات، ولكن دون أن يحقِّق أيَّ نتيجةٍ. للولايات المتحدة تاريخ طويل من فرض التعريفات الباهظة امتدَّ عبر القرن التاسع عشر، ولكن كما كتبَتْ صحيفة ذا نيويورك تايمز في عام ١٩٢٦، تغيَّرَتِ الظروف منذ ذلك الحين: «لا يحتاج الأمرُ إلى خبير اقتصادي سياسي لاستنتاج أن موقفنا في عالم التجارة تغيَّرَ تغيُّرًا جذريًّا نتيجة الأحداث التي أعقبت عام ١٩١٤؛ فالسياسة المالية التي كان يمكن أن تكون مقبولةً قبل عام ١٩١٤ أصبحَتْ منذ ذلك الحين غيرَ مناسِبةٍ بأي حال من الأحوال، ولا نستطيع سدادَ تكاليف استثماراتنا الضخمة والمتزايدة في الخارج إلا إذا قبلنا بما يمكن أن يقدِّمه لنا مدينونا الأجانب.»10

مع الحرب تبوَّأَتِ الولايات المتحدة مركزًا مختلفًا تمامًا، فتحولت — تقريبًا بين عشية وضحاها — من أكبر مدين في العالم إلى أكبر دائن في العالم، وحلَّت نيويورك محل لندن باعتبارها المُقرِض الرئيسي في شبكة الائتمان العالمية. وكان لهذه الحركة مغزًى أكبر من مجرد التحوُّل في المركز أو الريادة؛ فديون ما بعد الحرب اختلفَتْ عن اقتراض ما قبل الحرب؛ فالمقترضون من العالم الجديد أنفقوا القروض البريطانية في القرن التاسع عشر على مدِّ السكك الحديدية وإقامة المزارع، كي يرسوا الأساس لجدارتهم على السداد لمقرِضيهم. أما الدول المقترضة التي رفعت راية الحرب، فقد أنفقَتِ القروضَ الأمريكية وقت الحرب على الذخائر والقذائف، قاضيةً على تلك الجدارة. أما الدول التي خرجَتْ جريحةً من الحرب فقد اقترضَتْ مزيدًا من المال لسداد ديونها، وأحيانًا ما كانت تقترض من أمريكا لتسدِّد مستحقات الدول المحارِبة الأخرى التي كانت بدورها تسدِّد مستحقاتِ أمريكا.

اعتمد هذا النظام العالمي الجديد — الذي كان أقل انفتاحًا ومرونةً من سابقه — في عشرينيات القرن التاسع عشر على استمرار الإقراض الأمريكي لتمويل سداد الديون، وتغطية العجوزات السائدة حول العالم الذي أفقَرَتْه الحرب. وحقَّق الإقراض الأمريكي هذا الغرض لفترة من الزمان، إلا أنه توقَّفَ تمامًا في ١٩٢٨، فأدَّى ذلك إلى حدوث ركود في ألمانيا وبولندا والبرازيل والأرجنتين وأستراليا وكندا.11 ولكن لم تكن أَعْيُن الأمريكيين موجَّهَةً إلى العالم المتعثِّر، بل كانت أنظارهم متَّجِهةً إلى الاقتصاد المتنامي بسرعةٍ كبيرةٍ في وطنهم.
بعدما تعافَتِ الولايات المتحدة من الركود الذي أعقَبَ الحرب في عام ١٩٢١، نما اقتصادها بمعدلٍ سنويٍّ كبير، وأنتج العمَّال الأمريكيون مزيدًا من البضائع بكفاءةٍ أعلى، فزادَتْ دخولهم، وإن لم تَزِدْ بنفس سرعة زيادة أرباحهم التي أدرَّها ارتفاعُ معدل إنتاجيتهم.12 وزاد أيضًا تفاؤل كثير من الأمريكيين ظنًّا منهم أنهم ولجوا عهدًا جديدًا من الرخاء، تلمَّسُوه عندما تمكَّنَ مزيد من الأمريكيين من شراء مزيد من السلع الكمالية والعيش في مستوياتٍ معيشيةٍ أفضل، ماديًّا على الأقل، من أي وقت مضى. وبلغ اقتناعهم بهذه الفكرة حدًّا من الثقة جعلهم يقبلون عروضَ الائتمان التي أُتِيحت لأول مرة حينها كي يشتروا ما لم يكن بمقدورهم شراؤه من جيوبهم، وبحلول نهاية العقد كان الأمريكيون يعيشون حياةً أتخمَتْها الديون.
قبل الحرب العالمية الأولى، كانت الأسرة الأمريكية العادية تستدين بمعدلٍ يزيد زيادةً بسيطة كلَّ عام باستثناء الرهونات؛ زيادة ربما تبلغ ٤ دولارات عن العام الذي يسبقه، إلا أنه في عشرينيات القرن العشرين، ارتفع متوسط الزيادة بأكثر من ثلاثة أمثال النسبة السابقة ليبلغ ١٤ دولارًا في السنة.13 كان الأمريكيون يشترون بهذا المال المقترض البضائعَ نفسها التي زاد معدل إنتاجهم لها، وهي السلع الباهظة والمعمرة والكمالية التي وفَّرَتْ لهم مزيدًا من وسائل الترفيه المتنوِّعة، وأعْلَتْ من آمالهم التي انتظروها من الحياة. وصاحَبَ حقبةَ العشرينيات بثُّ البرامج الإذاعية بانتظامٍ، وشراء الأمريكيين لأجهزة الراديو والفونوجراف، كما اشترَوا الأجهزةَ المنزلية مثل الثلاجة الكهربائية، والأكثر وضوحًا مما سبق السياراتُ التي اشتروها.14
قاد إنتاجُ السيارات وشراؤها وتمويلها الإحساسَ بالرخاء الذي نعمت به أمريكا وإدراكَه على أرض الواقع في عشرينيات القرن العشرين. زاد إنتاج مصانع السيارات الأمريكية لأكثر من الضعف على مدار العقد، بحيث كانت السيارات التي أنتجَتْها بحلول عام ١٩٢٩، والبالغ عددها ٤٫٤ ملايين سيارة، تشكِّل الجزء ذا القيمة الكبرى من إنتاج الولايات المتحدة، وفي نهاية العقد كان حوالي ٤٤٧ ألف شخص يعملون في صناعة السيارات؛ أي أقل قليلًا من العدد العامل في الحديد والصلب الذي يُعتبَر أكبر صناعة إنتاجية في أمريكا. فكلما زاد عدد السيارات التي يصنعها الأمريكيون، زاد طلبهم على الزجاج والمطاط والصلب والبنزين. وقد قاد مشترو السيارات عمليةَ التوسُّعِ في مدِّ الطرق وبناء المنازل بالضواحي وإنشاء مراكز التسوق وغيرها من أماكن الجذب على جانبَيِ الطريق.15
في عام ١٩٢٠ سجَّلَتْ مكاتب السيارات وجودَ سيارة واحدة فقط مسجَّلَة لكلِّ ثلاث أُسَر، وبحلول نهاية العقد امتلكَتْ كلُّ أسرة تقريبًا في البلد سيارةً. كان هناك حوالي ٢٣ مليون سيارة في عام ١٩٢٩، في بلد بلغ تعداد سكانه حينها ١٢٣ مليون نسمة تقريبًا؛ وهذا معناه أنه لو أن كلَّ ستة أشخاص استوعبَتْهم سيارة واحدة، لارتاد البلد بأسره الطرقات في وقتٍ واحدٍ.16
قدَّمَتْ شركةُ هنري فورد للسيارات بعضَ الابتكارات في المجال التقني ومجال الأعمال مهَّدَتِ السبيلَ لتحقيق هذه التغييرات. وقبل الحرب العالمية الأولى، استقرَّ فورد على النموذج «موديل تي» ليكون السيارة التي ستُطرَح للمستهلك لتفي بجميع أغراضه، وابتكَرَ خطَّ التجميع المتحرِّك ليكون وسيلةً للإنتاج الكثيف، وبدأ يروِّج للأجور المرتفعة التي يحصل عليها العاملون به، من باب ضمان ولائهم وكذلك قدرتهم على شراء منتج الشركة الرئيسي، الذي تراجَعَ سعره أكثر وأكثر بمرور السنين، لينخفض من حوالي ٩٥٠ دولارًا في عام ١٩٠٩ إلى ٢٩٠ دولارًا في عام ١٩٢٦.17
لو كانت شركة فورد تمثِّل القصة الكاملة لصناعة السيارات، وبالتبعية لو كانت تمثِّل القصة الكاملة لقطاع التصنيع الأمريكي في عشرينيات القرن العشرين، لكان الحال كالآتي: عمِلَ ارتفاعُ الأجور وانخفاضُ الأسعار والإنتاجُ الكثيفُ لسلعةٍ قياسيةٍ على تحويل ما كان يمثِّل فيما مضى سلعةَ ترفيهٍ إلى سلعةٍ متاحةٍ للجميع. ولكن لم يكن ذلك هو الموقف السائد؛ فرغم انخفاض سعر «الموديل تي»، كانت السلع المعمرة الأساسية بوجهٍ عامٍّ تكلف أكثر بالنسبة للمنتجات الأخرى في عشرينيات القرن العشرين مما كانت عليه قبل الحرب، ولم يشترِ الأمريكيون تلك المنتجات بهذه الكميات لأنها كانت رخيصة، بل كانوا يشترونها رغم التكلفة.18
أتاحت السيارةُ «موديل تي» القياسية رخيصة التكلفة لمزيد من الأشخاص فرصة امتلاك سيارة. ولكن في مرحلةٍ ما، عندما يستطيع كل شخص أن يشتري سيارة، من سيشتري سيارات بعد ذلك؟ لذا قرَّرَتْ شركة جنرال موتورز أن تتأكَّد من أن الأشخاص أنفسهم سيواصِلون شراءَ طرازاتٍ مختلفة من السيارات؛ فكان لها السبقُ في التخريد المخطَّط له من خلال تغيير الطرازات التي تطرحها سنويًّا. ولإتاحة الترف في سياراتها الجديدة، بدأَتْ جنرال موتورز في منح الائتمان من خلال مؤسسة جنرال موتورز أكسيبتانس كوربوريشن.19
غالبًا ما كان المال المقترَض المتاح في عشرينيات القرن العشرين يأتي بتكلفة باهظة؛ فكان سعر الفائدة السنوي على خطة تقسيط شراء سيارة جديدة يبلغ ٣٠ بالمائة تقريبًا.20 ومع أن دعاة الأخلاقيات — الذين كان هنري فورد من بينهم — كانوا قَلِقين بشأن النطاق المتزايد لِمَا بات الأمريكيون يرون أنهم يحتاجون شراءه، فإن المستهلكين أنفسهم أذعنوا لمقولة: «لكلِّ أمريكي وُلِد حرًّا الحقُّ في تحديد حاجاته الضرورية.»21 التي روجت لها مجلة «أدفيرتايزينج آند سيلينج» في عام ١٩٢٦. وعلى مدار العقد ازداد طول قائمة الحاجات الضرورية الجديدة.

إلا أنه لم يكن بمقدور الائتمان توفير المال إلى الأبد؛ فنظام الدفع بالتقسيط أرسَلَ الفواتيرَ بانتظامٍ دون توقُّفٍ، في حين لم يتحصَّل الأمريكيون على دخولهم بالقدر نفسه من الموثوقية؛ فالبطالة الدورية كانت تلوح دائمًا، ونادرًا ما كان الضمان الاجتماعي موجودًا لمواجهتها؛ لذا كان على المشترين توخِّي الحذر قبل أن يسقطوا في دوامة الديون الطويلة الأجل، فأي غموض يراه المستهلكون في استشرافهم للمستقبل قد يجعلهم يتمهَّلون، لبرهةٍ من الزمان، لرؤية ما قد يحدث ويؤثِّر على رواتبهم. وفي زمن الأزمات الاقتصادية يمكن أن يؤدِّي التوقُّف — ولو قليلًا — في حركة الشراء إلى تباطؤ خطوط التجميع بالدولة أو حتى توقُّفها.

ومع شغف الأمريكيين بأشكال الإغراء التي استخدَمَها المعلِنون، اقتربوا أكثر من نهاية حسن طالعهم. اكتشفَتِ الدول التي تقترض من أمريكا بدءًا من عام ١٩٢٨ ما حدث عندما نضَبَتْ منابعُ الائتمان الأمريكي، وسريعًا ما اكتشف الأمريكان أنفسهم ما حدث عندما تباطَأ إنفاقهم الذي يغذِّيه الائتمان؛ فبحث الاثنان عن مصدر مشاكلهما، وعن الحلول الممكنة في منبع الدين في وول ستريت.

إذا مثَّلْنا اقتصادَ العالم في عشرينيات القرن العشرين في صورة دوائر متحدة المركز، فسنجد أن الدائرة الخارجية تضمُّ الشعوبَ البعيدة عن المركز الصناعي التي قلَّمَا تتأثَّر بفترات ازدهاره أو ركوده، أما الدائرة الثانية من الخارج فتضمُّ الدولَ الصناعية التي تربطها الديونُ بالولايات المتحدة، يعقب ذلك أغلب الأمريكيين أنفسهم مقسَّمين إلى دوائر أصغر: مكوَّنَة ممَّنْ يناضِلون من أجل عيش الكفاف، ثم الموسرين الذين يستدينون لتمويل مشترياتهم الروتينية، يليهم الأقلية من الأمريكيين من حَمَلَة الأسهم، وربما تقلُّ نسبتهم عن ١٠ بالمائة.22 وإلى الداخل يوجد في النهاية الطبقةُ شبه الأرستقراطية؛ أي المموِّلون الذين يتخذون قرارات تحدِّد مدى سهولة أو صعوبة حصول الآخَرين على أموالهم، والذين يراقبون حركة أسعار الأسهم في عصبيةٍ متزايدةٍ.
كان يعمل في وول ستريت وحولها في جنوب مانهاتن مسئولو الحكومة الأكثر اجتهادًا ونفوذًا في ذلك الوقت. وفي عشرينيات القرن العشرين كان من بينهم قاضي المحكمة العليا المستقبلي تشارلز إيفانز هيوز، ووزير الحرب هنري ستيمسون، وحاكم نيويورك المستقبلي هربرت ليمان، والرئيس المستقبلي المعادي أحيانًا لكلِّ ما يمثِّله وول ستريت: فرانكلين روزفلت.23 فتولَّوا عمليات الاندماج وطرح الأسهم وكل الأعمال الكبيرة التي قامت بها شركات الدولة.
كما تولَّوا أيضًا، مع جيران لهم أقل شهرةً، معاملاتٍ أخرى. على سبيل المثال، كان بمقدور مجموعة من المستثمرين، بالاستعانة بمبلغ كافٍ من رأس المال، إنشاءُ «صندوق مشترك» للتلاعب خِصِّيصى بسعر سهم من الأسهم، فكان أعضاء الصندوق يبيعون ويشترون بعضهم من بعض في أوقاتٍ وبزيادات محسوبة للإيحاء بقصة معيَّنة لسمسار من غير أعضاء الصندوق يراقِب شريط طابعة أسعار الأسهم. والأرقام المطبوعة على الشريط التي تُبدِي حقيقة التداول الظاهرة للعيان لا تكذب، إلا أن نمط الأرقام قد يخدع مراقِبًا واسعَ الخيال شغوفًا بمعرفة ما يعرفه سماسرة الصندوق. ومع ارتفاع وهبوط عمليات الشراء التي يُجرِيها أعضاء الصندوق سيوحي الأمر للمستثمر الذي تنتابه الهواجس بأن شخصًا ما، في مكان ما، لديه معلومات من مصادر مطَّلعة بأن سعر سهم شركة من الشركات سيرتفع؛ فيتكالب المستثمرون على شراء سهم الصندوق؛ مما يعمل على رفع سعره، وعندما يبدو أنهم رفعوا سعره إلى أقصى حدٍّ له، يستردُّ أعضاء الصندوق الأصليون قيمةَ السهم، فيعود سعر السهم إلى مستواه السابق. كان هذا يحدث طيلةَ الوقت ولم يكن قانونيًّا، بل لم يكن سريًّا أصلًا؛ فقد أوردَتْ صحيفة ذا وول ستريت جورنال تقريرًا عن اتجاهات أسهم الصناديق، ونشرت معلومات عن الأشخاص المسئولين عن صناديق بعينها، وكانت عادتها أن تطوف بين آراء المحلِّلين بخصوص الأسهم التي جذبت حماس المستثمرين عن جهالة منهم (ويقول أحد المحلِّلين إن الأسهم التي كانت تجذب المستثمرين كانت تحمل كلمة «كهرباء أو إنارة أو طاقة في اسمها»).24

أحيانًا كان الأمريكيون يفرِّقون بين ذلك النشاط الذي يُطلِقون عليه «مضارَبة» وبين الشراء التقليدي للأسهم الذي يُطلِقون عليه «استثمارًا»، وكان المستثمرون يشترون الأسهم بناءً على سمعة المؤسسة التي تطرحها على مدار فترة طويلة، مختارين الأوراق المالية على أساس ما إذا كانوا يعتقدون أن الشركة التي تطرحها ستؤدِّي عملها بجدارةٍ في الشهور والسنين القادمة. أما المضارِبون فكانوا يشترون الأسهم ويبيعونها بناءً على حدسهم حسب اندفاعات غيرهم للبيع والشراء في السوق ذلك الوقت، وحيث إن نشاط المضارَبة تفوَّقَ على الاستثمار، دخَلَ السوقَ عددٌ أكبر من المضارِبين وأخذ عددُ المراقبين الذين أصابهم القلق يرتفع.

بحلول عام ١٩٢٨، أدرك رجال وول ستريت — وأكَّدَتْ صحيفة ذا وول ستريت جورنال ذلك — أنهم يعملون في «سوق تدرُّ عليهم عمولات أكثر مما تدرُّ عليهم أرباحًا».25 ومع ذلك، أراد عدد متزايد من الأمريكيين لعب هذه اللعبة المزيَّفة بوضوح، واتجه الناس على نحوٍ جماعيٍّ إلى الربح الكبير، آمِلين في المشاركة في الدائرة الداخلية. وحتى الخسارة كان يمكن أن تمنحهم الشعورَ بإثارةِ مناطَحةِ كبار المضارِبين.
ولما انتبه الاحتياطي الفيدرالي لزيادة حجم التعامُل في أسواق الأوراق المالية والزيادة في الاقتراض من أجل التعامل في أسواق الأوراق المالية، قرَّرَ رفع تكلفة اقتراض المال؛ وفي يونيو من عام ١٩٢٨ نوَّهَتْ نشرةُ الاحتياطي الفيدرالي عن «حجمٍ غير مسبوقٍ من المعاملات بسوق المال، وارتفاعٍ متواصِلٍ في أسعار الأوراق المالية»، في حين «بلغت قروض السماسرة رقمًا لم تبلغه من قبلُ … وواصَلَت الارتفاع». وهكذا بدأ الاحتياطي الفيدرالي في «سحب الأموال من سوق الأموال».26
إلا أن المضارَبة استمرَّتْ في الازدهار في العام الجديد؛ ففي أوائل عام ١٩٢٩ — قبيل تنصيب هربرت هوفر رئيسًا بفترة وجيزة — حذر الاحتياطي الفيدرالي علنًا من أنه لا يريد أن تستخدم البنوكُ أموالَها من أجل «تقديم قروضٍ بضمان أوراقٍ ماليةٍ عاليةِ المخاطر».27 ورغم استمرار المضارَبة بمعدل مرتفع، فإن الاستثمارات الخارجية للولايات المتحدة لم ترتفع بهذا المعدل؛ حيث بلغ متوسط الأموال التي غادرت الولايات المتحدة سنويًّا في الفترة من عام ١٩٢٥ إلى عام ١٩٢٨ حوالي ٨٠٠ مليون دولار، ليرتفع إلى ١٢٥٠ مليون دولار في عام ١٩٢٨، ولكن لينخفض إلى ٦٢٨ مليون دولار في عام ١٩٢٩، وبلغ متوسط الأموال حوالي ٣٦٠ مليون دولار سنويًّا في الفترة من عام ١٩٢٩ إلى عام ١٩٣٢.28 فقد ساعدَتِ السياسةُ النقدية الأكثر إحكامًا التي فرَضَها الاحتياطي الفيدرالي على إبطاءِ خروجِ الأموال الأمريكية إلى البلاد الأجنبية، وبدأت دول مثل ألمانيا — التي اعتمدت على القروض الأمريكية — تشقُّ طريقها بصعوبةٍ في ظلِّ هذا المعوِّق.
وفي السنوات اللاحقة، كانت التصريحات التي تعكس تفاؤلًا غير حذر — تمثَّلَ في الإصرار على أنه لا بد أن ينعم الجميعُ بالثراء، وأن الأمور كلها في طريقها لتكون على أفضل وجه — ركنًا أساسيًّا في كلِّ قصةٍ تُروَى عن «الانهيار الكبير». كانت تلك التصريحات بمنزلة تعليقات مطمئنة جدًّا لمَنْ سمعوها حينها، لكنها تبدو الآن غايةً في التهور. وقد برزت هذه الملاحظات بوضوح في الأسابيع التي سبقَتْ توقُّفها التام، فعادة ما كانت الصحفُ تبحث عن المتخصِّصين من المتلطفين أصحاب الآراء المبهجة، الذين كانوا على استعدادٍ لإعطاء تصريح بأنهم لا يتوقَّعون عقباتٍ في المستقبل. ولكن بحلول نهاية عشرينيات القرن العشرين، تنامى عدد المصرفيين والساسة الذين استشعروا أن العالم لم يَعُدْ يستطيع تحمُّلَ الأوضاع المالية آنذاك؛ فعدد كبير جدًّا من الناس اقترَضَ مبالغ ضخمة أكثر من اللازم لينفقوها على أغراضٍ غير مُثمِرة. وعن ذلك كتب الخبير المالي برنارد باروخ: «في حين أنه من الحكمة أن تشتري مستلزماتك بناءً على خطة السداد الجزئي التي ستؤدِّي بمرور الوقت إلى تنامي الاقتصادات وتحسُّن المعيشة، فمن الممكن أن يخرج الأمر عن نطاق السيطرة. وأخشى ما أخشاه أن يكون الأمر قد خرج بالفعل عن نطاق السيطرة.»29
ولم يتبقَّ سوى عددٍ قليل للغاية من الاستثمارات الموثوق بها، وبالرغم من أنه لم يشترِ الأسهمَ في الواقع سوى عددٍ قليل من الأمريكيين، فقد أصبحَتِ السوقُ ضربًا من ضروب التسلية: مشهدًا مرتَّبًا من دردشة فارغة. وشيوع هذا الحديث في السوق في حد ذاته كان تحذيرًا للمطَّلِعين بأنه حان وقت القفز من السفينة قبل فوات الأوان. وقد نصح الخبير المالي جوزيف بي كينيدي — الذي كان قد باع القسم الأكبر من أصوله قبل صيف ١٩٢٩ واحتفَظَ بأمواله نقدًا — صديقه قائلًا: «الأحمق وحده مَن سينتظر أعلى سعر.»30 ودلَفَ الحمقى المدركون لحماقتهم إلى السوق بافتراض استمرار وجود عدد أكبر من الحمقى الذين سيواصِلون شراء الأسهم. وتطلَّبَ الأمرُ خبيرًا محنكًا على دراية بالشخصية القومية الأمريكية ليقرِّر متى سينفد مخزونُ الولايات المتحدة من الحمقى.
بوجهٍ عام، مَن توفَّرت لهم سُبُلُ مغادرة مانهاتن في الصيف اعتبروا مَن مكثوا هناك حمقى، إلا أنه في أغسطس ١٩٢٩، وهو الوقت الذي اعتادَ فيه السكانُ الهربَ من حرارة المدينة التي لا تُطاق، ظلَّ رجال المال بالمدينة ليروا ما إذا كان بمقدورهم تحقيق الاستفادة من السوق الآخذة أسعار أسهمها في الصعود. مكثوا هناك حتى في عيد العمال، وحتى في الأيام المرتفعة الحرارة التي تصاعَدَتْ فيها نسبةُ الرطوبة، إلى يوم ٣ سبتمبر الذي شهد ذروة ارتفاع أسعار السوق، ثم أعقب ذلك ببضعة أيام انخفاضُ أسعار السوق بقدر بسيط، وبعد أسبوعين انخفضت الأسعارُ بقدرٍ بسيطٍ آخَر،31 كما انكسرت حدة الموجة الحارة أيضًا. وسرت الإشاعات بأن المتحكمين بالموقف قرَّروا أن يروا ما إذا كان بإمكانهم أن يُعمِلوا حِيَلهم في الاتجاه المعاكِس ويخفضوا من أسعار الأسهم، وفي الأسابيع اللاحقة انخفضت الأسعار في السوق ثم ارتفعت ثم انخفضت مرةً أخرى.
في صبيحة ٢٤ أكتوبر، سارت الحشود في هدوء في شوارع نيويورك باتجاه وسط المدينة حتى وول ستريت حيث تجمَّعوا في صمتٍ ووقفوا ناظرين إلى بورصة نيويورك، كما لو أن أنشطتَها الصعبة الفهم قد أصبحت واضحةً لهم فجأةً، لتشهد على الكارثة التي هي بصدد أن تلمَّ بهم جميعًا آنذاك.32 كان ذلك يوم الخميس الأسود؛ ارتفعت أسعار الأسهم في السوق بعد ذلك، إلا أنها انخفضت من جديد، وقد أعلن عملاق البترول جون دي روكفيلر أنه «لا يوجد في أوضاع العمل ما يبرِّر الهبوطَ الشديد الذي لحق بالأسعار»، كما أعلن أنه مشغول بشراء الأسهم.33 ولم يمنع هذا الإجراء أو الإجراءات التي من هذا القبيل الأسعارَ من الهبوط، وبحلول منتصف نوفمبر كان أكثر من ثلث قيمة سوق الأوراق المالية قد تبخَّرَ.34
لم يؤثِّر هذا الانخفاض في القيمة فور حدوثه إلا على قليل من الأمريكيين، إلا أن الآخَرين راقبوا السوق عن كثبٍ، واعتبروا الانخفاض مؤشِّرًا على أقدارهم التي تنتظرهم، حتى إنهم أوقفوا كثيرًا من نشاطهم الاقتصادي. وبوصفه اقتصاديًّا، كتب جوزيف شومبيتر فيما بعدُ: «شعر الناس بأن الأرض تتداعى من تحت أقدامهم.»35 ولما كان الأمريكيون يواجهون مستقبلًا تكتنفه الشكوك، فإنهم اتخذوا قراراتٍ مهمةً بالإحجام عن الشراء، وعلى وجه الخصوص توقَّفوا عن شراء السلع المُعمِّرة الباهظة الثمن مثل السيارات التي تعلَّموا شراءها بالاستدانة. كان كلُّ توقيعٍ يخطُّه المستهلِكُ على عقدٍ للدفع بالتقسيط يمثِّل تنبُّؤَه بقدرته على السداد في المستقبل، وفجأةً شعر الأمريكيون بعدم قدرتهم على استشراف المستقبل بالقدر الكافي للتنبُّؤ بتنبؤات سديدة، وفي غضون بضعة أشهر من الانهيار انخفضَتْ عمليات تسجيل السيارات بحوالي الربع عن الرقم الذي كانت عليه في سبتمبر،36 وفي عام ١٩٣٠ انخفض الإنفاق على السلع الاستهلاكية المُعمِّرة بنسبة ٢٠ بالمائة،37 وأغلقَتِ المصانعُ أبوابها وأفلسَتِ البنوكُ، وبلغ معدل البطالة أكثر من ضعف معدله في عام ١٩٢٩.
في عام ١٩٣١ زار جون مينارد كينز الولايات المتحدة، وفي محاضرة ألقاها عزا الكسادَ المتزايد الحدة إلى «خبل غير عادي».38 ويتفق المراقِبون بوجه عام على هذه النقطة: فثمة شخص ما ارتكَبَ خطأً فادحًا، واستنادًا إلى الهيكل المالي العالمي بعد الحرب العالمية الأولى، فإن عنوان هذا الشخص لا بد أن يكون منتهيًا بعبارة «الولايات المتحدة الأمريكية». كان المتهم الرئيسي — آنذاك وفيما بعدُ — هو هربرت هوفر، الذي كتب في مذكراته مدافِعًا عن نفسه ومتفقًا مع رأي كينز السابق: «كان السبب الأساسي للكساد الكبير حرب ١٩١٤–١٩١٨.»39 إلا أن فرصة هوفر للهروب من اللوم لم تكن كبيرةً؛ فقبل عام ١٩٣٠ كان جوزيف كينيدي يهاتف أحد مؤيِّدي هوفر ليقول له: «اكتب اسم الرئيس القادم … إنه فرانكلين دي روزفلت.»40

هوامش

(1) John Maynard Keynes, The Economic Consequences of the Peace (London: 1919), 213.
(2) On Keynes’s critique of reparations, see Niall Ferguson, The Pity of War: Explaining World War I (New York: Basic Books, 1999), 395–432.
(3) Keynes, Economic Consequences, 8.
(4) Christopher Blattman, Michael A. Clemens, and Jeffrey G. Williamson, “Who Protected and Why? Tariffs the World Around, 1870–1938,” in Conference on the Political Economy of Globalization (2002), 30.
(5) Eric Rauchway, Blessed among Nations: How the World Made America (New York: Hill and Wang, 2006), 156.
(6) Keynes, Economic Consequences, 7.
(7) Ibid., 211.
(8) Edward Hallett Carr, The Twenty Years’ Crisis, 1919–1939, 2nd ed. (London: Macmillan, 1962), 234.
(9) Immigration Act, chap. 25 of 9-10 George V, p. 7, sec. 13, consulted online 2/27/2007, www.canadiana.org/ECO/ItemRecord/9_08048.
(10) Rauchway, Blessed among Nations, 157.
(11) Barry Eichengreen, “The Origins and Nature of the Great Slump Revisited,” Economic History Review 45, no. 2 (1992): 223.
(12) George Soule, Prosperity Decade: From War to Depression, 1917–1929 (New York: Rinehart, 1947), 220.
(13) Martha L. Olney, Buy Now, Pay Later: Advertising, Credit, and Consumer Durables in the 1920s (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1991), 91.
(14) Ibid., 40.
(15) Peter Fearon, War, Prosperity, and Depression: The U.S. Economy, 1917–1945 (Oxford: Philip Allan, 1987), 55-56.
(16) Soule, Prosperity Decade, 164.
(17) John Bell Rae, American Automobile Manufacturers (Philadelphia: Chilton Company, 1959), 107–9; John Bell Rae, The American Automobile (Chicago: The University of Chicago Press, 1965), 61, 88.
(18) Olney, Buy Now, 182.
(19) Roland Marchand, Advertising the American Dream: Making Way for Modernity, 1920–1940 (Berkeley: University of California Press, 1985), 156; Olney, Buy Now, 127.
(20) Olney, Buy Now, 115.
(21) Marchand, Advertising the American Dream, 160.
(22) Peter Fearon, Origins and Nature of the Great Slump, 1929–1932 (Atlantic Highlands, NJ: Humanities Press, 1979), 34.
(23) John Brooks, Once in Golconda: A True Drama of Wall Street, 1920–1938 (New York: Wiley Investment Classics, 1999), 58-59.
(24) “Market Comment,” Wall Street Journal, 3/21/1928, 22.
(25) “Broad Street Gossip,” Wall Street Journal, 1/13/1928, 2.
(26) Federal Reserve Bulletin 14:6 (June 1928), 373.
(27) John Kenneth Galbraith, The Great Crash, 1929 (Boston: Houghton Mifflin, 1972), 38.
(28) United Nations, International Capital Movements during the Inter-War Period (New York: Arno, 1979), 10, table 1.
(29) Bernard M. Baruch, Baruch, 2 vols. (New York: Holt, 1957–60), 2:218.
(30) Richard J. Whalen, The Founding Father: The Story of Joseph P. Kennedy (New York: New American Library, 1964), 104.
(31) Brooks, Once in Golconda, 110.
(32) Ibid., 117.
(33) “Rockefeller Buys, Allaying Anxiety,” New York Times, 10/31/1929, 1.
(34) Brooks, Once in Golconda, 119.
(35) Joseph A. Schumpeter, Business Cycles: A Theoretical, Historical, and Statistical Analysis of the Capitalist Process (New York: McGraw-Hill, 1939), 2:911.
(36) Christina D. Romer, “The Great Crash and the Onset of the Great Depression,” Quarterly Journal of Economics 105, no. 3 (1990): 606.
(37) Fearon, Origins and Nature, 34.
(38) Robert Skidelsky, John Maynard Keynes: The Economist as Saviour, 1920–1937, vol. 2, John Maynard Keynes (London: 1992), 391.
(39) Herbert Hoover, Memoirs, 3 vols. (New York: Macmillan, 1951), 3:2.
(40) Whalen, Founding Father, 113.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١