النقد الثاني والعشرون

٢٧ / ٨ / ١٩٥٢
نديم الصباح: قلت سابقًا: أخشى أن يستحيل ركن «نديم الصباح» ركن «ما يطلبه المستمعون»، وأزيد الآن، بعدما سمعت سيولًا من الحكم تنصب فيه، إني أخشى أن يمسي ركن مواعظ … فلنخلق ركنًا للحكم والمواعظ، إذا شئنا وليكن موعده قبل النوم … أما في الصباح فأتمنى على من يعد «نديم الصباح» أن يعيد أمره كما بدأه ليذهب المستمع إلى عمله نشيطًا، إن الضحك فن، ورب ضحكة أغنت عن فطور، فالفكاهات والملح ربيع القلب.

قال النبي : «روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلَّت عميت.» وقال أيضًا: «لا خير فيمن لا يطرب.» وقال: «يدخل عثمان الجنة ضاحكًا؛ لأنه كان يضحكني.» وبناء على كل هذا، أرجو بإلحاح ممن يعنيه أمر «نديم الصباح» أن يقص علينا ملحًا وفكاهات تشع منها الحكمة، إذا كان يؤثرها، فالحكمة إذا أعطيت صرفًا قد تمل، ولا يصغى إليها.

ركن الكتب العربية الجديدة: وهذه محاولة جديدة تقوم بها المحطة، فقد عهدت إلى من عندها بالتحدث عن الكتب التي ظهرت حديثًا، كان الكلام عن كتاب المغرب الأقصى للريحاني الذي أصدرته دار المعارف لابسًا إحدى حللها القشيبة، لقد جاء التعريف بالكتاب مقتضبًا جدًّا، ولكن ليس في الإمكان أكثر مما كان، فكتاب رحلة ضخم ككتاب الريحاني لا يجيء التعريف به وافيًا في ساعة، فكيف يكون ذلك ببضع دقائق؟

وهناك كتاب آخر عن الإذاعة وأدبها للأستاذ عصام حماد، كان التعريف به أوفى لأنه غير متشعب المواضيع، قال مؤلفه: إن الإذاعة أنزلت الأدباء من أبراجهم العاجية، هذا صحيح، ولكن على الإذاعة أيضًا ألا تقبل من هؤلاء مصنوعات يعملونها في أبراج خشبية … إني أرى الكثير مما يذاع يسمح له بالمرور إما لحاجة الإذاعة إليه، وإما لتهيب المراقب أسماء كاتبيه الضخمة، لا بد لنا من أدب، ولكن لا يظنن الأديب إنه إذا نزل عن مستواه كتب أدبًا إذاعيًّا، ففي استطاعته — إذ جد — أن يوفق بين فنه وذهنية مستمعيه.

قصة الأسبوع: لم تكن قصة «المليونير النموذج» بالقصة النموذجية، بل كان عندنا في هذه الفترة قصتان نحيلتان، الأولى: للقصصي الأستاذ رشاد دارغوث، والثانية: للآنسة أماني فريد، وكلتاهما تعتمدان على الوصف لا على الحادثة، فقصة دارغوث تمتاز بلونها المحلي، أما قصة امرأة فيلسوفة فهي لا تتقيد بمكان، وقد عجبت من وضع الجزدان إلى جانب الخمار عند الأستاذ دارغوث، فليته أدرج الخمار في الحقيبة، وأراح المستمع المعاصر.

وتحدث الأستاذ عزت بشور في ذكرى الشيخ إبراهيم المنذر، فما نسي أن يلم بسلسلة نسبته الغسانية، ولا فاته إطراء جهده ونصبه في تعزيز أم اللغات، ثم درس بدقة الخبير أخلاق الفقيد وما اختلج في صدره من لواعج ونوازع، منتزعًا ذلك من قصيدة مشهورة للشيخ المنذر، وسواء أكان إبراهيم غسانيًّا أم غير غساني فهو عربي صميم، والعربي بآثاره التي يحييها لا التي يرثها، فشكرًا لعزت الذي قضى عنا بعض ما يجب للشيخ الحبيب.

وعقدت جلسة شعرية في الأردن، فأسمعنا الشاعر حسني فريز شعرًا طيبًا، ولكن موضوعه مبتذل، إن تاريخنا كأرض استنزفت موادها العضوية، فهي محتاجة إلى تغذية جديدة لتعود الروعة إلى الشعر الذي يتغنى بها، ولعل شعر الشيخ رشيد، شريك الأستاذ فريز في الجلسة، أقرب إلى الجديد من شعر حسني، ولا سيما الأول من قصيدته التي أنشدها، فهمت من سياق حديثهم أن رشيدًا شيخ، ولكني رأيت في شيخوخته شبابًا شعريًّا. أما روضة الشعر، فكان بلبلها الأستاذ محمود صالح، كان خياله أضعف من تعبيره، كما كان في قصيدته الأخيرة «كنز الذكريات» أشعر منه في قصيدته الأولى «كوكب الصبح»، أما الثانية، وعنوانها: «وحي الرسالة» فهي رسالة بلا وحي.

شخصية الأسبوع: كان صاحبنا الحاج إبراهيم الزين، صاحب مكتبة العرفان في بيروت، شخصية طريفة حقًّا، ابتدأت الجلسة باعتراف الحاج اعترافًا صادقًا، وختمها الأستاذ أبو سعد بكلمة وافقت المقام، حقًّا إن سيرة حياة الحاج عظة للذين يسبون الدهر؛ لأنه لا ينزل الرزق عليهم بالسل، إن السل يحمل ولا ينزل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠