الشعوب البدائية

يجب أن نميز بين الشعب البدائي والشعب المتوحش؛ فإن الإنسان في العصر الحجري كان بدائيًّا لا يدري شيئًا من فنون الحضارة، أما الشعب المتوحش فله نظم اجتماعية تدل على أنه لقن شيئًا من ثقافة المتمدنين ولكنه مارسها مع انحطاط في الفهم أو عجز عن الترقية، فهو يمارس الزراعة ويعرف الملوكية والدين ولكنه مع ذلك يمارس التضحية البشرية والرق إلى غير ذلك.

ولا يكاد يكون في العالم الآن شعب بدائي؛ لأن الحضارة قد انسلَّت إلى أنأى الأقاليم ورشحت إلى جميع الطبقات، حتى الإسكيماويون الذين يبنون بيوتهم بجدران من الثلج في شمال كندا صاروا يشترون الأقمشة ويأكلون الأطعمة المحفوظة في العلب، ولكن يمكن من وقت لآخر أن يقع السائح على فرد أو أسرة قد انقطعت عن العالم في غابة أو على ذروة جبل حيث تعيش عيشًا ضنينًا لا يطمع فيها إحدى القبائل أو الجماعات، فتبقى وهي تعيش عيشًا بدائيًّا ساذجًا.

وقد عرف العلماء أمَّتين من البشر قد انقرضتا، وكانت كلتاهما تعيش في حال بدائية ساذجة: الأولى هي التسمانيون سكان تسمانيا الجزيرة الإنجليزية التي تبعد بنحو مئة ميل عن أستراليا. والثانية هي البوشمان الذين كانوا يعيشون في أفريقيا الجنوبية، وقد أباد الإنجليز الأولى وأباد البوير أي الهولنديون الثانية، ولكن بقي من المعارف التي جُمِعَتْ عنهم ممَّن عاصرهم ما يكفي لأن نعرف كيف عاشوا وبأي العقائد آمنوا.

ونحن عندما نقف على طريقة العيش التي عاشها التسمانيون نعرف كيف كان يعيش آباؤنا قبل نحو خمسين أو مئة ألف سنة، وعندما نقف على طريقة العيش التي عاشها البوشمان نعرف حالتنا قبل نحو ١٥ أو ١٠ آلاف سنة.

•••

اكْتُشِفَتْ تسمانيا سنة ١٦٤٢ ولكنها لم تُسْتَعْمَرْ إلا منذ ١٧٧٢ إذ صارت بريطانيا تنفي إليها مجرميها، ثم بعد ذلك شرع الإنجليز يهجرون إليها ويعيشون فيها، وكان فيها من السكان الأصليين ما يبلغ نحو عشرين ألفًا، وكانوا سلالة بشرية منفصلة لعلها أحطُّ السلالات التي عاشت إلى عصرنا الحديث؛ فإن تفريغ الجمجمة عند أفرادها لم يكن يزيد في المتوسط على ١٢٠٠ سنتيمتر مكعب في حين هو يزيد عندنا الآن على ١٤٠٠ وأحيانًا يبلغ ١٥٠٠ س مكعب، وكانت القامة قصيرة والوجه كريهًا، بل لفظة «كريهة» هذه قد ذُكِرَتْ مرات متكررة في جميع ما كتب عنهم وهي تدل على شعور أولئك الذين عاينوهم من الأوروبيين، وكان التسمانيون يعيشون عرايا ولا يعرفون معنى للعورة أو الاستحياء من كشفها، وكانوا يحمون أجسامهم من المطر بأن يدهنوا بشرتهم بالدهن والمغرة وأحيانًا إذا اشتد البرد وضعوا على أكتافهم جلود الكنغر، وهو الحيوان الكيسي الذي يعيش إلى الآن في أستراليا وتسمانيا.

ومن التسمانيين نعرف أن للزينة قيمة كبيرة في اللباس؛ فإن المرأة كانت تزين جسمها بحلقات وقلائد من الزهر في الذراع والعنق، وتزين ركبها بنسائر من جلد الكنغر، والرجال يتخذون قلائد من المحار والسن، وهذا إلى الحزوز التي يُحدثونها بجلودهم كما يفعل الزنوج.

ولم يعرف التسمانيون بناء المنزل أو الاجتماع في قرية، ولكنهم مع ذلك كانت لهم عناية ببناء خيمة فوق الميت وهنا يشك الإنسان في أنهم هم الذين ابتكروا هذه العادة.

وكانت آلاتهم من الخشب لا يعرفون المعادن، وكانوا يصيدون بالمطرد يحذفون به الكنغر وغيره على مسافة ٣٠ أو ٤٠ مترًا، وكانوا يستخرجون المحار من السواحل ولكنهم لم يعرفوا صيد السمك، وكانوا يشوون طعامهم على النار ولكنهم كانوا يجهلون سلقه في الماء، وكان جهلهم تامًّا بالزراعة ولكنهم كانوا يشعلون النار بالحك، يحكُّون عودًا عموديًّا في أخدود من خشبة أفقية أخذًا وردًّا أو يديرون العود في فجوة مستديرة في خشبة أفقية.

ولما كانوا يعيشون على الصيد فإنهم كانوا في رحلة دائمة، يقيمون يومين على الأكثر في مكان الصيد إلى أن يأكلوه ثم يرحلوا إلى صيد آخر.

وكان التسماني يتزوج من قبيلة أخرى بعيدة عنه، وكان النسب قائمًا على الأم دون الأب، وكان يحدث أن تترك الفتاة قبيلتها وترحل إلى أخرى لكي تبحث عن زوج، ويشك في أنهم عرفوا المضارة إذ الأغلب أن الرجل كان يقنع بزوجة واحدة، وكان على الزوجة أن تغوص في الماء للمحار وتشوي اللحم وتقدمه لزوجها، وهو يلقي إليها ما يفيض منه كما لو كانت كلبًا ينتظر اللقمة بعد الأخرى، ولم يكن في الزواج شيء مما تفهمه أنه احتفال أو عرس، وكانوا يجهلون التقبيل.

•••

أما البوشمان فأقل سذاجة من التسمانيين، وقد انقرضوا تقريبًا هم أيضًا، ومما يجب الالتفات إليه أن كلًّا من التسمانيين والبوشمان انقرضوا دون أن يتزاوجوا بالإنجليز أو البوير؛ وذلك لأن هؤلاء اشمأزوا من هذا التزاوج وأعملوا فيهم القتل حتى أبادوهم، ومن هنا نفهم أن السلالات القديمة التي ظهرت وانقرضت مثل الإنسان النياندرتالي لم تختلط بنا لأن الأرجح أن انقراضها كان نتيجة الاشمئزاز أيضًا.

وكانت السلالة البوشمانية يمتاز أفرادها بشيئين في غاية الغرابة: الأول أن للبوشماني رجلًا كان أم امرأة ألية بارزة جدًّا، والثاني أن للمرأة شفة تتدلي من حرف المهبل حتى تبلغ في الطول ١٠ إلى ١٢ سنتيمترًا، فإذا سارت ظنها الرائي رجلًا.

وكان البوشماني خلوًا من هموم العيش لا يبالي غير طعام اليوم، وكان يمتاز من التسماني بذكائه وقدرته الفنية، فقد كان له رسامون بارعون في الرسم بالأصباغ، وكانوا يعيشون إما في خصاص من القش والشجر وإما في الكهوف، وفي جدران هذه الكهوف وسقوفها وُجِدَتْ هذه الرسوم، وكانوا يعنون بالرقص والغناء.

ولم يكن عند التسمانيين شيء بتاتًا عن العقائد والأوهام مثل الإيمان بالأرواح أو العفاريت، ولكن البوشماني كان يؤمن بالله ويعتقد بقاء الروح بعد الموت ويدفن موتاه بعناية، وهنا يجب أيضًا أن نشك في أنه هو المخترِع لهذه العقائد إذ الأغلب أنها تسرَّبَتْ إليه من القبائل الإفريقية الأخرى المتوحشة.

وكان البوشماني يمتاز أيضًا من التسماني من حيث شعورُه بالحياء للعورة ورغبته في إخفائها، وكان يتخذ زنارًا له ذَنَبٌ من الخلف والأمام، وكان زنار النساء يحمل خرزًا أو تتدلى منه خيوط، وكن ينتعلن بنعال خفيفة، وكان للبوشمان براعة في الصيد حتى الفيل، والزرافة والجنو والأيائل كانوا يصيدونها، ولكنهم كانوا يجهلون الزراعة جهلًا تامًّا.

•••

وكانوا في الزواج يقيمون احتفالًا أو عرسًا على أساس أن العريس يخطف العروس، وكان حين يحاول خطفها يُهرع إيها أهلها وعشيرتها ويضربونه، فإذا تحمل الضرب وتجلد نالها، وإذا عجز لم ينلها، وكان على الزوج أن يتجنب حماته لا يراها أبدًا لأنها طبو، وكان الطلاق يحدث بالتراضي.

هذا هو حال شعبين بدائيين لم يعرفا الزراعة التي تعد الأصل للحضارة والتي لا يمكن أن تقوم حضارة بدونها، وهنا في الوقت نفسه لا يُعَدَّانِ من الشعوب المتوحشة؛ لأن التوحش هو نتيجة الحضارة الناقصة أو الراكدة في أطوارها الأولى أو التي أفسدتها البيئة كما نرى في المتوحشين في أفريقيا وآسيا من الشعوب التي تمارس القتال وتزين بيوتها بالجماجم، أو غير ذلك من ضروب القسوة التي يجهلها البدائي لأنه خلو أو كالخلو من نظام اجتماعي حسن أو سيئ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١