الفصل الثاني

عهد هوفر

في ربيع ١٩٣١ زعم السيناتور روبرت واجنر (ديمقراطي من نيويورك) أن الرئيس هربرت هوفر في مواجهته للأزمة لم يفعل شيئًا «سوى التشبُّث بسياسة الجمهوريين التي عَفَا عليها الدهر: عدم اتخاذ أي إجراء، وفي حال زيادة الضغوط لدرجة لا يمكن مقاومتها يتعيَّن اتخاذ أقل ما يمكن من إجراءات.»1 ما قام به هربرت لم يكن «عدم اتخاذ أي إجراء»، إلا أنه في الوقت ذاته لم يتخذ إجراءات كافية أيضًا. بل انتهج سياسة عامة لإدارة الأزمات كان قد أرساها بوضوح.
عندما خاض هوفر انتخابات الرئاسة في عام ١٩٢٨، ربط الأمريكيون بينه وبين الكفاءة في إدارة الأزمة. وفي حين أبدى بعض القياديين الجمهوريين تشكُّكهم؛ إذ اشتكى الرئيس كالفين كوليدج، الذي تولَّى هوفر حقيبة وزارة التجارة في إدارته، قائلًا: «قدَّمَ لي ذلك الرجل نصائحَ لم أطلبها لمدة ست سنوات، وجميعها كانت سيئة.»2 إلا أن أزمةً طارئة جديدة ذكَّرَتِ الأمريكيين بمحاسِن هوفر.
ارتفَعَ منسوب المياه في نهر المسيسيبي جرَّاء الأمطار في بداية عام ١٩٢٧، وفي منتصف أبريل انهارت حواجز النهر بالقرب من كايرو، إلينوي. واختفَتْ مئات الآلاف من الهكتارات تحت الماء، وانهارَ المزيد من حواجز النهر، حينها عيَّنَ كوليدج — الذي فضَّلَ حتى تلك اللحظة عدمَ اتخاذِ أي إجراء على أمل تحسُّن الموقف — هوفر ليترأَّس لجنة طوارئ. كان هوفر مهندسَ تعدينٍ ناجحًا، وقد تحوَّلَ إلى الدوائر الحكومية بعد أن جمع ثروته. وإبَّان الحرب العالمية الأولى، جعل وودرو ويلسون هوفر على رأس الجهود الرامية لتوفير الطعام وغيره من سُبُلِ الغوث لمَنْ سلبَتْهم الحربُ ممتلكاتهم، واكتسَبَ هوفر سمعةً باعتباره عبقرية لوجيستية. وكتب فرانكلين روزفلت، الأمين العام المساعد للبحرية الأمريكية، في عام ١٩٢٠: «قطعًا إنه لَمعجزة، وأتمنَّى أن نولِّيَه رئاسةَ الولايات المتحدة.»3 ويدين هوفر بقاسم من سمعته التي اكتسبها إلى موهبته على التنظيم واستغلال البيروقراطية، وبقاسم آخَر إلى موهبته على التنظيم واستغلال الصحافة؛ فقد قال ذات مرة: «إن العالم يعيش على ما يُكتَب في الصحافة.»4
ولمَّا كان هوفر على رأس جهود غوث المنكوبين من فيضانات عام ١٩٢٧، أظهَرَ مدى مواهبه وحدودها؛ فقد تولَّى تنظيم وإدارة عمليات الإجلاء وإنقاذ الأرواح، وأشرَفَ على إنشاء المخيمات لإيواء اللاجئين، ودعم الرقابة الفيدرالية على إدارة شئون الأنهار لمنع حدوث كوارث مستقبلية، كما غضَّ هوفر الطرف عن منع البِيضِ الجنوبيين للنازحين السود مغادرة المخيمات التي كانت تحت الحراسة خشية أن يفقد الجنوب مدده من العمالة، كذلك استغلَّ مخاوف البيض لمصلحته؛ فقد قال لرجال الأعمال المحليين مهدِّدًا إياهم: «سأرسل الزنوج العاملين لديكم شمالًا بدءًا من اليوم» إذا لم يساهموا بالمال في صندوق إعادة الإعمار.5
وبوصفه مهندسًا، كان باستطاعة هوفر تصميم آلةٍ لحلِّ المشكلة، ولكنه كان يتوقَّع أن يتولَّى شخصٌ آخَر تشغيلها؛ فقد جمَّع ١٣ مليون دولار في صناديق من أجل قروض إعادة الإعمار، وتأكَّدَ من معرفة الجميع بذلك، ولكنه لم يتأكَّد من أن المال سيجري إقراضه للمنطقة المنكوبة، وبالفعل لم يحدث إقراض الجزء الأكبر من المال لصالح تلك المنطقة. علاوة على ذلك، رغم تفضيل هوفر الإنفاق الفيدرالي لمبالغ مالية ضخمة على التحسينات الهندسية في إدارة الأنهار، فقد عارَضَ زيادة الدور الإنساني للحكومة؛ حيث أعلن: «لا توجد رغبة في تقديم الكونجرس لمساعدات غوث لمنكوبي الفيضانات.»6
ولما كان هوفر مرشَّحًا رئاسيًّا محتمَلًا، أدرك أن عليه أن يَعِدَ الناخبين السود الذين يصوتون للحزب الجمهوري عادةً بالدعم والاهتمام، دون أن يقصي الناخبين البيض المحتملين؛ فأبدى للزعماء الأمريكيين من أصول أفريقية أنه يفضِّل خطة إعادة إعمارٍ تتمثَّل في تقسيم المزارع الكبيرة في الإقليم الذي غمرته مياه الفيضانات إلى قِطَع أراضٍ صغيرة وتخصيصها للمزارعين من السود، لكنه بعد ذلك رفض دعم الخطة — أو النازحين من السود — بأي صورة ملموسة.7 منح الفيضان هوفر القدرةَ ليدَّعِي أنه يمكنه إبداء كياسة تحت الضغوط. كان المتشكِّكون في هوفر قلةً، ولكنهم كانوا شديدي الذكاء؛ فقد كتب إتش إل مينكين، الصحفي من مدينة بالتيمور عن هوفر قائلًا إن «إنجازاته تقلُّ قيمتها بدلًا من أن تزيد عند إخضاعها للتحليل.»8
وفي انتخابات ١٩٢٨، اتضح أن تاريخ هوفر لم يكن ذا تأثير كبير؛ فلم يَفُزْ هوفر بسبب ما قام به، وإنما لما كان عليه خصمه آل سميث؛ فقد كان كاثوليكيًّا. تقلَّدَ سميث مناصب أخرى، أبرزها حاكم نيويورك، وكان أيضًا عضوًا في جمعيتها التشريعية، وعرف عنه أهلُ نيويورك أنه تقدُّمي ساعَدَ في إصلاح دستور البلاد والتحقيق في حريق مصنع تراينجل الشهير، كما أيَّدَ مشروعات القوانين التي كانت في صالح صحة بيئة العمل وأمانها، وكذلك المناهضة لعمالة الأطفال.9 إلا أن إنجازاته وإنجازات هوفر على السواء تبدَّدَتْ وسط حرب من الرموز شنَّها هوفر مستخدِمًا سلاحه المفضَّل: الصحافة؛ ففي حين نأى هوفر بنفسه عن أقبح الافتراءات، هاجَمَ حلفاؤه سميث على خلفية أنه يمثِّل «مدينة نيويورك المأهولة بالأجانب … موضع السخرية والتهكُّم»، وأنه يفتح الباب أمام «لعب الورق، وشراب الكوكتيل، وكلاب البودل، وإباحة الطلاق والروايات والحجرات الخانقة والرقص، ونظرية التطور، والمحامي كلارنس دارو، والإسراف في الطعام، والفن العاري، والملاكمة، والممثلين، وسباقات الكلاب السلوقية، والحداثة.»10

وبذا باتت عملية الانتخاب المهمة للغاية — اختيار قائد لفترة تشهد أزمة خطيرة — تعتمد على مسائل غير جوهرية تتعلق بالصراع الثقافي. كانت الانتخابات على قدر كبير من الأهمية لسببين أساسيين؛ فقد تركَتْ للجمهوريين السيطرةَ على الحكومة قبل الأزمة مباشَرةً، كما نصَّبَتْ هوفر — الذي عارَضَ الإنفاق العام على الغوث حتى في وقت الأزمة، والذي آمَنَ بقوة ما يُكتَب في الصحافة في تشكيل العالم — مسئولًا عن الاستجابة الفيدرالية للكارثة الاقتصادية.

في ٢٥ أكتوبر ١٩٢٩ — اليوم الذي أعقب الخميس الأسود — قال هوفر للمراسلين الصحفيين: «إن الصناعة الأساسية للبلاد — وهي إنتاج السلع وتوزيعها — تسير على نحو سليم وتزدهر.»11 وحسب ما أوردته صحيفة ذا وول ستريت جورنال، جاءت رسالة هوفر «منسجِمة» مع رأي كبار المصرفيين وأقطاب الصناعيين، الذين أكَّدوا على أن «التعطُّل … سببه تقنيٌّ داخل السوق، ولا علاقة له بركائز الاقتصاد.»12 وعقب ذلك بأسابيع قليلة، جدَّدَ هوفر إيمانه بسلامة المشروع الأمريكي، قائلًا: «إن أي شك في المستقبل الاقتصادي أو القوة الأساسية للأعمال في الولايات المتحدة لَهو حمق؛ فقدرتنا الوطنية على العمل الجاد والتعاون الذكي ضمانة كافية للمستقبل.»13
اعتمد هوفر اعتمادًا كبيرًا على «التعاون الذكي»؛ فقد كان يرى نفسه مشجِّعًا للمشروع الأمريكي، لا حَكَمًا، أو مدرِّبًا، أو لاعبًا في الاقتصاد؛ فكان يحض على العمل الجماعي ويأمل أن يراه محقَّقًا على أرض الواقع، ودعا شخصيات بارزة في الصناعة الأمريكية للاجتماع، طالِبًا منهم التفاهمَ بعضهم مع بعض، لتخطيط كيفية الحيلولة دون تحوُّلِ الانهيار إلى كسادٍ، وحثَّ أربابَ العمل على عدم خفض معدل الأجور، واتفقوا على التعاون فيما بينهم.14 ولم ينفك هوفر يتمادى أكثر في طلباته، فالتمس من سياسيي الدولة والسياسيين المحليين الإسراع في إنفاقهم على الطُّرُقِ وغيرها من الأشغال العامة وزيادة هذا الإنفاق، معتقِدًا أنه يوجد في مختلف الخزائن الحكومية «احتياطيٌّ لا بأس به لاتخاذ إجراءٍ واسعِ النطاق على وجه السرعة».15
لم يتطلَّب أيٌّ من تلك الاستراتيجيات اتخاذَ أيٍّ من مسئولي الحكومة الفيدرالية أيَّ إجراءٍ يتجاوز ترديد عبارات التشجيع من وقت لآخَر. فلم يقدِّم أي مسئول بالحكومة أي عون فوري للأمريكيين، ولم يكلِّف أحدٌ الحكومةَ مالًا، واعتمد الجميع على مَن هم خارج واشنطن العاصمة لمنع الكارثة. لكن لم يفلح أيٌّ من هذا. فلم يتطرَّق تعهُّدُ رجال الأعمال بالإبقاء على معدلات الأجور إلى مسألة تخفيضهم ساعات العمل أو تسريح العمال؛ وقد قاموا بالأمرين. وفي بداية يناير ١٩٣٠، أوردت مجلة بيزنس ويك أن «بعض شركات السيارات … سرَّحَتْ موظَّفِيها فيما بَدَا أنه عجلة متهوِّرة».16 أما أصحاب الشركات الأصغر حجمًا — الذين كانوا أكثر عددًا وأدنى مرتبة من أن يُدعَوا إلى واشنطن — فرأوا أنهم في حِلٍّ من ذلك التعهد بعدم خفض الأجور. وعليه، ارتفع معدل البطالة وانخفضت الأجور بوجهٍ عامٍّ، حتى في الحالات التي ظلَّتْ فيها قيمة الأجر الاسمية كما هي.
كما لم يكن بمقدور السلطات المحلية أو على مستوى الولايات الاستجابة بفعالية لمناشدة هوفر؛ فقد أنفقوا بعض المال على مشروعات التشييد، ولكن مع استمرار الأزمة تناقَصَ ما بحوزتهم. وهبط العائد من الضرائب وارتفعَتْ قيمة فاتورة غوث الفقراء المحليين. وأجبرت هاتان النتيجتان المستنزِفتان للميزانيات المحلية الحكومات المحلية، بالمئات، على إرجاء دفعات ديونها المستحقة، إن لم يكن التنصل منها.17 وتلك الإخفاقات في وفاء الحكومة بالتزاماتها وضعَتْ ضغوطًا على ركنٍ ضعيفٍ آخَر في خطة هوفر؛ وهو اعتماده على ما أطلق عليه في نوفمبر ١٩٢٩ «الطريقة الرائعة لعمل نظام الاحتياطي الفيدرالي، والوضع السليم الذي تتميز به المصارف».18 وقد اتضح أن تقييمه هذا تشوبه النقائص.

فمنذ بدء العمليات عام ١٩١٤، كان نظام الاحتياطي الفيدرالي يقوم مقام بنك مركزي للولايات المتحدة يتولَّى تنظيم إمدادات الائتمان استجابةً للإنتاج الاقتصادي، وكان يفترض أيضًا بالبنوك المركزية، كما كتب الصحفي البريطاني والتر بادجيت عام ١٨٧٣، «الإقراض دون قيود» في أوقات الأزمات الاقتصادية لمنع حالة الذعر قبل حدوثها.

لكن لم يضع مسئولو نظام الاحتياطي الفيدرالي قواعدَ واضحةً للتدخُّل وقت الأزمات؛ فالبعض ارتأى أن النظام يجب أن يتحرك بسرعةٍ من أجل استباق الكارثة، بينما رأى الآخَرون أنه ينبغي الإبقاء على أمواله حتى تشتدَّ الحاجةُ إليها. وكان ميزان الرأي داخل الاحتياطي الفيدرالي متروكًا في يد مؤيِّدي سياسة عدم التدخُّل، كما كان متروكًا لهم في دائرة مهنة الاقتصاد إبَّان عشرينيات القرن العشرين. وظنَّ أغلب الاقتصاديين أنه يجب عدم التدخُّل في الاقتصاد الذي يواجِه أزمةً، وأن البنوك والشركات الأضعف ستُفلِس، وذهبوا إلى أنه إبَّان فترةٍ من فترات الازدهار أجرى بعضُ رجال الأعمال حساباتٍ خاطئةً تحت تأثير الإفراط في التفاؤل؛ فاقترضوا مبالغ طائلة، وأنتجوا كمياتٍ هائلةً وخزَّنوها ترقُّبًا للطلب عليها، إلا أن ذلك لم يتحقَّق قطُّ على أرض الواقع. ظنَّ الاقتصاديون أن تلك الحسابات الخاطئة ساعَدَتْ على حدوث الأزمة في المقام الأول، وأن الدور الملائم الذي يلعبه الركودُ كان يتمثَّل في تصحيح الأخطاء الناجمة عن سوء التقدير هذا. وكما تقول أغلب كتب الاقتصاد الأساسية التي كانت تُدرَّس حينها: «إذن فترة الكساد هي تلك الفترة التي … يجري الإبقاء فيها على مستوى الإنتاج منخفِضًا إلى أن يُتخلَّص من المخزون الفائض، ولا يُلتزَم بالتزامات جديدة حتى يكون هناك ضمان معقول بتحصيل أرباح؛ أي إن فترة الكساد، على ظلامها وكآبتها، بمنزلة مُتنفَّس للأعمال.»19
علاوةً على ذلك، لو كان الاقتصاديُّون قد اجتمعوا بوجهٍ عامٍّ على الاتفاق على الحاجة للتدخُّل وقت الأزمة، لَوجد مسئولو الاحتياطي الفيدرالي صعوبةً في معرفة توقيت استفحال الأزمة إلى الحدِّ الذي يستلزم التدخُّل. فلم يكن لدى الولايات المتحدة إحصاءات منتظمة بشأن البطالة أو حول الناتج الاقتصادي الإجمالي، كما لم يكن لديها نظام لحساب الدخل القومي،20 وغالبًا ما اعتمَدَ الجدلُ الدائر بين مصرفيِّي الاحتياطي الفيدرالي على أدلةٍ أو افتراضاتٍ سمعيةٍ حول ما يدور في الاقتصاد.
ونتيجة لذلك، عقب الانهيار مباشَرةً، اتخذ نظام الاحتياط الفيدرالي بعضَ الخطوات التي من شأنها تيسير إقراض الأموال واقتراضها على البنوك، وبعدها ببضعة أشهر لم يُجدِ النظام كثيرًا، وانزعج بعض أعضاء النظام من جموده النسبي، لافتين الانتباه إلى أن الكساد يبدو أن رقعته تتسع حول العالم، ويصيب المدينين لأمريكا على وجه الخصوص. وفي ربيع ١٩٣٠، أجرى جورج إل هاريسون، محافِظ بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، زيارةً لأوروبا ولاحَظَ وجود «نقصٍ في رأس المال العامل؛ ومن ثَمَّ وجود قيد على القوة الشرائية، في عدد من البلاد … تأثَّرَتْ بالظروف الائتمانية المتعسِّرَة التي سادت العام السابق».21 ورأى هاريسون أنه ينبغي على الاحتياطي الفيدرالي أن يخفِّف من قيوده على الائتمان، إلا أن أغلب محافِظي نظام الاحتياطي الفيدرالي خالَفوه الرأي.
عَمِل حذر الاحتياطي الفيدرالي إلى جانب الكونجرس والرئيس على الاتجاه بالاقتصاد العالمي إلى حالةٍ من شبه التوقُّف؛ ففي ١٧ يونيو ١٩٣٠، أصدَرَ هوفر قانونَ تعريفةِ سموت-هاولي الذي رفَعَ الضرائب على الواردات إلى أمريكا. كانت فكرة التعريفة الجمركية الجديدة قد ظهرَتْ عام ١٩٢٨ باعتبارها وسيلةً لحماية المزارعين الأمريكيين، الذين عانَوا فترةً عصيبةً طويلةً من المنافَسة الأجنبية. ولكن قبل تمرير القانون، عارَضَ كثير من المزارعين أحكامه، مثلما فعل محرِّرو الصحف وبعض التنفيذيين بالشركات الصناعية وعددٌ من الحكومات الأجنبية التي رأت أن القانون سيفصل السوق الأمريكية تمامًا عن بقية العالم؛ مما سيترتَّب عليه عواقب وخيمة. وعلى وجه الخصوص انزعَجَ أربابُ صناعة السيارات، التي شكَّلَتْ ١٠ بالمائة من الصادرات الأمريكية،22 وقد حذَّر أحد التنفيذيين بشركة جنرال موتورز من ذلك قائلًا: «إن الأمة المقرضة … عليها إنْ كانت تطمح إلى الحفاظ على ازدهارها … أن تشتري البضائع الأجنبية من كل نوع.»23 في حين قال توماس لامونت، الشريك في بنك جيه بي مورجان آند كومباني الاستثماري إنه «كاد يخرَّ على ركبتيه ليتوسَّل إلى هربرت هوفر كي يعترضَ على قانون تعريفة هاولي-سموت الغبية.»24
إلا أن فرض تعريفة أعلى بَدَا فكرةً طيبة من وجهة نظر دوائر انتخابية أخرى، فالجمهوريون فضَّلوا التعريفات استجابةً للشكوى الاقتصادية؛ فقد استخدموا تعريفة كساد عام ١٩٢١ الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، وبَدَا أنها آتَتْ ثمارَها حينها؛ لذا فعلوا هذا مجددًا، إذ صوَّت أكثر من ٩٠ بالمائة من الجمهوريين في مجلس النوَّاب لصالح مشروع القانون، بينما عارَضَه أكثر من ٩٠ بالمائة من الديمقراطيين في مجلس النوَّاب؛ وفي مجلس الشيوخ صوَّتَ ٧٨ بالمائة من الجمهوريين لصالح مشروع القانون، بينما عارَضَه ٨٦ بالمائة من الديمقراطيين.25
وما أعقب ذلك أثبَتَ صحة رأي النقاد؛ ففي السنوات التالية، انتقَمَتْ بلاد أخرى عن طريق إنشاء حواجزها الجمركية، وانخفض حجم التجارة العالمية بمعدل الربع، وصعَّب مَنْع البلاد الأخرى من دخول الأسواق الأمريكية من قدرة القوى الأجنبية على سداد ديونها المستحقة منذ الحرب العالمية الأولى. وكما أوضح أحدُ الكُتَّاب في صحيفة ذا نيويورك تايمز: «لا يوجد ذهب كافٍ في العالم من أجل السداد لأمريكا؛ ولذا ستُحصِّل أمريكا قروضها من أمريكا وعن طريق السلع المبيعة في أمريكا.»26 ومع حظر الائتمان في عام ١٩٢٨، كانت القروض من أمريكا قد بدأَت في التناقص، ومع حظر التجارة في عام ١٩٣٠، بدأت البضائع المبيعة في أمريكا في التناقص أيضًا، وأعقب ذلك أن بدأت الدفعات المسدَّدة إلى أمريكا في التناقص، حيث سعَتِ الدولُ إلى حماية مواطنيها. كان خفض التجارة يعني خفض التدفُّق الدولي للمال المقترَض.
في نهاية عام ١٩٣٠، تجلَّتْ أخيرًا الآثارُ السلبية لصعوبة اقتراض المال؛ ففي الشهرين الأخيرين من العام، عرَّضَتْ إفلاساتُ البنوك ودائعَ ضخمةً للخطر، وهي مبالغ تفوق تلك التي تعرَّضَتْ للخطر نتيجة لحالات تعليق النشاط في العام السابق.27 كما لم يتوقَّف الذعر أيضًا، فاستمرَّ الانهيارُ غير المنتظم للنظام المصرفي الأمريكي، وخلال ولاية هوفر أفلَسَ أكثرُ من ٢٠ بالمائة من البنوك الأمريكية.28
وعلى النقيض من تأكيدات هوفر التطمينية، كان النظام المصرفي الأمريكي يعاني من نقاط ضعف متأصِّلة فيه؛ فقوانينُ كثيرٍ من الولايات منَعَتِ البنوكَ من إنشاء فروع مصرفية؛ حيث إن البنوك التي تتمتع بفروعٍ كثيرةٍ مرتبطٍ بعضها ببعض، وتقرض المالَ في أماكن مختلفة لمختلف أصناف المقترِضين، اعتمدَتْ بمعدل أقل على ثروات مكان بعينه، وكان يمكنها تجاوُزُ أيِّ أزمة بسهولة كبرى، بينما فَشِلَتْ بسهولةٍ نسبية البنوكُ التي لم تكن لها فروع أو وحدات مصرفية؛ فالولايات التي سمحت بالفروع المصرفية كانت لديها بنوك أقوى وأقدر على المنافسة عملَتْ على إزاحة البنوك الأضعف عن المنافسة أو استحوذَتْ عليها. دخلت هذه الولاياتُ فترةَ الكساد بنظامٍ ماليٍّ أقوى وأكثر استقرارًا، وبالمثل تجاوَزَ النظام المصرفي الكندي الكسادَ بوجه عام، بما يتمتع به من فروع مصرفية كثيفة.29
ضرب الانهيار الكبير بنوكَ أمريكا بقسوةٍ؛ فبعضها كان يعطي قروضًا لتمويل المضارَبة، والبعضُ الآخَر كان يملك أصولًا أجنبية أفلَسَتْ، حيث توقَّفَتِ الديونُ الأمريكية بالخارج ولم تستطِع الدولُ الأخرى الوفاءَ بالتزاماتها، ولكن الأهم هو أن معاناة البنوك كان سببها أن عملاء تلك البنوك عانَوا ولم يعودوا قادرين على سداد ديونهم أو إجراء إيداعات جديدة في حسابات الادِّخَار خاصتهم؛ فالمبالغ على القروض والودائع الجديدة كانت مصدرَ الدخل الرئيسي للبنوك، ومع نضوب دخل البنوك، لم تستطع السدادَ لدائنيها؛ ومن ثَمَّ تزايدَتْ وتيرةُ إغلاقِ البنوك أبوابها.30

جنح نظام الاحتياطي الفيدرالي إلى رأي غالبية أعضائه بأن البنوك المنهارة جزء طبيعي — وإن كان مُؤلِمًا — من دورة حياة عالَم الأعمال الحديث، لكن هذا لم يمنع حالات الإفلاس تلك أو يحول دون حدوث حالات أخرى، وكان عدمُ اتخاذهم لأي إجراءٍ متوافِقًا مع الاتجاه التقليدي الذي كان سائدًا حينها، إلا أن التقليدية التي سادَتْ في عشرينيات القرن العشرين تحدَّتْ قناعةً قديمةً وموثوقًا بها أرساها بادجيت في عام ١٨٧٣ إضافةً إلى الأدلة البادية أمامهم. واستمر إفلاس البنوك، في موجات من النوائب أثارَتْ مشاعر الرعب، حيث بعثَتْ كلُّ حالةِ إغلاقٍ بموجات جديدة من الخوف لمدًى أبعدَ وعلى نطاقٍ أوسعَ، وبدأ الأمريكيون يفقدون الثقةَ في بنوكهم تمامًا، وهو الأمر الذي زاد من صعوبةِ حصولِ البنوك على أموال.

ينطبق كثيرٌ مما سبق على هوفر نفسه؛ ففي حين أنه نال احترام الآراء في وقته، تحدَّى هوفر الأدلةَ التي أدركَتْها حواسه وتقليدًا راسخًا لفترة طويلة كان يدعوه إلى تحرُّكٍ، ونتيجة لذلك وجد هو أيضًا مسألةَ الحصول على ائتمانٍ تزداد صعوبةً مقارَنةً بالأوقات الطبيعية. وفي بداية أكتوبر ١٩٣٠، أكَّدَ هوفر على الأسباب النفسية لمشكلات الأمريكيين قائلًا: «لم يقلِّل الكساد دخل جزء كبير من شعبنا … إلا أن هذا الدخل تأثَّرَ بالمخاوف والتشاؤم اللذين لا داعي لهما.» وبالنسبة لوجوب اتخاذ الحكومة لإجراءٍ ما من عدمه، سمح هوفر لها بخفض الضرائب على أرباح رأس المال؛ الأمر الذي سيسمح للمستثمرين بالاحتفاظ بمزيد من أرباح التداول.31 وبعدها ببضعة أسابيع، عشية ذكرى الخميس الأسود، درَأَ هوفر شائعاتٍ بشأن دعوته الكونجرس للانعقاد في جلسةٍ خاصةٍ لاتخاذ إجراء لمواجَهة البطالة، حيث أعلن قائلًا: «لا توجد ضرورة لعقد جلسةٍ خاصةٍ للتعامل مع مسألة التوظيف؛ فحسُّ التنظيم التطوُّعي وروح الجماعة لم يختفيا من الشعب الأمريكي.»32 لم تخبُ جذوةُ إيمانِ هوفر بقوة العبارات التشجيعية، فقد كان يرى أن الأمريكيين في حاجةٍ إلى الإيمان بقدرة العمل التطوُّعي المدني غير الحكومي.
وعقب ذلك ببضعة أسابيع، فقَدَتْ طبقةٌ من صفوة الأمريكيين وظائفَها مرة واحدة: إنهم جمهوريو الكونجرس؛ ففي مجلس النوَّاب فقَدَ الجمهوريون ٥٢ مقعدًا لتئول الأغلبية للديمقراطيين،33 أما في مجلس الشيوخ، فقد فقَدَ الجمهوريون ٨ مقاعد، فلم ترجح كفة أيِّ الحزبين ليصبح الحزب ذا الأغلبية المطلقة.
في ٣ فبراير ١٩٣١، جدَّدَ هوفر معارضته للدعم الفيدرالي لمسألة البطالة، موضِّحًا أنه لن يعتمد ذلك إلا عندما «يحين الوقت الذي تعجزُ فيه منظمات الدولة التطوُّعية، إلى جانب السلطات على المستوى المحلي ومستوى الولايات، عن إيجاد الموارد لمنع الجوع والمعاناة.»34 وعلى غرار الاحتياطي الفيدرالي، الذي يحتفظ بالذهب في حجرات محصنة في الوقت الذي تفلس فيه البنوك، لن يفتح هوفر الخزانة الفيدرالية لتقديم الدعم إلا بعد انهيار المؤسسات الخاصة والمؤسسات العامة المحلية. فقد عارَضَ فكرةَ الدعم الفيدرالي بناءً على مبدأ، حيث كان يعتقد أن الأمريكيين سيواجهون خطرَ «الانزلاق إلى الشيوعية وسيطرة الدولة على الإنتاج» إذا ما قدَّمَتِ الحكومةُ الفيدرالية الدعمَ مباشَرةً إلى مواطنيها.35
ولم يذهب دعمه للجهود التعاونية والمحلية هباءً على نحوٍ تامٍّ؛ فقد حاوَلَتْ بعضُ الشركات أن تُبقِي على العمالة مستقرةً، وخفضَتْ شركةُ جنرال إليكتريك عددَ التصميمات التي تنتج بها المصابيح الكهربائية، والتزمَتْ بخمسين أسبوعَ عملٍ في عام ١٩٣١ بالنسبة للموظفين الذين عملوا لدى الشركة سنتين أو أكثر. وتعاوَنَتْ بعض الاتحادات العمالية مع أصحاب الصناعات من أجل إنشاء صناديق تأمين ضد البطالة، وأعادَتْ بعض الشركات الأخرى تدريبَ عمَّالها، من أجل تسهيل نقلهم داخل الشركة، في حين دشَّن البعضُ الآخَر منها سياسة منح قروض للعاطلين.36 وفعلت الولايات ما تستطيع فعله، فطلب فرانكلين دي روزفلت حاكِم نيويورك برنامجَ غوثٍ طارئًا من مجلس الولاية في صيف ١٩٣١، واستجابَتْ مقاطعة ألباني بتخصيص ٢٠ مليون دولار من أجل غوث أكثر من ٣٠٠ ألف أسرة، وحذَتِ الولايات الأخرى حذوها، فأنفقت عشرات الملايين من الدولارات لمساعدة مواطنيها.37
إلا أن هذه الجهود لم تكن كافيةً؛ فقد كان المستهلكون ينفقون بحذر عندما يفقدون الثقة، ولا ينفقون على الإطلاق عندما يخسرون وظائفهم؛ فعانت الشركات التي اعتمدَتْ على استمرار اقتراض المستهلكين بثقةٍ. وقد خاطَبَ جيمس فاريل — رئيس الشركة الأمريكية للصلب — إحدى جلسات الكونجرس في نهاية عام ١٩٣١ قائلًا: «من الصعب خلق عمل بمنأًى عن احتياجات المشترين.»38 وفي الوقت الذي كانت الشركات تسرِّح العاملين فيها، أخذ عدد المستهلكين القادرين على الإنفاق يقلُّ أكثر وأكثر.
لم يحجم هوفر تمامًا عن اتخاذ إجراء فيدرالي؛ ففي فبراير ١٩٣١، وقَّعَ على تشريع بإنشاء المجلس الفيدرالي لاستقرار التوظيف، والذي كُلِّفَ بوضع إطار زمني للإنفاق الفيدرالي على الإنشاء من أجل الاستجابة لمشكلة البطالة وتحديد حجم هذا الإنفاق،39 ولكنه أيَّدَ تلك القوانين على مضضٍ، وقد أطْلَعَ أحدَ معاونيه على أنه كان يفضِّل «خفضَ النفقات، وأن يعطي الدولة والعالم نموذجًا لميزانية متوازنة»، وعارَضَ تشريعًا آخَر للتوسُّع في الأشغال العامة الفيدرالية.40 كما أمر هوفر أيضًا بتطبيقٍ أكثر صرامةً لتشريعات حظر الهجرة، وفي مارس ١٩٣١، أوردت صحيفة ذا نيويورك تايمز زَعْمَ البيت الأبيض أن «الرئيس هوفر، في إطار جهوده للتخفيف من مشكلة البطالة … أبعَدَ عن الدولة حوالي ١٠٠ ألف من الأجانب كان سيُسمَح لهم بدخول البلاد في ظلِّ ظروف العمل الطبيعية.»41
وفي يونيو ١٩٣١، تحوَّلَ هوفر إلى إيقاف الانتشار الدولي للانهيارات الائتمانية، مُعلِنًا السماحَ للحكومات المدينة بتأجيل سداد ديونها لمدة عام، ووجَّه عينَيْه صوب ألمانيا على وجه الخصوص، التي كانت شئونها المالية تنذر بالتدهور. وقد علَّقَتْ صحيفة ذا تايمز على الموقف قائلةً: «ليس الأمر أن ثمة مخاوف من نشوب حرب هناك»، بل «الأمر كما لو أنه يوجد جهاز عصبي واحد فحسب للعالَم المتحضر بأكمله»، وأي إصابة تلحق بطرف من الأطراف تؤثِّر على الجسد بأسره.42
ربما أخَّرَ السماحُ بتأجيل سداد الديون المزيدَ من الانهيار المالي العالمي، ولكنه لم يكن باستطاعته تقديم غوث فوري للأمريكيين، واستمر معدل البطالة في الارتفاع. وتشير التقديرات اللاحقة التي تتناول هذه الفترة إلى أن البطالة ارتفعَتْ من حوالي ٩ بالمائة في عام ١٩٣٠ إلى ١٦ بالمائة تقريبًا في عام ١٩٣١، ثم تصاعدت إلى النسبة المروعة ٢٣ بالمائة في عام ١٩٣٢. وإبَّان فترة الكساد، وضع إحصائيو الحكومة — إدراكًا منهم للأزمة المستفحلة، ورغبةً منهم في قياس نسبها — مفاهيمَ وطرقَ قياسِ البطالة وتحديدها، التي شكَّلَتِ الأساسَ لتلك الحسابات الحديثة. إلا أن باكورة عملهم أفرزَتْ أرقامًا كئيبة، على عكس ما كانت تتمنَّى إدارةُ هوفر أن تسمع وتصرِّح به. وأجبر الرئيس مديرَ مكتبِ إحصاءات العمل على التقاعُد، كما أوردت صحيفة ذا نيويورك تايمز: «صاح قائلًا: «متقاعد! من فضلك لا تقلها هكذا، فليست هذه بكلمة مناسبة».»43
وفي محاولة يائسة من هوفر، وفي بداية حملته لإعادة انتخابه، أقرَّ مجموعةً أخيرة من السياسات لإنهاء حالة الكساد. ولما كان هوفر منزعِجًا من الانهيار الوشيك لبنك «بانك أوف أمريكا» الكائن في كاليفورنيا، دعا هوفر لإعداد تشريع طارئ لمساعدة بنوك الدولة.44 وفي يناير ١٩٣٢، أقرَّ قانونًا بإنشاء «مؤسسة تمويل إعادة الإعمار»، برأس مال ٥٠٠ مليون دولار، وسُمح لها بإصدار أوراق نقدية إلى ما يصل إلى ١٫٥ مليار دولار بحيث تتمكَّن من إقراض المال، لا سيما إلى المؤسسات المالية، وبذلك تكون (حيث لم يكن الاحتياطي الفيدرالي) بمنزلة الملجأ الأخير للإقراض وتنقذ مؤسسات الدولة المانحة للائتمان. واضطلعت المؤسسة بعملها بناءً على النظرية القائلة بأنه إذا تمكَّنَتْ من تخفيف الضغط على البنوك، فستمنح في النهاية بحبوحة مماثلة للمقترضين منها. وفي غضون أسبوعين من إنشاء مؤسسة تمويل إعادة الإعمار، كانت تمنح مائة قرض يوميًّا.45
كما وقَّع هوفر أيضًا على مشروع قانون بتخصيص ١٢٥ مليون دولار لنظام بنوك الأراضي الفيدرالي؛ وهو شبكة من البنوك أُنشِئت في عام ١٩١٦ من أجل توفير الرهونات الزراعية؛ فالمال الإضافي من شأنه أن يدعم البنوك أمام المقترضين المتعسرين والمدَّخِرين المطالبين بودائعهم. وبالمثل أصدر هوفر في صيف ١٩٣٢ قانونًا بإنشاء نظام بنوك قروض الإسكان لدعم البنوك التي أقرضَتِ المالَ من أجل رهونات أصحاب المنازل. كما وقَّع مشروعَ قانونٍ آخَر بالتخفيف من القيود على البنوك التابعة لنظام الاحتياطي الفيدرالي، وإيلاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي قدرًا أكبر من الحرية في التحكُّم في أسعار الفائدة.46
الأرجح أن هذه التدابير كافة ساعَدَتْ في تخفيف القيود على الائتمان وتمكين المصرفيين ورجال الأعمال من الإقراض والاقتراض بحرية أكبر من جديد؛ الأمر الذي ربما أدَّى في النهاية إلى إعادة تشغيل عددٍ لا بأسَ به من الشعب الأمريكي، ولكنها لم تقدِّم أيَّ شيء فوري للأمريكيين من غير المصرفيين؛ فداعِمُو هوفر أدانوا جهودهم دون قصدٍ منهم، موضِّحين أنهم لم يفعلوا أيَّ شيء موجَّه مباشَرةً للمواطن العادي. وعلى حدِّ قول أوجدين ميلز، وزير الخزانة، فإن سياسات الرئيس «حرَّرَتِ القوى المتعافيةَ والبنَّاءةَ داخل مجال الأعمال نفسه … ولذا ربما تتاح لمجال الأعمال في الدولة فرصةٌ كي يفعل لمصلحته أشياءَ لا تقدِر الحكومةُ أن تتطلَّع إلى فعلها في سبيل تلك المصلحة.»47
التزَمَ هوفر بأسس الغوث التي أرساها في عام ١٩٢٧؛ العبارات التشجيعية، والدعاية على نطاق واسع، وتقديم العون للمقرضين، وعدم توجيه أي مساعَدةٍ مباشرة إلى العمال الأمريكيين. تنصَّل هوفر من أي اتصال بالمواطنين، معلِّلًا ذلك بأنه ارتأى أن الرئاسة مُنِحت «سلطة لقيادةٍ تعمل على التنسيق بين قوى مجال الأعمال والحياة الثقافية».48 فجعل من نفسه عرضةً لانتقاد الحاكم روزفلت، الذي أعلن في أبريل ١٩٣٢ أن «الإدارة الحالية … إما أنها نسيت أو لا تريد أن تتذكَّر المشاة في جيشنا الاقتصادي. إن هذه الأوقات العصيبة تستدعي … خططًا … تبني بناءً تصاعديًّا وليس تنازليًّا، تبثُّ الإيمان مرةً أخرى في المُواطن المنسيِّ عند قاعدة الهرم.»49 قُوبِلَ خطاب روزفلت بالاستهجان حتى من أعضاء حزبه؛ لأنه يؤلب الجماهير على الأغنياء، ولكن بحلول الصيف أصبح روزفلت المرشَّح الديمقراطي للرئاسة، وفي نوفمبر أطاح بهربرت هوفر من منصبه، فائزًا بمنصب الرئيس في انتصارٍ ساحِقٍ، على أمل أنه سيمدُّ يدَّ العون إلى الأمريكيين العاديين، وهو ما لم يفعله هوفر وفقًا لقناعاته الشخصية.

هوامش

(1) “Wagner Puts Party in Progressive Role,” New York Times, 5/15/31, 2.
(2) John M. Barry, Rising Tide: The Great Mississippi Flood of 1927 and How It Changed America (New York: Simon and Schuster, 1997), 270.
(3) Timothy Walch and Dwight M. Miller, eds., Herbert Hoover and Franklin D. Roosevelt: A Documentary History (Westport, CT: Greenwood, 1998), 6.
(4) Barry, Rising Tide, 266.
(5) Ibid., 368.
(6) Ibid., 401.
(7) Ibid., 384–93.
(8) H. L. Mencken, On Politics: A Carnival of Buncombe, ed. Malcolm Moos (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1956), 148.
(9) Robert A. Slayton, Empire Statesman: The Rise and Redemption of Al Smith (New York: Free Press, 2001), 98.
(10) Ibid., 314, 316.
(11) “Hoover Asserts Business Sound,” Wall Street Journal, 10/26/1929, 1.
(12) “Leaders Call Break Technical,” Wall Street Journal, 10/26/1929, 13.
(13) “Text of Hoover’s Announcement of Plan for National Conference on Business Aid,” New York Times, 11/16/1929, 1.
(14) Albert U. Romasco, The Poverty of Abundance (New York: Oxford University Press, 1965), 29.
(15) “Text of Hoover’s Announcement,” New York Times, 11/16/1929, 1.
(16) Romasco, Poverty of Abundance, 59.
(17) Lester V. Chandler, American Monetary Policy, 1928–41 (New York: Harper and Row, 1971).
(18) “Text of Hoover’s Announcement,” New York Times, 11/16/1929, 1. (Capitalization of “system” as in original.)
(19) Chandler, American Monetary Policy, 119.
(20) Ibid., 116.
(21) Ibid., 151.
(22) Barry Eichengreen, “The Political Economy of the Smoot-Hawley Tariff,” NBER Working Paper no. 2001 (1986), 17.
(23) “Urge Tariff Cuts to Aid World Amity,” New York Times, 6/10/1930, 2.
(24) David M. Kennedy, Freedom from Fear: The American People in Depression and War, 1929–1945 (New York: Oxford University Press, 1999), 50.
(25) Douglas Irwin, “From Smoot-Hawley to Reciprocal Trade Agreements: Changing the Course of U.S. Trade Policy in the 1930s,” in The Defining Moment: The Great Depression and the American Economy in the Twentieth Century, ed. Claudia Goldin, Eugene N. White, and Michael D. Bordo (Chicago: The University of Chicago Press, 1998), 334.
(26) Edwin L. James, “Peril to War Debts Seen in our Tariff,” New York Times, 6/18/1930, 1.
(27) Ben S. Bernanke, “Nonmonetary Effects of the Financial Crisis in the Propagation of the Great Depression,” American Economic Review 73, no. 3 (1983): 262.
(28) Chandler, American Monetary Policy, 105.
(29) Mark Carlson and Kris James Mitchener, “Branch Banking, Bank Competition, and Financial Stability,” NBER Working Paper no. 11291 (2005); Richard S. Grossman, “The Shoe That Didn’t Drop: Explaining Banking Stability During the Great Depression,” Journal of Economic History 54, no. 3 (1994).
(30) Chandler, American Monetary Policy, 105-6.
(31) “Hoover Asks Bankers to Take Lead,” New York Times, 10/3/1930, 1.
(32) “Work for Jobless Put at $450,000,000,” New York Times, 10/25/1930, p. 4.
(33) Clerk of the House website, www.house.gov, consulted 2/27/2007. The Seventy-first Congress had 270 Republicans and the Seventy-second had 218.
(34) “Text of President Hoover’s Statement,” New York Times, 2/4/1931, 2.
(35) Joan Hoff Wilson, Herbert Hoover, Forgotten Progressive (Prospect Heights, IL: Waveland, 1992), 151.
(36) Romasco, Poverty of Abundance, 135–38.
(37) Ibid., 169-70.
(38) Ibid., 139.
(39) “Wagner Act Signed by the President,” New York Times, 2/11/1931, 2.
(40) Wilson, Herbert Hoover, Forgotten Progressive, 150.
(41) “Alien Order Bars 96, 885 in 5 Months,” New York Times, 3/27/1931, 22.
(42) “No Splendid Isolation,” New York Times, 6/20/1931, 11.
(43) “Labor Commissioner Stewart Quits Post,” New York Times, 7/3/1932, 3.
(44) James S. Olson, Herbert Hoover and the Reconstruction Finance Corporation, 1931–1933 (Ames: Iowa State University Press, 1977), 33–35.
(45) Ibid., 42.
(46) Romasco, Poverty of Abundance, 190–93.
(47) Ibid., 197.
(48) Ibid., 200.
(49) James S. Olson, Saving Capitalism: The Reconstruction Finance Corporation and the New Deal, 1933–1940 (Princeton: Princeton University Press, 1988), 55.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١