النقد الثاني

٢٢ / ١١ / ١٩٥١

لا حول ولا قوة إلا بالله! هو ذا المحطة تستحيل كنيسة، والقسيسان المحترمان إبراهيم سعيد ونجيب قبعين يطرقان بابًا واحدًا، كان اللسان موضوع الأول منهما، وكانت الغيبة موضوع الثاني، وكلاهما في اصطلاح اللاهوتيين يعنيان خطيئة القول … ليس لنا أن نقول لواعظ أو كاتب ماذا يجب أن يقول، فالمهم هو أن نحسن التعبير عما نريد؛ فالمواضيع المبتذلة إذا أحسن إخراجها وتأديتها قبلها الناس، أما إذا كتبت تقليديًّا كما سمعتها فقد تصلح لرعية صغيرة، ولكن الألوف المؤلفة من مستمعي هذه المحطة لا تستسيغها، وإني لأعجب من أين جاء القس القديس بفعل استغاب، وهو لا يدور لا على ألسنة العوام، ولا على ألسنة الخواص، ومثل هذا أيضًا قوله: مهما «تريدون» أن يصنع الناس بكم … إلخ.

أما أحاديث الصباح وأكثرها من لون عظة الأحد فليتها تكون متنوعة لتهز سامعيها، وتذهب عنهم لوثة النعاس … وبعد فإني أعتقد أن الإنسان يكون موعوظًا عند الصباح، وحسبك الليل من راهب واعظًا.

وكان الحديث بمناسبة ذكرى «شاعر الملاح التائه» علي محمود طه، اجتمع عليها في ندوة الشرق الأدنى ثلاثة أساتذة: عبد العزيز سيد الأهل، وقاسم منصور، وحسين مكي، فدرسوا الشاعر من الجهات الست لا الأربع، فقالوا كل ما يقال في شاعر كعلي محمود طه. أعجبتني كلمة قالها أحدهم، قال: إن الشاعر علي طه المهندس كان مهندسًا في شعره، وهي لعمري خير ما يقال في شاعر متأنق كطه. وقصارى القول أن تلك الجلسة كانت منسجمة كل الانسجام، ما رأيت فيها شيئًا نابيًا غير نبرات وهمهمات استحسان كانت تجيء غير طبيعية.

قصتا الأسبوع: كانت إحداهما موضوعة، وعنوانها: تباشير الفجر للأستاذ صلاح ذهني، وصف كاتبها قلبين متحابين لم تَصْفُ لهما الأيام، ومضى الكاتب في حل تلك العقدة النفسانية كما يفصل قصصِّيو اليوم فلم يوفق. أما تلك المرأة التي شاء أن يحرقها؛ لينقذها ويتخذ منها عبرة لقصته، فقد رأيتها كتلك الغصون التي تنبت على الجذوع، أو كدم يدخل في شرايين مريض وهو ليس من نوع دمه … السياق لا بأس به، والتعابير حسنة، ولا يؤخذ عليه إلا قوله: صب من شفتيه عليها — أي على يد حبيبته — عهد الزواج. فليته قال: ختم عهد الزواج بتلك القبلة، فالفم يشبه بالخاتم، وهو يلائم العهد الذي يُختم ختمًا، ولا يصب صبًّا … وقال أيضًا في آخر قصته: جاءت أخته تقرؤه تحية الصباح، وهنا أساء من جهتين: واحدة لغوية؛ لأنه يقال: قرأ عليه السلام لا قرأه السلام، وأخرى معنوية وهي أن السلام يقرأ بالنيابة، كما يقرأ حديثي الآن، أما الأخت فهي حاضرة بنفسها لتؤدي التحية.

وسمعت بعرس القمر فانتظرته كجحا، وإذا بي أسمع العلامة الشيخ محمد بهجت الأثري ينشد قصيدة لم يأخذ طولها شيئًا من سمنة تعابيرها، وإحكام قافيتها الواحدة. نعم، إن أكثر معانيها مكرورة، ولكن جرسها رخيم، ورداءها جميل، ينعشها ما فيها من حنين وحب وشوق، فالشاعر فيها ككل محب يخاف على طير الحب أن يفلت، ولهذا قال:

أريد اندماجي في نفسها
لأني أحاذر منها الفرار

وتحدثت السيدة وداد السكاكيني عن محنة «أدبنا المعاصر»، فدعت إلى التطور والتطعيم، ثم نعت على أدباء لبنان إقبالهم على الشعر الرمزي، ودعت هي إلى الشعر الإبداعي، أي الرومنطيقي.

ليست الآفة آفة الرمز يا سيدتي ولكنها آفة التطرف فيه، فعناصر الرمزية موجودة في كل شعر حتى الجاهلي منه. وأخيرًا ترى أن الأدباء الكبار قد انصرفوا إلى الصحافة طمعًا بالمال، وأن المرأة مدعوة لإنقاذ الأدب في بيتها، أما كيف هذا فهذا ما لم أفهمه! أعرف أن المرأة نفذت في مضائق كثيرة عجزت عنها الرجال، فلعل هذا منها، والله أعلم.

وعرضت علينا السيدة مينرة حكيم النشاط النسوي عرضًا جميلًا لبقًا، ولكن حكمها أخيرًا على أن الشاعرة نازك الملائكة بلغت الأوج الفني في قصيدة، تنقصه الحيثيات والفذلكة، وكل قضية لا بد لها من القياس لنسلم أو ننكر. أما الدكتورة بنت الشاطئ، فأطالت مقدمة حديثها، وأكثرت من الهتافات، فيا ليتها أسمعتنا عوضًا عنها مثل الذي سمعناه منها عن أرض المعجزات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠