الفصل الرابع

إنعاش الاقتصاد والغوث

عندما أدَّى فرانكلين ديلانو روزفلت اليمين رئيسًا للمرة الأولى في ٤ مارس ١٩٣٣، كان واضحًا أن كلَّ ترسٍ من ماكينة الاقتصاد الأمريكي قد تعطَّلَ، فالبنوك والمزارع والمصانع والتجارة كلها أفلسَتْ.

بدأ روزفلت على الفور العملَ على إصلاح القطاعات المالية والزراعية والصناعية، مع أنه سوف يولي الشئون السياسية الخارجية اهتمامًا أقل. وكما أشار أشعيا برلين فيما بعدُ فإن «تجربة روزفلت الاجتماعية العظيمة أُجرِيَتْ دون اكتراث بالعالم الخارجي من منطلق الانعزالية.» عملت الصفقة الجديدة على حل الأزمة الحالية والحئول دون كارثة مستقبلية في أمريكا وحدها، وبطرق أمريكية، «مع الحد الأدنى من الاتصال بالعالم الخارجي، والذي كان في الواقع [على حدِّ تعبير برلين] جزءًا من العرف السياسي الأمريكي إلى حدٍّ ما».1
تنامت أجندة عمل روزفلت من واقع التجربة العملية: فالأجزاء التي ثبتت جدواها صمدت، أيًّا كان مصدرها. في الواقع، حصل البرنامج على اسمه من خلال تلك العملية وحدها؛ حيث استخدم روزفلت عبارة «الصفقة الجديدة»2 عند قبوله ترشيح الحزب الديمقراطي له رئيسًا، وأُعجِبَتِ الصحافة بتلك العبارة. حملت «الصفقة الجديدة» بداية جديدة، ولكنها لم تبشِّر بشيء محدَّد؛ لقد ثبتت جدواها فصمدت.

كانت السياسات التي استخدمتها الإدارة لإنعاش الأموال والائتمان بالدولة، جنبًا إلى جنب مع السياسات التي انتهجَتْها من أجل التخفيف من المعاناة الآنيَّة للشعب الأمريكي، من بين النجاحات الأُولَى للصفقة الجديدة والأكثر صمودًا. فمنذ بدء تطبيق تلك السياسات في عام ١٩٣٣ حتى التعبئة من أجل الإنتاج الحربي في عام ١٩٤٠ — باستثناء ركود الفترة ١٩٣٧-١٩٣٨ — نما الاقتصاد الأمريكي بمعدلٍ بلغ في المتوسط من ٨ إلى ١٠ بالمائة في العام. وبالمثل، انخفضَتْ معدلات البطالة انخفاضًا كبيرًا جدًّا عن المعدلات الضخمة اللامعقولة التي بلغتها في عام ١٩٣٢. وإذا لم يكن هدف الصفقة الجديدة سوى علاج الكساد القائم، فلعل سياساتها الخاصة بالغوث وإنعاش الاقتصاد، التي جرى تطبيقها بهمة وثبات، كانت كافيةً لأداء المهمة، ويرجع نجاحها الواضح في قاسم كبير منه إلى رغبة جمهور الناخبين في دعم روزفلت.

بدأ روزفلت بإنقاذ البنوك، فبعد يومين من تولِّيه منصبه، أعلن أن بنوك الأمة يجب أن تُوقِف تعاملات الذهب، وبذلك أغلقها، وطلب من الكونجرس التصديقَ على هذا الإجراء، فامتثلَ الكونجرس لقانون المصارف الطارئ في ٩ مارس، الذي أقرَّ بصحة إجراء روزفلت، وقام بتعيين حارسٍ قضائيٍّ له سلطةُ إعادةِ تنظيم البنوك إن دَعَتِ الضرورة لذلك. وإضافة إلى ذلك، خوَّلَ القانونُ شراء أسهم البنوك إلى مؤسسة تمويل إعادة الإعمار، وأتاح قدرًا أكبر من الحرية لنظام الاحتياطي الفيدرالي لإصدار العملة، وكان الهدف من كلا التدبيرين إتاحةَ الأموال على نحوٍ أكبر.3 وبعدها بثلاثة أيام خطب روزفلت في الأمة عبر أثير الإذاعة للمرة الأولى من ضمن سلسلة «أحاديث إلى جانب المدفأة»، التي شرح فيها كيفية عمل البنوك، وما تَمَّ إنجازه، وقال أيضًا: «آمل أن تَرَوا من هذا الشرح البسيط لما تقوم به حكومتكم أنه لا يوجد شيء معقَّد، أو راديكالي، في العملية.»4 وفي اليوم التالي ١٣ مارس، فتحَتِ البنوكُ أبوابها، وأتاح مشروع القانون في الأساس إعادةَ فتحِ نصف بنوك الدولة تقريبًا دون شروطٍ، وإعادة فتح ربعها ببعض القيود على عمليات السحب، وأعاد تنظيم خُمسها، وألزم البقية — حوالي ١٠٠٠ بنك — بالتوقُّف عن العمل.5
fig4
شكل ٤-١: فرانكلين دي روزفلت جالس خلف الميكروفون أثناء أحد أحاديثه إلى جانب المدفأة في عام ١٩٣٧.
وضعَتْ إجازة البنوك نمطًا متكرِّرًا لتشريعات الصفقة الجديدة؛ فمن الوارد أن يتخذ الرئيس إجراءاتٍ سريعةً، مشكوكًا أحيانًا في سندها الدستوري؛ وفي هذه الحالة، استند روزفلت فيما يمتلكه من سلطةٍ لإغلاق البنوك إلى قانون الاتِّجار مع العدو الذي لم يُطبَّق بشفافيةٍ، والذي وافَقَ عليه الكونجرس إبَّان الحرب العالمية الأولى، ويعطي الرئيس صلاحياتٍ إبَّان الحرب.6 وسرعان ما كان يذعن الكونجرس، مُضِيفًا في أغلب الأحيان إلى مشروع القانون تدابيرَ تجاوزت بكثير ما كان روزفلت ينتظره أصلًا؛ وفي هذه الحالة، لم يعدِّل الكونجرس قانون الاتِّجار مع العدو لتضمين حالات الطوارئ في وقت السِّلْم، بل أضاف قانون المصارف الذي اعتمد على إجراءٍ سابقٍ اتخذته الحكومة، وعلى تدابير بحثها المشرِّعون بعنايةٍ إبَّان إدارة هوفر. ويمكن للرئيس إقناع الرأي العام الأمريكي بهذا الإجراء، عن طريق المزيج الساحر من لكنته الأرستوقراطية ولغته الواضحة؛ وفي هذه الحالة لن يسع الأمريكيين سوى أن يقولوا: «كان لدينا نظام مصرفي سيئ.» وسيتجاوز روزفلت أيضًا الأسلوب غير الرسمي البسيط ليستخدم الشرح المنهجي للظروف وسياسته، محاوِلًا بصدق أن يشرح التفاصيل الفنية للحالة الطارئة واستجابته لها. ورغم تهور الإجراء الذي اتخذه روزفلت، فإنه كان يسعى إلى تحقيق أهداف محافظة في الأساس. وكما كتب فيما بعدُ رايموند مولي، أحدُ مستشاري روزفلت، فإنه نتيجة لإجازة البنوك «أُنقِذَتِ الرأسماليةُ في ثمانية أيام.»7 أو على الأقل جزء من الرأسمالية، على أية حال. ومع تحقيق إنجازات على هذا المنوال، يمكن أن تتحسَّن الأزمة التي وجدَ البلدُ نفسَه يسقط فيها تدريجيًّا، لتكتسب الإدارة قدرًا من المصداقية وربما الحرية لإجراء إصلاح إضافي ودائم للنظام الاقتصادي الأمريكي.
وأتى الإصلاح بعد ثلاثة أشهر في قانون المصارف لسنة ١٩٣٣، الذي لم يكن لروزفلت أيُّ فضلٍ فيه تقريبًا. زاد القانون من سلطة مجلس الاحتياطي الفيدرالي لتنظيم عمل المصارف، وفصَلَ بين البنوك التي تتعامَلُ مع المودعين من العموم وتلك التي تستثمر في وول ستريت، وأنشأ — فيما تعارض مع تقدير روزفلت المبدئي — المؤسسةَ الفيدرالية للتأمين على الودائع التي ضمنَتِ الحكومةُ الفيدرالية من خلالها مدخراتِ الأمريكيين العاديين. وكان الرئيس قَلِقًا من أن تجد الحكومةُ نفسها يومًا ما مُجبَرةً على أن تدفع مبلغًا ضخمًا جدًّا من المال للبنوك المُفلِسة، ولكنه قَبِل بالخطة، واتضح فيما بعدُ أن ذلك كان عن حكمةٍ منه؛ ففي ظل المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع انخفضَتْ حالات إفلاس البنوك بدرجة كبيرة.8 وفي عام ١٩٣٥، منح الكونجرس المؤسسةَ صكًّا دائمًا.

في الجانب المحافظ المبقِي على الرأسمالية، تشير قصةُ إصلاح البنوك إلى القصة اللاحقة الأكبر للصفقة الجديدة؛ فدائمًا ما كان يؤكِّدَ روزفلت على اعتدال سياساته الاقتصادية، وشرح في خطابه عبر أثير الإذاعة أنه رغم قدرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على إصدار المزيد من العملة الآن، ستستند هذه العملة على أساسٍ سليمٍ. وقد صرَّحَ قائلًا: «هذه العملة ليسَتْ عملةً إلزاميةً.» إلا أنه وهو يُطمئِن الناخبين — وربما نفسه أيضًا — بشأن نواياه الرصينة فيما يتعلق بالعملة، كان يتحرك في الاتجاه المعاكس.

منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، بدأ الحزب الديمقراطي لأول مرة في التحوُّل عن تأييده التاريخي للحكومة ذات الصلاحيات المحدودة، وعندما بدأ، تحت قيادة ويليام جنينجز براين، يقف في صف الرجل العادي ضد المؤسسات الصناعية الضخمة، كان الديمقراطيون يعانون من نقطة ضعفٍ بالنسبة لتمويل الحزب. وقف براين بجانب الفلاح والعامل وعارَضَ قاعدةَ الذهب التي أدَّى التمسُّك بها إلى هبوط سعر السلع الزراعية هبوطًا شديدًا، ورأى براين أنه ينبغي بدلًا من ذلك أن تُسَكَّ الفضة، بحيث يؤدِّي ذلك إلى تضخُّم العملة، أو بالأحرى إنعاشها، مخفِّفةً الضغطَ على الأسعار. وبعد ذلك بأربعين عامًا، بَدَا الموقف مشابهًا؛ حيث لم يعتمد روزفلت على أصوات الفلاحين فحسب، بل فكَّرَ بولعٍ — كحال براين وكثير من الأمريكيين إن لم يكن أغلبهم — في مزارع الأسرة بالدولة التي اختفَتْ لوقت طويل، وكان يطمح أن يقدِّم لها الغوث نفسه الذي اقترحه براين؛ أي تداول كمٍّ أكبر من المال، ورفع أسعار منتجاتها بالدولار، وإتاحة فترةٍ زمنيةٍ أيسرَ لسداد ديونها. وكما قال روزفلت في يناير ١٩٣٣: «إذا لم نتمكَّن من وقف الانخفاض في سعر السلع، فقد نضطرُّ إلى إحداث تضخُّمٍ لعملتنا. وقد يتمثَّل هذا في استخدام الفضة كقاعدةٍ، أو تقليصِ مقدار الذهب في الدولار. لم أقرِّر بعدُ الأسلوبَ الأمثلَ الأكثر أمنًا لتحقيق هذا التضخم.»9

ولتضخيم العملة، قد يضطر روزفلت إلى تحرير الدولار من الارتباط بالذهب، حيث كان مرتبطًا به، مثله مثل غيره من العملات الرئيسية في العالم. في ظل قاعدة الذهب، وافَقَتِ الدولُ نظريًّا على الإبقاء على عملاتها قابلةً للتحويل إلى ذهبٍ، عن طريق تداول القدر نفسه للمال الذي تسمح به فقط احتياطاتها من الذهب. فإذا انخفضت احتياطاتها من الذهب — ربما بسبب أن دائنيها طالَبوا بسداد الديون — فقد تضطر إلى الاستعانة ببنوكها المركزية كي تقلِّل من ضخِّ المال في اقتصاداتها، خشية أن تهوي قيمة عملاتها. وفي بداية عام ١٩٢٩، بعد أن تقلَّصَ إقراض الولايات المتحدة الخارجي، وبعد أن زيدت التعريفاتُ الحمائية، أصبح شرطُ الإبقاء على عملاتها بالتناسُب مع احتياطاتها من الذهب عبئًا ثقيلًا على كاهل عدد من بلاد أمريكا اللاتينية وأوروبا. وأدَّى إفلاس بنك كريديت أنشتالت في عام ١٩٣١، وهو بنك نمساوي كبير، إلى عمليات سحبٍ للذهب في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك عاصمة المال في العالم، لندن. وبحلول شهر سبتمبر، كان على بريطانيا أن تتخلَّى عن قاعدة الذهب، وبالنسبة للمصرفيين والساسة وغيرهم ممَّنِ اعتبروا الإمبراطورية البريطانية راسخةً ورأوا قاعدةَ الذهب أساسًا لرسوخها، بَدَا هذا التخلِّي عن قاعدة الذهب مخيفًا في الواقع.

وفي مواجهة هذه الأزمة، رفع نظام الاحتياطي الفيدرالي من معدلات الفائدة للحدِّ من عمليات سحب الذهب من الولايات المتحدة، فالمستثمرون سيرون معدلات الفائدة العالية وسيعلمون أولًا أنهم بإمكانهم تحقيقُ عائدٍ أعلى في أمريكا؛ لذا سيُبقُون على أموالهم هناك، وثانيًا من خلال رفع تكلفة الاقتراض، أراد الاحتياطي الفيدرالي خفض كمية النقود المتداولة؛ ومن ثَمَّ صيانة قابلية تحويل الدولار إلى ذهب.10 ربما يتضح أن هذه الاستراتيجية مُرضِية لمناصِري قاعدة الذهب، ولكنها جعلَتِ المالَ أكثر تكلفةً في الوقت الذي كان كثير من الأمريكيين في حاجةٍ شديدةٍ للمال بتكلفةٍ أقل؛ فسهولة الحصول على المال تعني مزيدًا من الاقتراض، ومزيدًا من الاستثمار، ومزيدًا من الوظائف. إلا أن مصرفيي النظام فضَّلوا قاعدةَ الذهب على توفير الدعم لحلِّ المشكلات الداخلية، وأدلى هوفر بتصريحٍ مشترك مع بيير لافال، رئيس الوزراء الفرنسي، تأييدًا لقاعدة الذهب. واتفق مصرفيو البنوك المركزية الأمريكية مع نظرائهم الفرنسيين، الذين لم يعتبروا قابلية تحويل العملة إلى الذهب ضربًا من الرقِّ عَفَا عليه الزمان، ولكن اعتبروه شرطًا تنظيميًّا ضروريًّا، حيث قالوا: «نحن نرى فيه الضمانةَ الفعَّالةَ الوحيدةَ لحماية العقود ونزاهة المعاملات التجارية.»11
لم يَقُمْ قانون المصارف الطارئ لسنة ١٩٣٣ إلا بإيقاف ارتباط الدولار بالذهب مؤقتًا. ولكن في أبريل، أصدر روزفلت أمرًا تنفيذيًّا بمنع الأمريكيين من امتلاك الذهب، إلا بمقادير قليلة، وألزَمَهم بتسليم ما يحوزونه من ذهب إلى بنوك الاحتياطي الفيدرالي مقابل عملة أخرى، وبعدها بأسابيع قليلة أعلن الرئيس، كما أوردت صحيفة ذا نيويورك تايمز، أنه «تنبَّأ بتطوُّرٍ حدَثَ، قد يتقدَّم فيه العنصر الراديكالي في الكونجرس بتشريعٍ ذي طبيعة ثورية» — ربما يتمثَّل في سكِّ الفضة. وللحيلولة دون هذا الإجراء الراديكالي، اعترَفَ روزفلت أن «قدرًا من التضخُّم سيكون مفيدًا»، ولكن لعل الأفضل أن يطرح الأمر بنفسه بدلًا من أن يتركه للكونجرس.12 واتضح أن الهروب المؤقَّت من الذهب قد يكون سياسةً جديدةً تمامًا. وبناءً على تعديل توماس لقانون الإصلاح الزراعي في ١٢ مايو، سمح الكونجرس للرئيس بتحديد سعر الدولار ذهبًا.
وارتفع سعر الذهب بالدولار من معدله السابق البالغ ٢٠٫٦٧ دولارًا للأوقية إلى ٣٠ دولارًا للأوقية. وفي نهاية الصيف، بدأ روزفلت يستخدم مؤسسةَ تمويل إعادة الإعمار من أجل شراء الذهب بأسعار ترتفع بثبات. وأعلن في أحد أحاديثه إلى جانب المدفأة قائلًا: «هدفي من اتخاذ هذه الخطوة هو وضع رقابة مستمرة والحفاظ عليها. إنها سياسة وليست وسيلة! … نحن بذلك نتحرك صوبَ عملةٍ موجَّهةٍ.»13 وفي يناير ١٩٣٤، أقرَّ الكونجرس قانونَ «احتياطي الذهب»، وبناءً عليه حدَّدَ روزفلت سعرَ الذهب عند ٣٥ دولارًا للأوقية، وبذلك استحوَذَ على كلِّ ذهب العملة في الدولة.14
استجاب نوَّابُ الكونجرس المؤيدون للصفقة الجديدة للاعتقاد الذائع الانتشار بأن المصرفيين والسماسرة قد تسبَّبوا في الانهيار بأن أتاحوا حرية غير تقليدية لروزفلت ومَن عيَّنَهم للتحكُّم في الأموال والشئون المصرفية، وهو الأمر الذي لو كانوا قد استخدموه بتهوُّر، لقَضَوا على القطاع المالي والاقتصاد الأمريكي. وإضافة إلى قانون المصارف الطارئ وتعديل توماس، أُنشِئَتْ بموجب قانون تداول الأوراق المالية لسنة ١٩٣٤ لجنةُ الأوراق المالية والبورصات، التي حصلت على صلاحيات واسعة لتنظيم وول ستريت، من خلال منع المتعاملين من إساءة استخدام المعلومات الداخلية السرية.15 ووضَعَ قانونُ المصارف لسنة ١٩٣٥ السيطرةَ على نظام الاحتياطي الفيدرالي في أيدي مجلسه المشكَّل من محافِظين يعيِّنهم الرئيس، وليس في أيدي مصرفيي النظام.16 تمكَّنَ روزفلت من تجنُّبِ النقد اللاذع المحتمَل من قطاع الأعمال، من خلال الاستخدام الحصيف للسلطة ومن خلال التعيينات المنتقاة، كما حدث عندما طمأن أصحابَ البنوك المنزعجين عن طريق تعيين الخبير المالي المحنك جوزيف كينيدي، أول رئيس لمجلس إدارة لجنة الأوراق المالية والبورصات. وفي غضون سنوات قليلة، منح رجالُ الأعمال لجنةَ الأوراق المالية والبورصات وحدها دون غيرها من الهيئات المنظمة للصفقة الجديدة موافقتهم بمعدلٍ زاد على ٥٠ بالمائة.17
إضافة إلى بصيرة روزفلت السياسية، خدمه الحظ أيضًا في استخدامه لسلطاته الجديدة الواسعة؛ فعندما انخفضت قيمةُ الدولار، ارتفَعَ ثمنُ سلع المزارع، لا سيما القطن والحبوب؛ مما سهَّل على المزارعين المدينين سدادَ ديونهم.18 ولعل الأهم من ذلك أن المستثمرين في الخارج بدءوا يبيعون ذهبهم مقابل الدولار، فبدأ الذهب يتدفَّق إلى الولايات المتحدة. لطالما تمتَّعَتِ الولايات المتحدة بمركزٍ متفرِّدٍ بين الأمم، حيث تربطها روابطُ اقتصاديةٌ وثقافيةٌ وثيقةٌ مع أوروبا، ومع ذلك تحتفظ بتميُّزها الجغرافي والسياسي. والآن بدأ هذا المركز المتفرِّد يصبُّ في مصلحة الأمريكيين مع زيادة تدفُّق الذهب خلال ثلاثينيات القرن العشرين جرَّاء الاضطرابات السياسية في أوروبا، إضافةً إلى التهديد بالحرب في البداية ثم نشوبها بالفعل. وضع هذا الذهبُ البنوكَ الأمريكية في موقف أكثر استقرارًا؛ مما زاد ضخَّ المال في الاقتصاد الأمريكي، وبدأت البنوك في توفير الائتمان بمعدلات فائدة منخفضة، لتتيح لرجال الأعمال التفكيرَ في الاقتراض والاستثمار في نواحٍ من مشروعاتهم ستخلق مزيدًا من الوظائف؛ الأمر الذي ساعَدَ على خفض معدل البطالة خلال ولاية روزفلت.19
فعلت إدارة روزفلت أكثر مما فعلَتْ سابقتها من أجل إحياء النظام المصرفي الأمريكي، ونجحت جهودها بوضوحٍ، إلا أن السياسات المالية التي أتَتْ بها الصفقة الجديدة — رغم أن روزفلت شرحها بوضوح عبر أثير الإذاعة — تعامَلَتْ مع شئونٍ مختلفةٍ تمام الاختلاف عن تجارب الأمريكيين العاديين. وقد بذلَتِ القوانينُ اللاحقة المزيدَ من أجل إلزام الحكومة الفيدرالية بدعم استثمارات المواطنين؛ حيث أصبحَتِ الحكومةُ الفيدرالية تضمن الرهونات وتعمل من خلال هيئات زراعية خاصة على تأمين ائتمان المزارعين. ولكن في عام ١٩٣٣، أدرك صانعو السياسة في إدارة روزفلت أن عليهم الوصول إلى الأمريكيين العاديين مباشَرةً وبسرعةٍ أكبر مما يمكنهم فعله عن طريق إنقاذ البنوك واستقرار الائتمان. وإبَّان إدارة روزفلت، بدأت حكومة الولايات المتحدة للمرة الأولى تقديم مساعدة مباشِرة كبيرة لعاطلي الأمة، واتُّخِذَتْ تدابيرُ الدعم هذه على نحوٍ مرحليٍّ من خلال تسويات سياسية، وليس عن طريق خططٍ جامدة، وتغيَّرَتْ تغيُّرًا كبيرًا على مرِّ السنين. أتى العام الأخير من إدارة هوفر ببدايات برنامج دعم فيدرالي، ولكنه جاء على مضضٍ وببطء شديد جدًّا؛ حيث سمَحَ قانونُ الغوث الطارئ والتشييد لسنة ١٩٣٢ لمؤسسة تمويل إعادة الإعمار بإقراضِ ما يصل إلى ٣٠٠ مليون دولار إلى الولايات من أجل الدعم، ولكن لمَّا كان البرنامج يقدِّم الأموالَ على سبيل الإقراض لا المنْحِ، ويمرُّ بأشكال البيروقراطية الحكومية القائمة، لم يحقِّق البرنامجُ الكثيرَ، وجاء بالتأكيد بعدَ فوات الأوان؛ إذ لم يستطع تحسينَ صورة هوفر أمام الرأي العام.20

في بداية الصفقة الجديدة، وجَدَ نوَّاب الكونجرس أن من السهل تحديدَ الشباب العاطلين الذين تستحقُّ أوضاعُهم اهتمامًا خاصًّا، ووجد الشبابُ من العمَّال ذوي الخبرات والمهارات الأقل أنفسَهم دون عملٍ أكثر من غيرهم من العمَّال الذين هم في أَوْج طاقتهم، إلا أنهم — نسبةً إلى شبابهم — قد بُشِّرُوا بمستقبل واعد. كان الشباب، بمعايير تلك الفترة، يمثِّلون أربابَ العائلات وعائلي الأُسَر في المستقبل. وفي المقابل، إذا لم يُفعل أيُّ شيء من أجل مساعدتهم سريعًا، فسيكون الاحتمالُ الأغلب هو مغادرة الشباب لمجتمعاتهم، ليصبحوا مشرَّدين وعالةً يمثِّلون تهديدًا للنظام الاجتماعي.

وهكذا في ٣١ مارس ١٩٣٣، خلال الشهر الأول من إدارة روزفلت، أنشأ الكونجرس سلكَ الخدمة المدنية، الذي كلَّفَه في البداية بتوفير العمل للرجال من سن ١٨ إلى ٣٥. فإذا كان الشاب مواطنًا أمريكيًّا عَزَبًا ومعافًى بدنيًّا لكنه عاطل وفرد في أسرة تتلقَّى مساعدةً، فسيمكنه الانضمامُ إلى سلك الخدمة المدنية، ويوقِّع بالتنازل عن جزء كبير من أجوره إلى أسرته، ويتوجَّه إلى معسكرٍ تنظِّمه وتديره وزارة الحرب في مكانٍ ما من الريف الأمريكي. كان لدى وزارتَي الزراعة والداخلية قائمةٌ بوظائف للحفاظ على محاصيل الأمة وغاباتها، وكانت هناك حاجة للوقاية من الفيضانات وحرائق الغابات ومقاومتهما، وكانت هناك أيضًا حاجة إلى القضاء على الآفات، كما كانت هناك حاجة إلى شقِّ الطرق وتشييد الكباري وبناء الأسوار وحواجز النيران. بَدَا أن حلَّ تلك المشكلات يكمن في بضع مئات الآلاف من شباب الدولة الذين يجري اختيارهم من قوائم العاطلين عن العمل، ويتم إلحاقهم بنحو ألفين وخمسمائة مخيم، تحت إشراف جنود.21
ربما قلق الأمريكيون من الطبيعة شبه العسكرية لسلك الخدمة المدنية وإمكانية غرس مفاهيم معيَّنة لدى شباب الأمة في المعسكرات التي تديرها الحكومة. إلا أن الشباب كانوا على وجه العموم يخدمون في تلك المعسكرات لفتراتٍ محدَّدة؛ كان إدراجهم بالمعسكرات في البداية مدته ستة أشهر، وفيما بعدُ صدر تشريعٌ يحدِّد ذلك الإدراج بعامين. ولمَّا كان سلك الخدمة المدنية برنامجًا صغيرًا مُركَّزًا، له ما يبرِّره من معتقدات مُتَّفقٍ عليها عمومًا تَعتبِر الشبابَ جديرين على وجه الخصوص بموارد الحكومة، فإن هذا السلك تمتَّع بحرية نسبية من النقد، وهو ما لم تنعم به برامجُ الغوث الأخرى في الصفقة الجديدة.22
في مايو، أقرَّ الكونجرس قانونَ الغوث الطارئ الفيدرالي، وأُنشِئت بموجبه إدارة الغوث الطارئ الفيدرالية، وخُصص ٥٠٠ مليون دولار إضافية من أموال مؤسسة تمويل إعادة الإعمار للمنح، وليس القروض، للولايات من أجل دعم الغوث. ويذهب نصف المال إلى الولايات بناءً على مقدار المال الذي تنفقه الولايات نفسها، ولمدير إدارة الغوث الطارئ الفيدرالية حريةُ التصرُّف في إنفاق النصف الآخَر. وعلى رأس الوكالة الحكومية، عيَّنَ روزفلت هاري هوبكينز؛ وهو أخصائي اجتماعي شديد النحافة تكاد السيجارة لا تترك شفتَيْه، كان مسئولًا عن جهود الغوث في ولاية نيويورك عندما كان روزفلت حاكمًا لها. اتخذ هوبكينز مكتبًا في رواق يفضي إلى مكاتب مؤسسة تمويل إعادة الإعمار، وبدأ في توزيع المال على الولايات.23
وفي يونيو، خصَّصَ الكونجرس ٣٫٣ مليارات دولار، وقد أصبحت تحت تصرف إدارة الأشغال العامة. وحيث إن إجمالي الناتج المحلي لعام ١٩٣٣ لم يبلغ سوى ٥٦٫٤ مليار دولار، شكَّلَ هذا المبلغ نسبةً استثنائيةً بلغَتْ ٥٫٩ بالمائة من إجمالي حجم الاقتصاد الأمريكي ذلك العام.24 وعيَّنَ روزفلت هارولد إيكيز، وزير الداخلية في إدارته، مسئولًا عن إدارة الأشغال العامة. ولما كان إيكيز في الأصل جمهوريًّا من شيكاجو، فقد استخدم موارده الضخمة بحصافةٍ، ولم تزد إدارة الأشغال العامة في أغلب الأحيان عن كونها وكالة تمويل للحكومات المحلية، التي كان عليها وضعُ خطة لمعظم الأموال واعتمادها وتخصيصها لدعم مشروع كبير إن أرادوا التأهُّل للحصول على عطية إيكيز.

ونتيجة لحرص إيكيز وميزانية هوبكينز الصغيرة نسبيًّا، لم تخفِّف جهودُ الغوث الأولية من مشكلة البطالة، رغم تصدُّرِها عناوين الأخبار. ولما كان هوبكينز يشاهد الأمة تتجه إلى شتاء آخَر سيغرق في كساد، حثَّ روزفلت على إنشاء وكالة جديدة، وكالة تتيح له تخطِّي مسئولي الولايات وتوظيف الأشخاص مباشَرةً. وامتثَلَ روزفلت بإنشاء إدارة الأشغال المدنية وتكليف هوبكينز بتعيين أربعة ملايين أمريكي، وهو ما قام به، قبل يناير ١٩٣٤. وحيث إن هوبكينز كان على دراية بمواقف الأمريكيين من المساعدة الحكومية، فقد أراد بإدارة الأشغال المدنية إعلاءَ شأن الغوث عن طريق توفير العمل للموظفين، وليس توزيع التبرعات على المستفيدين منها. وسرعان ما كان عمَّال إدارة الأشغال المدنية يصلحون دُور مجالس المدن وأرصفة السفن والطرق العامة، وكلهم مقيَّدون بكشوف رواتب الحكومة الفيدرالية.

إذا كانت الوكالات مثل: إدارة الأشغال العامة، وإدارة الغوث الطارئ الفيدرالية، وسلك الخدمة المدنية، وإدارة الأشغال المدنية، ومؤسسة تمويل إعادة الإعمار، إلى جانب نظيراتها من الوكالات الكثيرة التي نشأت في إطار الصفقة الجديدة؛ تمثِّل للأمريكيين من أبناء الأجيال اللاحقة مزيجًا محيِّرًا من الكيانات البيروقراطية، فإنه كان لدى الأمريكيين في ثلاثينيات القرن العشرين ما يبرِّر سَعْيهم للتمييز بينها؛ فقد كانوا يعرفون أن مؤسسة تمويل إعادة الإعمار هي وكالة أنشأها هوفر من أجل إنقاذ البنوك (والآن أصبحَتِ الماعونَ الذي اغترَفَ منه كثيرٌ من وكالات الصفقة الجديدة نصيبًا)، كما كانوا يعرفون أن أبناءهم وإخوانهم انضمُّوا إلى سلك الخدمة المدنية للدفاع عن الأراضي الأمريكية، وأن إدارة الأشغال العامة سريعًا ما ستبني مدرسةً أو مستشفى أو جسرًا أو ميناءً أو طريقًا معبَّدًا أو مطارًا (مع أنها لم تكن قد بدأت بعدُ)، وكذلك كانوا يعرفون أن إدارة الأشغال المدنية اجتازت بهم برد شتاء ١٩٣٣-١٩٣٤ القارس الذي لم يسبق له مثيل.25
بالمثل، كثيرًا ما كان يبدو المال الذي خصَّصَه الكونجرس لمختلف برامج الصفقة الجديدة مثل قطرات كثيرة جدًّا متنوعة الأحجام في محيطٍ من العجز المالي؛ ففي عام ١٩٣٢ لم تنفق الحكومة الفيدرالية سوى حوالي نصف ما أنفقَتْه حكومات الولايات والحكومات المحلية، وقبل عشية الحرب العالمية الثانية، تجاوزَتِ الصفقةُ الجديدة ضعفَ الإنفاق الفيدرالي. وفي الوقت نفسه، كان المشرعون — لا سيما الرئيس — منزعجين من الملايين والمليارات التي أضافوها إلى الميزانية الفيدرالية.26
ولهذا السبب جزئيًّا، لم يُكتَب لإدارة الأشغال المدنية الاستمرارُ؛ فالمصروفات التي أنفقَتْها، بل والعرفان بالفضل الذي أكنَّه الأمريكيون لها، جعلا روزفلت قَلِقًا. فهو لم يكن يرغب في إنفاق مال أكثر مما تستوعب الحكومة، كما لم يفضِّل ترك الأمريكيين يعتمدون على الحكومة الفيدرالية مباشَرةً من أجل برامج الغوث. وبأسلوبه الحَذِر، اعترَفَ روزفلت على مضضٍ بضرورة تنفيذ برنامجٍ وطنيٍّ لمساعدة العاطلين بأجور وظائف الأشغال العامة، ولكنه لم يرِدْ لهذا البرنامج أن «يصبح عادةً في البلاد». وقبل حلول الربيع، كان قد أصدر أوامره لهوبكينز بفصل الأربعة ملايين عامل، واهمًا أن البرنامج القصير قد أحدَثَ دفعةً كافيةً.27 ورغم التسريح المرحلي للعاملين في إدارة الأشغال المدنية، بهدف منع توجُّه عددٍ كبيرٍ جدًّا من الأشخاص إلى السوق دفعة واحدة، فإنه دفع الناس إلى أن يكتبوا بدافعٍ من معاناتهم إلى روزفلت طالبين «أيَّ نوعٍ من المساعدة: وظيفة في أي مكان، أي نوع من العمل»، كما دفَعَ المديرين إلى الشكوى من أن الأعمال العامة نصف المُنجَزة أسوأ من عدم القيام بها من الأساس.28

رغم عصبية روزفلت، فقد أعجبَتْه فكرةُ مساعدة العاطلين بتوفيرِ وظائف أشغال عامة لهم أكثر من إعطائهم النقود؛ ولذا قبل نهاية عام ١٩٣٤ عندما كان الكساد لا يزال قائمًا، بدأَتْ إدارتُه في إعداد برنامج جديد لمساعدة العاطلين عن طريق توفير وظائف أشغال عامة لهم. كان الأمريكيون في ثلاثينيات القرن العشرين على درايةٍ بأن مساعدة العاطلين بأجورِ وظائف الأشغال العامة تكلِّف أكثرَ من الدعم المباشِر؛ فدفع المال للفقراء أرخص من إنشاء هيئة حكومية لتخطيط مشروعات من أجل توظيف الفقراء، إلا أن كبرياءهم ونزاهتهم أدَّتْ بهم إلى تفضيل المسار الأكثر تكلفةً، الذي حَفِظَ للأمريكيين اليائسين كرامةَ العمل الهادف.

وأتَى ربيع عام ١٩٣٥ بقانون جديد لتخصيص غوث الطوارئ، مانحًا الرئيس حوالي خمسة مليارات دولار من أجل مشروعات الغوث، بما فيها الطرق السريعة والصيانة والري، وتوصيل الطاقة الكهربائية والإسكان والصرف الصحي، وإعادة التحريج والسيطرة على الفيضانات، وتقريبًا كل عمل يمكن تصوُّره من أجل الصالح العام.29 استخدم روزفلت القانونَ من أجل إنشاء إدارة سير الأشغال، التي تولَّتْ مهام إدارة الغوث الطارئ الفيدرالية وأصبحت مهمة هوبكينز الجديدة. في ظل إدارة سير الأشغال، اضطلعَتْ حكومة الصفقة الجديدة بصراحةٍ وعلى نحوٍ تامٍّ بأمر الاستعانة بخدمات الأمريكيين لإنهاء الكساد الكبير. وفي حين أن إدارة الأشغال العامة وإدارة الغوث الطارئ الفيدرالية احترَمَتَا في أغلب الأحيان الهيكلَ الفيدرالي القائم للولايات المتحدة — عن طريق إنفاق المال من الخزانة الوطنية من خلال حكومات الولايات والحكومات المحلية — كرَّرَتْ إدارةُ سير الأشغال تجربةَ إدارة الأشغال المدنية القصيرة ولكن على نطاقٍ أكبر، جاعلةً منها سمةً مركزيةً ودائمةً في حكومة الصفقة الجديدة.

في ظلِّ إدارة سير الأشغال، وظَّفَ هوبكينز مرةً أخرى الملايين، ووجَّهَهم إلى العمل في بناء المستشفيات والمدارس والملاعب والمطارات، واستعانت هذه الوكالة بخدمات الفنَّانين والكتَّاب والممثِّلين ليؤدُّوا عملهم، وتولَّتِ الوكالةُ بناءَ الطرق ومشروعات الإسكان المدعم، ولكنها أيضًا سرعان ما تعرَّضَتْ للنقد بسبب إنفاقها المال العام على دفع الأجور لأيدٍ كسولةٍ تؤدِّي برداءةٍ عملًا لا قيمةَ له. لم يكفل هدف الوكالة وهيكلها تعرُّضَها لتلك الشكاوى فحسب، وإنما ضمنَا لها أيضًا أن هذه الانتقادات تحمل شيئًا من الحقيقة. كان هدف روزفلت من وراء إدارة سير الأشغال تعيينَ أكبر عدد ممكن من الأشخاص في أسرع وقتٍ ممكنٍ لتخفيض نسبة البطالة بأكبر نسبةٍ ممكنةٍ. ولتخفيض نسبة البطالة، لم تتمكن مشروعاتها من القيام بما كانت الشركاتُ الخاصة تقوم به، أو ما كانت الحكوماتُ المحلية تقوم به؛ ولولا ذلك لعملت الحكومة الفيدرالية ببساطة على الاستعاضة بوظائف إدارة سير الأشغال عن الوظائف الموجودة بالفعل؛ ومن ثَمَّ لن تخفض من نسبة البطالة. ونتيجة لذلك، ربما بَدَتْ وظائف إدارة سير الأشغال شيئًا من قبيل مشروعٍ لن يُنجَز بالطريقة المعتادة؛ مجرد إلهاءٍ أو عملٍ بلا قيمة حقيقية، أو (بتعبيرٍ أقلَّ حدةً) مجرد ضرب من ضروب الرفاهية الحضارية.

علاوة على ذلك، وفَّرَتْ إدارة سير الأشغال إغراءً لفساد سياسي طفيف على الأقل. كان لدى هوبكينز من المال ما يوزِّعه على مسئولين محليين، وهم عُمَدُ المدن الذين كان يتعيَّن عليهم عادةً التوسُّلُ إلى مشرِّعي الولايات غير المبالين أو العدائيِّين طلبًا للدعم. الآن أصبح هناك شخص في واشنطن، شخص لديه الأموال يريد صداقتهم، وكان عُمَد المدن الكبرى الذين يحكمون عددًا كبيرًا من السكان الذين يحقُّ لهم التصويت، يَرَون أن لهم الحقَّ في طلب نصيبٍ خاصٍّ من اهتمام إدارة سير الأشغال.

استجاب الكونجرس إلى المخاوف المتعلِّقة بإمكانية استغلال إدارة سير الأشغال سياسيًّا من خلال رسم حدودٍ تضيق باستمرار حول الوكالة؛ حدود تشير في حدِّ ذاتها إلى ما يقلق الناس أو يصدمهم بشأن الوكالة. وبدءًا من عام ١٩٣٦، لم يستطِع المهاجرون غير الشرعيِّين العملَ لحساب الوكالة؛ ومن عام ١٩٣٧، كان على عمَّال الوكالة القبول بعروض القطاع الخاص أو يجري فصلهم من الوكالة. ومن عام ١٩٣٨، كان على موظَّفِي الوكالة تقديم إقرارٍ ربع سنويٍّ عن دخولهم خارج الوكالة، إن وُجِدت. كان للمحاربين القدامى الحقُّ الأول في الحصول على وظائف الوكالة، يليهم المواطنون الأمريكيون، ثم المهاجرون الذين قد أقرُّوا برغبتهم في أن يصبحوا مواطنين، ولم يستطع غيرهم من المهاجرين التقدُّم لوظائف الوكالة. ومن عام ١٩٣٩، لم يكن بمقدور العمَّال الاستمرارُ في كشوف الوكالة إلا لمدة ثمانية عشر شهرًا، إلا إذا أُعِيد التصديقُ على أنهم فقراء، كما تعيَّنَ أن يكون عمَّالُ الوكالة مواطنين أمريكيين.30
وفي حين حاوَلَ الكونجرس منعَ الاستغلال السياسي لإدارة سير الأشغال، فإن النقد الموجَّه لها ارتدَّ في نحر مَن وجَّهُوه إليها؛ فالأشغال العامة التي قد تبدو باهظةً للوهلة الأولى (بناء مأوًى للكلاب الضالة بتكلفة ٢٥٠٠٠ دولارٍ في ممفيس بولاية تينيسي، على سبيل المثال) اتضح أنها تؤدي غرضًا مفيدًا؛ حيث قلَّلَتْ من أعداد حالات التعرُّض لعضِّ الكلاب وعلاجات داء الكلب في المدينة.31 وأثبت كلُّ مشروع جماهيريته في مجتمعه، وأنشأت إدارةُ سير الأشغال مشروعاتٍ كثيرةً عظيمةً.
بوجهٍ عامٍّ، جسَّدَتْ إدارةُ سير الأشغال افتراضاتٍ جديدةً حول الدخول؛ فقد حددت «أجر الرعاية»، الذي كان غالبًا أعلى مما كان يدفعه المديرون في الأعمال الخاصة، رغم كونه كافيًا بالكاد، وكانت شيكات دفعه تصل إلى العمَّال بانتظام لم يعهدوه من قبلُ وهم الذين اعتادوا على البطالة الموسمية أو الدورية. وقد أضفى هذا الأمر شرعية على الفكرة التي كانت غير تقليدية في وقت من الأوقات، والتي مفادها أن الأمريكيين يستحقون درجةً معينةً من الأمان الوظيفي وحدًّا أدنى من مستوى المعيشة بوصفه جزءًا أساسيًّا من كرامتهم. وحسب ما يقترحه «أجر الرعاية» الذي توفِّره إدارةُ سير الأشغال، فإن الأمريكيين ينبغي أن يكسبوا أجرًا كافيًا ليوفِّر لهم ما هو أكثر من الإعاشة، وليسمح لهم بالعيش بكرامة واستقلالية عن أرباب العمل.32
توصَّل استطلاعُ رأيٍ أجراه معهد الرأي العام في عام ١٩٣٩، عندما طُلِبَ منه تحديدُ «أسوأ ما فعلَتْه إدارةُ روزفلت»، إلى أن ٢٣ بالمائة من الأمريكيين اختاروا «الغوث وإدارة سير الأشغال»، جاعلين منهما أقلَّ تدابير الصفقة الجديدة حصولًا على شعبية. وبأخذ التحامُل الأمريكي ضد الغوث الفيدرالي وإمكانية الاستغلال السياسي له في الاعتبار، لم تكن النتيجةُ مفاجِئةً. كما توصَّل استطلاع الرأي نفسه، عندما طُلِبَ منه تسمية «أعظم إنجاز قامَتْ به إدارة روزفلت»، إلى أن ٢٨ بالمائة من الأمريكيين اختاروا «الغوث وإدارة سير الأشغال»، جاعلين منهما أكثر تدابير الصفقة الجديدة شعبيةً، وبأخذ تنوُّع مشروعات الغوث وشعبيَّتِها المحلية في الاعتبار، لم يكن هذا مفاجِئًا أيضًا. ونسبة الهامش البالغة ٥ بالمائة فيما يتعلَّق بمسألة بهذه الجوهريةِ في الصفقة الجديدة مثَّلت أهمية سياسية كبيرة في نظر الديمقراطيين.33

بين الآثار الفورية للغوث — التي لم تُعْطِ الأمريكيين شيئًا ينفقونه فحسب، ولكن أعطَتْهم أيضًا القدرةَ على اعتبار أنفسهم مرة أخرى مواطنين جديرين بالاحترام ومُنتِجين — والآثار الطويلة الأمد للإنعاش الاقتصادي — الذي بدأ في هدوء يعيد بناء اقتصاد القطاع الخاص — لعل إدارة روزفلت كان لديها استراتيجية وافية بالمراد من أجل مكافحة الكساد، رغم أنه كي تنتشل الحكومةُ البلدَ بحقٍّ من عثرته الاقتصادية سيكون لزامًا عليها اتباع مسعًى أكثر قوةً على مستوى كلتا السياستين. إلا أن مشرِّعيها أرادوا تحقيقَ شيءٍ أكبر وأكثر اختلافًا من مجرد إنهاء الأزمة؛ فقد أرادوا ضمانَ عدم حدوث الكساد مرةً أخرى. وللقيام بذلك، كان عليهم تغيير الاقتصاد السياسي الأمريكي للأبد.

هوامش

(1) Isaiah Berlin, “President Franklin Delano Roosevelt,” in The Proper Study of Mankind: An Anthology of Essays, ed. Henry Hardy and Roger Hausheer (London: Chatto and Windus, 1997), 629.
(2) William E. Leuchtenburg, Franklin D. Roosevelt and the New Deal, 1932–1940 (New York: Harper Torchbooks, 1963), 8.
(3) James Stuart Olson, Saving Capitalism: The Reconstruction Finance Corporation and the New Deal, 1933–1940 (Princeton: Princeton University Press, 1988), 30.
(4) First Fireside Chat (Banking), May 12, 1933, consulted online 2/27/2007, www.presidency.ucsb.edu/ws/index.php?pid=14540.
(5) Peter Fearon, War, Prosperity, and Depression: The U.S. Economy, 1917–1945 (Lawrence: University Press of Kansas, 1987), 219.
(6) Samuel Anatole Lourie, “The Trading with the Enemy Act,” Michigan Law Review 42, no. 2 (1943).
(7) Raymond Moley, After Seven Years (New York: Harper and Brothers, 1939), 155.
(8) Milton Friedman and Anna Jacobson Schwartz, A Monetary History of the United States, 1867–1900 (Princeton: Princeton University Press, 1963), 437.
(9) Barrie A. Wigmore, “Was the Bank Holiday of 1933 Caused by a Run on the Dollar?,” Journal of Economic History 47, no. 3 (1987): 743.
(10) Lester V. Chandler, American Monetary Policy, 1928–41 (New York: Harper and Row, 1971), 177.
(11) Ibid., 168.
(12) “President’s Action Forced by Events,” New York Times, 4/20/1933, 1.
(13) Chandler, American Monetary Policy, 276.
(14) “President’s Statement of Action under the New Law,” New York Times, 2/1/1934, 12; Gold Reserve Act is 48 Stat. 337; Friedman and Schwartz, Monetary History, 465.
(15) 48 Stat. 881.
(16) Richard H. Timberlake, Monetary Policy in the United States: An Intellectual and Institutional History (Chicago: University of Chicago Press, 1993), 283.
(17) Ralph F. de Bedts, “The First Chairmen of the Securities and Exchange Commission: Successful Ambassadors of the New Deal to Wall Street,” American Journal of Economics and Sociology 23, no. 2 (1964): 176.
(18) Christina D. Romer, “Why Did Prices Rise in the 1930s?,” Journal of Economic History 59, no. 1 (1999): 174.
(19) Romer, “What Ended the Great Depression?,” Journal of Economic History 52, no. 4 (1992): 757.
(20) Lewis Meriam, Relief and Social Security (Washington, DC: Brookings Institution, 1946), 346.
(21) Ibid., 434–42. Also Neil M. Maher, Nature’s New Deal: The Civilian Conservation Corps and the Roots of the American Environmental Movement (New York: Oxford University Press, 2007).
(22) Meriam, Relief and Social Security, 441-42.
(23) Leuchtenburg, Franklin D. Roosevelt, 120-21.
(24) Historical Statistics of the United States, Millennial Edition Online, series Ca74.
(25) Leuchtenburg, Franklin D. Roosevelt and the New Deal, 122.
(26) Historical Statistics of the United States, Millennial Edition Online, series Ea18.
(27) Leuchtenburg, Franklin D. Roosevelt and the New Deal, 122.
(28) Bonnie Fox Schwartz, The Civil Works Administration, 1933-1934: The Business of Emergency Employment in the New Deal (Princeton: Princeton University Press, 1984), 234.
(29) Meriam, Relief and Social Security, 354–56.
(30) Ibid., 380–82.
(31) Jason Scott Smith, Building New Deal Liberalism: The Political Economy of Public Works, 1933–1956 (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), 149.
(32) Meriam, Relief and Social Security, 385.
(33) “Relief Top Issue, Survey Indicates,” New York Times, 6/4/1939, 27.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١