إيضاح

راجع كتبي الأربعين المطبوعة تَجد أنني لم أكتب، ولم أستكتب لأحد منها مقدمة، أما هذا الكتاب الذي سجنني ثلاث سنوات ونصف، وعدة من أشهر أخر لتشذيبه وتهذيبه، فأراني مكرهًا على تصديره بهذه الكلمات.

طلبت مني محطة الشرق الأدنى أن أنقد أحاديثها الأدبية، وهذا يعني أن أربط إلى المذياع، فلا تقل أجلك الله عن الربط، فخالقنا واحد.

وهكذا بقيت سنوات أصغي إلى المتكلمين يوميًّا، وأدون ملاحظاتي، وفي نهاية كل خمسة عشر يومًا أعود إلى وريقاتي، وأكتب مقالًا أبعث به في حينه إلى قبرص.

كنا فيما مضى نستورد من تلك الجزيرة ما نستورد … وصرنا نصدر إليها أوراقًا نسودها؛ فتسود وجهنا عند أدباء الأقطار العربية وشعرائها.

كانت محطة الشرق الأدنى — رحمها الله — صحيفة هوائية كبرى، وكنت ناقدها الأدبي يوم كان سمعها صعبًا، ولما سهل السماع انقطع الحبل … الصحافة تعالج الزائل، أما النقد الأدبي فيعنيه الباقي، ومن هنا جَاء شقائي.

قال سنت بيف: ليس عندي وقت للفراغ، ففي يوم الإثنين من كل أسبوع أرفع رأسي قليلًا وقت الظهر وأتنفس ساعة أو ساعتين، ثم يغلق الباب لأظل في سجني أسبوعًا.

قد يكون شأني مثل شأن سنت بيف، فالمقال عندي حَبل وولادة، وعندما أكتب أفكر بقارئي لا بما أقبض من مكافأة، وإن كنت أحوج الناس إليها. وإني لأعجب من رجل يطلب مني مقالًا ولا يمهلني غير أسبوع، فكأنني عنده صاحب مصبغة يغطُّ القماش ويشيله.

قال هازلت: باستطاعة الصحفي أن يملأ أنهار صحيفته كل يوم بأي شيء وبكل شيء، ثم يفيد كل شيء دون أن يفيد الأدب من ذلك، وهو يقول نفس الشيء عدة مرات، ولكن بأشكال لا يختلف بعضها عن بعض إلا قليلًا، أما الذي يكتب أدبًا فهو غير ذلك.

قال لي صاحب حاجة: والو! ألا تستطيع أن تكتب مقالة في يومين؟ أما أنا فأجبته: اسمع هذه الحكاية: سأل رئيس نادٍ كاتبًا شهيرًا أن يخطب في مدعويه، وبعد جدال قال له: طيب، حدثنا ربع ساعة فقط. فأجابه الأديب: أمهلني شهرًا، فضحك الرجل، وقال: ترى لو قلت لك حدثنا ساعة زمان أما كنت تستمهلني سنة؟

فقام الأديب عن كرسيه وهو يكاد ينشق، وقال له: قم، تفضل حتى أحدثكم الآن، إذا كان الكلام حديثًا.

هذه حالي فيما أَكتب، وهكذا قضيت ثلاث سنوات ونصف السنة أسمع الأحاديث، ثم أكتب المقال ليذاع وينشر. وبما أني تعبت جدًّا حتى كتبت هذه الفصول التي تتناول نحوًا من سبعمائة شخص، رأيت أن أجعلها كتابًا يبقى، وما كتبت له هذه المقدمة إلا لأكون قدوة حسنة للمتأدبين المستعجلين …

سميته «على الطائر»؛ لأن هذا النقد السماعي أشبه بالصيد طائرًا، وقد بوبته تبعًا لمواقيته؛ لأن موضوعاته شتى لا يجمعها جامع، أما الاعتذار إلى من أغضبناهم؛ لأننا نقدناهم، فيجده القارئ في النقد الحادي والتسعين، وهو خاتمة هذا الكتاب.

رحم الله صديقي الكبير محمد كرد علي، فكلمته لا تزال ترن في أذني: الناس يبغضون الناقد. طفت أوروبا، وما وقعت عيني على تمثال لناقد، فأرح البشرية وأرح نفسك.

فقلت له: أنا لا أجيد الكتابة إلا ناقدًا؛ ولذلك تجدني معاركًا على جميع الجبهات، فلو ألفت صلاة ربانية فقد لا تخلو من النقد.

فقهقه صاحبي وقال: ستعيش وتموت بعد العمر الطويل، ولا نقد عندك إلا في كتبك …

فيا إخواني المنقودين، اذكروني بالخير، فما قصدت إلا نفعكم الأدبي، وما عملت إلا بالكلمة المأثورة: صديقك من صدَقَك لا من صدَّقك.

عين كفاع. أيلول ١٩٥٧
مارون عبود

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠